islamaumaroc

وداد سكاكيني

  دعوة الحق

149 العدد

    "لابد لنا من مغامرة فكرية وراء الملهمين، لنلحق ولو قريبا بأجنحتهم التي حلقوا فيها، ونتسلل إلى أغوار نفوسهم ونطيف بالبدائع التي استلهموها، أو بالمعاني التي صوروها، ولا بدع إذا تدارسنا آثارهم وخلدنا ذكرهم، وكرمناهم في الحياة وبعد أن يطوي الردى جسومهم، فلولا هؤلاء الذين جلوا لنا صفحات الوجود، وفتحوا أمامنا مغالق النفس والشعور... لما أحسسنا بقيمة الفن والجمال، والحياة بدونهما صحراء من غير ماء".
    لتسمح لي الأديبة السيدة وداد سكاكيني أن أستعير من كتابتها هذا الكلام في مستهل الحديث عنها، لأنني أحتاج فعلا إلى مغامرة فكرية بعيدة المدى لألحق ولو قريبا بجناحيها اللذين حلقت بهما أيما تحليق في دنيا الأدب النسائي في سوريا.. ولا أدري ما إذا كانت مغامرتي الفكرية ستستطيع التحويم جيدا في آفاقها العليا فترتفع إلى مستوى آثارها المتوزعة بين القصة القصيرة والرواية والسيرة والنقد الأدبي والمقالة.
    وإذا كان لأوربا وأميركا أن تفخرا بكاتباتهما من أمثال: جورج صاند وكوليت وسيمون دي بوفوار وسلمى لاجرلوف وجورج البوت وبيرل باك... فإن للعالم العربي الحديث أن يعتز بأدبياته اللاتي تفوقن بالمواهب والتأليف من أمثال: سهير القلماوي ونازك الملائكة وفدوى ودافيك شيبوب ووداد سكاكيني التي حملت رسالة ماري عجمي في دمشق ولم تعرف بلادنا قبل ماري من أوتيت مثلها أدبا رفيعا وشخصية مرموقة وقلما حرا صريحا فلما ظهرت وداد في باكورة آثارها "الخطرات" وكان من نتائجها وهي طالبة في المدرسة الثانوية توقع القراء لها مستقبلا لائقا.
    على أن وداد سكاكيني لم تختصر طريق الأدب ومعابره الضيقة وشعابه الصخرية بل مضت في السبيل الوعر الذي اختارته لنفسها وهي التي بنت نفسها، فقد ولدت وتلقت دراستها بلبنان، وتزوجت الدكتور زكي المحاسني من سوريا وعاشا في مصر زمنا طويلا.. إنها كما قالت السيدة أمينة السعيد في "حواء": "وحين يرد ذكر وداد يعتبرها كل شعب عربي واحدة منه فاللبنانيون يعتزون بمنبتها والسوريون يتمسكون بتوطنها وجنسيتها والمصريون يرون في إنتاجها أصدق صورة للعقلية الأدبية المصرية" والحقيقة أنهم جميعا مصيبون: ففي وداد نفحة من لبنان وعمق من سوريا وحساسية من مصر... وهي إذ تكتب تحملك على أجنحة الأدب إلى آفاق هذه المجموعة من الصفات الثمينة التي اكتسبتها توسعا فنيا ملموسا، وطعمت إنتاجها الفكري بشتى عناصر الأدب العربي".
    وقد يشوق البعض منا لو يعرف شيئا ما عن "الخطرات" باكورة إنتاجها الذي يعود تاريخه إلى عام 1932 ليقارن بين آثارها الأولى وآثارها الحالية ويتحسس الفروق الكبيرة في اختيار الموضوعات وانتقائها في حرارة اللهجة وقوة النبرة وحماسة الكلمة وانفعال الحروف ووميض الألفاظ وانتصارها الكبير للقيم والأخلاق والشرف والفضيلة والاستقامة والتهذيب، بالإضافة إلى مقالات أخرى عن الفن القصصي، والشعر والشعراء والأدب والصحافة..
    ومهما يكن من أمر فالصدق يسم أدب الكاتبة قديمه وحديثه، لأن غرضها الإصلاح أولا وأخرا، الإصلاح في المجتمع والناس، والسلوك، والضمير... أديبة ممتلئة، وتحب الامتلاء في كل شيء، تنشد الرفعة لبنات جنسها، وتريدهن طوباويات، فوقيات... هذا وبالرغم مما يكتنف البواكير عادة من الرخاوة، والتقصير، فإن "الخطرات" تعتبر أنجح عتبة استطاعت أن تضع عليها الأديبة رجلها ثابتة مطمئنة، للوصول إلى قمة الشهرة من غير مرقاة.
    لا أحب الأطناب أكثر في مؤلف تعتبره صاحبته من لهو الصبا وعبث القلم المتطلع إلى الشهرة.. المشرئب إلى الأضواء تسلط عليه... كأي من أديب وقف من بواكيره وقفة المنكر لولا آصرة النسب الواضحة التي تشده إليها.
    للقصة عند السيدة وداد خصائص وطوابع وميزات لا تفارقها أبدا، أولها هذا الغوص العميق والتحليل البارع لنفوس أبطالها، وبخاصة إذا كانوا من النساء، وهذا دليل على أن المرأة أقدر على فهم نفسية المرأة من الرجل، بحكم صلتها الوثيقة بها كأم وزوجة وأخت وجارة ومعلمة. دع أن المجتمع الشرقي ما يزال يقني سلوك الجنسين ويحدده لسير وفق خط محوري مستقيم هو خط الجنس نفسه.. من هنا نستنتج لماذا جنحت الكاتبة لاختيار أبطال قصصها من النساء، ولم تعرج على الجنس الآخر إلا في قصة "هاجر العانس" التي صدرت بها "مرايا الناس" ذلك لأنه يستحيل على الرجل مهما أوتي من الدقة في التحليل أن يصف خوالج النفس في حياة لا يحياها وقلما يشعر بها أو يحسها، وهبه وصل إلى شيء من ذلك فهل باستطاعته أن يشعر شعور المرأة عندما تحب أو ترضع أو تلد؟ والعكس نقوله أيضا.. لقد غمست وداد قلمها في مداد الحياة – كما تقول – فتناولت سير الناس وصورهم، كاتبة قصصا في تحليل الطبائع والنفوس منقبة عن زيوف الطوايا من أجل جنسها الذي تريده أن يكون في حرز من أهل التغرير.
    مرايا الناس أقاصيص شامية نشرتها في القاهرة عام 1946 فكانت أسبق القصيين السوريين إلى إبراز هذا اللون في آثارهم كما في أقاصيص الضرتين وغيرهما.. ثمة شيء آخر في قصصها هو دقة الملاحظة... فقلما تفلت منها جزئية صغيرة دون أن تنال نصيبها من المعالجة، ولعمري أن دقة الملاحظة هي من أهم الصفات التي يجب أن تتوفر في القاص وإلا جاء تحليله ناقصا، مليئا بالفجوات والثغرات، وكان كمن يستبدل السير بالقفز والجمز.
    غير أن أبرز ما يلفت النظر، ويثير دهشة الإعجاب هو رقي اللغة وأناقتها، فأنت لا تعثر عند وداد سكاكيني على لفظ عامي أو ساقط أو على كلام حوشي، أو عبارة ركيكة أبدا... تقرأ نثرها الرصين فتشعر بحلاوة الألفاظ ورشاقتها تنتقيها بذوق الأديب البارع، وتختارها اختيار الفنان الأصيل، كما لو أنها غرست غرسا وهيئت لهذا الموضع دون سواه... أن الوصف الجيد والتلاحم الدقيق، في تآخي الكلمة والكلمة هو الذي يضفي على أسلوبها هذا الرداء العربي المشرق، فلا التواء، ولا رخاوة، ولا ميع... وكل ذلك في قالب من البيان المحبب من غير تخمة ولا إتخام تطالعها فكأنك تطالع عبد الحميد الكاتب أو الجاحظ أو أبا حيان التوحيدي في أجمل ما كتبوا... ويزيد أسلوبها قوة هذا التوكؤ على ألفاظ القرآن الكريم، تنثرها في مطاوي قصصها ومقالاتها من حين لآخر.
    وبالإجمال فأسلوب السيدة وداد يتميز بالقلم الرفيع والأسلوب المكين مما خلع على هذا الأدب رونقا جديدا فأعادت للمرأة العربية القديمة بذلك قيمة الأسلوب العربي المتين حتى لتضاهي به عظماء الرجال... وقد حمل ذلك أكابر أهل مصر والبلاد العربية من حملة القلم على تقدير أدبها أمثال العقاد وطه حسين ومحمود تيمور وأحمد حسن الزيات ومحمد كرد علي والأمير مصطفى الشهابي وشهدوا لها جميعا بصفاء الأسلوب وعمق الفكر والثقافة.
    إن كاتبة هذا شأنها من الطبيعي أن تنتصف لشرف اللغة من دعاة العامية، فتثبت وثبة الأسد الجريح لترد عليهم بجرأة صاحب الحق السليب، ودفاع المحامي الفطن لا يخشى في الله لومة لائم.. لأن ضياع اللغة معناه ضياع الوطن والأمة... وهي لا تضن على المجددين والموهوبين المقتدرين بالتأييد والتشجيع شريطة "أن لا يكون انطلاقهم في التجديد على حساب اللغة التي هي الدعامة الأولى في قوميتنا وثقافتنا فإذا تغاضوا عن الاستخفاف بهذه الحقيقة فكأنهم يفرطون في حق العروبة والوطن، وكم ضاعت أمة بضياع لغتها.
    ويعجبني أن تبسط هذه الحقيقة الجارحة، حقيقة من يبحثون عن الشهرة، ويريدون أن يختصروا طريق الثقافة، فتقول: "وما كانت الدعوة إلى العامية من هؤلاء الثائرين إلا تبريرا لضعفهم في التعبير إيثارهم السهولة والسرعة كأن القارئ على نار يلح بمطالبتهم في أي منتوج، وما أشبههم بخبار لا يكاد يدخل أقراص العجين إلى الفرن حتى يخرجها غير ناضجة متوسلا بالسرعة لكثرة الإنتاج والرواج، وهذا الأدب المتخفف المرتجل ظاهرة اجتماعية من ظواهر عصرنا المتسم بعصر العلم وابتلاع الأقراص، وليست في أدبنا وحده وإنما هي اليوم تبدو في الأدب العالمية كداء لا كدواء، وقد تناولها الأدباء بالنقد والاستهزاء، وأكثر ما تتجلى في الأدب الشفهي الذي يذاع ويلقى وقد لا تنقله الإذاعة إلى القارئ".
    وهكذا تنطلق في نقد الأدب الإذاعي فتشبه أصحابه بالمهربين الذين يسلكون المجازات لئلا يعرضوا بضاعتهم وأمتعتهم للتفتيش.
    وهي إذ تنعي على دعاة العامية بطلهم وتتهمهم بالضعف والليونة لا تنسى أن تشرك معهم أهل السطحية ممن اقتنعوا بالضحالة، وقعدوا عن طلب الفكرة العميقة، لئلا يزعجوا أنفسهم بالدرس الحثيث والجهد المضني واستجابوا بكليتهم للإذاعة تقتل وقتهم بالأحاديث السخيفة، والتمثيليات الباردة الغثة والأغاني التافهة الرخيصة، إما السينما وإما الصحافة فهما العدوان اللدودان للأديب، يستنزفان وقته ويشوهان ما تماسك من أدبه.
    ولا يروق الكاتبة أكثر هذا الذي تخرجه مطابعنا "من القصة الحديثة إذ ظهر متسما بالأناقة الشكلية حفيا بالعامية والفكرة السطحية، لا الموضوع فيه معمق النظرة والخطوط، معرب عن ومضات إبداعية وروعة جمالية ولا التعبير خال من الركاكة والتكلف والابتذال" ولا تقل نقمتها على الشعر الحديث من نقمتها على القصة لأنه لم يحظ بالطاقة والثقافة الكافيتين، وكل ما يصل إلى أيدينا لا يتعدى "منظومات ومقطوعات لا هي بالنثر ولا هي بالشعر ولا بين ذلك تقرأها فتجدها متفككة الوزن متداعية الصور سطحية المعنى وقد حسب أصحابها أن في وصف الكلمات المكرورة وتزويق حروفها تجديدا لا يعرفه الشعر العمودي بقوالبه التي أعجزت النظامين".
    على هذا المنوال من النقد العنيف تستمر السيدة وداد في شن غاراتها على الكسالى من أدبائنا الجدد "فأين الجلسات الطويلة التي كان يقضيها القارئ عاكفا على كتاب يحب أدبه ويتدارسه بشوق وتأمل؟ لقد فارق الكتب أحبابها وعلاها الغبار على الرفوف ونصبت فوقها للزينة، وقنع العشاق المحدثون بنزوات عابرة، ونظرات خاطفة، فليس للمثقف اليوم أو المتأدب إلا أن يطيف بعينيه في جريدة أو مجلة راضيا بالمقال الخفيف والنبأ المثير والصورة المغربة، أو يدير مفتاح المذياع فيسمع حديثا مستعجلا أو تمثيلية هزلية خفيفة.."
    ان المقالة النقدية في شتى ألوانها هي جزء لا يتجزأ من أدب السيدة وداد سكاكيني، تنقد بصراحة فائقة دون مواربة أو محاباة... حريصة على أن تبقى كلمة الأدب هي العليا.
    وقد يمازج نقدها شيء من الحماسة والانفعال وبخاصة عندما يكون الأمر ذا مساس بقضية المرأة، التي اتهمها أعداؤها بالقصور والمكر وراحوا يحملونها زورا وبهتانا كل وزر، ويجعلونها مصدر كل شر وغدر وخيانة.. كلما دق الجوز بالجرة قالوا فتش عن المرأة... منذ بدء الخليقة وأعداء المرأة يرمونها بالإثم ويلصقون بها كل خطيئة، وهم لو وعوا قول السيد المسيح "من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر" لاستحبوا من أنفسهم وخجلوا من ظلمهم.
    والحق كل الحق في ما تقوله فيها صاحبة "أنصاف المرأة" من "أنها أبدا مرآة لميول الرجال وأهوائهم الظاهرة والباطنة، وكيفما يكونوا يكن، فهم إذا شاءوا جعلوها ملاكا، أو مسخوها شيطانا، هي نبع فأشربوا منه سائغا طهورا، ولا تعكروه بالقذى أو ترموه بالحجارة.. فتشوا عنها في الأمومة الرحيمة، فهناك أقصى غاية الجود والتغذية: تسهر لينام أطفالكم، وتجهد ليستريحوا، وتغذيهم بالروح مهما أساءوا.
    وليس بين أدبيات سوريا من أشرعت قلمها فخاصمت ودافعت وردت بقوة البرهان وسطوع الحقيقة وتأييد الحجة والمنطق فعلت وداد سكاكيني.. فقد حاولت أن تستعيد للمرأة اعتبارها الأول، وقيمتها الضائعة من ضمائر الذين لا يعترفون لها بأي فضل أو سبق أو المعية.. إنها في نظر هؤلاء – وعلى رأسهم توفيق الحكيم والعقاد – "ولا تحسن إنشاء القصص التمثيلية ولا تستطيع أن تكون موسيقية تبتكر الألحان" ويرى العقاد " أن المرأة لا تجيد من الفنون غير فن الرواية... وأنها ليست بشاعرة مبتكرة بل هي مقصرة ومكررة لأن الشعر ابتكار واقتدار وأنها لم تنبغ حتى فيما هو أقرب إليها وأحرى أن تتفوق به على الرجل وهو الرثاء وإذا كانوا يضربون المثل بالخنساء فإنه ليس في ديوانها غير أبيات متفرقات في البكاء لا ترتقي إلى منزلة الشعر السيار، إذ كله تكرير لمعنى واحد، ولا يصح أن يقال إنه معنى من معاني القريحة والخيال: ويستمر هكذا يجردها ويعريها من المواهب حتى يسلبها القدرة على التصوير كالتمثيل وباقي الصناعات الخاصة بها من طهو ووشي وزينة وخياطة.
    هذان الرأيان الخطيران المتطرفان أقاما دنيا السيدة وداد سكاكيني وأقعداها وبخاصة لأنهما يصدران عن أدبيين كبيرين، فانبرت تناقشهما وتبطل صحة رأييهما في أكثر من مقال واحد... وتذكر لهما النساء اللواتي تفوقن في التمثيل كسارة برنار وغيرها، تبين أن في كل منهما مركب نقص، وعقدة نفسية لا تحل وثاقها غير المرأة التي أقفرت من دنياهما، فكلاهما أديب عزب وعن النساء بمعزل فلا غرو أن يريا هذا الرأي، ويحكما هذا الحكم، بل لعله من الطبيعي جدا.
    وبعد أن تعرج على ذكر من ناصبوا المرأة العداء "- وإن يكن عداء طفيفا بعض الأحيان – كالمعري والتنوخي وشوبنهور وآرثور ونيتشيه وإبراهيم عبد القادر المازني وزكي مبارك ومحمد كرد علي تقول لهم هذه العبارة المفحمة: "يا أعداء المرأة، لولا نساء أظلمت عليكم قلوبهن فلم تدخلوها لما كانت عداوتكم، وإذا دعوتم إلى تحقير المرأة والبطش بها فإن وراء دعوتكم تشفيا وانتقاما، فقد يكون الدهر ابتلاكم بأهواء الحسان، أو بلوتم زيوف النساء فتجافيتم عن الخوالص الصحاح، وقد ثبت بالعيان والبرهان وفي شواهد التاريخ الأدبي والسياسي أن عداوة المفكرين للمرأة لم تكن لوجه الحق".
    هذا غيض من فيض مما في "أنصاف المرأة" الكتاب الذي يؤرخ لحركة نهوض المرأة العربية بعامة والسورية بخاصة في مجالات النضال الوطني والبطولة والتعليم والأدب والثقافة.. وهو بالفعل كتاب " ينبثق من الموضوع الواحد الذي يمس المرأة في حياتها وحاجتها مسا قريبا، ويتحدث عن نفسها وجنسها في البيت والمجتمع، في الثقافة والشمائل، في الانطواء والتحرر.. كتاب للنساء يجدن في تضاعيفه وفحواه تصويرا لما يعنيهن في حياتهن الراهنة ولفتيات الجيل الصاعد لكي يشفقن من تاريخ الأمهات، وللرجال المخلصين لينظروا في صفحاته الحقيقة النسائية التي زورها أعداء المرأة، والباطل الذي بهرجه المتحكمون في نهضتها، المختصمون في قضيتها، وكم نفع الصراح فرد إلى الخير والصواب".
    إن من يقرأ أنصاف المرأة ويفتح صدره للحقيقة لابد أن يلمس صدق اللهجة وحرارة الشعور، ودفء العبارة، ويحس بغيرة المؤلفة وحرصها الكبير على بنات جنسها ليبقين ريحانة الوجود ووسيلة الخلود.. افتضن عليها بعد هذا بلقب "محررة المرأة"؟.. لا أظن أن هدى شعراوي وقاسم أمين، وباحثة البادية؟، ومي زياده، وجرجي نقولا باز، وماري عجمي، ومحمد جميل بيهم، وسامي الكيالي وغيرهم وغيرهم.. لا أظن هؤلاء جميعا خصوا المرأة بأكثر مما خصتها السيدة وداد سكاكيني، ولا حملوا لواء الذود عن كرامتها وحقوقها الطبيعية المقدسة مثلما حملت.. ومع هذا كله لم نسمع أن الدولة خصتها بوسام أو قدرتها بحفلة تكريم أو منحتها جائزة من تلك الجوائز التي أوشك أن يستأثر بها كتاب ليست لهم موهبة وداد ولا ثقافة وداد ولا عمق أفكارها وإبداعها.. فيا تعس أمة لا تقدر النابغين فيها إلا بعد فوات الأوان.. ويا تعس أمة تقوم الأدب الفج، وتعلي الأدب الفطير، ويستهويها الأدب المراهق وتستجيب للعرى الواضح.
    نعم لو كتبت وداد سكاكيني قصصا محمومة على النسق "الساغاني" المستهتر، قصصا يفوح منها قتر الجنس، ويسيل منها لعاب الغريزة الرخيص  لتسابق إليها المادحون المطرون، وجعلوها أديبة عصرها الفذة وفريدة دهرها، ولأنيرت الصحف والمجلات تقرضها أيما تقريظ وتسرف في تبجيلها أيما إسراف، ولكن وداد سكاكيني لم تعر هذه الدعاوات الكاذبة أي اهتمام، بل مضت تؤدي رسالتها الأدبية بصمت العباقرة، ورصانة العلماء، لها من تربيتها المحافظة خير هاد وأفضل رشيد.
    إن صحيفة أضاعت رسالتها فبقيت دون هدف تطلع كل يوم بل كل ساعة أديبة يضطرب لها الشرق، ويتهيب من سحر قلمها، حتى لكأنه عصا موسى.. ولو بحثنا في حقيقة هذه الأديبة المزعومة لرأيناها إحدى المراهقات التافهات ممن يبعن جسومهن بأرخص الأسعار وأزهد الأثمان.. كسدت في سوق الزواج فأباحت عرضها للشرهين ممن يسمون أنفسهم أدباء وصحفيين ليجعلوا منها "ساغان" جديدة.. تلك هي مأساة الأدب النسوي المعاصر في معظم أقطار الشرق العربي، مأساة لا أدهى ولا أمر... يتألم لها ذوو الضمائر النظيفة وينددون بمروجيها فيتهمون بالرجعية والتزمت وجمود الفكر.
    ومهما تكن العاقبة فإن صاحبة الوجدان الحي كوداد سكاكيني أن تسكت عن تلك المخازي الأدبية تمثل أدوارها من قبل أبناء الجيل وبناته، على مسرح الحضارة والتقدمية، ويؤلمها أن تئد في صدرها نور اليقين فتهب معلنة سخطها على تلك الكتب التي أنشئت "بأقلام فجة محمومة تصور المرأة والفتاة في دنيا العرب عائشة في تفاهات صنعها المجتمع وقيدها بها، أقلام ملتهبة الأداء مواجة بلهاث الغريزة والجنس، تصور الانفلات في أقصى صوره وأطواره، بل هو انطلاق أحمق وراء كل جديد مستورد سواء كان فيه الخير أو الشر، لم تصنعه حضارة غربية أو شرقية عربية وإنما صنعته الطوية المنحرفة والتربية الرديئة وحب الظهور بمخالفة المألوف لتلفت نظر الجمهور وتضمن لأصحابه وصواحبه كسبا قريبا وأدبا مهما يكن شأنه ولونه".
    "لقد زعم الرجل بأن المرأة أقدر منه وهي أديبة على تصوير نفسها وعالمها منه، وصدقته المرأة فاستجابت لدعوته متغزلة به تارة وتارة ثائرة عليه باحثة عن حريتها التي اغتصبها منها حتى انطلقت في حلقة مفرغة لا تدري كيف تدور فيها على ذاتها وإذ بأقلام غثة فجة تدوخها الدوامة "الساغانية" ويستهويها ثناء الرجل الذي يطالبها بأن تحيى على خاطرها، وتعبر بقلمها عن خفايا هذه الحياة، دون خجل أو تخوف على ما يسمى بالتقاليد التي صنعتها بزعمه المجتمعات المتخلفة. إنه يريدها أن تعري نفسها وحسها بيدها، وأن تتغزل به وبمفاتنها فيسمعه منها ويقرؤه بأدبها، وإذا بهذا الأدب القيم والعادات خرافات وسخافات.."
    تلكم هي وداد سكاكيني في صور من قصصها ومقالاتها التي تكشف النقاب عن كل زيف واعوجاج وضلال... مقالات آثرت أن تستعمل فيها مدية الجراح لا مبضع النطاسي عندما فشل الدواء في استئصال العلة، وأعياه قهر المرض وقد رسخت جذوره.
    علة وداد هذا التطرف المغرق نحن اليمين، وعلة الساغانيين – كما تسميهم – هذا التطرف نحو اليسار أيضا، فكلا الجانبين موغل فيما يدعو إليه... وهكذا الناس في كل زمان ومكان، فيهم صاحب القديم المتشبث بأذيال قديمه، وفيهم صاحب الجديد المتمسك بأهداب جديدة، ويمضي وقت فإذا أصحاب الجديد هم أصحاب القديم الذي كان من قبل جديدا، وقد يسخطهم ما يأتي به من جاءوا بعدهم، وخلفوهم على سدة الجديد... فلم الخصام إذن مادام لكل أنصاره ومحبونه، وما دام لكل جماعته ومريدونه، فلا القديم يستطيع أن يكون غير القديم ولا الجديد بقادر على أن يكون غير الجديد نفسه.
    لقد تطلعت أديبتنا إلى سماء العرب في أزهى عصورهم فأبصرت فيها كواكب نسوة ساطعات، بهرها تألق نورهن، وغمرها شعاع من إيمانهن وإحسانهن، فاختارت منهن أربع عشرة واحدة هن: أم الزهراء، وأم الحسين، وأم المؤمنين، ووفاء بنت الرسول، وأخت الحسين، وذات النطاقين، وأم سلمة، وزينب الأسدية، ومارية المصرية، والخنساء، وسكينة بنت الحسين، وأم معاوية، وخولة بنت الأزور، وزبيدة أم الأمين ممن رفعن في دنيا العرب والإسلام مكانة المرأة، وكن حجة التاريخ على الرجال، فطفقت تقلب في البحث عن سيرهن وأخبارهن بطون التراجم، ومتون التواريخ تجمع من هنا خبرا ومن هناك نبأ، حتى جعلت ذلك كله في صور فنية تأنس بها النفس، ويهفو إليها الخاطر.
    لقد قصدت من هذا الكتاب "أمهات المؤمنين وأخوات الشهداء" أن يكون نبراسا للفتاة العربية تهتدي به، ومشعلا ينير الطريق أمام كل أم لتعرف  كيف تربي أطفالها على النبل والإيثار والوفاء والتضحية، فتكون كالخنساء.
    وما دمنا في معرض كتابة السيرة فلنذكر كتابها القيم "نساء شهيرات من الشرق والغرب" الذي اشتركت في تأليفه مع السيدة تماضر توفيق ونشرته مؤسسة فرانكلين بالقاهرة" وهو يحوي عشرين ترجمة شهر النساء اللواتي نفعن العالم ووهبنه قسطا كبيرا من جهودهن في الحياة التي عشنها في القرن التاسع عشر أو العشرين.."
    وقد قامت السيدة وداد باختيار النساء العشر من بنات الشرق، فرسمت بذلك فكرة واضحة لجهود أمثال: هدى شعراوي ومي زيادة، ونازك العابد، وسهير القلماوي، وليلى دوس، والأميرة عائشة المراكشية، وفدوى طوقان، وأم كلثوم، وماري عجمي.. كلهن لمعن وتفوقن ورفعن مكانة المرأة في حقول الأدب والشعر، أو في حقول الجهاد الوطني والكفاح القومي، أو في حقول الدفاع عن قضية المرأة وصون كيانها الممعوس... أو في حقول التمريض ورعاية أطفال اليتامى والبائسين... مؤثرات هذا العمل أو ذاك على نعيم الحياة الزوجية.
    بقي هنالك نجم نسوي متألق لم يشرق في دنيا ترجماتها القصيرة حتى الآن، مع أنها تقصت الوجوه الأنثوية الوضاءة كلها في كتابين اثنين.. ولكنا لم نكن لندري أنها تخبئ هذا الوجه لتبرزه إلينا محاطا بهالة من نور سماوي يخطف الأبصار، فنقف إزاءه حيارى، ضائعين في غيمه الأبدي... هذا النجم كان قد "طلع في سماء البصرة العراقية آخر القرن الأول للهجرة، تسلل نوره إلى المجالس والبيوت، وسطع فيها كالثريات، وبقي مرموق الضياء حتى هوى في أعقاب العصر الثاني للهجرة، متحولا إلى أحدوثة لا تنسى، خلدتها السطور، ولهجت بها الألسنة وتداولتها بالذكر والتأليف طائفة من الباحثين في القديم والحديث، تلكم هي رابعة العدوية (العاشقة المتصوفة).
    لقد ساعدت هذه الفترة فترة وجودها بمصر على تألقها الفكري وفتحت أمامها مدى واسعا للتعرف إلى الحياة الأدبية المصرية المعاصرة خير تعرف، فشهدت الندوات والمحاضرات والمهرجانات لكبار أعلام الفكر والأدب من مصريين وأجانب. واستطاعت أن تفتح النوافذ على الأدب الشامي، فتعرف المصريين بنتاجنا المحلي في محاضراتها وأحاديثها واجتماعاتها الفكرية.. وهكذا فاعل أدبها بين أدب البلدين، ومازج ما وسعه التمازج وإن بقيت هناك فوارق جزئية تسهر كلا منهما بطوابع إقليمية خاصة لا تزول.
    ومهما يكن من أمر فإن طبيعة مصر وطرائق الحياة فيها، واختلاف أنماط أهليها في أزيائهم وعاداتهم وتقاليدهم، في أذواقهم وتفكيرهم وأميالهم، في أفراحهم ومآتمهم وأعيادهم.. كل هاتيك الصور أخصبت ذهن الكاتبة وأغنت خيالها فراحت تسجلها في قصصها التي نشرتها تحت عنوان "بين النيل والنخيل".
    تقول الأديبة: "تدور بخاطري هواجس القصة، وأشتاق كتابتها عن القاهرة الساحرة، لا أتخيل أبطالها وشخوصها من الجن والوهم.. وإنما آخذها من مصر في ماضيها الأصيل وحاضرها الموصول به، فأجعل رجالها من أهل القفطان والجلباب، ومن المشايخ الذين تزين رؤوسهم العمائم البيض، وتهتز مناكبهم بالشال الموشى وأصور نسائها الشعبيات بالملاءات السود الملتفة على قدودهن الرشيقة، وقد ضربن على وجوههن بالبراقع ذوات الخصاص، ونصبن القصبات المذهبة على الأنوف، ورحن يخطرن في ميدان "السيدة زينب" وفي منعطفات بولاق، تخفق في أرجلهن خلاخيل الفضة، وتهوى أقراط الذهب، متدلية من آذانهن كالأهلة، وفي سوانح الليالي تحت ضوء القمر، أدير التحاور بين هذه الشخوص في ذهبيات وعوامات تترنح فوق النيل أو ترسو في ظلال النخيل".
    أما المجموعة القصصية الأخرى التي استوحتها المؤلفة من أرض الأهرام فهي "الستار المرفوع" نشرها لها نادي القصة – وكانت عضوا فيه – ثم أعدت الدار القومية نشرها بسلسلة "الكتاب الماسي".
    هذا ولوداد سكاكيني كتابان آخران هما "أروى بنت الخطوب" و "الحب المحرم" يضطرنا ضيق المجال أن نكتفي بالإشارة إليهما دون التعريف بهما أو دراسة نماذج مما تضمنا... وهي لم تقف بعد، بل ما زالت عاكفة على التأليف، لا تصرفها مشاغل البيت والأسرة والأمومة عن الاستمرار في أداء رسالة الأدب التي ربطت بها مصيرها.
    سبعة وثلاثون عاما والقلم ينام ويصحو بين أنامل السيدة وداد سكاكيني، ومع ذلك لم نقرأ لها نصا منقولا إلى كتاب مدرسي، ولا مقطعا من تلك المقاطع الوصفية البارعة التي يفتقر إليها طلابنا وطالباتنا ليرقى مستواهم التعبيري والفكري، وتشف أذواقهم... لو كان لي أن أصنف كتابا في النصوص الأدبية للصفوف الإعدادية أو الثانوية لما ترددت لحظة في أن أختار لماري عجمي أشعارا مما نظمته في وصف الربيع، وقطعا نثرية كتلك التي تصف بها جمال لبنان وجمال غوطة دمشق... إن الارتجال في تأليف الكتب المدرسية، وفقر أذواق المولعين بتصنيفها يحولان دون إيراد مثل هذه القطعة الرائعة لوداد سكاكيني التي تصف فيها مدينة صيدا مسقط رأسها:
    "... في صيدا مدينة الزهر والعطر، الحالمة بمجدها على الشاطئ الأبيض، الحالم بوداعة وفطنة ليداعب بمده وجزره تلك الرمال النقية، فإذا وليت وجهك شطر البيوت، تركت البحر يواجه بأمواجه القلعة العتيقة، السادرة في ذكرياتها، ثم أقبلت بالنظر على جنات ألفاف، وأفواف خلف أفواف، وحدائق خلف بساتين، رفافة النسيم، سمراء الأديم، قد شاعت فيها أنفاس الفردوس، وليكن هذا في الربيع حين يعبق في هواء صيداء عطر النارنج والليمون، وترف على عطفاتها نفحات الأزاهير، فإذا سلكت الدروب الملتوية وسعيت في حواشي المسارب إلى الهضاب الخاشعة أشرفت على مقام النبي يحيى علي صيدون..."
    وعلى هذا المستوى من الأناقة في الوصف، والفخامة في اللفظ والتعبير يسير أدب وداد سكاكيني فهل ترانا ننصفها بعد اليوم، فنعطيها ما تستحق، وما تستحق أكثر من كثير.
        

مراجع البحث:
    الخطرات، مرايا الناس، الحب المحرم، أمهات المؤمنين وأخوات الشهداء، أروى بنت الخطوب، إنصاف المرأة، الستار المرفوع، بين النيل والنخيل، نساء شهيرات من الشرق والغرب، سواد في بياض، العاشقة المتصوفة، نفوس تتكلم، نقاط على الحروف.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here