islamaumaroc

العروبة والألم

  ميشيل غفلق

19 العدد

قد تخرج من الجزائر الصورة المثالية لعروبة المستقبل. ذلك لأن شعب الجزائر قد عرف الألم الإنساني كما لم يعرفه شعب في العالم. ونضال الجزائر هو مقياس حيوية الأمة العربية وقدرتها على التجدد والإبداع. فلقد ظهرت في هذا العصر حركات وثورات كانت بالنسبة إلى العالم مفاجأة ومثار دهشة. أما ثورة الجزائر فكانت مفاجأة العروبة لنفسها.
لقد اعتدنا في أقطار الشرق العربي منذ مطلع هذا القرن أن نرى الحركات القومية متمثلة في الطبقات الوجيهة المتزعمة، فخالط قوميتنا من جراء ذلك الشيء الكثير من معاني الترف المادي والعاطفي والفكري. وبدت هذه القومية، وهي بعد ناشئة في المهد، مغلوبة مضطهدة، كأنها تتكلم لغة ليست لغتها الطبيعية، دخلها الاصطناع والتزييف والغرور والتبجح منذ تمتماتها الأولى. وهذا ما جعلها، ردحا طويلا من الزمن، معزولة عن الشعب وحياته الصادقة كما جعل صوتها عاجزا عن أن يتجاوز نطاق أرضنا، ويتجاوب مع مشاعر الشعوب الأخرى ويكسب عطفها وتأييدها.
كانت جماهير شعبنا العربي في جميع أقطارها وما تزال تعيش في الألم، الم الحرمان والظلم والتأخر. لكن صوت الشعب المتألم كتان يضيع في جلبة المعركة القائمة بين البلاد والمستعمر الأجنبي.
أما في الجزائر فقد عمل الاستعمار الفرنسي طوال أكثر من قرن، بحرب منظمة لإفقار والابادة، على تحقيق المساواة بين أفراد الشعب العربي، في الفقر والظلم، فتحققت بذاك للشعب وحدة الشعور ووحدة القضية، ولأول مرة في تاريخ النضال العربي ضد الاستعمار اتحد المعنى القومي بالمعنى الإنساني اتحادا تاما، لأن الاستعمار أوصل الشعب في الجزائر الى هذا الحد المتطرف الذي يدافع فيه الإنسان عن مجرد البقاء وعن مجرد الكرامة التي لا يستطيع مخلوق بشري ان يحيا بدونها.
وهكذا قرد للعروبة في الجزائر أن تبلغ جذور إنسانيتها، وان تتعرى من كل تزييف، وتمتلئ بالمعنى الايجابي، لأنها عانت وقاست كل مراحل السلبية والحرمان لتصبح عروبة الحق والحرية والعدالة، ولتستطيع أن تولد هذا النضال الشامل الجبار الذي بلغ الغاية في الرجولة والرصانة والعمق.
إن النقض الذي كنا نشعر بوجوده في نضالنا القومي يسده اليوم نضال شعبنا في الجزائر، لأنه منبعث من الم كبير، وهو ألم اكبر من أن يستنفده العقل ويتوقف عند الهدم ويستسلم للغرور والأهواء أو للضعف والاستكانة.
فبمقدار ما يتضامن الشعب العربي في أقطاره الأخرى مع نضال أخوانه في الجزائر، وبمقدار ما يؤازرهذا النضال ويضحي في سبيله، بمقدار ما يتحقق التفاعل بين أجزاء شعبنا الواحد، وتتوحد تجربته، ونعجل في تحرير قوميتنا العربية مما علق بها ودخل عليها من سطحية الطبقات المترفة ونفعيتها، لنغمس هذه القومية في معين الم الشعب وصدقه وإنسانيته.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here