islamaumaroc

التصور الإسلامي للحياة -1-

  دعوة الحق

العددان 147 و148

أثناء مطالعاتي الخاصة، كثيرا ما ألتقي مع كلمة الحياة في طيات المؤلفات المختلفة، مما جعلني أشعر بأهميتها كموضوع خصب. و لما تناولت الموضوع بحثا هالني الأمر.. فكلمة الحياة التي كنت أراها تذكر على كل لسان، في كل كتاب، لم تكن محددة المعنى، واضحة المعالم، فهي تحمل في أعماقها مداولات شتى، فقد تكون رقيقة شاعرية، و قد تكون جافة مختبرية، أو تكون طليقة ميتافيزيقية، أو مكبلة واقعية يومية. فأنت لا تستطيع أن تأخذ من الكلمة الحقيقية التي تتوخاها إذا ما غصت في أعماقها أو غاصت في أعماقك.
و كما قال زكريا إبراهيم ? أن هناك صعوبة تكمن في كلمة الحياة نفسها. إذ ما الذي نعنيه هنا بهذه الكلمة؟ هل نعني بها حياة الفرد أو حياة النوع ؟ أو بعبارة أخرى أترانا نتحدث هنا عن حياة الإنسان أم عن الحياة البشرية بأسرها ؟ و هل نشير بهذا اللفظ إلى الحياة البيولوجية على المستوى الطبيعي الصرف، أم نحن نتحدث أيضا عن الحياة النفسية والاجتماعية والحضارية للكائن البشري بكل ما تنطوي عليه من تنوع ووفرة و تعقيد؟..(1)
إلا انني عندما فكرت في الحياة لم أقصد عملية الوجود الإنساني و النباتي و الحيواني، و إنما قصدت التفاعل الذي يخلقه الإنسان والكون معا أثناء إسلامهما لله. تلك الفعالية التي تأخذ أشكالا مختلفة و أنواعا متباينة وتقدم خلاصة الوجود الكوني الإنساني في طاقاته العلمية وطاقاته النفسية وطاقاته الأخلاقية وطاقاته الاجتماعية..
كنت أرى التصور الإسلامي للكون والإنسان مقدمة لتحديد الإطار العلمي للتصور الإسلامي للحياة. فالحياة هي الإطار الفعلي للوجود الكوني – الإنساني. تتجلى فيه بقدر ما يستطيع الإنسان أن يوسع دائرة وجود خلافته. فالخلافة، خلافة الإنسان في الأرض، رمز الوجود الإنساني، رمز قوته الإنسانية، رمز فعاليته. ففي الخلافة تمتزج معالم الكون وطاقات الإنسان، وتخلق أبعاده خلقا. والحياة بذلك ليست إلا تتويجا لهذه الخلافة. فهي وجهها العلمي، الحي، المتفاعل، الذي يعطي ويأخذ، يبني ويهدم، يصلح ويفسد. الوجه الذي يعيش الضحك والبكاء، الفرح والغضب، العلم و الجهل، التعب و الراحة.
أمام هذا التشعب في معاني الحياة ومدلولاتها رأيت أن أعود إلى القرآن الكريم وأجعله منطلقا لتحديد مدلولها، ولأجد خطأ واضحا أسير على هديه. وخاصة أن الدراسات الحديثة حول موضوعات القرآن الكريم تثبت الوحدة الموضوعية للآيات القرآنية التي تتناول موضوعا بعينـــــه(2). وأول خط اتضح أمامي، عندما استقرت الآيات الكريمات اللاتي وردت فيهن كلمة الحياة.. أن الحياة ذكرت في معنيين ?
     1)  الحياة ويقابلها الموت.
     2)  الحياة الدنيا وتقابلها الحياة الآخرة.

ما هي الحياة
تعتبر الماهية من معضلات الفلسفة والعلم على الإطلاق. فالعلم يقف عند مظاهرها، و الفلسفة تقدم الأجوبة تلو الأجوبة، و لكنها تبقى دائما شخصية لا تقنع بل تدفع إلى التساؤل و الإجابة على مر الزمان، ما دام هناك عقل يفكر.
وحصر الإجابات الفلسفية عن ماهية الحياة صعب لكثرتها، ووفرتها وتناقضها، و تضاربها، مما لا يستطيع الإنسان جمع شتاتها في وحدة تامة كاملة.
فمن قائل ? الحياة نفسها لا تزيد عن كونها مجرد صورة من صور المادة.( انجلز)
ومن قائل ?الحياة ليست شيئا آخر غير شعور الإنسان بالحياة. جرد أي إنسان من الشعور بالحياة تجرده من الحياة ذاتها في معناها الحقيقي. ( سيد قطب)
ومن قائل ? انها الإرادة العمياء، إرادة الحياة التي لا تعرف لها غير غاية في الوجود و الوجود باستمرار فإذا ما هددت في جوهرها ثارت و تململت و اهتاجت في عنف وارتياع. ( شوبنهور).

طبيعة الحياة و نشأتها ?
و من الإجابات الفلسفية المختلفة، بما فيها الآراء العلمية، تحدد مذهبان مختلفان يبينان طبيعة الحياة. فمنهما من يقول أن الحياة مبدأ حيوي.. وبين التفسيرين اختلافات كبيرة.

التفسير المادي للحياة
يرى التفسير المادي للحياة أن الحياة ليست سوى عمليات تخضع لعوامل محض كيميائية وفيزيائية (3)
فهي ظاهرة بيولوجية محضة لا تحمل غاية، فهي من صدف بدائع الزمان في غابر الأزمان.
وعلى هذا الأساس وضعت نظريات عديدة كي تفسر لنا كيف نشأت الحياة من عالم الجمادات فذهب بعض الباحثين إلى أن الحياة قد نشأت من البروتوجين أو من الفيروس أو من تجمع بعض الجزيئات البروتينية الكبيرة. و قد يخيل إلى بعض الناس أن هذه النظريات قد سدت الفجوة التي تفصل بين عالم الأحياء و عالم الجمادات.(4)
فالعناصر التي تقوم عليها الخلية الحية معروفة و النسب التي موجودة فيها أيضا صارت معروفة إلا أن الشيء غير المعروف لحد الآن هو نشوء الحياة. فمحاولة الإتيان بهذه العناصر وربطها بذات النسب الموجودة في الخلية أجريت مرارا إلا أن الفشل ظل ملازما لكل تلك المحاولات  ).

التفسير الحيوي للحياة ?
يدعي مذهب الحياة أو التطور الخالق أن الحياة أوسع وأشمل من أن يدرسها العلم في مختبراته الفيزيائية والكيميائية. فما يدرسه العلم ليس إلا نقطة مماس مع القوى الطبيعية. وهذه الدراسات في حد ذاتها لا تكتشف إلا جزءا صغيرا من الحقيقة الواقعية. فهي لا تدرس إلا الجانب غير الحي، والمادة لا الحياة. و بهذا يعاكس المذهب الحيوي المذهب المادي في تفسيره لطبيعة الحياة. و يرى أن الأشكال الحية التي ظهرت في أول الأمر، كانت في منتهى البساطة، و أنها كانت تحتوي على دفعة داخلية هائلة ورؤية أصيلة للحياة، كان من شأنها أن ترتفع إلى أسمى أشكال الحياة. و هي بذلك تنطلق تلقائية خالقة متطورة في اتجاهات مختلفة وتعود إلى أصل واحد مشترك سواء كانت نباتية أو حيوانية. فهي بذلك ديمومة وصيرورة ممثلة في الخلق المستمر و التي تنساب في العالم المادي و تحوله إلى حياة باستمرار(5).

التفسير الإسلامي للحياة
أما التفسير الإسلامي للحياة، فهو تفسير ليس كرد فعل للمذهب المادي، و لا المذهب الحيوي، و لا هو وسط بينهما. فالتفسيران الأولان ( المادي والحيوي) يعودان إلى أصل واحد هو الإنسان. فهو مخترعهما. ويسميان لذلك بالتفسير الجاهلي للحياة. و التفسير الثاني ( الإسلامي) يعود إلى أصل واحد، و هو المصدر الرباني والوحي الإلهي. فالتفسير الجاهلي لذلك متعدد الصور متغيرها ومتطورها اجازا و تفصيلا. في حين أن التفسير الإسلامي هو تفسير واحد منذ أقدم العصور إلى وقتنا الحاضر. وهذا الثبات ناتج عن ثبات الرسالات السماوية ووحدويتها الإسلامية.

ولكن ما هو الاختلاف الجوهري بين التفسيرين يا ترى؟
إننا إذا تأملنا الوجود أو العالم والكون، أو على الأقل أرضنا، لرأيناها تضم قسمين? أحياء وأموات، أو بالمعنى الاصطلاحي العلمي لأبسط جزيئات العالم ? خلايا وذرات(6). وتتميز الخلايا بخصائص تؤهلها لتكون حية في حين أن الذرات رغم حركتها ودقة نظامها تظل ميتة. إلا أن العلاقات بينهما قائمة ومستمرة. فترى الميت يتحول إلى حي، والحي يتحول إلى ميت ? « إن الله فلق الحب والنوى، يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي، ذلكم الله، فأنى توفكون» (7).
و أمثلة ذلك في عالم الواقع كثيرة، أبسطها البيضة التي تخرج منها فرخة والفرخة التي تبيض بيضة. أو الحب الذي ينبت منه نبات حي ومنه يخرج حب ميت. أو الفيروس تلك المادة الكيماوية الميتة التي إذا ما اتصلت بخلية حية انسلخت من جلدها لتنغمس في جسم الخلية وتسيطر عليها وتحولها إلى أداة للتوالد والتكاثر بسرعة هائلة. أو الحياة في بدايتها وموت الكائنات في نهايتها. أمام هذه العلاقة يقف العلم والفلسفة، كلاهما يقفان عاجزان عن إدراك حقيقتها. بل ويرفضان البحث فيها. فهي سر وجود الحياة أو موتها. والكل يعلم كيف يرفض المذهب المادي خالقا للحياة ومبدعا لها، بل وكيف يرفض حتى التفكير الفلسفي للحياة ويعتبر أن لا مكان للحياة في هذه الدراسة. وفي ذلك يقول انجلز ? إننا هنا بإزاء ظاهرة بيولوجية بحتة لا دخل للفلسفة بتفسيرها أو تأويلها أو بيان أصلها فلا موضع للحديث عن مشكلة الحياة بالمعنى الميتافيزيقي لهذه الكلمة وبالتالي لا معنى أصلا لإثارة المشكلة على المستوى الفلسفي الصـــــرف"(8)
أما المذهب الحيوي وإن كان كرد فعل للمذهب المادي فهو لا يعترف إلا بالحياة ويجعلها هي الله نفسه. و في ذلك يقول برجسون ? فاني أقتصر على التعبير عن هذا التشابه الاحتمالي بالكلام عن مركز تنبثق منه العوالم على هيئة قذائف تخرج من باقة هائلة، ولكن بشرط الا تنظر إلى هذا المركز نظرتي إلى انبثاق مستمر و الله بهذا المعنى ليس كائنا نهائيا بل هو حياة دائبة و عمل و حرية(9)
أما التصور الإسلامي فيضع الحقيقة في مكانها. فالله حي. وحياته سبحانه أوسع من أن يدركها عقلنا فنحن لا نستطيع أن نقول عنها أنها تفاعلات كيماوية.. ولا أنها وثبة داخلية.. فالحياة في المفهوم الإسلامي – كما سيأتي – أوسع من ذلك إطلاقا حيث تتمزق المقاييس والمعايير أمامها، ويعيي العقل حيالها، ولا تقع التجربة والملاحظة إزاءها.
وأما الفكر إذا كان قد انشق على نفسه ليخلق ثنائية تكاد لا تلتقي سواء في الواقع بين الخلية والذرة أو الاحياء والأموات، أو بين الفلسفة والعلم في الفكر. فان السبب أو لوجود هذا التقسيم كامن في ذلك الفكر ذاته الذي يقف أمام هذه الحقيقة الواقعية ظاهريا ولا يعلم منها إلا ظاهريـــــــا (10).
فكثيرا ما تساءل الفكر الجاهلي عن كيفية جمع هذه الثنائية. أما التصور الإسلامي فبين خضوعها في وحدة إسلامية لله. ووحد المبدأين في وحدة إسلامية حية(11). نحن البشر بني الإنسان لا نشعر بها، ولا نقدر حقيقتها، و لا نشاهد ترابطها. فهذه الوحدة هي التي تجعل الحياة والموت أو الأحياء والأموات مستسلمين لله خاضعين له. فهو خالقهما ( الله الذي خلق الموت والحياة)(12). و ليس هناك إله آخر يستطيع أن يخلقهما. ( لا اله إلا هو، يحيي ويميت ) (13)فالله هو القادر على ذلك « له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت» (14) و اليه يؤول الأمر و يعود « هو يحيي و يميت، واليه ترجعون»(15). فهو الوارث لكل شيء « نحيي و نميت و نحن الوارثون »(16). فالله هو الحي الذي لا يموت « وتوكل على الحي الذي لا يموت، وسبح بحمده»(17).
والحقيقة أن التطور الإسلامي لا يهمه أن يعطي جوابا شافيا تاما عن ماهية الحياة ليكون جزءا من التناقض في الإجابات الوفيرة حول الحياة، فالأمر عكس ذلك فهو يضع الحقائق التي لا تخضع لأي جدل عقيم. فيصور الحقيقة التامة للحياة، الحقيقة الواضحة. ألا وهي خضوع الحياة وإسلامها لله.
ولكن، رغم ذلك فالإنسان عنيد، يتسائل ويتسائل، إما للاطمئنان وإما للجحود.. فالسؤال عن كيفية الاحياء ليس غريبا فقد سألها ابراهيم عليه السلام وسألها غيره.. واليك آية ذلك ?
قال تعالى ? « ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت، قال أنا أحيي وأميت، قال ابراهيم فان الله يأتي بالشمس من المشرق فات بها من المغرب فبهت الذي كفر، والله لا يهدي القوم الظالمين، أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه، قال كم لبثت، قال لبثت يوما أو بعض يوم، قال بل لبثت مائة عام، فانظر إلى حمارك، و لنجعلك آية للناس، و انظر إلى العظام كيف ننشرها ثم نكسوها لحما، فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير. و إذ قال ابراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى، قال أو لم تؤمن، قال بلى ولكن ليطمئن قلبي، قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا، واعلم أن الله عزيز حكيم ». (18)
و هكذا.. فالله هو الذي يحيي ويميت، فان رأى إنسان أن ذلك أمر بسيط، فهو مجرد خلايا تتفاعل كيماويا، فليعلم أن الأمر أبعد من ذلك. أبعد من أن تخلق مادة حية في أنابيب الاختبار.. أو كما توهم الملك أنه يحيي ويميت. فالأمر أمر تسيير السماوات والأرض والتحكم فيهما والهيمنة عليهما. ( وهو الذي يحيي ويميت، وله اختلاف الليل والنهار، أفلا تعقلون). بحيث يكون الأمر مجرد كن، فيكون الأمر بسرعة خاطفة. ( هو الذي يحيي ويميت فإذا الأمر بسرعة خاطفة.( هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا قائما يقول له كن فيكون)(19).
ولهذا فالحياة عندما وجدت لم تحتج إلى ملايين السنين لتتوالى عليها العصور المختلفة ويتهيأ لها الجو المناسب للظهور ( كما يقول الماديون). وإنما هي انبثاق في عالم المادة بأمر من الله الذي يحدث في الحين. وهو بالتالي ليس تلك الدفعة الداخلية الأصلية التي انبثقت لأنها كانت ضامرة في العالم المادي، ثم تطورت وتنوعت أنواعا مختلفة.. بل الله مخرجها من العالم الميت وخالقها في كل لحظة وحين ولا زال يخلقها..
إذن فالحياة في التصور الإسلامي أبعد غورا مما هي عليه في التفسير الجاهلي. إنها تلك الحياة التي تقوم على الإسلام فمن أحيا الإسلام في قلبه و أحيا الإيمان في فؤاده و جوارحه انبعثت فيه الحياة، و حيي حياة طيبة.. في هذه الدنيا و في الآخرة(20)
ومن أمات هذا الإسلام في قلبه وإيمانه وجوارحه ظل ميتا وهو على قيد الحياة، أو على الأقل حياته لا تتساوى مع حياة المومن الصالح(21). و إن ظل كذلك في الآخرة، لا هو بالحي ولا هو بالميت. ( انه من يأت ربه مجرما فان له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى)(22).
ومن جانب آخر، ها هم الشهداء، الذين نراهم يسقطون الواحد تلو الآخر جثت هامدات لا حراك بها، يسقطون كما يموت جميع الناس في حياتهم الرتيبة. هؤلاء الشهداء، الأموات في نظرنا، ليسوا أمواتا. ولا يحق لنا أن نقولها. إنهم أحياء.. أحياء.. ولكننا لا نشعر بحياتهم. « ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات، بل أحياء، ولكن لا يشعرون» (23) فحياتهم هذه ليست حياة معنوية لا غير، بل هي حياة حقيقية، حياة لم تعد متجلية في المادة الموات أو الخلية الحية. كما نعلم ونشاهد على هذه الأرض، إنها حياة في إطار لا يرى ولا يمت للمادة والتفاعل الكيماوي بصلة، ولا هو بتلك الدفعة الداخلية الأصلية. فالحياة هنا لا هي هذه ولا تلك. فلا هي بالمادة التي اعتدنا تسميتها مادة ولا هي بالحياة التي ألفنا تسميتها بالحياة. ولعل هذا ما سيذهب إليه العلم و الفلسفة حديثا. فدراستهما العميقة لم تعد تستطيعان أن تشيرا إلى شيء ثابت في المادة والحياة فكل شيء ينزلق من بين يديهما ولا يستطيعان أن يضعا له تعريفا دقيقا يميزه عن غيره. ومما لا شك فيه أن التفسير الجاهلي لا يذهب هذا المذهب وإلا من أين له بعلم الغيب؟ ولا يمكنه بالتالي رد هذا المفهوم الشامل للحياة لأنه يرتبط بمجاله ويقف تفكيره عند حدود رؤيته. وأما بعد ذلك فإنكار وجحود وتخمين وظن ليس إلا.
فالحياة الآخرة إذن هي الوجه الحقيقي للحياة، ذاك الوجه الذي نجهله في هذه الدنيا. ذاك الوجه الذي يظهر في عالمنا وكأنه من المعنويات و المجازيات بيد أنه حقيقة ماثلة، ودائمة، وعلى درجات من الظهور والكمون أو الضآلة والضخامة(24). ولكننا لا ندركها ولا نعرف منها إلا ظاهرها.
الحياة في التصور الإسلامي إذن ليست مجرد صورة للمادة، ولا هي حيوية من دفعة أصيلة تواجه العالم المادي بل هي أوسع معنى من ذلك كله وأغمض وأكثر سرا. والعقل يحير فيها أكثر كلما تمعنها أكثر. فالعلماء اليوم رغم تجاربهم لخلق الحياة قد فشلوا.. والعلماء اليوم رغم علمهم الدقيق بأمور الحياة لم يستطيعوا أن يفرقوا بين الحيوان والنبات.. والعلماء اليوم رغم تقدمهم العلمي لم يتمكنوا من اكتشاف السر في تحول المادة إلى حياة والحياة إلى مادة. والعلماء اليوم رغم تفوقهم لم يستطيعوا أن يفرقوا بين الحياة والموت..
وكما قال الدكتور مصطفى محمود ? العقل والطاقة والعاطفة والمادة والحياة والإرادة هي في النهاية ظواهر لشيء واحد وإنما تختلف التسمية التي نطلقها عليه حسب الموقف الذي نقف فيه وننظر منه إلى ذلك الشيء". وقال ? نشعر وكأنما العقل مبثوث في كل شيء في الحي والميت أو دعنا نقول انه لم يعد هناك حي ولا ميت وإنما الكل أصبح عاقلا حيا من الفلك العظيم إلى الذرة المتناهية في الصغر.
إلا أننا لا نذهب كما يذهب مصطفى محمود ليعتبر هذه الحياة وذاك العقل المثبت في الكون هو الله إن كان يقصد ذلك.. وإنما نقف عند حد أن الكون أو العالم كله حي عابد لربه مسلم له، ولكننا لا نفقه ذلك ولا نشعر به. وقد ظهرت هذه الوحدة جلية عندما عبر عنها القرآن الكريم بالحياة الدنيا. وقد ارتأينا تأجيل البحث في موضوع التصور الإسلامي للحياة الدنيا إلى مقال آخر بحول الله.


(1)   مشكلة الحياة . ص ? 35 .
(2)  الوحدة الموضوعية في القرآن الكريم . الدكتور محمد محمود حجازي.
(3)- مجلة العلوم ( اللبنانية) العدد 2 السنة 16 شباط 1971 . ص ? 10
(4) الله يتجلى في عصر العلم ص ? 79
(5) التطور الخالق برجسون . ص ?  42- 401- 118 – 66 – 104- 105-  126- 133- 289- 417 – 388.
(6) المرسلات 26. ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء و أمواتا .
(7) الانعام 95 – آل عمران27 – يونس 31 – الروم 18 .
(8) مشكلة الحياة . زكريا ابراهيم . ص ? 11 .
(9) التطور الخالق. برجسون . ص ?283. 
(10) " يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون" الروم 6
(11) التصور الاسلامي للكون و التصور الاسلامي للانسان نشرا بدعوة الحق.
(12) الملك 2 – البقرة 257 – آل عمران 157 – الأنعام 161 -
(13( الأعراف 158 – الفرقان 7 .
(14) الحديد 2 – الحج 6
(15) يونس 56 – ق 43
(16) الحجر 23 .
(17)الفرقان 58 – البقرة 255 – طه 108.
(18) البقرة 258 – 260 .
(19) غافر 68 .
(20) من عمل صالحا من ذكر أو أنثى و هو مومن فلنحيينه حياة طيبة و لنجزينهم أجرهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون " النحل 97 – " يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله و للرسول إذا دعاكم لما يحييكم ، و اعلموا أن الله يحول بين المرء و قلبه و انه اليه تحشرون" الأنفال 24 – " أومن كان ميتا فأحييناه، و جعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها "  الأنعام 22 .
(21)  أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا و عملوا الصالحات سواء محياهم و مماتهم ، ساء ما يحكمون" الجاثية 20.
(22)  طه 73 – الأعلى 11.
(23) البقرة 153.
(24) " و لولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا " الاسراء 75.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here