islamaumaroc

ابن الخطيب السلماني

  عبد الكبير الفهري الفاسي

19 العدد

يقف الرجل على أي قبل من المقابر يترجم على أصحابها، فلا تفوته العبرة يستجليها ولا الذكريات لآثار أولئك الذين سبقونا في الحياة وسبقونا في الممات ومهما طال بنا العمر فنحن بهم لاحقون ولما وردوه واردون. غير أن العبرة عند قبور دراسة أصبحت الأيام لمعالمها طامسة، تكون أعمق أثرا في النفوس إذا كان أصحابها ولهم في الحياة شأن وقبضوا من الزمان على نواصيه، وتصرفوا في الحوادث قبل أن تصرفهم، ووجوها قبل أن تنقلب عليهم في يوم لا مرد له.
وإذا استوى الكبير والصغير لدى من لا يرحم الكبير لعظمته، والصغير لوضاعته، فإن العبرة عند جدث العظيم تترك النفوس الحائرة، ساكنة مطمئنة، لمصير الأحياء الذين ينشدون المساواة، ولا مساواة إلا أمام هذه السنة الكونية المطلقة الموحدة للإنسانية توحيدا تتناساه طوال الحياة وما فيها من مفاتن وغرور.
تلك أفكار تدور بالخلد، وتختلج في النفس، وأنا واقف مرة أخيرة على قبر ابن الخطيب السلماني رحمه اله، وأذكر قوله:
إن بان منزله وشطت داره
                      قامت مقام عيانه أخباره
قسم زمانك عبرة أو عبرة
                      هذا ثراه وهذه آثاره
نعم بقيت لنا آثاره، وبلغتنا أخباره، ولا زال حملة الأقلام وقادة الفكر يمنعون في الاشتغال به ميتا كما شغلوا به حيا. ورغما عن تأليف المقرى فيه قسطا هاما من كتابه نفح الطيب فان ما لم يدرس من جوانب حياته وجوانب شخصيته ودخائل نفسيته أكثر مما درسه الدارسون...وقد وقع في شأنه ما وقع في شأن أكثرية رجالات العرب والإسلام شرقا وغربا، أي أن مؤرخيهم ومترجميهم لم يراعوا في الغالب في دراساتهم إلا جوانب الحياة الظاهرة، ما بين ازدياد ونسب وتخرج على الأشياخ وتسنم متون المناصب واقتحام الأخطار في الرحلة للعلم أو الحج والجوار ثم المصير الأخير لكل حي.
وقلما نجد تعليلا لأحداث التي تزدان بها حياة الرجل، أو تحليلا لدواخل نفسه ودوافع سلوكه الحسن أو السيء، وتصرفاته كرجل قلم أو سيف، أو بواعث سياسية اذا كان من رجال الحكم و السياسة.و قلما نجد كذلك دراسة للبيئة والظروف الملابسة لأعماله كل ذلك يغفل كأنه لا يد له في تكوينه أو في توجيهه في ميادين الحياة التي خاضها ولربما طبعها بطابعه .
على أننا لا نلوم القدماء عندما يكتبون سير عظماء الرجال أو يترجمون لهم، الا«لو ما نسبيا»لعلمنا إن ما ندعو إليه اليوم من ضوابط وقواعد في هذا الرهط من الكتابة، يرتكز على النقد العلمي والتحري والتحليل النفسي،وهو نوع من التفكير الحديث، إنما هو وليد عهدنا هذا، ونحن المطالبون الآن بالسير في طر يقه والعمل بمقتضياته التي تتنافى مع كل تساهل في المنطق والعقل.
وأرى أنه من الحيف أن نحكم على الاقدمين فيما كتبوا بمقايسنا التي نعيش عليها اليوم، بل ينبغي أن نعلل أقوالهم وما يذهبون إليه حسب المقاييس التي عاشوا عليها، إلا فيما يخص البعض منها مما هو مشاع بين الأمم التي سمت بها أنوار الحضارة إلى قمة البحث العلمي المجرد، الذي لا يمكن أن ندعو غيره بحثا أو دراسة إلا على سبيل التجاوز والتسامح.             
ولابد للواقف على قبر لسان الدين ابن الخطيب من الرجوع بفركه للنكبة التي لقي فيها حتفه. نعم لم يصب لسان الدين وحده بذلك، بل يكاد يمتاز القرن الثامن الهجري بعد سقوط بغداد في منتصف القرن السابع باضطهاد العلماء ورجال الأقلام والحكم بما نكبوا فيه على يد المغول والتتر من خراسان إلى البحر المتوسط. ولو أردنا أن نأتي بالأمثلة على ذلك لطال بنا المقال. ولم يسلم من الاضطهاد والجبروت في هذا العهد المظلم الذي قوضت فيه معالم الحضارة الإسلامية حيث ما احتاج الدخلاء دار السلام- إلا من كانت سمته الانتهازية سواء كان من أهل العلم أو من غيرهم. وكثيرا ما أريقت دماء العلماء أو أوذوا أو امتحنوا بالسجن والاعتقال وبغيره من قبل الرؤساء بإيعاز الحسدة والمناوئين، والذين لا ينظرون لقضايا العلم والاجتماع نظرتهم، أو ممن يحسدونهم على ما نالوه من عظيم الشهرة لحسن سلوكهم وطول باعهم في الرواية والدراية كما وقع للإمام ابن تيمية رحمه الله .
وإذا كان الاغتيال السياسي مبررا في القوانين المعمول بها اليوم، فإنه في القديم لم يكن ينظر إليه كدفاع عن عقيدة أو مبدأ، بل كان محمولا على أنه دفاع عن النظام القائم والعقيدة الرسمية للدولة، يتولى الاتهام فيه العلماء من نوع من أفتوا باعتقال ابن تيمية مرارا متكررة، وسجن ابن الخطيب، على أن تتولى الحكومة القائمة تنفيذ الحكم تارة، والعامة والرعاع والطغام من الناس تارة أخرى.
وكان مبنى اغتيال ابن الخطيب، المروق من الدين، هذا الدين الذي- علم الله- كم كان له من رحابة الصدر والتسامح في أكثر عهوده، ولكن الدين في الواقع لم يتخذ في هذه النازلة التاريخية- ولها نظائر كثيرة- إلا مطية للقضاء على منافس في السياسة ومناوئ في مناصب الحكم. وكم يسخر الدين لنيل الأغراض، وكم يسخر لقضاء حوائج النفوس سواء في الغرب أو في الشرق. وقد عرف المغاربة من هذا التسخير الشيء الكثير، فبه تدال الدول وبه تثل العروش. وقد عشنا ذلك أخيرا في مغربنا العزيز عن كثب... ولا يقصر الحكام وأولوا الأمر والخاصة على أنفسهم هذا التسخير للدين للنيل من منافسيهم بل يتعدى ذلك حتى صار في متناول العامة، وذلك أننا كثيرا ما نرى منهم من يتشاجر مع صاحبه في شأن غرض من الأغراض، فيرفع الواحد منهم عقيرته قائلا في وجه خصمه، مستشهدا عليه من حضر من الناس على قارعة الطريق: اسمعوا أنه يشتم الدين ! فيتبلبل صاحبه لعلمه أن ذلك الاتهام خطير، وقد يؤدي به إلى ما لا تحمد عقباه من أنواع التعزير إذا ساقوه للمحاكم.
وإذا كان الخاصة من رجال الحكم جعلوا قاعدتهم: الغاية تبرر الوسائل فما حسبك بمن لا خلاق لهم من الطغام الذين يعملون من غير تبصر أو ترو، وإنما يجرون في الحياة ومع الحياة حسبما يتفق لهم من الوسائل وحسب ما توحيه الأهواء...
ومهما يكن من أمر فإن سليمان ابن داوود وزير السلطان أبي العباس المريني قد نال مبتغاه بهذا الأسلوب الفظيع الذي كان معمولا به في القرون الوسطى في غير المغرب، في الأندلس قبل الجلاء وبعد الجلاء حين أنشئت دواوين التفتيش. وليست نكبة ابن الخطيب إلا مثالا من ذلك، على أن ما عرفته البلاد الإسلامية من هذا النوع من التنكيل بالعلماء ورجال الفكر شيء قليل جدا بالنسبة لما عرف في العالم المسيحي في شرقه وغربه، لأن الكنيسة الرسمية لم تكن لتتسع لأكثر من نوع واحد من التفكير. وقد تجاوز الطغام الحد في حق ابن الخطيب حيث أنهم نبشوا قبره وأحرقوا جثته من غير أن يرعوا فيه إلا ولا ذمة ولا سوابق خدمات في سبيل العلم والإسلام، في دول رفعت من شأن الإسلام والمسلمين في الأندلس حيث لم يبق بها من أمجاد الإسلام الا الرمق. وقد حاول بعض المؤرخين أن يخففوا من مسؤولية عامة المغاربة في هذه الحادثة، فذكروا أن من قاموا بها كانوا من زعانفة أهل غرناطة وأوغادها الذين وردوا في ركاب سفراء السلطان ابن الأحمر، عفى الله عنا وعنهم، كأن الطغام يمكن أن يكونوا غير طغام فوق كل غبراء وتحت كل زرقاء !
واكتب هذه الخواطر وأنا أنظر إلى صورتين أخذتا لقبر ابن الخطيب، وهما اللتان زين بهما هذا المقال. أنه منظر مزر والله، وكأن ابن الخطيب لم يجد من يحن عليه من المخلوقات إلا هاته الدوحة التي تظلله بأغصانه، وتؤويه بأفنانها كما تفعل الأم بالوليد في أحضانها. أبعد ما مر من قرون على حادثة ابن الخطيب تبقى له الأقدار معاكسة حتى في بناء قبر يعرف له ؟ لأن الحائط الخارجي للوحوش الموجود به لم يبنه من بناه وهو أحد باشوات فاس إلا لكونه يضم قبر صديق رفيق كان له ومات، ودفن في نفس المكان، ولو لم يكن ذلك لاندثر قبر ابن الخطيب بالمرة.
وحرى بالمغاربة عموما، وبأهل فاس خصوصا، وهو الذين وقع الحادث تحت سمائهم، أن يقوموا بعمل من شأنه أن يكون فيه تعويض أدبي لما وقع في التاريخ، وذلك بنقل جثمان ابن الخطيب ودفنه في مرقد أخير في ضريح أبي بكر المعافري المجاور له، وهذا لا يكلف شيئا كثيرا لا في المال ولا في الجهود.
على أن للاحباس أن تضطلع بهذا الأمر ليزداد فيما تشكر عليه من المبرات.
ولما لي من الشغف بابن الخطيب السلماني وبأدبه الغزير ورهط تفكيره الذي هو تفكير رجل الحكم المغربي، سأردف هذا المقال بآخر في شأنه، لأن دراسة ابن الخطيب متعددة الجوانب داعية للإغراء لما كان عليه الرجل من أنواع المواهب ولتعدد مناحي إنتاجه الفكري.

 

 

 

 
 

 

 
 


 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here