islamaumaroc

أبو رقراق

  العربي العمراوي

3 العدد

أصبح وادي أبي رقراق يجري كعادته هادئا بين ضفتيه اللتين تحوم فوقهما بعض الطيور المائية باحثة عن ما يرميه لها البحر من أسماك صغيرة وحشرات دقيقة الأرجل سريعة الحركة.
وكان الضباب يتجمع على الشطين فيلف هذه المراكب الصغيرة التي تقترب من الشاطئ لتحمل على ظهرها بعض من يريد العبور لقاء أجر زهيد تتقاضاه مقدما، وكان يسمع صوت مبحوح للماء الهادي الذي ينشق، أما صدر المركب الصغير فيمتزج بالصوت الرنان المنبعث من المجاديف ويصدر عن ذلك كله لحن طالما هام به العشاق والمغامرون وخاصة إذا ارتفع صوت شيخ هرم يقود مركبه ويردد أغنية أمانيه يوم كان شابا فيسحر بها القلوب ويدغدغ نفوسا مشتاقة ولهى.
وفي تلك اللحظة كان يقترب من النهر رجل خشن الثياب، قد حمل في يده عصا وعلى كتفه ركوة ماء، ويتبعه شاب في مقتبل العمر وهما يريدان عبور النهر.
كان الشيخ قد طاف حول العالم المتمدن حينذاك يدرس ما في الكتب وما في رؤوس الناس أيضا، ويقارن بين ما يراه هناك وبين ما ترك عليه بلاده، وبعد غياب طويل ها هو يعود اليوم إلى بلاده يملأ نفسه أمل كبير في أن يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، وفي رجوعه هذا اتخذ هذا الشاب رفيقا يربيه على أسس الدعوة الجديدة ليكون عضده في الكفاح الذي بدأ يسبح في لججه.
واقتربا من مركب وجداه فجأة بجانبهما، وطلبا منه أن يحملهما إلى الشاطئ الثاني ليتابعا نشر دعوتهما هناك، وأدخل الشيخ يده بين ثنايا ثوبه، وبعد بحث طويل أخرج قطعة من النقود ومدها إلى صاحب المركب وبدأ يستعد للنزول إليه مع رفيقه.
ولكن صاحب المركب قهقه عاليا ورمى بالنقود في وجه الشيخ وقال:
- هذا لركوب واحد فقط، فبم يركب الآخر؟
والتفت الشيخ إلى الشاب طالبا رأيه، ولكن ما عسى الشاب أن يفعل وهو لا يملك من متاع الدنيا شيئا. ووقفا حائرين يريدان العبور لينشرا في العدوة الأخرى دعوتهما منكرين على الدولة الشمطاء تساهلها بل وإهمالها لتعاليم الدين. ولكن كيف يتمكنان من القيام بكل هذا وهما لا يملكان أجرة مركب يعبران عليه النهر إلى العدوة الأخرى.
ووقف الشاب ينظر إلى شيخه يلتمس أن ينبثق فكره الحكيم عن رأي يطير بهما فوق النهر ويضعهما على الضفة الأخرى لينطلقا إلى تبليغ الرسالة التي قيدتهما العناية الإلاهية لأدائها، وأطرق الشيخ مليا ثم رفع رأسه وقلب بين أصابعه قطعة النقود الصدئة التي لم تستطع أن تحمله مع تلميذه إلى تلك الضفة المحتجبة وراء ضباب الصباح الكثيف، ولكن حكمته البالغة لم تسعفه برأي في حين كان يرى صاحب المركب يعود إلى مركبه ليحكم رباط مجاديفه وهو يبتسم ابتسامة ساخرة متمتما بكلمات لم يسمعها أحد، إلا أن الجميع يفهم أنها تدور حول هذا الشيخ الآفن والشاب المغرور اللذين يجهلان كل شيء عن الحياة وكأنهما كانا يعيشان في كهف من كهوف الغاب أو في جزيرة نائية قد خمدت فيها الحياة وانقطع رنينها.
ووقف الشيخ بدوره ينظر إلى تلميذه يلتمس أن ينبثق فكره الشاب عن رأي عجزت حكمة الشيخ عن إيجاده، فأطرق الشاب أمام شيخه الوقور المستنجد به وأعمل فكره طويلا.
في ذلك الوقت أخذت أشعة الشمس تطارد الضباب الذي أخذ يتموج في انسحابه من الميدان تاركا النهر يسيل رويدا تحت أشعة الشمس الدافئة. فانكشفت الضفتان ورأيا المراكب الصغيرة غادية رائحة محملة بجموع بشرية، كل يسير نحو وجهة حالما بما سينال في غده من ثروة أو جاه.
وألقى الشاب نظرة على النهر وعاد  بنظرته تلك إلى شيخه، ولكنه في هذه اللحظة كان يبتسم ابتسامة النصر، ابتسامة ضال وجد الطريق من جديد وفي الوقت نفسه فهم شيخه ما يريد، فأسرع إلى المركب ودفع قطعة النقود الوحيدة التي يملكها، وجلس في مؤخر السفينة واضعا بين يديه رزمة الثياب التي كان يلبسها تلميذه.
وتحركت اليد اليمنى فتحرك معها مجداف واحد واستدارت السفينة وألقت بنفسها وسط النهر لتنصت إلى اللحن الذي يوقعه مجدافاها، والذي طالما استمعت إليه دون أن يتغير هو ودون أن تمله هي أيضا، وسارت السفينة حاملة الشيخ الوقور وهي تحفر في الماء شقا عميقا، وسار الشاب خلفها يجره تيارها فيقترب منها تارة وتخبو قواه، فيبتعد عنها تارة أخرى، وهو أثناء هذا يجر الماء إلى صدره بساعديه ويدفعه بساقيه إلى الوراء، وكان رأسه يرتفع قليلا عن الماء، فإذا ما غمرته موجة عاد فأخرجه وهو يلهث، وكان الماء يتكسر على جسمه البض الناعم في حين كانت تقع أشعة الصباح على كتفيه في شوق ولهفة محاولة أن تنال منه في لحظة واحدة ما فاتها من قبل.
وجدف الشاب بساعديه ما وسعه التجديف مقتفيا أثر المركب الذي يحمل الشيخ، حتى نال منه التعب وانقطعت أنفاسه، حينذاك اقترب من حافة المركب ووضع يده عليه ليستريح قليلا فما راعه إلا أن يرى المجداف يرتفع في الهواء لينزل على أصابعه الآخذة بحافة المركب.
لقد كادت أصابعه أن تنكسر عظامها، وشعر بكفه يتجمد ويعجز عن الحركة، وبدون شعور أراد أن يقف على قدميه فأخذ يغوص في الماء دون أن تصل قدمه الواهية إلى قعر النهر.
ونظر الشيخ إلى تلميذه الشاب، وقد ضاع نظام حركته، وأصبح يتخبط في طبقات الماء دون أن يستطيع خلاصا ودون أن يملك السيطرة على توازن جسمه المضطرب، ومع ذلك فلم يقلق الشيخ ولم يضطرب لأنه يعلم أن هذا الشاب لا بد أن يخرج من النهر سالما ولا بد أن تصبح يده تلك هي اليد الوحيدة المسيرة للأمور في شمال إفريقية، وبلاد الأندلس أيضا. إنه على يقين بأن إفريقية ستصبح بعد قليل تحت حكم هذا الذي لم يجد أجرة مركب يعبر به النهر، وهو الآن يكافح الماء لينجو من الاختناق.
وعاد الشاب يحاول أن يجدف بذراعيه من جديد فلم تطق يمناه أن تتحرك كما كانت من قبل، ومع ذلك فقد أجبرها على أن تعمل وتعمل لتصل به إلى الضفة الأخرى، والتحق بالمركب، وأخذ يتبعه كما كان من قبل، ويغتنم فرصة انشغال صاحبه بالتجديف ليضع يده على الحافة، وكلما حانت التفاتة من صاحب المركب إلا ويبتعد بنفسه خوفا من عقاب جديد ينزل به.
وفي النهاية ألقى المركب مرساته على الضفة، وفي لحظة كان الشاب يجفف جسمه ويرتدي ثيابه.
ومضت على هذا اليوم أعوام مليئة بكفاح مرير، وكان بعدها يوم أغر حلقت فيه ببغاء صغيرة على رؤوس الجمهور المحتشد وأخذت تنشد وتغني: النصر والفتح المبين، لعبد المومن أمير المومنين. وفي الوقت نفسه تقدم أسد قد ارتجت الأرجاء من زئيره وفر الناس من طريقه خفافا، ولم يبق وسط الساحة إلى شاب في مقتبل العمر، أما الأسد فقد تقدم ملتفتا يمنة ويسرة باحثا عن شيء أضاعه، وبين النظرات الخائفة والقلوب الواجفة رأى الناس ذلك الأسد يتمسح بقدمي الشاب، حينذاك انطلقت الأصوات من الحناجر تهتف مع الببغاء: النصر والفتح المبين، لعبد المومن أمير المؤمنين. وتدافع الناس سراعا يقبلون من شهد الطير بإمامته وأقر الشبل بخلافته فأصبح بعد هذا وقد سادت كلمته في إفريقية وفي بلاد الأندلس.
وجاء أمير المؤمنين عبد المومن بن علي الموحدي، ليعبر وادي أبي رقراق مع جيشه العرمرم في طريقه لمحق العدو، فانسحبت من الشاطئ تلك السفن الصغيرة العاملة في نقل الركاب إجلالا لعظمة عبد المومن أمير المومنين الذي عبر الجيش أمام أنظاره تطفو على محياه رغبة في نشر دعوته وأمل في إشاعة مذهبه في هذا العالم الآثم. بعد ذلك بعث أمير المومنين بمن يأتيه بصديقه القديم الذي أبى أن يحمله في مركبه والذي أبى عليه كذلك أن يضع يده على حافته ليستريح قليلا.
وتقدم أمام أمير المومنين شيخ قد هدت كيانه السنون وأثقلت كاهله بأوزارها، وسقط على ركبته منتظرا عقابه اللازب، أما أمير المؤمنين فقد دمعت عيناه لما رأى الشيخ، لأنه تذكر المهدي المنتظر شيخه الذي عبر معه ذلك الوادي في يوم من الأيام، وحيدين فقيرين إلا من عزيمة وإيمان أسسا بهما أعظم مملكة وأوسعها عرفها المغرب خلال تاريخه كله.
ورفع عبد المومن يمناه، وحركها فلم يشعر بأدنى ألم فيها، إنه نسي الألم منذ خرج من النهر وسار في طريق الكفاح، وأطرق متمتما بالترحم على روح المهدي المنتظر -ثم رفع رأسه إلى الشيخ الهرم وقال له: - عد أيها العم إلى مركبك طليقا.
وبذلك أسمع العالم مرة ثانية كلمة نبي الإسلام لمن كان آذاه من قريش.
اذهبوا فأنتم الطلقاء.
وبذلك أيضا اكتشف الناس قلبا ثانيا خرج إلى الدنيا ولا محل فيه للحقد ولا أثر للانتقام.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here