islamaumaroc

الشباب طاقة وأمل

  التهامي الوزاني

19 العدد

لو أن المغاربة وجهوا مجهودهم إلى إقامة قواعد واضحة محدودة، لكانوا في ثورة بناءة، فإن هذا الغليان الذي نشعر به، وفي الكثير من الأحيان قريبا يورثنا الأرق، ما مثله إلا كمثل نهر«سبو» عندما يفيض بالخيرات والبركات، ثم يلقيها في لجج البحر دون أن ينتفع منها إلا بأقل من عشر المعشار، ذلك لأن النهر الكريم المتفضل لا يجد الاستعداد لصرف مياهه وادخارها، واجتناء ما فيها من كهرباء، وسقي، وتجميل، ولأن أفكارنا غير مهيأة لإقامة عمل صالح جليل، وبدلا من أن ينصرف فهذا الاندفاع فينا إلى إحداث مناطق تعاونية، وإلى المغامرة في سبيل الاكتفاء الاقتصادي، وإلى ترقية الفنون،وإلى الاستكثار من المناسج والأتاتين، وإلى استدرار مراقد الحديد والخدمات، وإلى الانطلاق في التفكير المنتج، نتركه يحطمنا تحطيما، كالنار تأكل نفسها إذ لم تجد ما تأكله.
ولنا في أطفال المدارس عظة وعبرة فقد كنا نرى الأطفال عندما ينصرفون من عملهم في الكتاب، يتضاربون، ويفسدون، ويتعلمون ما ضرهم ولا ينفعهم، وكنا نعاقبهم بأنواع العقوبات، لأنهم اساؤوا في تصرفاتهم، وكلما أذنبوا جدلنا جلودهم وابشارهم، فلما شممنا رائحة المعرفة، أدركنا أن الطفولة حركة دائبة ليس في طوقها أن يقف نشاطها ولا أن يقيد مطلقا، وأدركنا أن العلاج مشروط بأن يكون مسايرا للفطرة لا تعارض مع الطبيعة، وحينما تأتي السيول تجرف معها الأبنية والأشجار فإن اتقاء أخطارها لا يكون يشتمها وذكر فظائعها، وإنما يندفع شر الفيضان بإقامة سدود محكمة البنيان، تحول التيارات إلى الجهات التي تجلعها نافعة، وتحول بينها وبين وجوه الخراب، وأن فعلنا فإن خوفنا من تهاطل الأمطار سيتحول إلى أمن ورجاء، ونصير نتمنى غزارتها، لأننا سنجني منها ثمراتها، وسنسخر تساقطها من مرتفعات في مساعدتنا على الإنتاج القومي بما تحدثه من كهرباء، وما تقربه من مواصلات. وحتى الرياح العاتية حينما تشتد سرعتها يرى فيها الذين يعرفون كيف ينظرون في ءايات الله، ثروة طائلة لإسعاف الأدمية بأكملها، ولا تهواهم شدتها، ولا تصرفهم أعاصيرها عن التفكير في إحداث الوسائل التي ترغمها على أن يكون وسيلة من وسائل البناء، بدلا من تركها مخربة مهدمة.
لم تكن الحكومات عابثة في تخصيصها للاعتمادات الضخمة لتنظيم أوقات فراغ الأطفال والشباب، فإن الطفولة والشباب ليس الا قوة عظيمة في الإمكان الاستفادة منها بمثل الصورة التي استفيد بها من قوة البخار، وهبوب الرياح وتساقط الأمطار. وكل شيء قوي في الطبيعة، فإن وراءه نتائج عظيمة في سبيل إسعاد الخلقية، ولاشك أن طيش الشباب يكون حلقة من هذه السلسلة ولا ينفى عنها قيمتها في صلاحيتها للبناء أن يسميها الناس طيشا، ونزقا، وما شاءوا من الألفاظ التي يلدها الغضب وضيق دائرة التفكير.
ومثلما نحن في حاجة إلى بناء السدود للاستفادة من قوانا المائية، نحن في حاجة الى موجهين ومسيرين، والمشكلة في الأولى هي عين المشكلة في الثانية. وقد تكون لنا عن بناء السدود فكرة واضحة- وإن كانت ناقصة- فنتصور إن إقامة السد تحتاج أولا إلى مهندسين بارعين في مختلف الميادين المعمارية، لكي يتم إعداد التقارير وينجز تقدير الاعتمادات، ويحال الأمر على المنتجين العاملين لتحضير المواد اللازمة. وإذن فإن لنا فكرة عن بناء السد، لكننا لا نتصور أو أن الكثيرين منا لا يتصورون أن النظرة الجدية التي ننظر بها إلى إقامة السد هي النظرة التي نحتاج إليها في رعاية الطفولة وفي تقويم الشباب، وليست الثمرات التي نحصل عليها من بناء السدود إلا جزأ بسيطا من الفوائد التي ننالها من تقويم ناشئتنا، وحمايتها من عوامل الانهيار والشلل.
 لقد بالغ الاستعمار في تخريب بنائنا القومي، واتضح أن غزوه الترابي لم يكن اقل من غزوه للأفكار، ويوم كان المغرب في ظلمة حالكة من السيطرة الأجنبية لم نكن نبصر العيوب التي أصابتنا، لأننا كنا في ظلام
  حتى تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود. وانفلق صبح الاستقلال بعد غسق السيطرة الأجنبية، فأخذنا نبصر ما حولنا، مثل ما يبصره المبصر عند طلوع الفجر، لا يكاد يتبين، وكلما تغلغلنا في بحبوحة الاستقلال، وازداد الجو أمامنا وضوحا، وتبينا الأشياء أكثر ونحن اليوم في مثل ما بعد الفجر بربع ساعة، مع العلم بأن استكمال الأبصار لن يتم إلا في رابعة النهار، والشمس في كبد السماء. ومع ذلك فإن هذا البصيص من النور وقف بنا على مهاوي لا قرار لها، كانت قد أعدت لنا لنهوى فيها ويغرق فيها شبابنا الذي وقف منها على شفا جرف هار. لكن رأس مال المغرب هو شبابه، فلن يتركه متسمما، ومن واجبه أن لا يقسو عليه في أحكامه، فإن القسوة تدفعه إلى الهاوية ولا تنقذه منها.
من لنا بالأطباء الذين ينفرون خفافا ونقالا لمحاربة داء اليأس الذي يفتك بشبابنا وزهرة مستقبلنا؟ لكن الطبيب الذي يستطيع ان يعالج الشاب، هو الشاب نفسه، وليكن كل شيء لدينا جديدا، وليتقدم الشباب للبناء وحده معتمدا على ربه.
وقد جرب ذلك طوائف من الشبان الذين نفتخر بهم فوقفت بهم التجربة القائمة على العصامية في البحث عن القيم الحقيقية للمغرب العظيم، على كنز من الأمل والرجاء، ليس له وحد ولا نهاية وكل يوم ينقضي تهرع فيه زرافات من أبناء المغرب على استرجاع وجودها، بعد ان اضله أضله الذين لا يحبون أن يبقى هذا الحصن المنيع للإسلام معقلا لا يتسوره المتسورون.

 

 

 

 


 

 
 

 

 

 

                                                                

 

 


 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here