islamaumaroc

هل إلى خروج من سبيل..؟

  دعوة الحق

العددان 147 و148

لعل من أهم السمات التي تميز شهر رمضان المعظم عن بقية الشهور طوال أيام السنة إقبال المسلمين الصائمين فيه على ألوان العبادة أنواع الطاعات، وأعمال البر والإحسان، وتقوية الإرادة في روح الصائم الذي يظل نهاره على الجوع والطوى، يذوق مرارة الحرمان والصدى، ويشعر بما يعانيه أخوه الفقير المعوز من الم مرمض، وجوع محرق أليم...
وليس هناك شهر كريم، يذكي خمود العزم، ويحرك ساكن الشوق إلى ملكوت الله ويبعث الإرادة التواقة إلى المعرفة والحياة الفكرية والروحية التي تعتبر مناط التقدم عند الأمم والشعوب كشهر رمضان المعظم...
فالصيام في هذا الشهر أفضل وسيلة لتربية قوة الإرادة في نفوس الأفراد، وشحذ العزيمة في نفوس الهيآت والجماعات فهو مدرسة اجتماعية لتربية أرقى أنواع السلوك الاجتماعي تنشر في المجتمع روح الحرية وتحرر الصائم من عبادة الشهوة ومن الاسترقاق للعادة، وتسمو بنفسه إلى أن لا يخضع إلا لمن تجب له العبودية والطاعات...
لكن...فبالرغم عن هذه المعاني السامية التي توخاها المشرع من مشروعية الصيام والأسرار الغزار التي يحفل بها شهر رمضان فإننا لا نجد لها تأثيرا ملحوظا في نفوس المسلمين في العصر الحاضر كما كنا نجدها في الصدر الأول وفجر الإسلام.
بل إن الأهداف التي يعمل لها الخطباء المرشدون والوعاظ الهادون الذين يجندون طاقاتهم في هذا الشهر الكريم لبث روح القوة والعزيمة والنضال في نفوس الصائمين طوال ثلاثين يوما لا تحقق المبتغى الذي تفياه المشرع من مشروعية هذه الفريضة التي تسير بالمسلم المومن في طريق الله وسبيل الرحمة وتقوده إلى الانفتاح على الحياة الجادة الواعية الموصلة إلى السعادة الراضية والأمل المطمئن..
فانه ما يكاد شهر رمضان المعظم يوذن حتى تنطفئ تلك الإشعاعات الذهنية والفكرية تحت غبش المادة الصاخبة والفتون العابثة وتطوى الصحف وتجف الأقلام ويعود الناس إلى حياتهم الجافة الضحلة المليئة بالصخب والفراغ واللغط والانحراف.
كان لم يكن بين الحجون إلى الصفا  أنيس ولم يسمر بمكة سامر
إن الإسلام الذي فرض على المسلمين صيام شهر كامل أراد أن يملأ الفراغ الروحي الذي ران على نفوسهم طوال أيام السنة، ولا سيما في هذا العصر المادي الجاف الذي تكالبت فيه قوى الشر وتألبت على المسلمين فيه عناصر الظلم والفساد!!!.
فلقد وصل العالم في العصر الحاضر إلى فراغ نفسي مخيف ماتت فيه أحاسيس البهجة في النفوس وتحللت أواصر المودة بين الناس وأصبح فيه الإنسان المتحضر تكنولوجيا..والغارق من قمة رأسه إلى أخمص قدميه في المادة يواجه معضلة الانفصام في الشخصية والضياع الذاتي ومن تم بدأ يفكر في الهروب من الأرض إلى القمر ومن الوحدة والألفة إلى الفرقة والضياع!! !.
وقد كان هذا سببا في أن يتغير الجو الديني في المنزل، وفي المدرسة، وفي المجتمع، وأن تنشأ الأجيال الطالعة خاوية النفوس من القيم الدينية والروحية وأصبح العالم المعاصر من جراء ذلك يشكو الغدر والاستغلال في المعاملة، ويشكو ويشكو الذاتية والجفاف في المعاشرة، ويشكو التخاذل والتقاعس عن البر ويشكو الخيانة والمجاملة في المصالح العامة ويشكو فقدان الغيرة والحشمة والاعتداء على المحرمات ويشكو الاستهانة بالتقاليد والمقومات مما آل بأحوالنا إلى هذه الصورة الطامسة والحال البائسة.
انه نتيجة للانحراف عن السلوك الديني الإسلامي الذي يصلح من أود الأمة، ويقوم اعوجاجها ويهديها إلى طريق الهدى والصواب.
إن ديننا الإسلامي نظام عالمي ذو رسالة في الأبعاد، رحيبة الآفاق، توجه الإنسان في الحياة، وتقوده في أناة وتبصر ورفق إلى مدخل الإنسانية الرحب، وتساعده على أن يحصل لنفسه وللجماعة الإنسانية أسمى درجات من الكمال الإنساني في الروح والعقل والخلق والوجدان..
وما من شك في أن المسلمين اليوم يعيشون في حاضر ملح يتمخض عن حادث جلل ينتظره مستقبل العروبة والإسلام وقد تمخضت الحركة الإسلامية في السنوات الأخيرة عن دعوة صادقة صريحة صافية في الرجوع إلى صفاء العقيدة التي تدعو إلى العمل وطهارة الإيمان الذي يبعث على الخلاص، وقواعد الحضارة والثقافة العربية التي تدعو إلى الفوز والنجاة والحرية والاستقلال...
فالعمل الصالح المثمر لا يتم إلا عن طريق العقيدة الصافية، والإيمان الراسخ، والروحانية لا تسمو إلا إذا كانت مقرونة بالعمل الذي هو وسيلة لاستمرارها وبقائها.
إن الإسلام يرى في إنسان القرن العشرين إنسانا بلغ الشأو البعيد في الحضارة والتقدم والاختراعات والكشوف، إذ نضجت مداركه، وتفتحت ملكاته واتسعت آفاق نظرياته في ملكوت السماوات والأرض.. وكل هذا جدير بان يبلغ به يوما ما مبلغ الإيمان الوثيق ويصل به إلى درجات الإحسان وتكريم أخيه الإنسان وتعميم الخير وتحقيق السعادة وتنظيم العمران..
وان عالمنا اليوم حافل بألوان من المغريات وضروب من المعوقات والمثبطات التي يضعها أعداء الإسلام في طريق خلاصه من التخلف والضياع والانصياع إلى التواني والتوكل... لكن اكبر عدو لدود وخطير في حياتنا يأتي من الداخل انه نفوسنا الواهية العابثة الضعيفة الواهنة التي جرأت أعداءنا علينا فاستأسدوا وتنمروا، ولبسوا لنا جلد الأرقم، وتفننوا في تشتيتنا وتفتيتنا بما ملكت أيديهم وعقولهم... فنالوا بعض ما أملوا...
وشهر رمضان المعظم خير فرصة تتاح في حياة الإنسان المسلم لمراجعة النفس، ومحاسبة الضمير، ومراقبة السلوك، وتصحيح العقيدة لتغير ما بها من امت وعوج وشطط وانحراف.. !!
وإننا عندما ندعو إلى الإسلام أو ننعي على أعدائنا محاربتهم للمسلمين، فلا بد من أن نضع في حسابنا أن جانبا كبيرا من المشكلة المزمنة، والمعضلة القائمة يعود إلينا نحن في داخل أنفسنا ومن هنا جاء القران وجاءت السنة بعلاج الأمر من داخل النفس لا من خارجها إذ صلاح المجتمع الإسلامي منطلقا قبل كل شيء من روحه وقلبه فتحل الحيوية النشيطة محل الانهزامية، والأمل الباسم محل اليأس والقنوط والإيمان الراسخ مكان التشتت، والعقيدة الصافية السليمة مكان الخيالات المهزوزة التي تحاول أن تجد لها في القلب الخاوي مستقرا...
وهذا كله يحتاج إلى ثورة بكل ما تحمله هذه الكلمة من أبعاد وظلال ودون هذا باطل لا يقبل فلا مجال لأنصاف الحلول... إذ لنا الصدر دون العالمين أو القبر... ثورة تعصف بكل ما لدى المجتمع الإسلامي الحاضر من مفاهيم وأعراف، وقيم وعادات، وتطيح بمثله الأخلاقية المنافية لروح التشريع الإسلامي وتغير أساليب تعامله وعلاقاته في مختلف المجالات... وحتى في لغة تخاطبه، وتراجع، مناهج التربية والتعليم حتى تصل إلى مختلف مؤسساته القائمة سواء في مجال الأعلام، أو التعليم، أو قيام البنيان الاقتصادي للبلاد بكل ما يقوم عليه من أسس وقواعد وركائز... ذلك أننا أقوى امة في عقيدتنا وإيماننا، وأغنى امة في ثرواتنا الخبيئة، وذخائرنا الثمينة، وارفع دولة في نفائسنا واعلاقنا، واكبر امة في شغلنا اكبر جزء للكرة الأرضية... وعندنا قوة الإيمان بالله، وطاقة العقيدة الخالدة، وعندنا تاريخ حافل زاهر، وماض مشرق مضئ، وأسوة حسنة في آبائنا الأبطال ورجالنا الغر الميامين الذين رصعوا جبين التاريخ، فالتفت لهم الدهر، واستجابت لهم الأيام...
وإننا بالرغم عن كل هذه الطاقات الكامنة والقوى الخطيرة المستكنة، ما برح حالنا خامدا هامدا، لم نتعظ ولم نتعلم، ولم نغير ما بأنفسنا حتى يغير الله ما بنا.. لم نغير نمط تفكيرنا وأسلوب حياتنا ولم نحاول أن نرتفع بمستوى مواجهتنا لكل ما يحيط بنا من تخلف وضمور، وانحطاط واسفاف، وهجوم واعتداء، ومسكنة واستخذاء... ولم نفتح أبصارنا وبصائرنا على ما وصلت إليه الأمم الراقية في تقدمها ونهوضها، وتماسكها وانسجامها، متكلين على مجد غابر، وحق ضائع، راضين بما قام به أجدادنا من تشيد وبناء وحضارة وعمران.
صحيح أن المسلمين في العصر الحاضر يعيشون في محن وخطوب، لان أمم الأرض تالبت عليهم حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق... ولكن هذه الآلام كلها حوافز للنهوض وباعثة على القيام من التعثر والزلق.
فقد أثبت التاريخ الصادق الأمين أن المحن مهما اشتدت، والخطوب مهما تفاقمت فإنها تكون عاملا من عوامل البعث والنشور وحافزا من حوافز اليقظة والانفتاح، وتجديدا للعزائم بعد الالتياث، وعقدا للصرائم بعد الانتكاث. وتكوينا للأبطال، وتحويلا لمجرى التاريخ وصنعا للمعجزات...
وإننا لو قمنا بدراسة موضوعية للأحداث والكوارث والمتاعب والمصائب التي واجهها العرب والمسلمون في مختلف العصور من قبل الغزاة الأجانب على امتداد حقب التاريخ لاستبان لنا أن أمة تصمد لكل هذه البلايا والرزايا، ثم تحتفظ بعقيدتها وثقافتها الحضارية الإسلامية لهي امة جديرة بالإعجاب والتنويه والإشادة والتقدير، حرية باستعادة القيادة والريادة من جديد في مستقبل الأيام...
إن أمة عرفت بهذا الشأن العظيم، وعاشت بهذه الخلال الكريمة، والسجايا النبيلة، من الرجولة الحق، والبطولة الفذة، وظلت سيدة الدنيا ورائدة الأمم والشعوب كلها، وأملت إرادتها على العالم كله... لحقيق بان تثبت وجودها وحضورها، وأنف الدهر راغم... ذلك لأن الإسلام دين الله، ولا يمكن أن يسير في ركاب أحد، أيا كان، ولا أن يكون المومنون به حقا مطية لأحد وان بدوا الآن في بعض أقطارهم غافلين فسرعان ما يعودون إلى أصالتهم التي تأبى عليهم إلا أن يكونوا في الذروة والسنام.
إن الإسلام أقوى عقيدة تقض مضاجع الاستعمار وتنغص عيشه وتطير النوم عن معاقد أجفانه وتقوض دعائمه وتأتي بنيانه من القواعد، تحقق للمسلمين أشواقهم في سماحة ويسر، وتلبي تطلعاتهم في إطار إسلامي صحيح في حدود العدالة والحق والإحسان...
وحدود الإسلام ليست قيودا مما يشل الحركة، ويعوق النشاط؛ ولا هي أغلال وأصفاد مما يمنع النهوض؛ ولا هي عصائب مما يحجب عن العيون النور، ولا هي أحجار مما يثقل على الحس، ولا هي جهالات مما يمتنع على العقل والاقتناع به وتدبره... وإنما هي حدود الطبيعة التي لا يمكن خرقها والتي لا يخرقها إلا من سفه نفسه... وإنما أيضا ليست شيئا إلا تحرير الإنسانية من كل عبودية تفرض عليها إلا عبادة الله، من كل تقليد أو نظام يراد به العبث بكرامة العقل أو كرامة الروح.
وان شباب الإسلام الواعين الصادقين، الملهمين الملتزمين الذين يحفل بهم اليوم عالمنا الإسلامي، المسترخصين أرواحهم وأبدانهم في سبيل نصرة الله، وإعلاء كلمة الحق هم اصدق الناس وأقواهم وأثبتهم وأشدهم تضحية وأكثرهم فداء في محاربة الاستعمار الكافر، ومقارعة الصهيونية الحاقدة ومقاومة المذاهب الوافدة من وراء البحار وخلف السهوب والتي تهون عليها في سبيل محاربة الإسلام الأموال الطائلة التي تبذلها في إخراج الأفلام السينمائية الخليعة، والمسرحيات المريضة المشوهة لسمعة المسلمين، الحاقدة على أخلاقهم وفضائلهم الداعية إلى الميع والانحلال بين جماهيرهم لتقتل فيهم روح الرجولة والنضال التي عرفها المسلمون الصادقون الذين ءامنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وءامنوا ثم اتقوا وأحسنوا... فوضع الإسلام عنهم إصرهم.. والأغلال التي كانت عليهم...
والأمة الإسلامية تملك من حوافز التقدم والنهوض وبواعث الانطلاق والنشور إن هي تمسكت بكتاب الله وسنة رسوله وترسمت سنن من كان قبلها من رجال السلف الصالح ما يكفل لها حياة راضية، ويؤهلها لان تحتل مكان الريادة بين شعوب الأرض بما تحمله من عقيدة التوحيد، وشريعة الكرامة، وسلوك الطهر والنقاء.
فهل إلى خروج من سبيل؟
إن سبيل الخروج مما نحن فيه من تخلف وتأخر، وتباعد وتناحر وتنابز وتدابر، هو التوجه إلى طريق الله، والاعتماد على شريعته والإعراض عن كل المستوردات المذهبية الواغلة الوافدة.. حتى لا يبقى إلا سبيل الإسلام الذي يرفض شوائب النفعية والتسخير والاستغلال... فمن رغب به خرج منتصرا على تخلفه وتبعيته وفاز فوزا عظيما، ومن نأى بجانبه واعرض عنه بقى كقدح الراكب إلى الوراء، مذبذبا بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، متلونا في حالاته وسلوكه وتصرفاته كما تتلون الحرباء !!!.
وصدق رب العزة والجلال:
ومن اعرض عن ذكري...
فان له معيشة ضنكا...
ونحشره يوم القيامة أعمى.... !!
قال : رب، لم حشرتني اعمى...؟؟
وقد كنت بصيرا..
قال: كذلك أتتك آياتنا فنسيتها...
وكذلك اليوم تنسى.. !!
وكذلك نجزي من أسرف..
ولم يومن بآيات ربه....
ولعذاب الآخرة اشد وابقي.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here