islamaumaroc

كلمة العدد: رمضان كريم

  دعوة الحق

19 العدد

أوشك شهر الصيام أن يودعنا مأسوفا عليه، فلئن كنا نجده طويلا بجوعه وعطشه، وما يجب فيه من الانقطاع عن كثير من العادات والشهوات، فما احرانا أن نجده قصيرا(في طاعة الخلاق) على حد تعبير شوقي في قصيدته التي يودع بها رمضان، ويستقبل بها عيد الفطر السعيد.
نعم، ما أقله في طاعة الخلاق،على ألا نفهم هذه الطاعة مجرد انقطاع عن الأكل والشرب لمدة محدودة ، ولكن على أن نفهمها طاعة كاملة، تشترك فيها جميع الجوارح، ويشترك فيها الضمير بالدرجة الأولى، فلا فحش ولا نميمة ولا حسد ولا بغضاء، ولا كراهية ولا حقد، ذلك أن هذه الصفات لن تجد لها مكانا في قلب يعمره الإيمان وتملأه الطاعة، وتستحوذ عليه خشية الله، ومراقبته في السر والعلانية، وهذا هو المفروض في قلب المسلم دائما، وفي شهر رمضان على وجه الخصوص.
لقد اعتاد الناس أن يطلقوا على«رمضان» صفات كثيرة كلها تحمل معنى التكريم والاحترام، ولكن أحسنها جميعا- فيما نرى- هي الصفة التي دأب إخواننا في المشرق على أن يرددوها في كل يوم من رمشان عشرات المرات، في مصافحاتهم، واستقبالاتهم في البيوت، وفي معرض التهنئة، وفي فض الخصومات، وغير ذاك من المناسبات الكثيرة، وبغير مناسبة أصلا في بعض الأحيان، وذلك حيث يقولون: رمضان كريم.
ورمضان كريم حقا، بجميع أنواع الكرم وألوانه، المادية والمعنوية على السواء.
وهل هناك أكرم من شهر يتيح لك الفرصة لتوثيق صلتك بربك، أو لتجديدها إن كان قد طرأ عليها خلال العام ما يجعلها في حاجة إلى التجديد!.
وهل هناك شك في أن الشعور الديني عند كل فرد مسلم يزداد حيوية وقوة خلال شهر الصيام ؟
وهل هناك أروع من أن ترى أمة بكاملها مهما تباعدت بها الأقطار أو نأت بها الديار، أو اختلفت بينها الاتجاهات والعادات والظروف، يمسك جميع أفرادها ساعات معدودة، طاعة لربهم، خلال شهر بعينه، عن مألوف الطعام والشراب والملذات والشهوات والعادات؟
وهل هناك أكرم من أن يتعود الإنسان التحكم في إرادته، والقدرة على إخضاع نزواته، والسيطرة على حاجاته الحيوية المادية، والصبر على آلام الجوع والعطش من غير إكراه يلزمه ذلك، أو مراقبة تفرض عليه، وإنما استجابة لصوت الضمير، وتنفيذا لأمر الله ؟
ذلك أول مظهر من مظاهر كرم رمضان، فهو يسمو بالمسلم الذي يصومه إيمانا واحتسابا عن درك الحيوانية، ويرفعه درجات عن أوضار المادة وقيودها، ويتجه ينظره وفكره وشعوره إلى عالم التجرد والجلال عالم الصفاء والطهر، حيث لا يحول بين الإنسان وبين استجلاء عظمة خالقه كثافة المادة ولا أثقالها، وحيث تزول عن عيني الإنسان تلك الغشاوة التي تخلقها البطنة وتراكم الدهن وبطر النعمة واستعباد الترف.
ورمضان كريم فيما عدا ذلك أيضا، فهو شهر المبرات والصدقات، تنشرح فيه النفس للإحسان، وتتسع آفاقها لمشاركة البائسين وجدانيا آلامهم، ومشاركتهم عمليا في النعمة التي أتاحها الله، وجعل فيها حقا معلوما فيها للبائس والمرحوم.
وإذا كان العصر الذي نعيشه لا يقول بالإحسان، وإنما يقول بإتاحة الفرصة، فلا أقل- ريثما يتاح ذلك- من أن نسير في الإحسان إلى ابعد حدوده الممكنة، على أن يكون إحسانا منظما، وبكيفية تحفظ على المواطنين كرامتهم وإنسانيتهم، ولعل في الكيفية التي نظم بها الإسعاف في هذا الشهر من هذه السنة بالذات ما يحقق شيئا من ذلك، وإن كانت الحاجة إلى تكافل المواطنين وتساندهم لا تقتصر على شهر بعينه، وإنما هي دائمة مستمرة.
ونحن نقترح بهذه المناسبة، ان تفرض ضريبة خاصة، وتصاعدية على راتب الموظف ودخل التاجر وأجر العالم، وعلى جميع المستهلكات التي تدخل في الترفيه والكماليات، تكون الغاية منها تمويل إسعاف منظم مستمر، ينال منه العاطل ريثما يجد عملا، والعاجز ريثما يسترد القدرة على السعي، ويتبع كل ذلك، القضاء نهائيا على ظاهرة التسول المخجلة التي لم تعد كما كانت من قبل محصورة في الأزقة والدروب الضيقة، ,إنما أسفرت عن وجهها نهائيا، وخرجت إلى الشوارع العامة والمقاهي، حيث يكثر الأجانب والسواح، وحيث يصعب على من يرغب في الإحسان، أن يميز من يطلبه لحاجته إليه، ومن يطلبه احترفا، وما أكثر هؤلاء وأولئك معا، وما أصعب التمييز بين الفريقين.
ورمضان كريم فيما عدا ذلك أيضا، فالصيام عبادة، والعبادة لبست مجرد عمل تؤديه الجوارح، وإنما هي قبل كل شيء تأمل وتفكير، والتأمل الصحيح والتفكير العميق الصادق، لن يؤدي كل منهما إلى ما هو خير وجمال وصدق، وقد علمنا الدين أن من تمامك الصيام إمساك اللسان عن الثرثرة وكثرة الكلام في غير موضوع مفيد، حتى لا ينزلق اللسان إلى معصية، أو ينشغل القلب عن التأمل بسفساف القول وتافه الكلام.
وقد كنا جديرين كمسلمين، أن نلحم ألسنتنا وأقلامنا- خلال شهر الصيام على الأقل- عما تزخر به بعض صحفنا من التفاهات والترهات، وتبادل الفضائح والإشاعات، والنيل من كرامة الناس ونهش لحومهم، وغير ذلك مما لا يفيد إلا في توسعة شقة الخلاف، ولا يستفيد منه إلا المستعمرون.
وهل أحب إلى هؤلاء وأجدى عليهم من فتح جبهات داخلية للحرب في بلادنا، تصرفنا عنهم وعن عبثهم واستهتارهم وكيدهم وتربصهم بنا الدوائر ؟
لقد كنا جديرين أن نتخذ من شهر الصيام هدنة، إن لم نتخذ منه فرصة لمراجعة مواقفنا ومحاسبة أنفسنا!
لفائدة من هذه المعركة التي كنا في غنى عنها؟
لفائدة من نبذر بأيدينا في صفوفنا بذور الشك والحيرة والبلبلة ؟
لفائدة من نحاول أن نحطم قادتنا وأن نجردهم من كل فضيلة ؟
إن الخلاف في الرأي والوجهة وأسلوب التفكير شيء من طبيعة الكون، لا يمكن لأية قوة أن تقف في وجهة أو تحول دون حدوثه، ولكن الذي ليس طبيعيا ولا معقولا هوأن ينقلب الخلاف في الرأي أو الوجهة أو أسلوب التفكير إلى معارك غير ذات أهداف واضحة، ينعدم فيها الاحترام نهائيا، وتموت الكرامة، وتنطلق أبالسة الشر لتجري على الأقلام سما قاتلا.
إن الله تبارك وتعالى يقول: ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات، مهلا سار كل منا في وجهته، واستبقنا الخيرات؟
أما الخيرات بالنسبة لأحوالنا وظروفنا فهي تحقيق الأهداف الوطنية والاجتماعية، وستكون المعركة حتما لمن يستطيع أن يجد الشجاعة الكافية لتحويل المعركة عن ميدانها الوهمي إلى ميادينها الحقيقة، لمن يتصامم عما يناله من سوء شخصه من الآخرين، ويتوجه بكليته، ويوجه المواطنين معه، إلى الأهداف الوطنية الصحيحة، هناك في الصحراء، وفي سبتة ومليلية، وفي مطارات الاحتلال وثكناته، وفي المدرسة والحقل والمعمل والمصرف، وفي المجالات السياسية الدولية، وفي غير ذلك كثير.
فهل نستبق الخيرات؟
إننا لم نيأس بعد، ولا ينبغي لنا أن نيأس، ونحن لا نزال نرجو أن تكون هذه المحنة سحابة صيف، يصفو بعدها الجو، وتنقشع الغمة، ويسود الاحترام المتبادل والمحبة التي تفرضها المواطنة، محل الخصام العنيف والمجادلة العقيمة.
وإذا كان لابد من خلاف، فلنا مندوحة في التعبير عنه بالمنطق والحجة والنقاش الهادئ الرزين، على ألا نسمح لشيء من ذلك بأن يشغلها عن الأهداف الوطنية الصحيحة.
وبعد، فلعل الذين اعتادوا أن يرددوا(رمضان كريم) لا يقصدون أكثر من التحية أو الاعتذار عن واجبات الضيافة، أو التنبيه إلى ما ينبغي من الحلم عندما ينحرف المزاج وتتوتر الأعصاب، ولكن كرم رمضان شيء فوق كل ذلك، فهو شهر المغفرة، وشهر التأمل والعبادة، وشهر الإحسان والرحمة، وهو الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان.
فهل نتيح لأنفسنا الفرصة الكاملة لكي تستفيد من كرم رمضان؟...نرجو أن نفعل، ورمضان كريم.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here