islamaumaroc

الأصالة هي دواء الحيرة

  دعوة الحق

149 العدد

    يذكرون أن لقمان الحكيم كان عبدا يملكه سيده وذات يوم أمره السيد بذبح شاة وأن يأتيه بأطيب مضغتين فيها، فأتاه بالقلب واللسان. وبعد أيام أمره بذبح شاة أخرى وأمره أن يأتيه بأخبث مضغتين فيها، فأتاه بالقلب واللسان. فنظر إليه شزرا، وقال: أمرتك قبل اليوم أن تأتيني بأطيب مضغتين في تلك الشاة فأتيتني بالقلب واللسان، واليوم أمرتك أن تأتيني بأخبث مضغتين فأتيتني بهما، فقال لقمان: لا شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا شيء أخبث منهما إذا خبثا، فعرف سيده أن سلوكه في المرتين صادر عن حكمة.
    لقد حدد لنا لقمان في هذه الأسطورة مصدر الطيب والخبث، وبهذا عرف محبو الحكمة أن علاج الخبث ليس هو القمع والسجن، وكل أنواع الغلظة والعنف، وداء الخبث إنما هو في استصلاح هاتين الغدتين. ولو قال للقمان سيده ائتني بأطيب مضغة (على الإفراد) لأتاه بالقلب، وإنما جاءت هذه الثانوية من جهة اعتبار غريزة النزوع، ووظيفة السلوك.. ومن أسر سريرة ألبسه الله رداءها (قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر). ومن الدلالات الطبعية الصامتة دلالة الحمرة على الخجل والصفرة على الوجل، ومن دلالات الطبعية الصوتية دلالة "أح" على الوجع، ودلالة سفه القول على مرض الفكر من هذه الدلالات اللفظية غير الوضعية. ولهذا فإن الحكماء لا يرون في سوء القول وسوء السلوك ما يوجب زجر المسيء، بل إن هذا الإنسان مريض يجب علاجه بالدواء الذي يذهب به عنه هذا الألم الذي حمله على أن يفوه بما لا خير فيه، وحتى اللص لا لزوم لسجنه وواجب المجتمع فيه أن يقوم بعلاجه من الفقر الذي دفعه إلى ما لا يليق بكرامة الإنسان، فإن كان غنيا وسرق، فإنه ليس بمريض المرض المسمى بالفقر، ولكنه مريض مرض العقد النفسية، مصاب بمضاعفات فاعليات هذه العقد وقد يعود سببها إلى أنواع من الحرمان قاساها في صغره وفي مجتمعه الصغير أو الكبير ولهذا الداء أطباء هم علماء النفس. وحتى الأمراض البدنية ليست بأمراض أصيلة، ولكنها وليدة الوراثة وسوء التغذية، وضعف بعض الأنسجة البدنية عن المقاومة لأسباب يوضحها استنطاق المريض ومتابعة مراحل نموه متابعة جدية دقيقة. ولهذا فإننا نعيش في عالم مصاب بالغلط الكلي: وإلا فما فائدة هذه القوانين الجنائية وما هي آثار العقوبات عليها؟ إن لم تكن أمراضا قابلة للعلاج والدواء. (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون، فما يكذبك بعد بالدين، أليس الله بأحكم الحاكمين). وقد أخطأ الإنسان الأول طرق الحماية فعضل الداء وتعقد العلاج، وتكبد النوع البشري البحث عن الدواء المسكن وإن لم يكن دواء حاسما باتا في الموضوع، وتراكمت الأدواء واشتبكت ونبتت غابة استوائية على قيمة الإنسان، فطفق يبحث عنها كادا كادحا، وقيمته بين جنبيه وهو يطلبها في أعماق البحار وأجواء الفضاء.
 وتطلبهم عينـي وهم بسوادهـا
             ويشكو النوى قلبي وهم بين أضلعي
    إن الأدواء وهم، والشفاء هو الحقيقة الناصعة؟ وماذا عسى أن يفعل الإنسان لفائدة المجتمع الإنساني؟ ماذا يستطيع أن يفعله الحكيم وسط قوم لا يعترفون بالحكمة، فإن علا صوت الحكيم مبينا عن نفسه، أقامت المجتمعات ألف دليل على أنها شاهدت آلاف مدعي الحكمة، ولكنهم كلهم لا يعلمون عنها شيئا. وضاع صوت الحكيم، وظلت مواهبه مقصوصة الجناح لا تطير، ليس لأن الإنسان لا يحب الحكمة، ولكنه يجهلها، فإذا طلبها وقف على آلاف الحكماء الكاذبين، ويمر به الحكيم الصادق، ولربما كان أقرب إلى الازدراء من كثير من الكذبة فضاع صوته، وقد يعرفه عاجز ضعيف فتنتقل الحكمة من ضعيف إلى ضعيف (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أيمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض) (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه، وما ننزله إلا بقدر معلوم) (ولو نزلنا عليهم كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين). وإذا كان ولابد من ترجمة كلمة محب الحكمة بالقاموس المعاصر فإنه الدماغ المفكر، الذي أصبح يحمل عنوانا يدل عليه، وذلك العنوان هو التقنية والجودة: وهذه التسمية لم تكن معروفة عند الإغريق، وإن كانت صفة ملازمة، فإن محبي الحكمة الكبار كانت لهم اختصاصات جيدة، فإن أفلاطون لم يكن فيلسوفا فقط بل كان رياضيا كبيرا.. وابن رشد لم يكن فيلسوفا فقط، بل كان فقيها طبيبا.. وكما لا يفهم نحو بدون نصوص أدبية، ولا قرآن بدون حديث، ولا توحيد بدون منطق. فكذلك الفلسفة محتاجة إلى النماذج العلمية، والأمثلة الصادقة، وقد شبهت الفلسفة بنار مضيئة لا تظهر إلا بوقود من حطب أو غيره من المواد الملتهبة، ولا يمكن وجود نار بدون وقود كما لا يمكن وجود عقل بلا جسد. ولو عاد ابن رشد إلى الحياة لسماه عصرنا بالطبيب المادي ولاشتهر بالنبوغ في مهنته أكثر مما يشتهر بحكمته، لأن عصر المادة يكره الماورائيات والعلوم النظرية الصرفة، وإنما يقبلها لأنها وسيلة إلى نتائج عملية مادية. وإنما يضل في البحث عن محب الحكمة رجل المصادفات، والباحث عن إبرة في شبكة من التبن.. إذ من حسنات هذا العصر وضع العناوين على قيم الأشخاص كما توضع أوراق الأثمان على البضائع: وعبدة الدولار، يقدرون كل شيء بالدولار، فإذا أحب ولده قال إنه أحب إليه من مليون دولار، وحتى هذه العناوين ليست صادقة دائما، ولكنها تقرب المسافات: فإن الشاذلي قضى عمرا طويلا في البحث عن القطب، ولو حضر في عصرنا هذا لما احتاج إلا لربع المدة التي قضاها باحثا عن القطب في القرون الوسطى. إن المشاكل ليست كلها محلولة، بل إن إمكان حلها أصبح محتملا بعد أن كان يعتبر صدفة عمياء وشاء لون العصر الذي نحياه أن يخلق لنا صعوبات جديدة، ولكنه وفر كثيرا من مشاكل إنسان القرون الوسطى، وقد يأتي يوم يحل فيه هذه المشاكل التي نحياها، ثم لابد له من خلق مشاكل جديدة ليظل الإنسان دائما باحثا عن الغيب. متطلعا إلى اكتشاف الماورائيات. وهكذا يظل في تصاعد (وأن إلى ربك المنتهى) وهذه غاية لا مطمع في الوصول إليها، إذ لا يمكن للإنسان أن يصل إلى على كعلم الله، لأنه حادث، والله قديم: وشطر من إنسانية الإنسان وظيفته خلق المشاكل للمستقبل، وحل مشاكل الماضي، وهكذا إلى غير نهاية.. وإذا شعر بأمل الوصول إلى الحقيقة جاءت النكسة، ثم لا يدري ماذا ستكون صبغة الزمان في خلق مشاكله المستقبلة.
    إذن فمحب الحكمة هو الدماغ، والحكماء لهم الأدمغة التي أصبحت لها سوق رائجة تباع فيها بالمزاد العلني، حتى تقف على آخر زائد بآخر ثمن، ويصح التعبير بمثل ما كان ينادي به السماسرة الرقيق ويقال عن ذلك: فنادى عليه بالإشارة في مظان الزيادة، فوقف بآخر ثمن على آخر زائد. وخسر العقل حريته أيضا فأصبح خاضعا للدولار الذي يحقق له من الغايات أكثر مما تحققه له الحريات (ضعف الطالب والمطلوب). لكن آخر كلمة عملية قيلت: هي أن الحريات لا مدلول لها، وإنما هي ثورة يبعثها حرمان بعض الغرائز والعضلات مما تحتاج إليه وتقبل عليه بنشاطها اللهفان: فإن أحصيت هذه الأعصاب والعضلات والغرائز. وغذيت كلها بغرضها بادت الحرية، ومات الامتعاض. وإن جاع بعضها طلب الغوث من الجميع فتحولت الغرضية إلى هيجان عبر عنه بالحرية. وهكذا تجد المفاهيم مع ألفاظها كالأشجار مع أوراقها، تذبل وتسقط ويخلفها غيرها خلقا جديدا لا إحساس له بمن هلك: ويحق للأوراق الطرية أن لا تقيم وزنا للائي هلكن مع الهالكات، فإن الهلاك لم يعن شيئا أكثر من الوجود للقيام بوظيفة الحياة العاجلة، ثم ينصرف ليحل محله صاحب الوظيفة الجديد، والزمان ماض في ابتلاع الكائنات يدفعها إلى مصير مجهول عند الإحياء، محدود عند التاريخ؟ والإنسان؟ هو ورقة من شجرة البشرية يقضي لبانته ثم ينصرف. هذا ما تقوله الواقعية الساذجة، أما الأدمغة فلها حسابها الذاتي المثالي، فإنما الكائنات في الدماغ الواسع جماعات لا نهاية لها من الممثلين: شغلهم الأساسي أن يمثلوا قصصا دراسية مدرسية، في جهة ما، ثم ينصرفون لجهات أخرى ليمثلوا الأدوار الملائكة للبلد الذي يقصدونه، وقد تعلموا كيف يحيون في مجرى التيار، وتعلموا كيف يتساوقون مع الظروف والأوضاع، وألا يعرفوا فمن ورائهم المخرج الخلاق المبدع؟ وثمار هذه الجهود إلى أية غاية تنتهي؟ إنها تنتهي إلى نفسها، وفي ذاتياتها نعيمها وشقائها، ومتاعها متاع التنويع ومشاكله ومشاكسة الكائنات الأخرى، في نزاع دائب، والفوز والسعادة لأولئك الذين تزودوا بأفكار منسجمة واضحة، وأخلاق قادرة على أن تسير في جميع الاتجاهات مطمئنة راضية، وسلوك يضمن الإقامة الكريمة في كل موطن من المواطن مهما تعددت المظاهر، فإن للروح حساسية تطل على جميع الأجزاء التي علقت بها.
    لا ننسى هنا أننا نهدف إلى حل مشكل الوظيفة الأساسية في الوجود، ومنها ننطلق إلى قيمة الفرد، فإنه وحده الذي يحس بهذه الانقلابات الهائلة، والصراعات المتواصلة من أجل البقاء؟ والبقاء لأجل ماذا؟ إنه لأجل أن يحمل ثقله، ويقوم بتكاليفه في كل موطن حسبما يقتضيه (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون).
    هذا هو الحل الصحيح هو عبادة الله، وثوابها الجنة؟ ما رأي الشباب؟. وإذا كان السؤال يوجه إلى الشباب في الدرجة الأولى، ثم يوجه نفس السؤال للكهول الشيوخ، فإن ذلك من إيحاءات العصر الحاضر الذي فرض خلق مفاهيم جديدة، على حساب إماتة مفاهيم قديمة. والمبرر لهذا التغيير هو تقدم فكر الإنسان، إذ أصبح يشعر داخليا بأن الشمول حاجة لازمة لمساعدة العقل على التفكير، ولا سيما فيما يرجع للتوجيهات والقرارات النهائية التي ستسير عليها نظم الحياة: فإن الشاب المتفتح ابتداء من السنة الثامنة عشرة من عمره، مثله كمثل الأرض الخصبة المروية المحروثة التي تتطلب البذور الإنسانية إلا الحقائق المتكشفة نتيجة لمجهود الإنسان المتواصل: فإن كان الخطاب موجها إلى الإنسان توجيها خبريا لا يخالطه إلا القليل من الإنشاء الذي يشكل ذيلا من ذيول الخبر فإنه الإنسان الذي عركته الحياة، وذاق مرارة التجربة، وتحمل مسؤوليات الأبوة والزوجة، ولا يزال في الميدان سيد الموقف، فهذا الإنسان يشكل ابن الأربعين (حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة) فإن كان الإنسان المحتاج إلى المقومات الأساسية، لا يزال محتاجا إلى تلقي التعليم فإنه الطفل الذي سيخلفه الشاب، فإن تم شبابه فهو الإنسان الكهل. والشأن الذي كان يشغل بال إنسان القرون الوسطى – في الدرجة – هو الأمن، والقوت، لكن إنسان القرن العشرين يتمتع بأمن لم يحلم به السابقون، وبثراء لم يكن آباؤنا يحلمون به حتى في المنام؟ فبماذا يفكر شاب القرن العشرين؟ إنهم يقولون له: فكر في المستقبل، فيقول: ما عسى أن يكون هذا المستقبل: آلام، ودسائس، ونكبات؟ وأن هذه الحياة السخيفة لتكلفنا ثمنا غاليا، في حين أنها لا تقدم لنا إلا خبزا ونفسا تتردد في شبح مهدد، ثم الفناء الأبدي.. هذه وساوس الشباب، التي حملته على أن يخلع جلباب الحياء، وينصرف إلى الشهوات وتعاطي المخدرات، فإن قيل له: إنها مهلكة، أجاب: لحظات تحت تأثير المخدرات وأحلام المخدرات، خير من عشرين سنة في عمر رتيب لا جديد فيه. ويحسب الناس أنه الشاب الذي ينحرف عن الطريق، ويضل السبيل، كلا.. إنه الإنسان الذي أشرف على باب السعادة الخالدة (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا) ليس بين الشاب وما يتصوره من جزاء على أتعابه كإنسان، إلا أن يراجع الإنتاج الذي تمتع به الإنسان الأصيل حينما تفاوتت الحقائق السماوية مع الواقع الأرضي فصارتا مجالا لنشاط العقل البشري: فقد جاء إبراهيم عليه السلام، في وقت عابث كان الإنسان مستعبدا للأضاليل والأوهام، يعبد الأصنام، ويخشى شرور الآلهة، ويحذر انتقام الجن والعفاريت: فاكتشف إبراهيم واحدية الإله، ونزهه عن العبث، فإن مخطط هذه الأكوان لن يكون عابثا (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) كان عقل إبراهيم عليه السلام كالمصفاة المعيارية لا يقبل التناقض، ولا يؤمن بعبثية الكون، بل إن مدير هذه الأكوان حكيم مدبر، وبحث عن الإله فإذا هو أقرب إليه من حبل الوريد، وعلم إبراهيم أن الكائن لا غاية له، وأن كل شيء ينتهي، فإن نهايته في إنشاء دورة تاريخية من فترات الكائن النسبية، تكون مبدأ لفترة أخرى، فإن قطعها ابتدأ أخرى: والبحر تتبخر بعض مياهه، فإذا هي غازات وسحب وضباب، ثم تتحول إلى قطرات، وتسيل القطرات مطرا، ويسقي المطر التراب فينبت الشجر ويولد الحيوان، ثم تذبل الأشجار، فترتفع رطوباتها إلى الأجواء، ومن ثم تساقط أمطارا ثم يتولد منها نبات في خلق جديد، ويصل فاضل الماء إلى الأنهار ثم يعود إلى البحار، وتبدأ الدورة من جديد إلى ما لا نهاية له، وإذن فالإنسان لن يخشى من الفناء الكلي، وإنما فناؤه تحوله من صورة إلى صورة أخرى، في نطاق تصميم محكم جاد كريم، يسيره مدبر رحيم، لم يخلق خلقه ليعذبهم بل ليريحهم وليجذبهم إلى قربه حتى يتمتعوا بسعادة الأبد، أما تعب عمر الإنسان – وهب أنه في معدل مائة سنة – فليس إلا عظة صغيرة في بحار الأبدية اللانهائية، ومن فائدة الإنسان أن يذوق مرارة الحياة الدنيا، حتى إذا انتقل إلى ما بعد الموت وجد حياة أجمل وأفضل (وأن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون).. ولن يهلك على الله إلا هالك.. ولو اتسع أفق تفكير الإنسان الشاب، لأدرك بالبداهة أن الذي نظم هذا الكون لن يعبث وإنما العابث هو الشيطان الذي قال الله فيه (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا). ومن المؤسف حقا أن بعض الناس يؤثرون وعد الشيطان – الذي لا يشكل إلا فرضا خاطئا – على وعد الله الصادق القادر: أما وعد الشيطان فيأس وعجز واستسلام، لكن وعد الله فيه أمل وفيه خير. وقد شاهد التاريخ رجالا كانوا يسمون بالأنبياء والمرسلين، فكانوا أقوم الخلق سلوكا، وأحدثهم لهجة، وأبعد ما يكون عن الافتراء على الله، وعن خداع المخلوقات، فهؤلاء الصادقون أبلغونا متفقين أن لله دارا غير دار الدنيا تسمى بالآخرة، وإنها دار السعادة الحقيقية ويزكيهم الله سبحانه فيقول (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يكسبون).
    لقد كان إنسان القرون الوسطى أكثر شجاعة من إنسان القرن العشرين، فكان إنسان القرون الوسطى يعمد إلى التجربة، ويقرأ الخرافة على أنها خرافة، ولكنه كان حسن الظن متفائلا، وحسن ظنه وتفاؤله جعلاه يقول: ما نحسب هذه الخرافات إلا شظايا من الحقائق، وإذ ليس لنا عن الحقائق أي علم، فلننطلق من الخرافة في طلب الحقيقة، ومنهجنا هو التخطيط الخرافي. وبهذه الطرائق التجريبية اكتشف الإنسان هذه الاكتشافات المباركة، التي جعلتني في هذه الساعة لا أحتاج إلى الدفء إلا وجدته بمجرد الضغط على زر سهل، وإذا احتجت إلى النور لا أزيد عن حركة أصبع يضغط على هذه الأزرار التي أمامي، في سلسلة من أسباب المتعة والراحة وقرب اقتناء الحاجات.. كل هذا وأنا إنسان مع الناس المعاصرين لا نزال جميعا في بدء الطريق إلى الجنة الأبدية، إن أمام الشباب الحائر موازين للتجربة، ومعه عرابين تقيم المحجة على حسن رأي الأكوان وأن مدبرها غير عابث ولا منتقم ولا مريد لعذاب خلقه (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم، وكان الله شاكرا عليما ولكن من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، هو الذي يعذب نفسه، فيأذن الله للعذاب أن يطبق قواعده، ومنها التسلط على الجبان المتردد غير المؤمن بآيات الله ورسله؟.. ماذا يخسر الملحد من تجربة الإيمان؟ فلو لم يكن في التجربة إلا السلوى من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا لكان ذلك خير دواء لداء الحيرة المهلك القاتل.
    إن هذه الثورة الفتية، وهي في الحقيقة ثروة لطاقة مبشرة بوجوه من الإمكانيات لا حد لها، وهي بمثابة الرعد والبرق المتقدمان بين بركات من الغيث المدرار، لكن الذين ألفوا الذلة والجمود، يخافون السماء، ويتمنون ألا ترسل السماء بركاتها، لأن كوخا عتيقا سوف يساقط، وسقفا على ما سوف يقطر ويبل الأثاث، إن الإنسان الذي يجتاز دور كمال النشاط، والذي سيسترسل كالغيث الملتوي، محتاج إلى وجود سدود وخزانات، لتحبس هذه المياه، لتسقى منها هذه العجاج، فتنبت الحب والأب والمتاع: إن الشباب الطاقة الهائلة تتلقفها المبادئ المادية التي تتلون كما يتلون في أثوابها الغول تقدم إلى الشباب أفكارا لا غناء فيها، وكل ما يهمها من الأمر أن تجد هذه النزعات المحدودة أنصارا أقوياء يصرفون نشاطهم في سبيل الانتصار لفريق على فريق، واكتساب الأتباع، الذين يعطون أصواتهم لهذا الطموح أو لآخر. وكل ما يقدم إلى الشباب سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. لكن الشباب آلمه الفراغ والخلاء اللذان يعيش فيهما، وهو جوعان إلى تغذية محترمة، وألا يقدم إليه العلاج الناجع فإنه سيزداد انطلاقا في الإجهاز على نفسه، ومعنى إجهازه على نفسه ضياع أجيال من البشرية المحتاجة إلى عناصر الشباب للقيام بالبناء والتشييد. لا للتفرغ لما ينهك الجسم والعقل، وشر من ذلك تحركاته تحركا عكسيا متبرة مخربة بدل أن تكون بانية مرممة، ولن يفيد أغراض السلطات شيئا، فقد جرب البشر الأعراض عن شأن الجراد، فغزا الجراد الحرث والغرس، وفرض على الكسالى أن ينهضوا للعمل، لأن المسألة مسألة موت أو حياة، مسألة خبز وأزواد وأقوات. وعرف النائمون الغافلون أن الطاعون غزا الدنيا آلاف السنين، ولم يقف عند حده إلا بعد مقاومته وإيقافه عند حده.. أيها الإنسان إذا رغبت في حياة مستقرة، فعالج داء الشباب، أوجد له العمل الشريف، وأبعد عنه الأفكار السامة، التي يتلقاها في المدرسة والجامعة، فإن المعاهد العلمية أصبحت ملوثة بالتوجيه المذهبي، والتوجيه تضليل، وتقييد للعقل، ولن يعمل العقل بأمانة وصدق وإخلاص إلا في جو منطلق صحيح، فلقد عاش إنسان الأمس، وشاهد عالما قوامه التضليل والسفسطة، ولم يكن بد للشباب من خلق ميدان للنشاط في هذه الأجواء الخانقة، واغتر الإنسان الناشئ وحسب أن السفسطة بضاعة أصيلة، فشكل نفسه على صورتها، وعاشها كما تخطط وتهوى، إنه الفراغ، وليس العمران إلا في الحقيقة، وزعم العاجزون والمتحذلقون أن العالم يصارع من أجل الاستسلام، فاستسلموا ولم يتحركوا ولكن الإرادة الحقيقية للكون وخالق الكون ليست هي الدعة والوقوف بل على الكائن الحي أن يتحرك وفي اتجاه صالح: فلن يفيد الإنسان شيئا أن لا يتحرك وأكثر من ذلك أن يتحرك حركة عكسية خاطئة يتقدم إلى الوراء، وشعر السفسطائيون بالخطر الكامن في الركود، فوجهوا الشباب إلى اللذة والشهوات البدنية الابيقورية، وهي شهوات مضنية محلولة، فمن شبع من الطعام كره أن يشم رائحة الطعام، ومن أنهك جسده في الحياة الجنسية فقد حيويته، وتناولته العاهات والأمراض، لأن بناء الجسم له نظام في الإدخال كنظامه في الإخراج والإفراز، لكل ذلك حد محدود؟ فما هو عمل الإنسان؟:
    إن عمل الإنسان وليد عواطفه وعقله، وما جاء هذا الهيكل الجسماني إلا ليكون وعاء للعواطف والعقل في الدرجة الأولى، ثم يجب عليه تبعيا ترضية هذا الجسم ضمن الحدود التي تحفظ وجوده، وتصون كينونته.
    إن العقل النقي وجه الإنسان إلى الأخلاق الكريمة، وقامت الأخلاق فدفعت الإنسان إلى السلوك الكريم. وأنصت الإنسان إلى العاطفة فأرشدته غير حفية إلى الدين، ووجد العقل رواده ووجد الدين أنصاره، وطافت الأباطيل بالعقل وبالعاطفة، ولكن الكون في مجموعه لا يساند الأباطيل ولا الأوهام، فأعلن العقل أحكامه المضايقة لأحكام العاطفة، وأعلنت العاطفة أحكامها التي يؤازرها العقل، إلى أن تنتهي مأموريته ويسلم نفسه لما يطمئن إليه مما لابد منه من عدم الالتجاء إلى القول بنظام عابث لهذا الوجود.
    لقد كان سقراط رسول العقليين، وكان إبراهيم فيلسوف العاطفيين، وفي دراسة آثار سقراط وإبراهيم نجد الأصالة أم الأصالات، أما مذهب سقراط كما كتبه تلميذه أفلاطون فإنه القول بوجود قاهر خالق مدبر، وأما ما جاء به إبراهيم من قبل، فهو تنظيم حياة الإنسان على طريقة تنسيقها بما يرضي الله تبارك وتعالى وتجد في إبراهيم الرسول الأصيل الذي أقام البرهان على أصالته وهو طفل حين ساورته الشكوك فيمن عساه أن يكون مدبر هذا الكون، وتقدم بعروض تلقائية أولا، فافترض أن يكون الإله الحق هو القمر، ولكن القمر غابت، والحي القيوم لا يغيب، وترقى النجم والقمر إلى ملاحظة خصال الشمس فإنها نور، وحرارة، وحياة، ومتاع، ولكنها غابت والحي القيوم لا يغيب، وإذن فاطلبه في كل شيء، وأنزهه عن تشبه هذه المخلوقات فهو معها كلها بعلمه، محيط بها بقدرته، مدبر لها بإرادته، وهذا قول الله: (ولقد آتينا إبراهيم رشده). وبالاطمئنان والثقة جابه النار التي صنعت له، فلما ألقوه في الجحيم جاءه جبريل فقال: هل لك حاجة؟ فأجابه على البداهة: أما إليك فلا.. وأما إلى الله فبلى. فقال له جبريل:اسأله.. فقال إبراهيم: حسبي من سؤالي علمه بما لي. فأوحى الله إلى النار (كوني بردا وسلاما على إبراهيم، وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين، ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين، ووهبنا له إسحاق ويعقوب، وكلا جعلنا صالحين). والأنبياء والحكماء يجمع بينهما طلب الحقيقة، والتجافي عن الاختلاق، و تحركات الأنبياء طابع يحمل الفكرة القدسية الكبرى، موضوعة في إطارها الزمني والمكاني، أما مراحل الفكر الأخلاقي الفلسفي فإنه يتمثل في تاريخ الفلسفة، التي تهدف إلى غاية واحدة وهي التوصل إلى الحق، ومنابذة الأباطيل، ثم يجد القارئ في طرائف عرض هذه الحقائق مخالفات ومفارقات، إذا تعمق الدارس وجدها أصباغا زمانية ومكانية تتحول وتتبدل كلما تحرك الزمان، وتحرك الإنسان في المكان.
    هذا  في باب الحكمة، ومثله بالضبط في عالم الكتاب والدين، وقد أشار القرآن، وجمع أبرز المراحل في قول الله سبحانه (واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيئا (41) إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا (42) يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا(43) يا أبت لا تعبد الشيطان، إن الشيطان كان للرحمن عصيا (44) يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا(45) قال أراغب  أنت عن آلهتي، يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا(46) قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا(47) وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وادعوا ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا(48) فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب، وكلا جعلنا نبيئــــا(49) ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا(50) واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيئا(51) وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا(52) ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيئا(53) واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيئا(54) وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة، وكان عند ربه مرضيا(55) واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيئا(56) ورفعناه مكانا عليا(57) أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيئين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا، إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا(58) (سورة مريم)، ففي هذه الآيات أساطين الفكر الإنساني في باب الدين والكتاب، ومن السهولة بمكان تحديد أبرز الميادين التثقيفية التي كانت الميدان الأكثر وضوحا في نضال كل رسول على حدة، وبعد استقراء العيوب الإنسانية اللا أخلاقية والانحرافية التي كانوا منصرفين بكلهم إلى بيان شرورها، ووقوفها حجر عثرة أساسي في تدهور التفكير والسلوك المحترمين اللائقين بكرامة الإنسان الذي جعله الله خليفة عند بني الأرض، حتى إذا الكفاح السالب، عثرنا على الجانب الإيجابي، وهو القدر المشترك بين جميع الأنبياء، وهو الذي وضع له إبراهيم – الذي كان أوسط الأنبياء، لكونه القاسم المشترك الأعظم في الفكر البشري الذي يربطه بين عقيدة آدم وشيت وإدريس ونوح وغيرهم من رسل وأنبياء تلك الفترة الزمنية، وبين من جاء بعده من عقبه في الكثير الأغلب، وإذا حاولنا استطلاع ما كان محجوبا تحت الستار الذي بناه عدم استخدام الحروف والكلمات وسائر وجوه الكتابة، فإن الوحي السماوي عرض علينا قصة الفكر من لدن خلق وآدم، وهي قصة مترابطة تدور بين عقيدة واحدة وعبارة إله واحد، وبين الإنسان المتدرج في سلم الحضارة من المهد إلى أن صار قادرا على التفكير، وتسجيل الأحداث تارة بالنحت وتارة بالرسم، وفي الختام بالكتاب واللغات، وما يحسبه القارئ من باب الفروض والمعجزات، وليس في الكل أو الغالب إلا تصويرا لمستوى التفكير الإنساني، وما يجره الفكر من طرائق السلوك المنسجمة مع المستوى الفكري، بحيث إذا ازداد الإنسان تقدما في الفكر والحضارة، وميادين البحث العلمي فإنه سيدرك بالضرورة القيمة التاريخية الكبرى التي ينغلق عليها القصص القرآني، ثم بين القرآن وجوها من السلوك، وذكر أسماء قادة الفكر الديني من الأنبياء، وفي الأخير عرض علينا المراحل التي يجوز أو يجب على الباحث أن يقف عند كل فترة منها لدراسة الفترة الماضية واقرأ ذلك في قول الله (أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيئين من ذرية آدم، وممن حملنا مع نوح، ومن ذرية إبراهيم، وإسرائيل، لأن الأسباط عليهم السلام، تعلموا من مصر – المهد الذي كثر فيه حجمهم – الكتابة، ورفعوها عما كان يكتب بها القبط من أساطير الأولين، وكتبوا بها تاريخ الرسالات، وشؤون التشريع، فلم يبق التاريخ في نفس الغموض، وإذن فإن الحكمة الكتابية ستساعد الكتاب على الانتشار النسبي وعلى حفظ تاريخ تطور الأديان. ووقف القرآن عند ذكر إسرائيل، ولعله في الاحتمال الصحيح للفت النظر إلى هذه النكتة، ولو كان من عند غير الله لورد فيه ذكر إسماعيل، وأكثر من ذلك ذكر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: لكن القرآن منزل من عند الله، وهو مبين للناس تطور التفكير الديني حتى بلغ مستواه الإسلامي عند إبراهيم عليه السلام، ولم يكن الوقوف عند إبراهيم ليعرف المأمورين بالنظر في القرآن أن الجانب التطبيقي في مجتمع كبير من الفوائد العظيمة، حتى لا يقول اللاحقون أن الدين الإبراهيمي كان نظريا فكريا، وقد طبقه إبراهيم في مدرستين: اتسعت إحداهما وهي مدرسة إسحاق، في حين فاز جانب المدرسة الإسماعيلية ببناء أول بيت لعبادة الله وهو الكعبة، لأن ظروف مدرسة إسحاق لم تكن تسمح بإحداث معبد رسمي لغير آلهة الكلدان، في حين أن عرب الحجاز كانوا أكثر مرونة، بحيث جعلوا من بيت الله (الكعبة) محلا مقدسا، ووافقوا على أن يكون حوله حرم آمن، لكن تعاقب النبوة في نسل إسحاق، وهجرة الأسباط بني يعقوب إلى مصر خلقت كتلة اعتمدت الدين الذي خلفه لها جدها إبراهيم، حتى نخرت مدرسة إسحاق، واعتراها الوهن والتدهور السياسي والاجتماعي والخلقي، فعندما بارك الله في بقية فرع إسماعيل فبعث الله من ذريته سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم، والذي دعا الخلق إلى الإسلام الإبراهيمي، في صيغته النهائية على صورة لا أروع منها، معلنا أن عصر النبوءات قد انتهى، لأن الإنسان أصبح متمتعا بعقل ناضج، يستقي من معينين: الكتاب الإبراهيمي، والحكمة الإغريقية.
    هذه مجهودات الإنسان؟، التي زكاها الله سبحانه بوحيه، لبناء فكر إنساني قوي عتيد، ثمرته السعادة والخلود: أما السعادة ففي الجنة، وأما الخلود، فبعد الموتة الأولى، هذه هي الأصالة التي يحرص الإنسان جزئيا على الاحتفاظ بها، والاستمتاع بطيب ثمارها، ولكن السعادة طاقة جبارة، كطاقات العلم الواسع، والذكاء الخارق، تحتاج إلى إعداد سابق: ولو أن حفلة ساهرة من حفلات السفراء في دولة راقية، أقامتها دولة لإظهار مباهج حضارتها، وعرض أعظم فنانيها، وحضور أعظم شخصياتها، لكان من الضروري صون هذا الجو الراقي من حضور الآثمين والمجرمين، والمعربدين والمشاغبين، فإن الحفل الراقي يتطلب الإنسان الراقي، وهكذا جنة الله التي(لا لغو فيها ولا تأثيما، إلا قيلا سلاما سلاما). أما السفلة واللصوص والمعربدون فلهم مجتمعهم المنحط يسطو فيه بعضهم على بعض، ولا يزالون يصطرخون حتى يسأموا، وحتى يتهذبوا، وعندئذ تتحول نارهم إلى جنة خضراء يكون الجرجير أول نبات يثبت فيها بعد اعتدال حرارتها، وصيرورتها قابلة للإثبات، ثم تترقى لأهلها، وربما تداركت رحمة الله من شاء من عبيده أو كلهم إذا اقتضت حكمته فتمتعوا في النهاية بنعيم الجنة(ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم).
    وما دام الإنسان في نطاق الإعداد والاستعداد، فليس من حقه أن يطلب الاستمتاع بالنتائج الحتمية المعدة للذين أدوا واجباتهم الفكرية والخلقية والسلوكية على وجوه متفاوتة (فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات): لكن غرور الإنسان يجعله أنانيا مستعجلا بالمطالبة بالجزاء قبل استيفاء العمل. وحتى العمل الذي يقدمه في الأكثر عمل ناقص لا يستوفي الشروط التي طلبها البحث العلمي، والتشريع الديني(إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون، والذين يصدقون بيوم الدين، والذين هم من عذاب ربهم مشفقون، إن عذاب ربهم غير مأمون، والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون، والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون، والذين هم بشهادتهم قائمون، والذين هم على صلاتهم يحافظون أولئك في جنات مكرمون).. فهذه شروط العمل للحصول على السعادة: فمن لم يؤمن وعاند وكفر وألحد، دون أن يستند في عناده إلى يقين – إذ لا يقين إلا فيما أكدت العقول كلها صحته أو رفضه، أما المصادرات التي يتيقنها البعض دون البعض، وخبر الآحاد فإنها لا تستحق الحماس إلى الحد الذي يصل بالإنسان إلى الشك المذهبي، وإنما هي مكابرات: وعلى فرض أن الكافرين والشكاك والملحدين، اعترضوا "مصادرات الأديان" فإن المنطق يفرض – على الأقل – أن يختار المنطقي الوجهة البناءة، وأن يسلك – على الأقل – مسلك الذرائعيين في ارتباطهم بالثمرات دون الوسائل: والنفعية تؤثر الإيمان على الكفر، لأن الإيمان فيه راحة الضمير، وتؤثر الفضيلة على الرذيلة، لأن الرذيلة ممقوتة بالفطرة، وتؤثر الاستقامة على الانحراف، لأن الانحراف محطم للقيم، وهذا يقال لمن قلوبهم غلف، وإلا فإن أصحاب التجربة الإيمانية وصل الكثير منهم إلى عين اليقين، وإلى حق اليقين، وصافح الملائكة، وشاهد الجنة قبل أن يرحل إليها، كما يتحدث بذلك الصادقون من الأنبياء وأكابر العارفين.أما الطلبة الجدد، المتحررون من التقاليد، فإن وضعيتهم وادعاءاتهم توجب أن يكونوا أصحاب تجربة، وقوما يتوقفون عما لا يدركون، أما الارتماء في أحضان الضياع، وشر منه الوجودية العابسة الباسرة، التي تحسب كل مظاهر البهجة والاطمئنان "أفيونا للشعوب" فإنهم منحترون يمشون بين الناس، لكن البشرية ماضية في سبيلها، مثل القطار المكتظ بالراكبين، يحمل العباد والزهاد، إلى جانب اللصوص والمجرمين، والعفيفات الطاهرات، إلى جنب المستهترات بائعات أجسادهن، وهذا الحشد كله، وفي جوارهم ثلة من الأشقياء وضعوا المسدسات في جيوبهم منتظرين المناسبة السانحة لإرهاب الراكبين والراكبات قصد اختطاف الحلي والمال. كل هذا يحصل والقطار ماض في سبيله، وهو يسير فوق الكرة الأرضية، التي تقطع في سيرها المسافات المقدرة لها، والمجموعة الشمسية في مسيرتها الدائبة، إلى غايات محدودة، وأغراض كريمة، في نطاق تخطيط من صنع الخالق المبدع الحكيم.
    كيف يقنع إنسان يحترم إنسانيته بأن يحيى حياة تافهة، وكل ما في الكون يتحدث بأن النظام بالغ الإتقان والأحكام؟(فتبارك الله أحسن الخالقين) (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه) إبراهيم الأصالة، كانت فطرته وخلقه وسلوكه، ومرت من روحه إلى جسمه على ثلاثة أبعاد، فتضامنت في إسحاق، وبقيت متضامة لإنتاج يعقوب، وانتشرت في يعقوب فكانت الأسباط النجوم المتناثرة: هؤلاء رجال الأصالة، وهؤلاء أنبياء البشرية، وهذا أبوهم وأبونا إبراهيم لفظ الوثنيين وفيهم أبوه (فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب، وكلا جعلنا نبيئا، ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا) اقرأ وعد إلى قراءة هذه الآية وتأمل عبارة (لسان صدق عليا) فإن أعلى ما وصله اللسان الصادق هو المعيارية التي بلغت السقف في اليقين الذي تجاوز الأوليات، والمصادر وبلغت الحقيقة فيه مبلغها في الرياضيات اليقينيات، فكان لسانهم الجمال والحق والخير هذه هي المستويات العالية للصدق: جمال لا قبح معه، وحق لا باطل يشوهه، وخير لا شر يزيغ به: وتتبع أقوالهم في سيرهم، وسلوكهم، وتأمل الجمال الرائع حتى في الأسلوب والتعبير والسلوك: لقد قال الله في حق إبراهيم وابنه الذبيح (إن هذا لهو البلاء المبين): رجل كان على يقين إلى الحد الذي اختبره الله بالنار، فقال: حسبي من سؤالي علمه بما لي، وهذا اختبار في النفس: وطلب من ربه طلبا كان بالنسبة إليه أعز أمانيه في الدنيا وهو أن يكون له ولد على كبر سنه، فلما رزق الولد اختبره الله فيه، وأمره بذبحه في أمر يحتمل التأويل وهو الرؤيا(قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى، قال يا أبت افعل ما تؤمر، ستجدني إن شاء الله من الصابرين) فلم ينتظر الوحي أن يكون أمرا من الله في غير المنام بل بادر إلى ذبحه، وكان ولده لسان صدق، وفي حال يقين لا ريب فيه، فبادر بامتثال أمر الله، وأخذ إبراهيم الشفرة ومد ولده عنقه وأمر إبراهيم السكين، فحال القدر بينه وبين الذبيح، وجاء البشير بالفداء، فكان الكبش العظيم فداء الذبيح، وتأكيدا آخر لمرتبة الشيخ إبراهيم، استحق بها وسام الافتخار من رب حكيم قهار شهد له من فوق عرشه(إن هذا لهو البلاء المبين): هكذا كان المثاليون يعيشون الحقيقة أيقاظا ونائمين، قطعوا كل رابطة بينهم وبين الافتراضات، والشكوك، وعاشوا عيشة إنسانية لا تختلف في شيء عن طبيعة الإنسان، ولكنها إنسانية جندت طاقاتها للوصول إلى الحقائق الأصيلة، فوجدتها على قرب منها (وهو أقرب إليك من حبل الوريد)؟ فما رأي الحيارى في هذا اليقين القريب بين جنوبهم وهو القلب والروح والضمير؟ وعن المبدأ والثبات فيه، والاطمئنان إلى الآخرة والثقة بالله تعالى تذكر قول رسول الله سيدنا محمد صلى الله
عليه وسلم، وهو في أصعب درجات الاضطهاد، حين قال له عمه: أرفق بنفسك وأجب قومك إلى بعض ما يريدون، فكان جوابه السريع جوابا لا تلعثم فيه، ولا وجود لرائحة التردد والخوف، في حين أنه كان يقدر الموقف الواقعي كامل التقدير، لكنه قال: يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته أو أهلك دونه.. أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
-*-
    لكنها المدرسة الاستعمارية التي عاقبنا الله بالالتجاء إليها مكرهين، جزاء إهمالنا لشؤون الدنيا والدين أيضا، فكانت المدرسة الاستعمارية الكافرة هي الكر الذي لابد منه لأجل عظم مرض الجهل، فعلمتنا المدرسة الاستعمارية بعض ما كنا في حاجة إليه – وننكرها على ذلك – وكان لابد لهذا الدسم أن يتحمل بما فيه من السموم، وكانت سمومه هي انتزاع الإيمان من قلوب بعض أبنائنا: والأكثر شرا أننا لم نبال بهذا البلاء، وظللنا مكتوفي الأيدي مكمومي الأفواه، حتى اتسع الخرق على الراقع. لكن الشباب المتحرر أخذ يدرك الفرق بين الغث والسمين: وكانت المدرسة الاستعمارية علمته أن يتحرر، فإذا به يدرك أن الشك داء، علاجه اليقين: وها هو جاد في طلب المعرفة الصحيحة المجردة.
                                                - * -
    إن تقادم الزمان جرى ويجري دائما في صالح الإنسان: هذا الإنسان الذي في قيمة نفسه ويرتاب في تقدير مجهوده، يدرك اليوم منزلة رفيعة تنبئ بها الأجيال المقبلة ستزيد من قيمة الإنسان وتمطره بالهدايا التي لم يكن يحلم بها، مثل ما وهبت في الحاضر ما لم يكن يخطر على بال الماضي: ويقرر تاريخ الإنسان أن الفضل يرجع إلى عقل الإنسان، ويقرر الدين أن الأمر يرجع إلى فضل الله وسعة كرمه، وامتلاء خزائنه، وقد وعد القرآن الإنسانية حين يقول (إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها وقال الإنسان ما لها يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها، يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) هذه السورة إذا قرناها بقطع النظر عما فرت بها، وقد أصبح إنسان العصر الحاضر مزودا بالتبصر في صنع الله، عارفا بخيرات الأرض في مادتها الخامة، تحمله على عكس ما كانت تحمل عليه إنسان الأمس، الذي كان يدخل بها في سياق الوعيد والتهديد، أما تفكير اليوم فيدرجها في باب الوعد الكريم: ذلك أن الزلازل لم تبق تؤثر في ذهن الإنسان ما كانت تحدثه في القرون الغابرة، فإن الزلازل نكبات موضعية، تعالج بالإغاثات والإسعافات وإعادة البناءة، مثل ما حصل في اكادير، فقد هلك ما يقدر بنحو خمسة عشر ألفا من الناس، لكن المصيبة مرت بسلام، ونفضت أكادير تراب الزلازل من فوق رأسها، وأصبحت في عداد المدن الفتية التي يفتخر بها المغرب العزيز، وفي الآية ما يدل على حدوث ظاهرة مرعبة – وكم أرعبت الزلازل الخلق – غير أن هذه الرجة يعقبها خروج الأثقال من بطنها، في المسافات التي لا يقدر الإنسان أن يبلغها، ولا شك أن هذه الأثقال مليئة بالمواد الخامة النادرة، التي ستفيد صناعة الإنسان، وتحدث فيها انقلابا لم يكن يخطر بالبال، وقد أخبر الله سبحانه بأن إنسان المستقبل سيحمله فضوله وبحثه على التساؤل عن هذه المواد الجديدة التي ستضاف إلى الذهب والالومنيوم، والفوسفات، وعناصر رفيعة قديمة كانت لا تكفي حاجات الإنسان كالذهب الذي يتنافس في اقتنائه وإلى جنبه معادن قد تكون قيمتها معادلة لأهميتها، ويبدأ بها عصر صناعة من غير مثال سبق: وعندئذ تقول هذه العناصر بلسان حالها، وعبارة تدخلها في فروع الشؤون الحيوية، التي تزيد الإنسانية تعقيدا – والخير كله في التعقيد والتنويع – ومعنى تعقيدها ارتفاع المستوى الحضاري والصناعي، إنها ستتكلم بلغة المنفعة وخدمة الإنسانية ومساعدتها على النمو والاطراد والازدهار سيقول(إن ربك أوحى لها) وفعل أوحى فعل متعد غير لازم، وقد أنكف عن ذكر المفعول لعظم ما عسى أن تقوله في وحيها فقد تتحدث أخبارها بأن هذه العناصر الجديدة ستجعل الحياة في الكواكب الفضائية أمرا ممكنا، وأن البشر سوف يفرغ هذه الأرض، ليعيد الله سبحانه بناءها بحيث تتسع وتشغل مع سمائها جوا واحدا. سيتحول إلى جنة عرضها السماء والأرض أعدت للمتقين، هذا عرضها أما طولها فقد يكون بزيادة الثلث على العرض، وتصبح الأرض والسماء جنة تتسع فيها. ويقول الله سبحانه: إن الناس سيرون أعمالهم أكثر من أي وقت مضى، إن حسنة فحسنة وإن سيئة فسيئة. هذا هو المفهوم للسورة، أما كون هذه الظواهر المخبر عنها ستكون من مواهب رحمة الله في الدنيا أو الآخرة، فإن ذلك لا يحمل على التشاؤم بمقدار ما يدفع إلى التفاؤل، فإن كان ذلك في هذه الحياة الدنيا فهو متصل بوجودنا، أما إن كان في الآخرة فهو خير وأفضل، لأنه الخلود، والسلامة من دس الشيطان، واتصال بالله أكثر من هذه الدنيا، حيث سيسكن الشيطان وحزبه جهنم، والله أعلم وأكرم كيف ينزلهم فيها، كما أن ذوي النفوس الزكية سيتطهرون من أدران الرذائل ويعيشون جنبا إلى جنب مع الملائكة.
    هذا هو المخطط السماوي كما تحدثت به الأديان، وكله سعادة وفضل من الله يحمل الإنسان على الشكر والحمد، أ فليس امتلاء النفس بهذا الإيمان أفضل في الهزيمة النفسية النكراء، التي مرج شأنها بين صفوف الشبان، فأصبحوا ينظرون إلى الوجود نظر البغض والعداء، وما هما إلا من صنع الذات، القادرة على التخلص منهما إن آمنت وصدقت الصادقين، وسارت في ركاب حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here