islamaumaroc

تطور النهضة الثقافية في بلاد الشام والمجمع العلمي العربي اللبناني

  دعوة الحق

149 العدد

    تمهيـد:
    كثيرا ما لاحظت أن الباحثين في موضوع تاريخ الثقافة العربية يغفلون عن ذكر المجمع العلمي اللبناني، ويعود ذلك إلى قلة السنين التي قضاها، وإلى تقصيرنا، نحن اللبنانيين، في تدوين أعماله. وهي أعمال غير قليلة بالنسبة لعمره.
    وقد رأيت أن إتلافي هذا التقصير على أن أتخذ هذه المناسبة فرصة لعرض ناحية مهمة في تاريخنا، وأعني بها ناحية تطور نهضتنا الثقافية في بلاد الشام على مر العصور حتى الآن وذلك بصورة موجزة تتناول الخطوط الكبرى فحسب رابطة الأسباب بالمسببات.

       العالم عربـي خـلال ثلاثـة قـرون
    لما وضعت كتابي "العرب والترك في الصراع بين الشرق والغرب" الذي صدر سنة1957 جعلت هذا العنوان عنوانا للفصل الثالث منه. حيث بينت بالأدلة أن القرون الثلاثة التي تبدأ بمطلع القرن الثامن الميلادي وتنتهي بختام القرن العاشر، كانت قرونا ذات طابع عربي في العالم، سواء أكان ذلك في النواحي السياسية والزراعية والثقافية، وأنها كانت كلها تقتبس من معين الحضارة العربية. ثم جعلت عنوان الفصل الرابع "أين من سادوا وشادوا وبنوا؟" ذلك الفصل الذي سناده انهيار العرب، وتغلب الأعاجم عليهم إلى أن استأثر بالحكم آل عثمان. وليس المجال هنا فسيحا للتبسط في جميع أطراف هذا الموضوع، وإنما أكتفي بالناحية الثقافية منه، وبالخطوط البارزة من هذه الناحية فقط، وذلك نتيجة للأحداث السياسية.

       الحمـلات الصليبيـة
    لقد دعا كل من البابا سيلفستر الثاني في سنة393 هـ -1002 م، والبابا غريغوار السابع في عام468 هـ -1075م ملوك أوروبا وأصحاب الإقطاعات لتخليص بيت المقدس. ولكن دعوتيهما ذهبتا أدراج الرياح. حتى إذا ما شب الخصام بين الأسرة السلجوقية بعد موت السلطان ملكشاه ونشبت الحروب بينها بعد نحو عشرين سنة من هاتين الدعوتين كانت صرخة ناسك فقير هناك كافية لجمع كلمة الأوروبيين من أجل إنقاذ قبر المسيح. وقد حملوا على بلاد الشام ثماني حملات كانت أولاها في سنة409 هـ -1096 م، والأخيرة في سنة669 هـ -1270م.
    وبين هذه وتلك استقر الصليبيون في بلادنا الشام عقب الحملة الصليبية الثالثة، صلاح الدين الأيوبي مدة طويلة، وتسلموا بيت المقدس إلى أن تصدى لهم، سلطان مصر والشام (532 – 589 هـ / 1137 -1193م) وأخرجهم من فلسطين وما حولها. ثم كان للمماليك البحرية خلفاء الأيوبيين بمصر شرف صد الحملات الصليبية الأخرى عن مصر وإخراجها من كافة بلاد الشام.
    غير أن هذه البلاد ظلت نحو جيلين دار حرب فكسد فيها سوق العلم والأدب ولولا الحاجة الماسة إلى العلوم الدينية لانصرف الناس عنها أيضا. هذا فضلا عن أكثر دور العلم قد أقفلت في تلك الحقبة، وأن المكتبات قد أحرقت بفعل تلك الحروب. وحسبنا أن نذكر أن مكتبة طرابلس التي أحرقت في عهد الصليبيين، أو أحرقوها، كانت على ما قيل تحفل بثلاثة ملايين مخطوطة. وكل ذلك كان من أسباب ذبول الحضارة العربية في المشرق.

       الحمـلات المغوليـة
    وجاءت النكبة الثانية على الحضارة العربية من المشرق فأودت بها. ففي غضون الحروب الصليبية خف المغول إلى اكتساح بلاد الشام. وهم قوم غزاة كانوا ينزلون في منشوريا بين نهري سنكارى والايرتس طالما هددوا الصين، وتعرضوا لها حتى اضطر أحد أباطرتها شي هنغ تي لتشييد السور الكبير، ابتداء من سنة240 إلى سنة210 ق م ليكون سدا بين بلاده وبين هؤلاء المنشوريين. وهو ما أثبت بكتابي "الاتحاد السوفيتي والصين الشعبية كأنك تراهما" بعد زيارتي له هو نفس سد ذي القرنين الذي ورد ذكره في القرآن الكريم. غير أن هذا السور لم يقو فيما بعد على دفع غارات المغول، بل إن ملكهم جنكيز خان الذي أنشأ إمبراطورية كانت تمتد من بحر اليابان إلى بحر قزوين فقد تعداه إلى الصين وفرض على حكومتها الشرقية جعلا لقاء حراسة الحدود، كما أن ولده كوبيلاي نقل عاصمة بلاده من قره كروم إلى بكين.
    وكان جنكيز خان يرنو بعين الطمع إلى بلاد الإسلام لما بلغه عن خيراتها وعمرانها ثم لما علمه من تنازع ملوك الترك في أطرافها، بالإضافة إلى ضعف الخلفاء العباسيين الذين لم يترك لهم هؤلاء الأعاجم إلا السلطة الروحية، فتقدم إليها حتى استولى على تركستان. ولكن الأجل عاجله قبل أن يدرك أمنيته من البلاد العربية. ولما بويع الخان منكو بن طولى سنة1246م عهد إلى قائده هولاكو فتح بغداد، كما عهد إلى قادة آخرين اكتساح أقاليم أخرى.
    وقد أرسل هذا الخان وفدا إلى لويس التاسع ملك فرنسا في قبرص، وهو قائد الحملة الصليبية السابقة، يدعوه فيها للاتفاق بينهما على المسلمين، كما أن عطف هولاكو على النصارى الذي كانت أمه وزوجته مسيحيتين أغرى البابا اسكندر الرابع بدعوته إلى اعتناق دين المسيح لقاء وعد منه بمساعدته على المسلمين، ولكن هولاكو استنكر هذه الدعوة وبقي على دين بوذا. وعلى الرغم من وحدة الهدف بينهما فلم يصلا إلى توحيد العمل واقتصرت العلاقات بينهما على التوادد والتعاطف.
    ولما دخل هولاكو بغداد سنة656هـ =1258م قتل المغول ما يزيد على مليون رجل وألقوا في دجلة كنبها وكانت، على قول مجلة الهلال م19 ص392، "شيئا لا يعبر عنه". ثم لما استتب له الأمر فيها سير جنوده إلى فتح الشام، وقد تمكنوا من الاستيلاء عليها حتى بلغوا غزة، غير أنهم لم يتعرضوا للثغور التي كانت لا تزال في حوزة الصليبيين، وأهمها أنطاكية ويافا وعكا. أما فظائعهم فيها ولاسيما في حلب فعلى قول ابن العبرى تجاوزت الحد الذي ارتكبوه في العراق. وكان أشدها تعرضهم للمكتبات التي كانت زينة الحضارة العربية وقوامها.

     نتائج الحمـلات الصليبيـة والحـروب المغولية في الناحيـة الثقافيـة
    "إن الملوك  إذا دخلوا قرية جعلوا عاليها سافلها".. فيكفي القول أن بلاد الشام كانت دار حرب تتناوشها من الشرق والغرب طوال ثلاثة قرون ونصف القرن، أي من مطلع القرن الحادي عشر للميلاد إلى أواسط القرن الثالث عشر. يكفي هذا القول لتقدير سوء أحوالها المادية والمعنوية فضلا عن الثقافية. ولا سيما إذا أضفنا إليها الحروب الداخلية بين الأسرة السلجوقية، ثم بين آل زنكي وآل أيوب، ناهيك بالفتن الطائفية بين السنة والشيعة. فكان من حصيلة كل ذلك اندراس المكتبات، وإقفال المدارس، وضياع الأوقاف المحبوسة على تلك المدارس والأعمال الخيرية، وتحطيم الأقلام، ومحل القرائح. على أن هذه الكوارث لم تنته بانتهاء القرن الثالث عشر، وإنما استمرت وبرزت على أشدها في مطلع القرن الخامس عشر بحملة تيمور لنك التركي على آل عثمان وعلى بلاد الشام فقضت على البقية الباقية من معالمها الثقافية.
    وتجدر الإشارة هنا إلى أن العلم كان قد التجأ بعد سقوط بغداد إلى مصر وسوريا. وقد رعاه الأيوبيون بمصر والمماليك بعدهم فازدهر بمصر، وانتعش ببلاد الشام التابعة لهم إلا أنهم طاردوا الفلسفة ولاحقوا ذويها. وفي ذلك الحين تناولت حلب علم الزعامة الثقافية من دمشق حتى قام فيها على رواية محمد كرد علي في خطط الشام "ثلاث مدارس للطب ومدرسة للهندسة" ولكن هذه المدارس وغيرها قضت عليها حملة تيمور لنك فأضاعت الشهباء ازدهارها.
   وعلى كل حال فلولا تلك النهضة العلمية التي برزت بمصر خلال حكم بني أيوب وخلفائهم المماليك وشخوص الطلبة السوريين لتلقي العلم ولا سيما في أزهرها لاندرست الثقافة في بلاد الشام، ولما بقي فيها عالم أو أديب في المعنى الصحيح، وعلى الرغم من أن كثرة العلماء أمسوا فيها من الحشويين الذين يختارون في التأويل، الغريب المدسوس على الصريح المعقول، ومن أن أكثر الأدباء أمسوا يعنون بالألفاظ الرنانة والعبارات المنمقة دون المعاني، ودون توجيه الشعب للبناء والانطلاق فإن البلاد لم يدركها القحط الكلي. بل ظهر فيها من العلماء والأدباء نفر أتيح لهم أن يتمتعوا بالشهرة كابن عساكر المتوفى616 هـ، وابن الفارض635، وابن الأثير637، وابن تيمية المولود سنة661هـ.

   عهـد السلطنـة العثمانيـة
        كان من المفروض في بني عثمان الذين أتيح لهم أن يقيموا إمبراطورية عظيمة على أنقاض المماليك العربية وعلى أنقاض الإمبراطورية البيزنطية التي كانت في ذلك العصر منارة العلم في الغرب، كان من المفروض بهم أن يستغلوا مخلفات هاتين الأمتين وأن يعطوا العالم حضارة جديدة، أو أن يسيروا على الأقل في مواكب التمدن الحديث. ولكنهم باستثناء سلاطينهم الأولين الذين قلدوا الخلفاء العباسيين برعاية العلم والأدب، وتحلوا بهما، فإنهم انصرفوا عن كل ذلك في أوربا، وكان هدفها في النهاية الحفاظ على مكاسبهم الحربية، ثم الدفاع عنها تجاه الاتحاد الأوروبي المقدس الذي أبرم ضدهم. وبهذا وذاك ظلوا بعيدين عن العلم والأدب، فما حافظوا على ما ورثوه من العرب، وما اقتبسوا التمدن الحديث من الغرب إلا بعد أن أشرفت دولتهم على الانهيار. على أنهم ما إن فكروا في وجوب الخروج من نطاق الجمود ومباشرة الإصلاح حتى كان هدفهم ينحصر في الشؤون العسكرية. فأنشأ السلطان مصطفى الثالث "1757م -1774" مدرسة الفنون الحربية. ولكن السلطان محمود الثاني "1808م -1839" ما أن أتيح له القضاء على الانكشارية، هذه الطغمة التي كانت تقف في وجه التجدد، حتى أراد الانطلاق في سبيل الاقتباس من أوروبا. وفضلا عن بنائه المعهد الطبي باستانبول فقد أوقد بعثة من الطلبة للتخصص في معاهد أوروبا. كما أن خلفاءه شرعوا يعنون بالولايات. ولكن عنايتهم هذه كانت لا تتجاوز إنشاء مدارس إعدادية وعسكرية كانت الغاية منها إعداد الموظفين للحكومة، وإعدادا الضباط للجيش.
    وأما الشعب فلم يكن أحد منهم يهتم به، وهو، وفي مقدمته العرب، كان قد استيقظ بالتماس مع العالم الغربي بالمدارس والتجارة والهجرة، وأصبح تواقا للمعرفة ومجاراة الركب العالمي فلم يسعه إلا الإقبال على المدارس التبشيرية المختلفة التي انتشرت في كل مكان علاوة على المدارس الخاصة التي أنشأتها الطوائف. فكانت العاقبة أن رعايا السلطنة العثمانية، الذين هم في الأصل لا يشكلون وحدة قومية، أمسوا كتلا متباينة الأهداف في السياسة، ومتباعدة في النطاق الملي. وكل ذلك أفضى في النهاية إلى متاعب واجهتها السلطنة عجلت في زوالها.
     ومن رعى غنما في أرض مسبعـة
     وغاب عنها تولـى رعيهـا الأسـد

   النهضـة الثقافيـة في الشـام
    إثر اختلاط الغرب بالمسلمين في بلاد الشام والأندلس وصقلية، وفي أعقاب هجرة علماء بيزنطة إلى بلاده بعد فتح العثمانيين عاصمتهم القسطنطينية سنة857 هـ -1457م انتفض الغرب انتفاضة جبارة خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، كانت منطلقا لحياة جديدة في الأجيال اللاحقة. ولم تقتصر نهضته على الناحية الثقافية، وإنما تناولت الشؤون الاقتصادية، وتركزت على القوة العسكرية.

       ولكن الغرب على الرغم من انصرافه إلى بناء مطرد لم ينس أبدا بيت المقدس. وآية ذلك أن ملك إسبانيا  فيليب الثاني اكتسب فرصة وجود الأمير فخر الدين المعني الثاني في ضيافته بصقلية وذلك في مطلع القرن السابع عشر، ليعرض عليه التعاون معه على طرد العثمانيين من البلاد المقدسة. ولكن على الرغم من خصومة الأمير لهؤلاء أبى واستنكر وفضل العودة إلى بلاده على التواطؤ مع الأجانب على دولته، وعلى مقدساته.
    ثم لما جاء عهد الاستعمار وانتقلت المبادرة إلى الدول الأوروبية ظلت فلسطين مائلة أمام أعين هذه الدول, ولا سيما حين تداعت السلطنة العثمانية. وأصبحت كل واحدة منها تسعى لأن تؤمن نصيبها من إرث الرجل المريض.
    وقد وضعت اعتمادها على الإرساليات التبشيرية التي كانت بمثابة طلائع جيش الفتح لأن هذه الإرساليات لم يكن يعهد إليها التبشير بواسطة المدارس فقط، وإنما كانت تعمل كدائرة استخبارات لتسهيل الفتح والإعداد له بشتى الوسائل. ومهما يكن من أمر هذه الإرساليات التي ترجع أولاها إلى عهد الأمير فخر الدين المعني المشار إليه فإنها ولا شك عملت لبعث نهضة ثقافية في سوريا، ولا سيما بلبنان رافقتها نهضة تجارية واجتماعية.
    ثم كان لاحتلال نابليون بونابرت سنة1213هـ -1798م أثر كبير في نهضة الشرق العربي ذلك لأن هذا الفاتح الكبير استصحب معه لوادي النيل بعثة علمية فنية كانت حافلة بأشهر علماء فرنسا. فوضعت التصاميم الإصلاحية، وقامت ببعض المشاريع العمرانية التي كانت فيما بعد منطلقا لنهضة هذا المشرق الحديثة في عهد الأسرة العلوية وخيديوييها ولا سيما في لبنان الذي ساهم أبناؤه في النهضة المصرية.

   النهضـة الثقافيـة في لبنـان
    مذ عنى الأوروبيون بطباعة الكتب العربية وترجمتها في مطلع القرن الخامس عشر بادروا للاستعانة ببعض المثقفين من اللبنانيين، ولا سيما رجال الاكلروس، فانتقل هؤلاء إلى روما وإلى أكثر العواصم الغربية والجنوبية، وساهموا فيها بأعمال الترجمة والطبع والتدريس. وقد تولى نفر منهم الوظائف، وسرعان ما كان ذلك حافزا لهم وللمتخلفين منهم للالتفات إلى وطنهم، فأنشئوا في عام1042هـ -1632م المدرسة الأولى في قرية حوقه بلبنان، والثانية في حلب عام1072هـ - 1662م وكانت أولى المطابع تلك التي استجلبها البطريك اثناسيوس ذباس إلى حلب في مطلع القرن الثامن عشر. والثانية مطبعة الراهب الحلبي عبد الله زاخر في دير مار يوحنا الطبشة في الخنشارة بلبنان، وفي غضون تسابق الدول الأجنبية إلى فتح المدارس التبشيرية في المدن والقرى في كل من ولاية بيروت ومتصرفية لبنان وغيرهما أدرك البيروتيون، وعلى رأسهم رجال الدين مغبة ترك تربية أولادهم لسواهم فخفت كل طائفة منهم لإنشاء المدارس الوطنية.
    وكان من نتيجة انتشار العلم في الساحل السوري على وجه عام ذلك الإقبال الشديد الذي برز من قبل مثقفي الشعب على المزيد من فتح المدارس وإصدار الصحف، وإنشاء المطابع، وقراءة الكتب وتأليفها. وقد رافق هذا الإقبال ميل من الشعب لتأليف الجمعيات ولا سيما الأدبية والخيرية منها، ولكن الوضع العثماني لم يكن يشجعهم ولذلك اضطروا في البداية إلى اللجوء للتعاون مع الأجانب، الذين كانت تحميهم الامتيازات من أجل تأليف الجمعيات المنشودة. وقد ألف بعض علماء بيروت وأدبائها سنة1858 بالتعاون مع بعض المرسلين الأمريكان "الجمعية العلمية السورية" التي كانت غايتها الاهتمام بنشر المعرفة وخدمة الأدب فعاشت نحو سبع سنين. ثم لم تلبث أن عادت للحياة في عام1867، وأصدرت مجلة باسم مجلة مجموع العلوم. ولكنها لم تعش طويلا.
    وفي أعقاب ذلك تبدل الوضع في سوريا حينما نصب مدحت باشا الملقب بأبي الدستور واليا عليها سنة1979م. فهو إذ كان يطمع بالاستقلال في بلاد الشام على غرار خيديوية مصر اعتمادا على فرنسا شرع يتحبب إلى أهلها فأطلق لهم شيئا كثيرا من الحرية. وكان الجو الذي بدأ في أيام ولايته وما بعدها مشجعا لبعض أهل العلم والأدب من البيروتيين لأن يؤلفوا المجمع العلمي الشرقي سنة1881 بالاستقلال عن الأجانب. ولعلهم اختاروا هذا الاسم لجمعيتهم من قبيل التمثل بالأوروبيين ومجامعهم العلمية. ولكن هذا المجمع لم يكمل العامين من العمر. فانبرى بعد ذلك المطران يوسف الدبس لإنشاء الدائرة العلمية المارونية برئاسته. ولم تكن أطول عمرا من سابقاتها. ذلك أن السلطان عبد الحميد الثاني (1876 – 1909) لم يكن يرتاح للتكتلات الشعبية الأمر الذي أدى إلى انحلال الجمعيات الخيرية أيضا، وفي مقدمتها جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية. ولولا أن جمعية شمس البر الأدبية كانت تستند إلى رعاية الأمريكان وحمايتهم لما عاشت حتى الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918م). ولا بدع فقد كان عهد هذا السلطان شديد الحذر من مؤامرات الدول الأجنبية التي كانت تحاك حوله. وإلى ذلك فلم يكن يطمئن لشعبه الذي تخرج في المدارس الأجنبية.
     وهذا الخوف من الداخل والخارج حملة على التشديد في المراقبة والمعاقبة على الشعب الذي استيقظ بعد سبات عميق. من ذلك أن شاعرا بيروتيا، وأظنه مصباح البربير نظم قصيدة غزلية كان مطلعها:
    إن حبي كل يوم في ازديـاد
   والهوى يأتي على غير المراد
    فقامت قيامة الولاية في بيروت، وانتصب الميزان. لماذا؟ لأن للسلطان أخا اسمه مراد كان قد اتهم بالخبل فخلع وبويع السلطان عبد الحميد مكانه. ومن هنا اتهم الشاعر بأنه يعرض بالعاهل المخلوع، وسيق للمحاكمة.
    وفي عهد كهذا ليس من المنتظر أن تتألف الجمعيات، وإذا تألفت لم يكن من المقدر لها أن تعيش.

   المجمع العلمـي اللبنانـي
    حفل لبنان في صدر القرن العشرين بحملة الشهادات العليا من خريجي المعاهد والمدارس الموفورة فيه، ومن خريجي جامعات الغرب. ولما أصبح له شبه كيان سياسي في عهد الانتداب الفرنسي بالقانون الأساسي والحكم الدستوري اتجهت أنظار الطبقة المثقفة فيه إلى أن تكون لها هيئة تمثل وجه وطنها الثقافي، وذلك بإنشاء مجمع علمي أسوة بسوريا منذ عام 1919. وكان الشيخ إبراهيم المنذر الأديب الكبير عضوا في المجلس النيابي اللبناني فأثار هذا الموضوع، ثم كانت له وقفات حوله قوية خلال عام1927 سرعان ما أثمرت فقرر المجلس إنشاء المجمع المنشود على الرغم من أن الانتداب الذي كان يشجع اللغة العامية بلبنان ضمن نطاق تبعيده عن شقيقاته لم يكن راضيا عن هذا العمل. واستنادا إلى قرار المجلس المذكور أصدر رئيس الجمهورية الأستاذ شارل دباس قانونا بإنشاء مجمع علمي لبناني وذلك في 20 شباط 1928 غايته المحافظة على اللغة العربية، ورفع شأنها، والعناية بالمباحث والأعمال المتعلقة بأصولها وآدابها والحفاظ على الآثار، ودراسة تاريخ لبنان وجغرافيته، وغير ذلك مما يتعلق بإدارة الشؤون العلمية وتنظيمها. وأصدر مرسوما آخر بتعيين السادة الآتية أسماؤهم أعضاء لهذا المجمع: الشيخ إبراهيم المنذر، والشيخ عبد الله البستاني، والشيخ أمين تقي الدين (1)، والشيخ منير عسيران، والشيخ محمد الحسيني والأستاذ بولس خولي، والبطريرك اغناطيوس افرام الرحماني، والشيخ عبد الرحمن سلام، والخوري بولس عبود، والأستاذ وديع عقل، والأستاذ إلياس فياض، والشيخ أحمد عمر المحمصاني، والأستاذ عيسى اسكندر المعلوف، والأب لويس المعلوف، والشيخ حسين معنية.
    وفي التاسع من شهر آذار 1928 افتتح المجلس أعماله بحضور الشيخ بشارة خليل الخوري رئيس الوزراء الذي كان وزيرا للتربية الوطنية، وانتخب مكتبه التنفيذي على الوجه التالي: الشيخ عبد الله البستاني رئيسا، والشيخ أحمد عمر المحمصاني، والأستاذ وديع عقل، معاونين للرئيس. وقد اتخذ المجمع في أول الأمر وزارة المعارف والتربية الوطنية مقرا له، ثم انتقل إلى دار الكتب الوطنية، ووالي اجتماعاته فيها إلى أن استقل في دار له خاصة.
    وقد حالت بعض الأسباب دون اشتراك السادة عبد الله البستاني والأب لويس معلوف، والأستاذ عيسى اسكندر المعلوف، والشيخ محمد الحسيني والشيخ حسن مغنية في جلسات المجمع الأولى فقرر اعتبارهم أعضاء مراسلين وانتخب بدلا عنهم السادة: الشيخ علي زين، والخوري جرجي ستيتي "الذي أصبح من بعد مطران السرايان بدمشق"، وجرجي صفا، وأسد رستم، ومحمد جميل بيهم. ونتيجة لهذا التبديل اجتمع المجمع في 25 تشرين الأول 1928 وانتخب الأستاذ وديع عقل رئيسا له، وإلياس  بك فيض والشيخ إبراهيم المنذر معاونين وذلك لمدة عام. وقد وضع المجمع خلاله نظامه الداخلي.
    ولما أزف موعد الانتخاب في السنة التالية، وشعرت السلطة بأن نية أكثر أعضاء المجمع منصرفة لانتخابي للرئاسة تحركت فورا لأني كنت من أشد المعارضين بلبنان للانتداب، والمنادين بالوحدة العربية. وقد عهدت إلى الشيخ بشير الخوري المندوب من وزارة المعارف للإشراف على الانتخابات السعي لتوجيه الأعضاء إلى تجديد الرئاسة  للأستاذ وديع عقل، وذلك في جلسة الانتخاب المحددة في 18 تشرين الأول 1929. ولما باءت مساعيه بالفشل تحول بكليته إلى، وشرع يقنعني بالتخلي عن الرئاسة للأستاذ عقل لسنة أخرى على أن أعلن ذلك لزملائي. فكان جوابي له: إني لم أكلف أحدا منهم بأن ينتخبني، كما أني لا أعلم من هو المرشح عند كل منهم، فكيف يسوغ لي من بعد أن أطلب منهم أن لا ينتخبوني لمنصب الرئاسة وأعرض نفسي لقول قائل: من أخبرك أني مزمع أن أصوت لك؟. ولما استولى عليه اليأس أجل الانتخابات ريثما يقابل نسبيه الرئيس الشيخ بشارة الخوري. ولم يلبث إلا قليلا حتى عاد حاملا إلي بشرى الوعد بتعييني وزيرا للمعارف والتربية الوطنية إذا تخليت عن رئاسة المجمع. فقلت له مبتسما: "أنت تعلم يا شيخي أني لست من طلاب الوظائف، كما تعلم أيضا، مما نشرته الصحف في حينه، إني كلفت بأشغال مناصب عالية من قبل فرفضت التعاون مع العهد، فكيف تريدني في التحول الآن عن مبدئي؟" فما وسع البشير إلا السكوت على مضض. ولما جرى الانتخاب يومئذ أسفر عن إحرازي معظم الأصوات للرئاسة، وعن انتخاب الشيخ إبراهيم المنذر والأستاذ سعيد عقل معاونين لها. وهنا مجال للتنويه بالأستاذ عقل هذا الرجل الوطني الموهوب ذلك لأنه تعاون معي في نطاق خدمة المجمع وكأن شيئا لم يقع من قبل، وكرس جريدته الراصد للتكلم بلسانه.
    وكان أول عمل باشره المجمع بعد ذلك تطبيق نظامه الداخلي الموضوع في العام الفائت بتوزيع أعضائه على أربع لجان عهد إلى كل منها أن تعمل بجد ونشاط ضمن نطاق المهمة الموكولة إليها وهي:
    اللجنة الأولى (الإدارية) ومهمتها القيام بالأعمال الإدارية، وتحضير الموازنة المالية كل عام. وكانت تتألف من السادة: محمد جميل بيهم ووديع عقل وإبراهيم المنذر.
     اللجنة الثانية (اللغوية) ومهمتهما التدقيق في وضع الكلمات والمصطلحات للمعاني العملية الجديدة وللمسميات الحديثة. والتعاون مع المجامع العلمية العربية الأخرى توصلا لوضع معجم يوفى حاجة العصر. وكانت تتألف من الشيخ منير عسيران، والشيخ إبراهيم المنذر وإلياس بك فياض والشيخ أمين تقي الدين.
     اللجنة الثالثة (لجنة التاريخ والجغرافيا) وعهد إليها بالإضافة إلى التحقيقات التاريخية، وضع معجم جغرافي للبنان على أسلوب علمي حديث. وكانت تتألف من الأساتذة أسد رستم، وبولس الخولي، والخوري جرجس ستيتي، والسيد علي زين ومحمد جميل بيهم.
    اللجنة الرابعة (لجنة المخطوطات) وعهد إليها وضع إحصاء عام للمخطوطات العربية في الجمهورية اللبنانية، وترتيب تدوينها على طريقة علمية تسهيلا لمراجعتها. وكان قوامها الشيخ أحمد عمر المحمصاني، والشيخ عبد الرحمن سلام، وجرجس بك صفا.
    وقد قامت هذه اللجان بما عهد إليها على خير وجه في جو من التعاون والوئام ورفعت إلى المجمع تقاريرها لتكون أساسا للبحث والإقرار، ومن ثم التنفيذ.
   تقريـر اللجنـة الإداريـة:
    تناول التقرير الأوضاع العلمية والأدبية في البلاد العربية ولا سيما بلبنان، كما تناول إنشاء المجمع العلمي اللبناني وأعماله منذ نشأته حتى ذلك التاريخ، وأشار إلى ما عقد العزم على تحقيقه في تلك السنة وما بعدها. ولا سيما في حقل توثيق العلاقات بينه وبين المجامع العربية الأخرى. كما أنه أشار إلى بعض الدعوات الخارجية التي وردت له، وعلى رأسها دعوة المجمع الأدبي العام في باريس.
   تقريـر اللجنـة اللغويـة:
    بعد أن أكد التقرير ضرورة التعاون مع سائر المجامع العلمية العربية، وبعد أن أشار إلى آراء طائفة من أكابر كتاب العرب بشأن إصلاح اللغة توصلت اللجنة إلى الاستنتاج بأن هؤلاء على خلاف في وجهة السير: فبينما أن بعضهم يقبل بما يقرره الأفراد المعنيون باللغة فإن البعض الآخر كان يرى أن للمجامع وحدها الحق في وضع الكلمات الجديدة. وقال التقرير في التعليق على ذلك "بناء على ما تقدم رأى المجمع العلمي اللبناني قبل أن يجزم في هذا الشأن أن ينتدب رئيسه الحالي الأستاذ جميل بيهم فيقصد مصر، ومصر اليوم قلب العالم العربي النابض، ويسعى لإيجاد صلة بين الهيئات اللغوية والمجامع العلمية في الأقطار العربية تمهيدا لعقد مؤتمر عام يجتمع في كل سنة لأجل التعاون والتفاهم على الطرق السوية لترقية اللغة العربية.
     ولقد سافر الأستاذ الرئيس إلى مصر فقابل وزير المعارف، وصاحب الدولة مصطفى النحاس باشا، وبسط لهما مهمته فلقي منهما الارتياح التام. ثم أخذ يبث الدعوة بين جمهور المفكرين العاملين. وساعده على ذلك بعض أهل الفضل والوجاهة بما عقدوه من حفلات لهذه الغاية. وقبل مغادرته مصر تألفت لجنة في القاهرة من كبار مفكريها وعلمائها جعلت همها السعي لتحقيق هذه الغاية. ولم يطل العهد حتى نقلت إلينا الصحف البشرى بإنشاء المجمع المصري للثقافة العلمية وترقية اللغة العربية".
    وبعد أن أشار التقرير إلى البيان الوافي الذي وضعه سنة 1928 الشيخان عبد الرحمن سلام، وأحمد عمر المحمصاني في كيفية المحافظة على اللغة العربية، وأوجزه قال في الختام: "لذلك نرى أن باب الاشتقاق في اللغة العربية يجب أن يفتح على مصراعيه توصلا إلى استخدام الأفعال والأسماء والصفات المتعلقة بها حسب مقتضيات العصر، فيتسع بذلك مجال الإنشاء، ولا يعاني طلاب العلم والكتاب ما يعانون من المشاق والمصاعب".   
    ومضى يقول: "وسننظر فوق ما تقدم في أصول اللغة، أي قواعدها الأساسية المتخذة حجة لصحة الكتابة والإنشاء. وهي في كل فرع من فروع الصرف والنحو والعروض والبيان وغيرها لا تزال على حالها منذ وضعها الأئمة لم يطرح منها باب، ولا عدلت قاعدة لذلك شق تحصيلها على طلابها لأنهم رزحوا تحت أعبائها، وضاعوا بين المؤلفات الضخمة، والآراء المتباينة، والقواعد المعقدة التي يجب أن تطرح من كتب اللغة تسهيلا لتناولها. ولا يخفى ما في تحقيق هذه الأمنية من الصعوبة تجاه المتعنتين. ونحن نتوخى في كل حال المحافظة على عظمتها وتعابيرها الشائعة مستعينين بأقطابها المدققين العاملين الضاربين في مشارق الأرض ومغاربها".
   تقرير لجنة التاريخ والجغرافيـا:
    أشار التقرير إلى اهتمام اللجنة بتاريخ لبنان وجغرافيته ليقف المواطن على أحوال بلاده وقوفا صحيحا ويلم بكل ما فيها من المعالم والآثار بالإضافة إلى تراجم كبار اللبنانيين الذين تركوا خير ذكر في العلم والدب، أو الوجاهة مع العمل البناء. ثم مضى يقول:
    "لما كان العالم العربي في الشرق والغرب في حاجة إلى المجامع الكاملة عن بلاده ترى اللجنة أن يعني المجمع في بدء أعماله، عناية خاصة، بوضع معجم جغرافي لجميع البلدان والقرى والمزارع والأنهار والجبال في الجمهورية اللبنانية، وأن يكون لهذا المعجم الجغرافي مقدمات عامة في جغرافية لبنان السياسية والاقتصادية والتاريخية مصحوبة ببعض مباحث في جيولوجية لبنان ومناخه ونباته وحيوانه وذلك بالاستعانة بفريق من أساتذة الجامعتين الأمريكية والفرنسية في بيروت. فطلبنا إلى حضرة الأب هنري لامنس اليسوعي أن يتولى كتابة المقدمة التي تتعلق بجغرافية لبنان التاريخية، وإلى الأب جبرائيل لوفتك أن يكتب مقالة في جغرافية الجبل الاقتصادية، كما أنا رغبنا إلى بعض أساتذة الجامعة الأمريكية في بيروت، وهم ألفريد داي، ويوليوي برون، والدكتور ويليم فانديك الكتابة في جيولوجية لبنان ومناخه وحيواناته ونباته ومياهه. وأما القسم الأكبر من العمل في هذا المعجم، وهو جمع حقائق عامة في الجغرافيا والتاريخ عن البلدان والقرى والمزارع اللبنانية، وترتيب هذه المباحث وتنسيقها وضبطها فقد شرعت به هذه اللجنة وطبعت جداول تمهيدية لوضع القاموس العام. وفي كل منها حقول متنوعة تتناول المدن والينابيع والجبال والمناجم والمعابد والمقامات والمعامل والمعاهد العلمية، ومواطن الآثار، وأهم الحاصلات الزراعية والمنتوجات الوطنية إلى غير ذلك من الشؤون عدا أماكن الاصطياف، ورفعنا هذه الجداول إلى وزارة الداخلية الجليلة لتأمر بتوزيعها على المحافظين والمديرين والمختارين في الجمهورية اللبنانية. وقد أعيدت الجداول المذكورة معبئة، وعهد بها إلى هذه اللجنة لتصحيح ما يحتاج التصحيح، ولتنسيقها".                                                                                                          
   تقرير لجنة المخطوطات العربيـة القديمـة:
    أشار التقرير إلى الصعوبات التي تعترض المنقبين عن هذه المخطوطات، ولا سيما لأن أكثرها موزعا على مكتبات خاصة لم تعمل بعد أيدي الباحثين إلى التحري عنها، وأكثرها غير معروف. ثم بينت اللجنة أنها بدأت بإحصاء ما في مدينة بيروت، وأنها ستشرع من بعد في البحث عما يوجد في غيرها من المخطوطات حتى إذا اكتمل العمل تنظم منه معجما محيطا ليسهل الرجوع إليه على أن يشمل هذا المعجم إشارة إلى موضوع كل كتاب، وإلى الزمن الذي وضع فيه، وإذا كانت له مزية أخرى. وختمت اللجنة التقرير بذكر ما أحصته في مكاتب بيروت الكبرى من المخطوطات فكان كما يلي:
     مكتبة الجامعة الأمريكية:
   183 مجلدا و 134 رسالة
     مكتبة الآباء اليسوعيين:
   245 مجلدا و 44 رسالة
     دار الكتب الوطنية:
   48 مجلدا و 20 رسالة
     المجموع: 476 مجلدا و 198 رسالة
    وفي هذه المناسبة يطيب لي أن أذكر أن مكتبة المخطوطات في داري تحتوي على 41 مخطوطة بعضها ليس له نسخة ثانية في المكتبات الأخرى.
   إلى الأمام في خدمة العرب والعربية:
    وقد استمع المجمع إلى تقارير لجانه وناقشها، وحث أعضاءها على المزيد من النشاط حبا بالقيام بالتبعة الملقاة عليهم على خير وجه. وقرر في الجلسة التي عقدها يوم29 آذار 1929 تكليفي بأن أفاوض المجمع العلمي العربي بدمشق من أجل التعاون على تحقيق فكرة المؤتمر اللغوي العام الذي كنت دعوت له في مصر فأنجزت ما تقرر.
    هذا وكانت جريدة البرق نشرت مقالا لصاحبها الأستاذ بشارة الخوري اقترح به على المجمع إكمال دائرة المعارف التي أصدرت بعض أجزائها الأستاذ بطرس البستاني قبل حين فرحب المجمع بهذا الاقتراح وفوض إلى اثنين من أعضائه: الشيخ عبد الرحمن سلام والأستاذ جرجس صفا، لدرس هذا الموضوع، وليقدم كل منهما تقريرا في الوسائل التي يمكن بها تحقيق هذا الاقتراح. وفضلا عن ذلك فقد قرر إنشاء ناد يشتمل على مكتبة عامة، ومجلة عربية على أن يجعل من هذا النادي دارا للمحاضرات ومحجا لطلاب المعرفة.
   إلغاء المجمـع العلمـي اللبنانـي:
    كان بين الأستاذين المحاميين اميل اده والشيخ بشارة الخوري تنافس على الرئاسات في عهد الانتداب وبعده. فلما خلف الأستاذ اده الشيخ بشارة على رئاسة الوزارة، وهو رائد من رواد عزلة لبنان واعتماده على فرنسا لم ترق له اتصالات المجمع العلمي اللبناني بالمجامع العلمية واللغوية العربية. لذلك فوجئ المجمع في عهده بمرسوم صادر عن رئاسة الجمهورية مؤرخ في 3 شباط 1930 يقضي بإلغائه تحت ستار التوفير على الخزينة. فكان لهذا المرسوم أثر سيء، ولا سيما على أعضائه الذين كانوا يوفون الخدمة حقها، وهم لا يتوقعون الشكر، فقدموا استدعاء إلى وزارة الداخلية بطلب الترخيص لهم لمتابعة العمل باسم المجمع المذكور دون الاعتماد المالي. ولكن المجمع اضطر فيما بعد إلى التوقف لأن مؤسسة كهذه عليها ما عليها من النفقات لا يطول عمرها إذا لم تمدها الحكومات بالمساعدة. ثم ما برح أعضاء المجمع، الذين كانوا يشعرون بالفراغ، يطالبون بإعادته. وقد استجاب لهم المجلس النيابي عام 1944. وقرر تخصيص مبلغ من المال لإعادة المجمع. ولكن الحكومات المتتابعة ضربت صفحا عنه فقضى نحبه هكذا قبل القطاف.

1   وهم من المشايخ المدنيين الذين تحمل أسرهم هذا اللقب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here