islamaumaroc

رمضان بين العادة والعبادة

  دعوة الحق

العددان 147 و148

شهر رمضان يحل أوانه من كل عام فيستقبله مسلمو اليوم من الصوريين ببرود وتكاسل ونفور وتردد لأنه في نظرهم يمنع العديد من المتع، ويتلقاه مسلمو اليوم من المتنكرين بانقباض وتشاؤم وحزن وتهاون لكونه حسب فهمهم يمنعهم من شتى الرغبات التي يرونها ضرورية لهم والتي تتمثل في خلع العذار وإطلاق العنان في ميدان المحرمات.
وبما أنهم يفهمون بأن الحياة فوضى وعبث لكونهم من العصريين المتحررين، فهم لذلك لا يفرحون لحلول شهر رمضان الذي يعد في الإسلام شهر النظام الدقيق والقيم الصحيحة في كل مجالات الحياة، فماذا يفعلون وكيف يتصرفون للتغلب على موانع رمضان؟! هل يمكنهم أن يمنعوا حلول رمضان أو يتظاهروا ضده أو يضربوا عن صيامه؟ انهم لا يكفرون بركن الصيام ولكن يكفرون بأهدافه وغاياته بمقاصده و مغازيه، انهم يخشون مشاعر الناس ولا يخشون خالق الناس حق الخشية ولذلك فهم يصومون عادة لا عبادة، صورة لا حقيقة، تمثيلا لا تدليلا، نفاقا لا اعتقادا بدون أن يهتموا أو يفكروا في المصير يوم القيامة!! وهكذا تلاقيا لمواقف الإحراج وتجنبا لمواقف الافتضاح أمام العامة فما عليهم إلا أن يصوموا رمضان عادة لا عبادة على هذه الكيفية التي تبدو في صيامه نهارا وتمضيته في لعب الأوراق ترفيها، وفي دخول دور الخيالة تسلية حتى يحين إبان الإفطار حيث يسمح لهم بأن يملأوا بطونهم بما لذ وطاب من الطعام ليعوضوا ما حرم عليهم من أكل خلال النهار!
أما عن الشباب التقدمي بزعمه الباطل، المغرور بفهمه القاصر، العصري بثقافته السطحية، المقدس لجاهلية القرن العشرين حتى أداه تقديسه الشاذ لها إلى التنكر الغريب لدينه الحنيف، فكان من مظاهر تنكره السافر عدم صيام رمضان لأنه من الرجعية !! ولكي لا يكون رجعيا فهو علانية لا يصومه باسم التقدمية لأن هذه التقدمية توحي إليه بأن في الصوم صنوف التعذيب والتشديد والتضييع  والحرمان هكذا!!
فيئست التقدمية التي من هذا النوع لأنها ضلال وتضليل وجهل وتجهيل تجعل الإنسان يعمل بشريعة الغاب فينحدر إلى الحضيض بل ليكون من إخوان الحيوان !! وكيف لا وهي أي التقدمية الفاسدة المفسدة من بنات الصهيونية العالمية أو اليهودية المنحرفة التي أنتجت الجاهلية الحديثة التي هي في الحقيقة رجعية فريدة غريبة لأنها تهدف للرجعة بالإنسان إلى العمل بمبادئ وقوانين إنسان الغاب!!
وفي تحسر أليم أقول: يحل شهر رمضان ليمضي بدون أن يهدي صائميه أو يجديهم في ناحية من نواحي حياتهم العلمية، فالله الحكيم يريده شهر تقوى وهم يريدونه شهر فوضى، وهو شهر خير وهم يرونه شهر شر، وهو موسم طاعة وهم يغتنمونه في المعصية، وهو فرصة لتحصيل المعرفة وهم يضيعونه بلا استفادة ليبقوا في جهالة، وهو طريقة ربانية للفوز بالصحة وعندهم وسيلة غير معقولة تسبب العلة، وهم لما لهم من قصور في الفهم ونقص في التفهم، وجهل بالحقائق وتجاهل لمبادئ الحق لا يمكنهم محاولة التعرف على أسرار وفوائد رمضان ليعرفوا بأنه شهر إرادة تبني الشخصية، وإنسانية تحقق الرحمة بين الناس، ورياضة روحية تسمو بالنفس، وتربية قويمة تصلح أحوال الشخص، وايجابية مضمونة توصل إلى معالي الأمور، وجهاد فريد ضد الذنوب، واجتهاد مستمر في الطاعات، وحرية بانية لسعادة الإنسان، وفلسفة للعيش عجيبة تفيد الجسم وتضمن العافية، وقضاء على كل اعوجاج في الإنسان يكفل التقويم الشامل له في رمضان وفي كل شهور العام.
ليت شعري كيف لهم أن يقدروا ركن الصوم وهم يعانون من الجهل المركب ويتميزون بمركب النقص في آن واحد : جهل سافر بكل ما هو إسلامي ونقص ظاهر في الوعي الديني، وقصدي هو كل ما يمت بصلة إلى الإسلام الصحيح.
فمن المستحيل أن تكون لهم أية استفادة برمضان في موضوع الهدايات التي توحي بها هذه الآيات البينات:
«شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان..» ( البقرة: 185)
«يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون..» ( البقرة: 183)
وكم كنت أستغرب وأنا أسمع عن أحداث بشعة وجرائم شنيعة، وألاحظ من تصرفات لا إيمانية وأعمال لا معقولة في شهر رمضان من كل عام، كأن هذا الشهر لم يفرض صيامه إلا للإساءة والإجرام لا للاحسان والإنابة، فكم رأينا من ناس وسمعنا عن آخرين فيما مضى من رمضانات وهم لا يملكون أنفسهم ولا يكفون عن العصيان في شهر القرآن.
إن البرهنة على ما أقول تتمثل في إحداث ثلاثة لي علم بها وقعت في رمضان لسنة 1391 بالرباط، وهي أحداث دالة على سوء التقدير لهذا الشهر بل دالة على كفران حقه وهو الشهر الذي أراده الله موسم خير وطاعات.
وأبدأ بالإشارة إلى الحدث الأول الذي قرأت عنه وسمعت وهو يتلخص في عملية سطو على أحد بنوك العاصمة من طرف لص مسلح انتهت باستيلائه على عدة ملايين فاز بها في لحظات معدودات.
والحدث الثاني شاهد أحد إخواني أثره الباقي وملخصه أن متزوجا كانت له علاقة غير شريفة بامرأة أجنبية عنه ألحت عليه بل أرغمته بعد محاولات منها يائسة بأن يتزوجها بعدما يطلق زوجته الشرعية ذات الأولاد منه، ولكنه رأى بأنها قد جاوزت حدها، فماذا يفعل وقد قضى وطره منها ؟
لقد كان الحل في نظره هو أن يرد عليها علنا ونهارا في شارع بالرباط أمام المارة بعدة رصاصات كانت بها نهاية حياتها في ساعة من يوم من أيام رمضان!
والحدث الثالث حضره والدي في السوق المركزي بالرباط وكان عبارة عن مناقشة حادة بين شخصين تطورت إلى شجار عنيف بينهما نتج عنه إصابة أحدهما بجروح خطيرة جعلته بين الموت والحياة.
هذه الأحداث ومثيلاتها من نوع السباب والشتم والغضب والإيذاء من أي صنف كانت كلها حجج  مفحمة على إفلاس المسلم من الحسنات في هذا الشهر الذي يغتنمه فقط المتنكر له في فعل المنكر مع الاستهتار الملحوظ بقيم الخير فيه.
فكيف يمكن تعليل وقوع كثرة المنكرات في شهر رمضان بالذات؟
ولم الإقبال بالضبط على أعمال الكفر والفسوق والعصيان لا الإقبال على أعمال الإيمان في هذا الشهر؟
الجواب واضح بل التعليل الصريح  هو في انعدام الوازع الإيماني، والرادع الأخلاقي، والوعي الديني، وغياب الحكم الإسلامي والقصاص الحق مع الجهل التام بالفقه الصحيح الذي يلهم الناس الرشد في الأعمال والإصلاح في الأحوال، قال رسول الله :
( إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين وألهمه رشده) ( 1 )
والحقيقة أن الحلول الواقية من انحرافات الناس هي في حقائق الإيمان، فمتى خمدت جذوته وانطفأت شعلته فقد الإنسان حيوية الإيمان ومفعوله، وأصابه الشر المزمن الذي يصير صاحبه يعيش بتأثير الشيطان عليه فيقبل على أعمال العصيان لا يفرق بين الحلال والحرام ولا يميز بين الكفر والإيمان ولا يقدر بالتالي أيام رمضان بالنسبة لباقي أيام العام.
وهكذا يعيش الناس في غيبوبة الضمير الحي وفقدان أصالة الإيمان وهم أقرب ما يكونون إلى الكفرة الفجرة، الفسقة الظلمة بحيث يصلون إلى مرحلة العصيان باستمرار وفي إصرار حتى يكونوا ممن يزنون ويسرقون ويسكرون ولا يرعون وهلم جرا ..  قال رسول الله (ص) (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن فإذا فعل ذلك خلع ربقة الإسلام من عنقه، فان تاب تاب الله عليه) (2)
ومرحلة الحضيض هذه في العصيان التي قد يصلها أي مسلم جاهل بدينه أو متجاهل له انما يمر بها من يتخذ وسائل الصيانة والعصمة المتحققة في أوامر الله ونواهيه، فتطبيقها كلية وبكل إتقان دليل صادق على الإيمان بهذا الدين، فهي من معالم طريق الخير لهذا المسلم، وهي من ثمرات التقوى التي تلازم المسلم بحكم اليقين، لتجعله يلتزم على الدوام بتعاليم دينه وبالأخص في رمضان فرصة الحياة وسعادة العمر كي يواصل السير الحثيث في سبيل الله داعيا إلى الحق، يهتدي ويهدي للخير لأنه يتقي، وما أجمل التقوى في رمضان ! بل ما ألزمها عليه وما أحوجه إليها فيه لكي يصلح الحال ويقي المصير في هذه وتلك ! فهل نتقي ومتى نبادر إلى التقوى ؟
ما أحكمك ربي وما أرحمك ! أنت الهي لا تأمر إلا بالحق ولا تهدي إلا إلى الخير فقولك حق وأنت أصدق القائلين، وما أعظمه من قول عن حقيقة صيام رمضان مبرهن على أهمية رمضان ! ترى هل نعيه ونقدره ونفقهه ونتدبره في شهر القرآن؟
«.. كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون..»
       صدق الله العظيم

 1)  رواه البزار برجال ثقات ( الهيثمي ج 1 ص 120)
 2)  رواه البخاري و النسائي بزيادة: ( فإذا فعل ذلك خلع ربقة الإسلام من عنقه، فان تاب تاب الله عليه).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here