islamaumaroc

التصوف الإسلامي ودور الزهد في نشأته

  دعوة الحق

العددان 147 و148

 أولا : تمهيد:
إذا كانت الحضارة الإسلامية العربية قد قدمت لنا مجموعة من المتكلمين والفلاسفة، فإنها قد قدمت لنا أيضا نمطا آخر من المفكرين، يختلف المسلك الذي يتبعونه عن المسلك الذي سار فيه متكلمو العرب وفلاسفتهم.
هذا المسلك يعد مسلكا يقوم – كما سنرى – على التجربة الباطنية الداخلية القلبية، ويختلف عن ذلك المسلك الجدلي أو المسلك العقلي الذي اختاره وسار فيه متكلمو الاسلام وفلاسفة العرب.
فأقوال الصوفية تعتمد على تجاربهم الخاصة، ولهذا كانت طريقتهم طريقة فردية ذوقية روحية. فما من مذهب من مذاهبهم الا ويمكن أن يعد على وجه ما ثمرة لما خضع له صاحبه من رياضات ومجاهدات وما تعرض له من أحوال ومقامات.
وهذا يعني أن لهؤلاء الصوفية عالم خاص بهم، اذ قد يذهبون الى آراء لا يذهب اليها غير الصوفي، بحيث كانت لغتهم ليست اللغة الحسية المحددة الدقيقة، بل هي لغة الرمز والإشارة.
واذا كانوا قد آثروا الرمز والاشارة على التصريح والعبارة، فان سبب ذلك يكمن في أن  تلك المشاهدات والمكاشفات لا يمكن أن يعبر عنها بالألفاظ والعبارات من ليس منهم.
هذا يعني – فيما يقول الغزالي في المنقذ من الضلال – أنهم أرباب الأحوال لا أصحاب الأقوال. أنهم يصلون الى هذه الأحوال بالإلهام . وهذا ما لا واسطة في حصوله بين النفس وبين الباري، وانما هو– فيما يقول الغزالي أيضا في رسالته اللدنية – كالضوء من سراج الغيب يقع على قلب فارغ لطيف. أو هو فيما يقول التهانوي في ( كشاف اصطلاحات الفنون ) يقع بطريق الفيض، أي بلا اكتساب وفكر، بل هو وارد غيبي ورد من الغيب، ولا يحصل به العلم لعامة الخلق، لكن يحصل به العلم في حق نفسه .
ومن هنا لا تخضع المعرفة الذوقية عندهم لمقولات العقل ولا للغة المنطق، لأن لها لغتها الخاصة ومنطقها.
هذا ان دل على شيء، فانما يدل على أنهم أي الصوفية يرفضون منطق أرسطو ومقولاته العقلية. دليل هذا ما نطالعه في شرح حكمة الاشراق، اذ نطالع تفضيلهم للأنوار الاشراقية للوصول الى الله. فأصحاب العلم الأول – كما جاء في شرح حكمة الإشراق – تعد حكمتهم ضعيفة القواعد وباطلة المعاقد، وأنهم – أي المتأثرون بفكر أرسطو– اذا كانوا قد رفضوا الحكمة الذوقية، فان مرد ذلك اشتغالهم بالفروعدون الأصول، ولذلك حرموا من مشاهدة الله. أما الصوفية فقد وصلوا الى معاينة الله لا بفكر ولا نظم ودليل قياس، بل بأنوار اشراقية متتالية.
يوضح ذلك ويؤيده ما نجده في " اللمع" للطوسي وفي " التعرف" للكلاباذي. فالله عندهم لا يعرف بالعقل. قيل النوري : بم عرفت الله تعالى ؟ قال : بالله. قيل: فما بال العقل ؟ قال : العقل عاجز لا يدل الا على عاجز مثله، وهولا يعرف الله الا بالله.
والعلم الصوفي يعتمد على العبادة والزهد وخاصة في نشأته الأولى. يقول ابن خلدون في بداية الفصل الذي يعقده عن التصوف في مقدمته : « هذا العلم من العلوم الشريعة الحادثة في الملة. وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، طريقة الحق والهداية. واصلها العكوف على العبادة، والانقطاع الى الله تعالى، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة، وكان ذلك عاما في الصحابة والسلف. فلما فشا الاقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده، وجنح الناس الى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة».

ثانيا : حول لفظ الصوفي ومعناه :

اختلفت الآراء حول اشتقاق كلمة "الصوفي". واذا رجعنا الى أبي بكر الكلاباذي في كتابه " التعرف لمذهب أهل التصوف"، وجدناه يعدد هذه الآراء حول سبب التسمية، أي لم سميت الصوفية بهذا الاسم.
فقد قالت طائفة : انما سميت الصوفية صوفية لصفاء أسرارها ونقاء آثارها. وقال بشر بن الحارث : الصوفي من صفا قلبه لله. وقال بعضهم : الصوفي من صفت لله معاملته، فصفت له من الله عز وجل كرامته. وقال قوم : انما سموا صوفية لأنهم في الصف الأول بين يدي الله جل وعز بارتفاع هممهم إليه وإقبالهم بقلوبهم عليه ووقوفهم بسرائرهم بين يديه. وقال قوم : انما سموا صوفية للبسهم الصوف. وقال قوم : انما سموا صوفية لقرب أوصافهم من أوصاف أهل الصفة الذين كانوا على عهد رسول صلى الله عليه وسلم.
وكلمة الصفة – فيما يقول نيكولسون – اشارة الى أن أصل التصوف متصل بأهل الصفة، وهو اسم أطلق على بعض فقراء المسلمين في صدر الإسلام كانوا ممن لا بيوت لهم، فكانوا يأوون الى صفة بناها الرسول خارج المسجد بالمدينة.
ونود أن نشير الى أن الأقراب الى الصواب فيما يبدو لنا والذي اتفق عليه كثير من الباحثين، ان هذا اللفظ لفظ الصوفي مشتق من الصوف. واذا كان القشيري يقول : « ولا يشهد لهذا الاسم اشتقاق من جهة العربية ولا قياس، والظاهر أنه لقب، ومن قال اشتقاقه من الصفاء أومن الصفة فبعيد عن جهة القياس اللغوي، وكذلك من الصوف لأنهم لم يختصوا بلبسه». اذا كان القشيري يقول هذا، فان من المؤرخين والمؤلفين ترى أن هذا اللفظ مشتق من الصوف. فابن خلدون في مقدمته ( ص 1063 مجلد 3 ) يقول : والأظهر ان قيل بالاشتقاق، أنه من الصوف، وهم في الغالب مختصون بلبسه لما كانوا عليه من مخالفة الناس في لبس فاخر الثياب الى لبس الصوف.
معنى هذا فيما يقول الكلاباذي – أن من لبسهم وزيهم سموا صوفية، لأنهم لم يلبسوا لحظوظ النفس ما لان مسه فيه وحسن منظره، وانما لبسوا لستر العورة، الغليظ من الصوف. ثم أن الصوف فيما يقول أبو نصر السراج، لباس الأنبياء ورمز الأولياء والخاصة، كما يظهر من اخبار الصوفية وآثارهم.
هذا بالاضافة الى أن المسلمين في القرنين الأولين للاسلام كانوا يلبسون الصوف، وبخاصة من سلك منهم في حياته طريق الزهد، وأنهم كانوا يقولون لبس فلان الصوف بمعنى تزهد، فلما انتقل الزهد الى التصوف، قالوا، لبس فلان الصوف بمعنى أصبح صوفيا. فيحكي الكلاباذي أن لباسهم كان الصوف، حتى أن بعضهم كان يعرق فيه فيوجد منه ريح الضأن اذا أصابه المطر.
هذا وقد أطلقت مجموعة من الأسماء على الصوفية. ويعرض الكلاباذي لهذه الأسماء وأسباب اطلاقها على الصوفية. فلخروجهم عن الأوطان سموا غرباء. ولكثرة أسمائهم سموا سياحين. واهل الشام سموهم جوعية لأنهم انما ينالون من الطعام قدر ما يقيم الصلب للضرورة، كما قال النبي ( ص) : بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه. وسموا فقراء لتخليهم عن الأملاك. قيل لبعضهم : من الصوفي ؟ قال : الذي لا يملك ولا يملك، يعني لا يسترقه الطمع.
وقد يطلق على بعض الصوفية نورية. اذ أن من ترك الدنيا وزهد فيها، واعرض عنها صفى الله سره ونور قلبه. قال النبي (ص) : إذا دخل النور في القلب انشرح وانفسح قيل وما علامة ذلك يا رسول الله؟ قال : التجافي عن دار الغرور والانابة الى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله". فأخبر النبي صلى الله عيله وسلم أن من تجافى عن الدنيا نور الله قلبه. وقال حارثة حين سأله النبي (ص) ما حقيقة ايمانك؟ قال : عزفت بنفسي عن الدنيا فأظمأت نهاري وأسهرت ليلي وكأني أنظر الى عرش ربي بارزا وكأني أنظر الى أهل الجنة يتزاورون والى أهل النار يتعادون. فأخبر أنه لما عزف عن الدنيا نور الله قلبه فلينظر الى حارثة. فأخبر أنه منور القلب.
هذا عن لفظ الصوفي. أما عن وصف التصوف وتعريفه، فنجد الكلاباذي في كتابه : " التعرف" يورد بعض أقوال الصوفية عن التصوف. منها : سئل سهل ابن عبد الله التستري من الصوفي ؟ فقال : من صفا من الكدر وامتلأ من الفكر وانقطع الى الله من البشر واستوى عنده الذهب والمدر.
وسئل أبو الحسن النوري ما التصوف ؟ فقال: ترك حظ للنفس. وسئل الجنيد عن التصوف، فقال : تصفية القلب عن مواقفه البرية ومفارقه الأخلاق الطبيعية وإخماد الصفات البشرية ومجانية الدواعي النفسانية ومنازلة الصفات الروحانية والتعلق بالعلوم الحقيقية واستعمال ما هو أولى على الأبدية والنصح لجميع الأمة والوفاء لله على الحقيقة واتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشريعة.
وقال يوسف ابن الحسين :لكل أمة صفوة وهم وديعة الله الذين أخفاهم عن خلقه، فان يكن منهم في هذه الأمة، فهم الصوفية. قال رجل لسهل بن عبد الله التستري : من أصحب من طوائف الناس؟ فقال:عليك بالصوفية، فانهم لا يستكثرون ولا يستنكرون شيئا، ولكل فعل عندهم تأويل، فهم يعذرونك على كل حال.

ثالثا :الزهد ودوره في نشأة التصوف الأولى :

لباحث في نشأة التصوف يجد لزاما عليه الاشارة الى الزهد وأثره في نشأة التصوف. اذ أن التصوف في بدايته كان يتسم بالزهد، أي ترجع نشأته في الاسلام الى حركة الزهد، وذلك قبل أن تطغى عليه اتجاهات جديدة تتمثل في الدراسات النظرية والكلام في وحدة الوجود وغير ذلك من عناصر فلسفية.
يقول نيكولسون في معرض دراسة لأصل التصوف ونشأته الأولى وتطوره:لقد احتفظت حركة الزهد العظيمة بطابعها الاسلامي الى حد كبير، بالرغم من أن فيها بعض النواحي الخارجية على روح الاسلام. وربما كان من أهم صفاتها الإحساس الديني العميق والشعور الغامر بالضعف الإنساني والخوف الشديد من الله والتفويض التام له والخضوع لارادته.
وهذا الزهد والاقبال على العبادة يجعل المتصوفة يختصون بمواجد وأحوال ومقامات. يوضح ذلك ما يقوله ابن خلدون في مقدمته. فهو يقول : فلما اختص هؤلاء بمذهب الزهد والانفراد عن الخلق والاقبال على العبادة، اختصوا بمواجد مدركة لهم. وذلك أن الانسان بما هو انسان انما يتميز عن سائر الحيوان بالادراك. وادراكه نوعان : ادراك للعلوم والمعارف من اليقين والظن والشك والوهم وادراك للأحوال القائمة من الفرح والحزن والقبض والبسط والرضا والغضب والصبر والشكر وأمثال ذلك. فالمعنى العاقل والمتصرف في البدن ينشأ من ادراكات وارادات أحوال، وهي التي يميز بها الانسان. وبعضها ينشأ من بعض كما ينشأ العلم من الادلة والفرح والحزن عن ادراك المؤلم أو المتلذذ به والكسل عن الاعياء. وكذلك المريد في مجاهدته وعبادته لابد وأن ينشأ له عن كل مجاهدة، حال هي نتيجة لتلك المجاهدة. وتلك الحالة : أما أن تكون نوع عبادة فترسخ وتصير مقاما للمريد، واما أن لا تكون عبادة انما تكون صفة حاصلة للنفس من حزن أو سرور أو نشاط أو كسل أو غير ذلك. والمقامات لا يزال المريد يترقى فيها من مقام الى مقام الى أن ينتهي الى التوحيد والمعرفة التي هي الغاية المطلوبة للسعادة. قال صلى الله عليه وسلم : ومن مات يشهد أن لا اله الا الله دخل الجنة. فالمريد لابد له من الترقي في هذه الأطوار . وأصلها كلها الطاعة والإخلاص ويتقدمها الإيمان ويصاحبها وتنشأ عنها الأحوال والصفات نتائج وثمرات، ثم تنشأ عنها أخرى وأخرى الى مقام التوحيد والعرفان. واذا وقع تقصير في النتيجة أو خلل، فليعلم أنه انما أتى من قبيل التقصير في الذي قبله. وكذلك في الخواطر النفسية والواردات القلبية. فلهذا يحتاج المريد الى محاسبة نفسه في سائر أعماله، وينظر في خفاياه، لأن حصول النتائج عن الأعمال ضروري، وقصورها من الخلل فيها كذلك. والمريد يجد ذلك بذوقه ويحاسب نفسه على أسبابه .. فظهر أن أصل طريقتهم كلها محاسبة النفس على الأفعال والتروك والكلام في هذه الأذواق والمواجد التي تحصل عن المجاهدات ثم تستقر للمريد مقاما ويترقى منها الى غيرها. ثم لهم مع ذلك آداب مخصوصة بهم واصطلاحات في ألفاظ تدور بينهم، اذ الأوضاع اللغوية انما هي للمعاني المتعارفة، فاذا عرض من المعاني ما هو غير متعارف، اصطلحنا على التعبير عنه بلفظ يتيسر فهمه منه. فلهذا اختص هؤلاء بهذا النوع من العلم الذي ليس يوجد بغيرهم من أهل الشريعة الكلام فيه. وصار على الشريعة على صنفين : صنف مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا وهي الأحكام العانة في العبادات والعادات والمعاملات، وصنف مخصوص بالقوم في القيام بهذه المجاهدة ومحاسبة النفس عليها".
هذا ما يقوله ابن خلدون. ولعل ممن يمثلون زهاد المسلمين ونساكهم، الحسن البصري ورابعة العدوية. فقد روى الجاحظ من كلام الحسن البصري ما يلي : " رحم الله عبدا كسب طيبا وأنفق قصدا وقدم فضلا، وجهوا هذه الفضول حيث وجهها الله وضعوها حيث أمر الله ... ألا ان هذا الموت قد أضر بالدنيا ففضحها، فلا والله ما وجد ذو لب فيها فرحا . فإياكم  وهذه السبل المتفرقة التي جماعها الضلالة وميعادها النار. أدركت من صدر هذه الأمة قوما كانوا اذا جنهم الليل، فقام على أطرافهم يفترشون خدودهم تجري دموعهم على خدودهم، يناجون مولاهم في فكاك رقابهم. اذا عملوا الحسنة سرتهم وسألوا الله أن يتقبلها منهم . واذا عملوا سيئة ساءتهم وسألوا الله أن يغفر لهم. يا ابن آدم ان كان لا يغنيك ما يكفيك فليس ها هنا شيء يغنيك. وان كان يغنيك ما يكفيك فالقليل من الدنيا يكفيك. يا ابن آدم لا تقل شيئا من الحق رياء ولا تتركه حياء.
ولكننا نود أن نشير الى أن القرآن الكريم اذا كان يبين حقارة الدنيا إذا قارناها بالحياة الأخرى، وذلك في قوله تعالى .« اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد، كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان. وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور».
نقول اذا كان القرآن الكريم يبين لنا حقارة الحياة الدنيا، فانه يدعو أيضا الى التمتع بالحياة، ولكن باعتدال لا بإسراف، وذلك في قوله تعالى : يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا، ولا تسرفوا، انه لا يحب المسرفين، قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة  وقوله تعالى : « وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنسى نصيبك من الدنيا».
الغالب اذن على التصوف في نشأته الأولى، العبادة والزهد ومحاسبة النفس والخوف وأيضا الكلام في المحبة. أما الجانب الفلسفي من التصوف الذي يغلب عليه المعرفة والرياضة الروحية والفناء ووحدة الوجود والحلول والاتحاد وغير ذلك من جوانب، فلا نجدها في النشأة الأولى من التصوف.
ولعل من خير الأبيات التي قيلت في الحب الإلهي، تلك التي تنسب الى رابعة العدوية. فهي تقول :
أحبك حبين: حب الهوى
                وحبا لأنك أهل لذاك
فأما الذي هو حب الهوى
                فشغلي بذكرك عمن سواك
وأما الذي أنت أهل له
                فكشفك للحجب حتى أراك
فلا الحمد في ذاك ولا ذاك لي
                 ولكن لك الحمد في ذا وذاك
وإذا كانت رابعة تتحدث عن الحب الإلهي، فانها اتخذت سبيلا إلى ذاك، العبادة وقيام الليل. فهي تصلي وتدعو وتقرأ بعض آيات القرآن وتتذكر الموت. فعبدة التي كانت تخدم رابعة تقول عنها : كانت رابعة تصلي الليل كله، فإذا طلع الفجر هجعت في مصلاها هجعة خفيفة حتى يسفر الفجر فكنت أسمعها تقول اذا وثبت من مرقدها ذلك وهي فزعة: يا نفس كم تنامين وإلى كم تقومين، يوشك أن تنامي نومة لا تقومين منها إلا لصرخة يوم النشور. قالت: فكان هذا دأبها دهرها حتى ماتت.
وجاء في كتاب طبقات الأولياء لعبد الرؤوف المناوي أنها كانت تصلي ألف ركعة في اليوم والليلة فقيل لها: ما تطلبين بهذا ؟ قالت: لا أريد به ثوابا وانما أفعله لكي يسر رسول الله يوم القيامة فيقول للأنبياء : انظروا الى امرأة من أمتي هذا عملها.
ونود أن نشير الى أن هناك الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تدعو الى قيام الليل والعبادة وتحث على الفكر والذكر، منها قوله تعالى : « تتجافى جنوبهم عن المضاجع» وقوله تعالى : « فاصبر على ما يقولون، وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى، ولا تمدن عينيك الى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه، ورزق ربك خير وأبقى، وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها، لا نسألك رزقا، نحن نرزقك، والعاقبة للتقوى». وقوله تعالى : « واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ».
ويقول الرسول : « عليكم بقيام الليل فانه مرضاة لربكم وهو دأب الصالحين قبلكم ومنهاة عن الإثم وملغاة للوزر ومذهب كيد الشيطان ومطردة للداء عن الجسد».
واذا كنا قد أشرنا الى أن الزهد قد أثر في النشأة الأولى للتصوف، فاننا نود أن نشير الى فهم الصوفية للزهد.
لو رجعنا الى الرسالة القشيرية لأبي القاسم عبد الكريم القشيري، والتعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي، وجدناهما يوردان الكثير من معاني الزهد، وذلك في الباب الذي خصصاه عن الزهد. فمن معانيه:
1- أن تترك الدنيا ثم لا تبالي بمن أخذها .
2- النظر الى الدنيا بعين الزوال لتصغر في عينك فيسهل عليك الاعراض عنها.
3- عزوف النفس عن الدنيا بلا تكلف.
4- الزهد الثقة بالله تعالى مع حب الفقر.
5- خلو اليد من الملك والقلب من التتبع.
6- أن تزهد فيما سوى الله تعالى.
7- الزهد في الدنيا أن تبغض أهلها وتبغض ما فيها.
8- الزهد في الدنيا ترك ما فيها على ما فيها.
يتبين لنا بعد ذلك كله، كيف اختلف مسلك الصوفية عن مسلك كل من المتكلمين والفلاسفة، وكيف اختلفت الآراء حول أصل كلمة " الصوفي " وسبب تسميتهم بهذا الاسم، كما اتضح لنا أخيرا الدور الكبير الذي أداه الزهد في نشأة التصوف الاسلامي.

   

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here