islamaumaroc

فلسطين في ضوء الحق والعدل، لهنري كتن (ترجمة وديع فلسطين)

  دعوة الحق

العددان 147 و148

                                                   -1-
سفر نفيس، من أجل المراجع العلمية في قضية فلسطين، منذ أصبحت فلسطين قضية، حتى اليوم.
إنه موسوعة تاريخية وقانونية، قل أن يكون لها نظير في مكتبتنا العربية، ومن بين الكتابات والكتب التي صدرت عن مأساة فلسطين خلال نصف قرن من الزمان.
وقد استحالت قضية فلسطين- بفضل هنري كتن- إلى حق وعدل واضحين، يؤديهما القانون الدولي تأييدا مطلقا، ومن هنا وضحت الرؤية، وتتضح أمام جيلنا المعاصر، وصار في إمكان العالم كافة، بل في إمكان كل إنسان، مهما كان لونه وجنسه وموطنه، أن يعرف: كيف أصبحت فلسطين قضية معروضة للبحث في كل محافل العالم الدولية والقانونية.
وقد نشر الكتاب في لندن بالإنجليزية عام 1969 ثم ظهرت هذه الترجمة العربية في طبعتها الأنيقة البيروتية عام 1970، واعتمد الترجمة كل من المؤلف ونقيب المحامين السابق في دمشق طاهر القاسمي؛ وأصبح فهم القضية الفلسطينية على وجهها الصحيح العادل فلي إمكان كل ذي ضمير إنساني منصف يحب أن يسود السلام والعدل والحق هذه المنطقة الضخمة من العالم.
وإذا كان فولتير قد قال: إن الكتاب نور يضيء أو نار تحرق، فإن كتاب "فلسطين في ضوء الحق والعدل" يضيف أمام كل باحث مثقف عادل منصف ضوءا جديدا في الصراع العربي الإسرائيلي، ولن يكون هذا الضوء في صالح إسرائيل في يوم من الأيام.
إن كتاب "فلسطين في ضوء الحق والعدل" سجل جامع لأدوار القضية الفلسطينية، وتحليل دقيق لكل عناصر الموقف المتفجر الحالي في الشرق الأوسط.
يقول أكرم زعيتر في تقديمه للكتاب: إن قضية فلسطين لم تظفر في المحاماة عنها بخير من هذا الكتاب، إيضاحا لحقيقتها، وإثباتا لحقانيتها، وقد توفر للكتاب الأسلوب الذي يجعله مؤثرا في ضمير الأجنبي، بل وجدان العربي؛ وهو يبرهن للعالم على أن فلسطين كانت عربية منذ فجر التاريخ، وأن اليهود بيئة طارئة عليها، ناسفا بذلك الزعم الذي استحله الصهيونيون تسويغا لباطلهم؛ وفيه تفنيد بليغ للزعم بأن الانتداب قد جاء لإنقاذ الفلسطينيين، الذين كانوا يتمتعون بحقوقهم السياسية كاملة في العهد العثماني، والذين كانوا على قدر من الحضارة والمستوى يؤهلهم للاستقلال؛ ولكن جهود الانتداب انصبت على إقامة دولة يهودية في فلسطين، تحديا لحقائق التاريخ والعدل وحقوق الفلسطينيين، وبحسبك أنه لم تكن هناك منذ خمسين سنة مشكلة تدعى مشكلة فلسطين. إن الكتاب بحق- كما قال زعيتر- مكتبة في كتاب، ويقول عنه بحق المترجم الأستاذ وديع فلسطين في المقدمة التي كتبها لترجمته العربية أنه حمل إلى القراء في أوربا وأمريكا صوتا عربيا بليغا في أمانته، سليما في منطقه، قويا في حجته.
                                             - 2-
والمؤلف من أسرة عربية مقدسة عريقة، ويعد من كبار علماء القانون في العالم العربي.. ولقد عمل في فلسطين قبل النكبة، وعاش أحداثها بعد النكبة، فكان ممثلا لعرب فلسطين أمام الامم المتحدة، بتكليف من الهيئة العربية العليا في الدورة الخاصة لعامي 1947 و1948؛ وندب من قبل جامعة الدول العربية عضوا في وفدها، الذي بحث قضية فلسطين مع وسيط الأمم المتحدة، الكونت برنادوت.. وله مؤلفات قانونية مشهورة.
ولقد كان المؤلف في كتابه مؤرخا، وعالما حقوقيا، وسياسيا يعرض القضية الكبرى للوطن العربي والإسلامي من مختلف جوانبها التاريخية والسياسية والقانونية بوضوح شديد، وحجج بليغة، ووعي فقهي عميق، وفي أسلوب مؤثر مهذب.
وما اجل ما يقول في منطق قانوني بليغ : إن إسرائيل مخلوق غير شرعي وغير طبيعي، وان إقحامه وسط خضم عربي كبير، وفي قلب العالم العربي، محض مغامرة جنونية تنذر بمزيد من الحروب والكوارث.  وكما ينبذ الجهاز الإنساني جسما غريبا عنه فإن العالم العربي نبذ هذه الدولة العنصرية.
وإذا رددت إسرائيل دعواها المعروفة، وهي إن عقارب الساعة لا يمكن إرجاعها إلى الوراء مرة أخرى؛ فإن المؤلف يرد على ذلك ردا بليغا فيقول: بلى، لقد رجعت إلى الوراء في الجزائر مثلا؛ ولا بد لإقامة العدل في فلسطين وإعادة السلام إلى الشرق الأوسط من إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء.
المؤلف بحق، وكما يقول زعيتر : فقيه دولي موهوب، متمكن، يعرفك الفرق بين سيادة قانونية حقانية وسيادة واقعية، فالسيادة كما وردت في الدستور الفرنسي الصادر في 3 من أيلول 1791م "واحدة، لا تتجزأ، ولا يمكن التفريط فيها، ولا يجرى عليها التقادم"، وعليه فإن ملكية فلسطين تعود إلى سكانها الأصليين الذين استقرت لهم السيادة بمجرد انفصال هذه البلاد عن تركية، وسيادتهم على أرضهم المتوارثة هي واحدة لا تتجزأ، ولا يمكن التفريط فيها، ولا يجري عليها تقادم؛ وهي تشمل فلسطين بكاملها، على الرغم من أي تقسيم أو احتلال أو اغتصاب أو تقادم.
إن وضوح الرأي أمام المؤلف جعله يقف متمكنا من الأحداث والتاريخ والأزمات والمشكلات، قويا في حجته، رائعا في بلاغته، عميقا في فقهه ومنطقه، مما يعد مكسبا للقضية ذاتها، وربما للعرب كافة.
                                                   - 3-
والمترجم وديع فلسطين أديب عربي قاهري متمكن، وإجادته التامة النادرة لأدب لترجمة يذكرنا بطبقات المترجمين الكبار في عصرنا الراهن، وفي عصر نقل الثقافات العالمية إلى لغة القرآن الكريم في ذروة الحضارة العباسية.
وله كتب عدة مترجمة من العربية إلى الإنكليزية وبالعكس، تشهد بذوقه اللغوي الرفيع، بحسه البياني الدقيق.
وهو مع ذلك أديب وكاتب وصحفي وناقد متميز بالدقة والعمق والأصالة؛ وكتابه "قضايا الفكر في الأدب المعاصر" مشهور.
لهذا كله كان قيامه على ترجمة هذا السفر القيم من الإنجليزية إلى العربية عملا جليلا أضاف إلى بلاغة المؤلف في الأصل الإنكليزي بلاغة المترجم في الأصل العربي؛ ورأينا في هذه الترجمة جهدا مبذولا صادقا وقويا لتكون الترجمة ببلاغتها ودقتها وقوة تأثيرها مكملة لكل ما احتواه الكتاب من مضمون ومحتوى تاريخي وقانوني وفقهي، وبذلك أضفى المترجم النابغة على النص الأصلي للكتاب الكثير من فصاحته الكلاسيكية الأصلية الأمينة الدقيقة وهو ربح وأي ربح للقارئ، وللغة العربية الجليلة، لغة القرآن الكريم.
                                                  - 4 –
ومما يدعو إلى الحمد والإعجاب جميعا هذه المنهجية العملية التي أضفاها المؤلف على كتابه، دقة في التبويب، في المصادر، في حقائق التاريخ، في السرد القانوني، في فهم النصوص واستخلاص الحقائق منها.
وأمامنا الكتاب.
مقسم إلى أبواب رئيسية، وكل باب مكون من عدة فصول.
ولنمش مع الحركة العلمية والذاتية للكتاب.
الباب الأول : عن النزاع بين العرب واليهود يتكون من فصول ثلاثة :
الأول : في النزاع قبل قرار التقسيم الصادر في 29 من نوفمبر 1947.
والثاني : في قيام إسرائيل وحرب 1948.
والثالث : عن إجلاء اللاجئين الفلسطينيين.
والمؤلف في هذا الباب يؤكد أن الفلسطينيين بعد الحرب العالمية الأولى، كانوا أهلا للاستقلال.
ويذكر التصريح البريطاني الفرنسي (7/11/1918) الذي ينص على أن موقف الدولتين الكبيرتين آنذاك هو التحرير الكامل النهائي للشعوب التي طال عليها استبداد الترك لها، وإقامة حكومات وطنية؛ ويشير إلى التناقض بينه وبين تصريح بلفور (نوفمبر 1917)، وأن تصريح بلفور هذا مناقض للتصريح الثنائي الذي أشرنا إليه، وما أجمل ما وصف به هذا التصريح البلفوري بأنه يتلخص في أن أمة قطعت وعدا رسميا على نفسها لأمة أخرى بأن تمنحها بلاد أمة ثالثة، ويقول : إن هذا التصريح ينص على إنشاء وطن لا دولة؛ ويؤكد أن هدف الصهيونية هو إقامة دولة في فلسطين منذ مؤتمر بال المنعقد عام 1897م، وبذلك يبلور هنري كتن القضية الفلسطينية بلورة حقيقية.
ويذكر المؤلف كذلك في هذا الباب نسبة اليهود إلى السكان العرب في فلسطين، ونسبه ما يملكون إلى أملاك العرب.
في عام 1170م كان عددهم 1440.
وفي عام 1800م صار عددهم ثمانية آلاف.
وفي عام 1845 بلغوا أحد عشر ألفا.
وفي عام 1880 بلغوا عشرين ألفا.
وفي عام 1918 صاروا 56 ألفا بنسبة هي أقل من 10 % من السكان.
ويرد المؤلف في هذا الباب كذلك على خطأ شائع، اختلق عمدا، وهو أن عرب فلسطين كانوا غزاة لها في أثناء الفتح الإسلامي العربي؛ لأن هذا الزعم الباطل غير صحيح تاريخيا، فإن العرب الفلسطينيين هم السكان الأصليون لهذه البلاد..
ويرد كذلك المؤلف على كثير من الأباطيل التي روجت لها الدعاية الصهيونية، ويعرض لمذبحة دير ياسين المشهورة، وهدف إسرائيل منها (ص 46 و47 الكتاب).
والباب الثاني من هذا الكتاب القيم عنوانه : عشرون عاما من التوتر (1948 – 1967)، وهو كذلك مقسم إلى عدة فصول :
الأول : في إخفاق الوساطة والتوفيق.
والثاني : في حرب 1956 ونتائجها.
والثالث : عن رفض إسرائيل إعادة اللاجئين إلى ديارهم.
والرابع : في مساعدة اللاجئين وإنشاء "هيئة إغاثة اللاجئين" التابعة لهيئة الأمم المتحدة عام 1949
والخامس : في مصير ممتلكات اللاجئين، التي قدرت تقديرات مختلفة حسب الأهواء والظروف، والتي قال عنها ستيفن بتروز رئيس جامعة بيروت الأمريكية أنها لا بد أن تبلغ رقما مذهلا بتفاوت بين مليارين وثلاثة مليارات من الجنهيات الإنجليزية (8 و12 مليار دولار).
وفي هذا البيان كثير من الحقائق المذهلة، والمآسي المفجعة، التي احتوت عليها القضية الفلسطينية، والتي لم يحدث مثلها في التاريخ.
أما الباب الثالث من الكتاب فيتعلق بحرب 1967، وهو في ثلاثة فصول :
الأول : في أسباب الحرب.
والثاني : عن مأساة أخرى للاجئين.
والثالث : في آثار الحرب.
والباب الرابع : يتعلق بالحل الصحيح للقضية الفلسطينية؛ وهو في أربعة فصول :
الأول : في جوهر النزاع، وهو الظلم الأساسي للعرب الفلسطينيين الذي وقع في عام 1948، والذي تفاقم بسبب حرب 1967.
والثاني : في مفاهيم خاطئة للحل، من مثل :
- قبول العرب للوضع الراهن.
- توطين اللاجئين خارج بلادهم.
- تعويض اللاجئين.
والثالث : عن الالتزامات التي فرضتها الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي وتعهدات إسرائيل للأمم المتحدة، سواء كانت هذه الالتزامات متعلقة بالجلاء عن الأرض، أو بإعادة اللاجئين إلى ديارهم، أو بردج ممتلكات اللاجئين، أو بتعويضهم.
 والرابع: عن امكانيات التسوية وشروطها، من مثل :
- عقد صلح بين العرب وإسرائيل.
- أو إجراء تسوية سياسية وشروط الحل العادل أو التسوية المنصفة، مما يمكن تلخيصها فيما يلي :
1 – تصحيح الأخطاء التي ارتكبت في فلسطين.
2- اتخاذ قرار دولي يحدد الإجراءات الكفيلة برفع المظالم.
3 – التنفيذ على أيدي الأمم المتحدة.
وليس من غرضنا هنا أن نستقصي أو أن نتتبع كل فكرة عرض لها المؤلف، وكل حدث تاريخي من إحداث القضية؛ فحسبنا أن نشير، وأن نلفت نظر القارئ إلى أهمية هذا  الكتاب في دراسة القضية الفلسطينية، وفهم أبعاد النزاع العربي الإسرائيلي، ونتائجه القريبة والبعيدة على حد سواء.
وقد ذيل المؤلف الكتاب بملاحق ووثائق ذات أهمية تاريخية وقانونية وسياسية في دراسة هذه القضية وأطوارها.
                                                    - 5 –
إن كتاب "فلسطين في ضوء الحق والعدل" من أهم ما ظهر عن قضية الشرق العربي. وقضية فلسطين، حتى اليوم. وهو مادة ثقافية ضرورية لكل عربي يعيش حياته وعصره ومشكلات أمته ويريد أن يفهم حقائق الصراع العربي الإسرائيلي.
ولا بد من أن تقوم وزارات المعارف والتعليم العالي والثقافة والإعلام في جميع دول الشرق العربي بطبع الكتاب طبعات عدة، وبطبعه كذلك طبعة صغيرة توزع مجانا على جميع طلبة الجامعات وأساتذتها وعلى جميع المتفوقين في مراحل التعليم الثانوي، وعلى مختلف الهيئات الثقافية في مختلف أنحاء الوطن العربي والإسلامي، وتوزع كذلك على جميع موظفي السلك الدبلوماسي والإعلامي في بلادنا، وعلى المثقفين في الغرب من أنصار العرب وقضيتهم الكبرى.
إن حقائق القضية، وجوهر النزاع فيها وأبعاد الصراع حولها، لا يصح أن تظل بمعزل عن فهم وإدراك كل شاب مثقف يعيش في رقعتنا العربية.
لا بد من توعية قومية ثقافية حول قضية العالم الإسلامي قاطبة، قضية فلسطين المسلوبة، وهي القضية، التي نناشد الضمير الإنساني في كل مكان أن يجد لها الحل العادل الأساسي، في أقرب وقت؛ وقبل أن تحمل الإنسانية كلها وزر هذه الجريمة الكبرى التي ارتكبت على أرض فلسطين العربية.
تهنئة للمؤلف هنري كتن.
وتحية للمترجم وديع فلسطين.
وتقديرا للكتاب، كتاب "فلسطين في ضوء الحق والعدل".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here