islamaumaroc

أثر الكتاب في حياتنا الثقافية

  دعوة الحق

العددان 147 و148

اول ما يلفت نظر الزائر في بلاد اوروبا واميركا عندما يستخدم القطار او اية وسيلة نقل اخرى، عكوف الركاب كبيرهم وصغيرهم على القراءة، فهم لا يكادون يضيعون ثانية من هذا الوقت الذي يستغلونه، ويجدونه افضل مناسبة لمطالعة الصحف اليومية، ولو كانت المسافة التي يقطعونها بين البيت ومكان العمل قصيرة لا تستهلك كبير وقت، اما المسافات الطويلة فيتغلبون عليها بقراءة الروايات والقصص وغيرها.
والذي يدهشنا اكثر هو انتشار المكتبات العامة، الثابت منها والمتنقل وتعدد الدور التي تبيع الكتب.
واهتمام الدول في اصدار طبعات شعبية لبعض الكتب الثمينة حتى يتمكن كل انسان من اقتنائها ومطالعتها.
كثيرا ما نتساءل: ما سبب عكوف سكان اوروبا واميركا على المطالعة وانصرافنا نحن العرب عنها؟ علما بان انتشار وسائل الاعلام الحديثة من اذاعة وسينما وتلفزيون اكثر بكثير مما هو عندنا..
الواقع ان الطفل عندهم منذ ان يفتح عينيه على الحياة يجد نفسه محاطا بكل الوسائل التي تشده الى الكتاب، ذلك لانه يندر ان نجد بيتا خاليا من رفوف الكتب والمجلات الادبية والعلمية والثقافية التي توسع افاق الانسان، وتجعله يعيش ماضي هذا العالم وحاضره ومستقبله بالاضافة الى ما في المطالعة من متعة وسعادة لا تضاهيها اية متعة وسعادة أخرى.
ان متعة الكتاب دائمة، فنحن نستطيع الرجوع اليه في اية لحظة نشاء: في الليل والنهار، جالسين او واقفين او ماشين، او على الطعام.
ان القراءة مهارة تشبه السباحة والرقص والرياضة، وبمجرد ان نلم بفنون القراءة ونعتاد على ممارستها، فان سرعتنا فيها لا بد ان تنمو، كما لا بد ان يزيد فهمنا لما نقرأ، ومن الأمور الهامة في حياتنا أن نكون قادرين على القراءة الجيدة، وبذلك نحرز نجاحا في اعمالنا، وفي الفنون المتعلقة بكياننا كبشر.
كثيرا ما يكتفي المتخرجون من الجامعات بالمعلومات التي تلقوها خلال سنتي الدراسة فيقفون عندها دون طلب في الزيادة، بحجة ان امور الحياة لا تدع لهم مجالا للقراءة، ولكنهم نسوا ان الفكر بحاجة الى غذاء يومي كالمعدة، والا تحجرت اذهاننا، وتصلبت معلوماتنا، وتقوقعت أفكارنا، خاصة وان الحياة تقدم لنا كل يوم بل كل ساعة شيئا جديدا بحكم سنة التطور، ومتابعة الانسان البحث والتنقيب في شتى المجالات، جديدا في العلم وجديدا في الاختراع، وجديدا في الفن وجديدا في الادب وسواء كنا اطباء، ام محامين، ام مدرسين، ام مهندسين، ام جنودا، ام موظفين، فاننا بحاجة ماسة الى القراءات اليومية الدائمة، في ساعات الصباح الباكرة، حيث يكون الذهن نشيطا وصاحيا، وبعد تناول طعام الغذاء قبل القيلولة، وفي الليل عندما يخيم الصمت وتلف السكينة الكون، قبل ان تسلم اعيننا لنوم هادئ عميق، اذ لا شيء يحمل النوم اليها مثل الكتاب الذي يجب ان يبقى تحت الوسادة، او في متناول ايدينا، ونحن نضطجع فوق اسرتنا في ساعات الليل الاخيرة... انها لحظات لا احلى ولا اجمل، فقد نام كل ما في الكون، وهدأت الحركة، واختفى الضجيج الذي يثيره الصغار في الداخل ووسائط النقل في الخارج.
اننا هنا نجد في الخلود الى الكتاب لذة هانئة ما بعدها لذة.
ولا ننسى اننا كلما قرأنا حصلنا على مزيد من المعلومات، واليوم الذي لا نزيد في حصيلتنا الفكرية يجب ان لا تعده من حياتنا، وكلما نمت قدراتنا على القراءات المثمرة. ويصف الجاحظ الكتاب بقوله:
"الكتاب نعم الذخر والعقدة، ونعم الجليس والعدة، ونعم النشر والنزهة، ونعم المستقبل والحرفة ونعم الانيس ساعة الوحدة، ونعم المعرفة ببلاد الغربة، ونعم القرين والدخيل، ونعم الوزير والنزيل.. والكتاب وعاء مليء علما، وظرف حشى ظرفا، واناء شحن مزاحا وجدا، ان شئت كان ابين من سبحان وائل، وان شئت كان اعيا من باقل، وان شئت ضحكت من نوادره، وان شئت عجبت من غرائب فرائده، وان شئت الهتك طرائفه. وان شئت اشجتك مواعظه، ومن لك بواعظ مله، وزاجر مغر وبناسك فاتك، وبناطق اخرس وببارد حار.. فمتى رايت بستانا يحمل في ردن، وروضة تقلب في حجر، وناطقا ينطق عن الموتى ويترجم عن الاحياء، ومن لك بمؤنس لا ينام الا بنومك، ولا ينطق الا بما تهوى، آمن اهل الارض واكتم للسر من صاحب السر، واحفظ للوديعة من ارباب الوديعة".
ثم يبين الجاحظ ان الانسان ينسى الكلمة، اما الكتاب فلا ينسى ولا يبدل كلاما بكلام، وهو الذي يطيعك في الليل كطاعته لك بالنهار، ويطيع في السفر كطاعته في الحضر، ولا يقبل بنوم، ولا يعتريه كلال السهر، وهو المعلم الذي ان افتقرت اليه لم يخفرك، وان قطعت عنه المادة، لم يقطع عنك الفائدة، وان عزلت لم يدع طاعتك، وان هبت ريح اعاديك لم ينقلب عليك، ومتى كنت منه متعلقا بسبب او معتصما بأدنى حبل كان لك فيه غنى من غيره، لم تضطرك وحشة الوحدة الى جليس السوء، ويكفي الكتاب فضلا انه يمنعك من الجلوس ببابك والنظر الى المارة نظرات فيها شيء من الفضول.. وهو عنده افضل من القصور المبنية بالحجارة لانها تهدم والكتاب لا يهدم.
هذا الكتاب الذي وصفه لنا الجاحظ في القرن التاسع الميلادي اصبح في القرن العشرين مهددا بالاهمال، يعلوه الغبار فوق رفوف المكتبات، قل من ينقب عنه، رغم ما فيه من مادة جذابة مشوقة، واخراج انيق، وطباعة مغرية لان التلفزيون والسينما والاذاعة وصحف الاخبار اليومية والمجلات الرخيصة المائعة راحت تنذره، فهب الكاتب الفرنسي جورج ديهاميل للدفاع عنه مبينا واقعه الاليم بقوله: "الكتاب مهدد مستقبله لا بالمكروب، بل بانصراف جماهير البشر عنه، فهل هذا لان الجماهير الآن اقل حبا للاطلاع منها في القرن الماضي، او لانها اقل تعطشا للمعرفة؟ لست اقول شيئا من ذلك، ولكني اقول ان الجماهير البشرية اخذت تشيع شيئا فشيئا حاجاتها الى المعرفة دون الرجوع الى الكتاب. فالرجل المتوسط في الاعم الاغلب لا يجد وقتا متسعا، ولا مالا كثيرا، ولا عزما مثابرا ليرضي حاجاته الروحية، فقدرته على الانتباه والاطلاع قد استغرقتها اليوم عدة آلات قوية الأثر نافذة الاستهواء كالراديو والسينما تشغل من يوم الى يوم مكانا اكبر لا في وسائل تسلية رجل القرن العشرين فحسب، بل وفي عناصر تكوينه الظاهرة، اذ تختلط الاخبار بالمعارف، والتسلية بالعلم اختلاطا مخيفا في نفس الرجل المتوسط".
ويعلن جورج ديهاميل قلق قادة رجال الفكر في العصر الحديث من هذه الظاهرة الخطيرة، ويخشى كما يخشون من ان الانسانية ستحتفظ بترائها لا في المكاتب بل على اسطوانات من "الباغة" او في أشرطة من الغراء.
والسؤال الذي يحير ديهاميل هو: هل الباغة والغراء امن على نقل معارفنا واصلب مقاومة من الورق ام لا؟ وهل من الخير لمستقبل عبقرية البشر ان نحل محل الكتاب - صديق الوحدة - عددا من الادوات الصالحة صلاحا خطرا لان تخلق عقلية القطيع التي يخلقها الراديو والسينما والتلفزيون؟ 
ما الفرق بين ثقافة الراديو والتلفزيون وثقافة الكتاب؟ بكلمات نجيب:
الاولى ثقافة عابرة آنية سريعة لا تستقر في اعماق النفس، والثانية هادئة مطمئنة فيها قابلية الرسوخ وامكانية الاستقرار.
قارئ الكتاب يقف في كل حين ليفكر او ليحاول ان يعود فيتناول الفقرة من جديد، يقرؤها مرة ثانية وثالثة ورابعة بل وعاشرة، وهذه الطريقة لا تتفق وفنون الحركة، فاننا عندما نسمع سيمفونية او نشاهد تمثيلية لا نستطيع ان نعود اليها، في حين ان الكتاب يمكننا من التفكير تفكيرا ضروريا، فان كان الكتاب جيدا عدنا الى قراءته من جديد، والنظر عن قرب في بعض التفاصيل.
كثيرا ما نسمع تمثيلية من الراديو، او نشاهدها على شاشة السينما او التليفزيون ثم يصادف ان نقرأها هي بالذات في كتاب، فنجد فارقا عظيما بين اللذة البطيئة الهادئة التي حملها الينا الكتاب، واللذة العارضة التي عبرت افق نفسنا ثم انطفات بانطفاء المشهد او بانقطاع الصوت.
من المحتمل ان نعود بعد سماع الراديو او مشاهدة الفيلم الى الكتاب لاستدراك الجزئيات والتفاصيل التي لم يتح لنا ان نعيها بسبب انصرافنا الطارئ الى حاجة ما .. لكن هذا الاحتمال ضعيف، اذ ان في طبيعة الراديو الجارفة - التي تشبه تدفق النهر - ما لا يساعد على التفكير، أي على الثقافة الحقيقية، فهو والسينما يقدمان اشياء مسرفة في الكثرة، لا نشعر معها برغبة في ان نحقق او نختبر او نكمل، بل ولا في ان نفهم، وانما ناخذ منهما ما ناخذ خطفا وكيفما اتفق، واما ما يفوتنا فليفت، وليس هذا من منهج الثقافة..
ان ثقافة الراديو والسينما والتلفزيون تطبع الناس جميعا بثقافة واحدة معينة لا تكاد تختلف من فرد لآخر، اما الكتاب فهو يغذي الفردية المحررة، فلارجل عندما يقرا انما يختار مادته، وهو اذ يختارها يفلت من القوى التي تحاول تن تطويه تحت مذهب ما، والراديو على العكس، اداة لروح السيطرة، فهو لا يطهر الانسان، ولا يصرفه كالكتاب الى الوحدة المقدسة.. انا لا اقول ان تتركوا الراديو والسينما والتلفزيون، بل اعتزلوها كل يوم ساعت لتقرؤوا او لتفكروا ان اراد كل واحد منا ان يجد روحه وان يقويها.
كلمة اخيرة اقولها لهواة هذا الثلاثي الشاغل هي ان الكتاب يجب ان يسكن معنا في بيوتنا، وان نعتبره واحدا من افراد اسرتنا، لا غازيا معتديا ولا ضيفا من ثقلاء الظل..
يقول امين الريحاني: "ان بيتا يحوي مكتبة بقصد العلم لا يقصد التزيين لهو بيت يشرف صاحبه وامته".

    
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here