islamaumaroc

كيف دونت السيرة النبوية وما مصادرها؟

  دعوة الحق

العددان 147 و148

لم يعهد التاريخ الإنساني مصلحا أيقظ النفوس، وأحيى الأخلاق، ورفع شأن الفضيلة، وأقام المثل العليا للكمال الإنساني، في زمن قصير كما صنع محمد عليه السلام، إذ لم تتجاوز دعوته المجيدة سوى  ثلاثة وعشرين عاما حتى أقام خلالها نظاما، وأوجد دينا ودولة معا.
وقد عني المفكرون منذ فجر التاريخ  الإسلامي بالسيرة النبوية عناية كبرى، وقد راد هذا المجال محدثون ناقلون، ثم جاء بعدهم من جمع  روايات المحدثين وبوبها، ولما استوى ذلك للمتأخرين أعملوا  فكرهم ناقدين ومعلقين كما فعل ابن هشام في سيرة  ابن إسحاق.
وقد بدا اهتمام العلماء بسيرة الرسول عليه السلام في أواخر القرن الأول الهجري في عهد الدولة الأموية، تخليدا لذكراه العطرة، وتعلقا به، وتمثلا لآثاره، عل ذلك يعوضهم بعض التعويض، ويحقق ما في نفوسهم من تعلق به وحب له، بعد أن منعوا من تدوين الأحاديث حتى عهد عمر بن عبد العزيز خشية أن يختلط الحديث بالقرآن الكريم، فأخذ كثير من المحدثين يدونون في السيرة كتبا من أمثال: عروة بن الزبير، الذي مكنه نسبه من قبل أبيه الزبير، وأمه أسماء بنت أبي بكر أن يروي الكثير من الأخبار والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وحياته في صدر الإسلام.
وقد تأثر ابن إسحاق والواقدي والطبري بعروة ابن الزبير الفقيه المحدث وأكثروا من الأخذ عنه فيما يتعلق بالهجرة إلى الحبشة، وإلى المدينة وغزوة بدر، وكانت وفاة عروة حوالي سنة 92  هـ. ( 1 ) 
وألف ابان بن عثمان بن عفان ( المتوفى سنة 105 هـ) صحفا في السيرة جمع فيها الأحاديث التي تروي حياة الرسول، أما المغازي وما يتعلق بها فقد عنى بها من كبار المحدثين : وهب بن منبه ( المتوفى سنة 110 هـ ) وشرحبيل بن سعد (المتوفى سنة 123 هـ) وابن شهاب الزهري ( المتوفى سنة 124 هـ) وعاصم بن عمر بن قتادة ( المتوفى سنة 130 هـ) وعبد الله بن أبي بكر بن حزم ( المتوفى سنة 135 هـ).
وكان ابن إسحاق أظهر هؤلاء جميعا، إذ كان أمامهم في هذا الصدد، ودخل التأليف في السيرة على يديه إلى طور جديد، وقد ساعده في هذا الأمر أنه كان واسع الثقافة، رحب التفكير، محيطا بأخبار السابقين وقد أهلته معارفه أن يكون أثيرا لدى الخليفة المنصور، الذي كلفه بأن يضع كتابا منذ خلق الله آدم إلى يومه، فذهب ابن إسحاق وألف كتاب السيرة، وبعد الفراغ من تأليفه ألقى في خزانة المنصور.
وقدر لسيرة ابن إسحاق أن تظل المحور والأساس ومركز الدائرة لمن شغلوا بالسيرة من بعده، وكان أظهر هؤلاء جميعا ابن هشام الذي قبضه الله لهذا العمل الجليل، فجمع سيرة ابن إسحاق، ودونها، وتعقب ابن إسحاق في كثير من الروايات التي أوردها فحررها، واختصرها، ونقد ما شاء له أن ينقد، وأضاف روايات جديدة لم يذكرها ابن إسحاق فجاءت سيرة ابن هشام ( المتوفى سنة 218 هـ ) منسوبة إليه حتى ليكاد الناس ينسون معه ابن إسحاق.
واقتصرت جهود من أتى بعد ابن هشام على الشرح والتعليق والتحقيق كالسهيلي في كتابه " الروض الأنف" والعيني في " كشف اللثام " والخشنى في " شرح غريب سيرة ابن هشام " .
 ولم تتجاوزهم الباحثين بعد ذلك اختصار كتاب السيرة، فصدر "الذخيرة في مختصر السيرة لإبراهيم بن محمد الشافعي، ومختصر سيرة ابن هشام " لعماد الدين الواسطي، إلى أن جاءت طبقة النظامين فصاغوها في قالب جديد من الشعر، كالاميري والحضراوي وبعض المؤرخين لم يفرج للسيرة بحثا مستقلا، وإنما جاءت في ثنايا بحثه  كحلقة من حلقات التاريخ العام كالطبري، وابن الأثير، وابن كثير .. وغيرهم ممن كتب في تاريخ الدولة الإسلامية.
وهكذا لم تضع جهود ابن إسحاق وابن هشام إزاء السيرة النبوية سدى. بل نالت هذه الجهود إعجاب الكثيرين ولقيت حظا وافرا من عناية الباحثين، بعد أن تناولتها الأقلام في شتى العصور، مرة بالجمع وطورا بالشرح، وتارة بالاختصار، وأخيرا وضعه في ثوب جديد من النظم.
والسيرة النبوية جديرة حقا بالتأمل في مصادرها المتعددة، كمشاعل على طريق الإنسانية للهداية والإرشاد، ليس للمسلمين وحدهم في عصر من العصور، بل للإنسانية جمعاء في مختلف الأزمان.
فقد دعا الرسول الكريم إلى الإيمان بالله وحيدا منفردا دون أن يكون معه سلاح سوى سلاح الإيمان، ولم يؤمن به سوى نفر قليل من قومه، أما جحافل الشرك، فقد أبوا الإيمان أو الإذعان، وعاندوه في إصرار، وحاولوا جاهدين أن يطفئوا نور الله بأفواههم ولكن أبى الله إلا أن يتم نوره ولوكره الكافرون.
لم يرتب النبي في نصره، رغم كثرة المشركين، وأيقن أن مكة ليست هي البيئة الصالحة لنشر الدين الجديد، فيقرر الهجرة من مكة إلى المدينة، ويهاجر معه المسلمون الأولون مؤثرين دينهم على ديارهم وأموالهم.
وفي المدينة يتكون المجتمع الإسلامي، وتقوم الدولة الإسلامية، بعد أن تحقق لها الوطن الآمن ويرسي الرسول الكريم قواعد الدولة الإسلامية على أساس الدين الجديد فيبني مسجدا، أسس على التقوى من أول يوم، ليكون مقرا للعبادة، ولتوجيه سياسة الدولة، ويعقد معاهدة مع يهود المدينة تحدد علاقة اليهود بالدولة الإسلامية، ويعني الرسول بالناحية العسكرية وتستطيع القوات الإسلامية ملاقاة مشركي مكة في عام الثاني من الهجرة، في معركة شهيرة في تاريخ الإسلام عرفت بغزوة بدر الكبرى، وكان النصر فيها حليف المسلمين .
ثم أخذت غزوات الرسول وسراياه تتولى في تتابع رقيب من الزمن، وتدور المعارك بين جيش الإسلام من جهة، وجيش الشرك والظلم والطغيان من جهة أخرى، وقد حقق المسلمون سلسلة الانتصارات على كل أعدائهم بفضل تلك الروح القوية التي بعثها الرسول في قلوب المسلمين، وامتدت الدولة الإسلامية في آخر عهده عليه السلام حتى شملت مكة والمدينة وما حولها، وشمال الحجاز حتى مشارف الشام، ونجران وعمان واليمن والبحرين، ومناطق عديدة وسط شمال شبه الجزيرة العربية. واهتم الرسول بالناحية الاقتصادية فجبى الأموال من مصادرها الشرعية، كالزكاة، والغنيمة، والفيء، والصدقات .. وقام بتوزيع هذه الأموال في مصالح المسلمين، وكان هدف الرسول -  كما هو هدف الإسلام -  تحقيق العدل المطلق بين جميع الناس في ظل الحرية والإخاء والمساواة، وانطلاقا من هذا المفهوم كان يقوم بنفسه بالقضاء بين الناس، كما بعث بعض الصحابة لأداء مهمة القضاء، فأرسل معاذا إلى اليمن واستقل بقضائها.
من أجل هذا لا يمكن اعتبار دعوة محمد عليه السلام دعوة روحية فقط، بل إنها عند التحقيق دعوة إصلاحية لجميع الشعوب، وثورة كبرى أحدثت تغييرا في الوضع السياسي، والاجتماعي والاقتصادي، بالإضافة إلى تغيير معتقدات العرب الدينية وقد ظل محمد عليه السلام وفيا لأمته داعيا إلى الإخاء والمساواة بين جميع البشر.
فما أحوجنا نحن المسلمين في تلك اللحظات الحاسمة إلى تمثل سيرته حتى نتمسك بأسباب النصر كما فعل رسولنا عليه السلام حتى جاء الحق وزهق الباطل. إن الباطل كان زهوقا.

 ( 1 )  انظر مقدمة  سيرة ابن هشام .. تحقيق الأستاذ مصطفى السقا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here