islamaumaroc

في مجمع اللغة العربية بالقاهرة

  محمد الفاسي

19 العدد

عندما أبلغت خبر تفضلكم بتعييني عضوا عاملا في المجمع الموقر، رأيت في هذا التعيين تشريفا لشخصي ولبلادي، ولكنني اعتبرته فوق هذا مغزى جليلا يدل على ما وصلت إليه فكرة الوحدة العربية من رسوخ يبشر ببزوغ عهد جديد يجتمع فيه جناحا العروبة المشرقي والمغربي، وقد تخلصا من الحواجز التي كانت تقف حجر عثرة في سبيل اجتماعاهما ويسيران يدا في يد نحو أهداف العروبة السامية.
وإنني أشكركم على أن أتحتم للمغرب أن يشارك في بناء هذا الصرح العظيم الذي تعملون على تشييده بتوفيق ونجاح جعلا العالم العربي كله يقدره ويتتبعه باهتمام يظهر في الأبحاث والمقالات التي تنشر في صحافة البلاد العربية كلها حول أعمال المجمع ومقرراته، وقد يصطبغ هذا الاهتمام أحيانا بصبغة التندر والهزل مما يعين على نشر هذه الأعمال وبثها بين كل الطبقات بأجدى مما تفعله الكتابات الجدية والدراسات المتعمقة، وقد رأيت حضرة الدكتور منصور فهمي في إحدى خطبه، يتمنى أن يكثر المتندرون حول كلمة اقترحها حتى تنشتر ويتم الإقبال عليها كما انتشرت كلمة (الشطيرة) وأنا بدوري أتمنى أن يلتفت المجمع بجد، وكذلك كل من يهتمون بمستقبل اللغة العربية، لا فحسب إلى إيجاد الكلمات للتعبير عن كل المعاني المستحدثة في كل الميادين، فإن المجمع الموقر سائر في هذا السبيل بخطى تدعو الى الإكبار، ولكن على نشرها أيضا بين الجمهور وعلى ألسنة المتكلمين وتحت أقلام الكاتبين. فإن اللغات لا تكون حية إلا إذا كانت تجري على الألسنة، فلا يكفي أن نسمى (الأوتوبيس) حافلة و(الكاميون) شاحنة و(البوسطة) بريدا، ثم نظل في لغة تخاطبنا مصرين على إطلاق ألفاظ (الأوتوبيس) و(الكاميون) و(البوسطة) على هذه المسميات. وأظن أن أجدى طريقة لجعل لغة التخاطب العربية لغة سليمة صحيحة، هي أن نفرض على المعلمين في المدارس الابتدائية عدم استعمال أي لفظ أعجمي أمام تلامذتهم، وذلك بوضع قوائم لأكثر الكلمات استعمالا وتوزيعها على المعلمين، وقد نفذت في المغرب هذه الفكرة فعلا في وزارة التربية الوطنية في السنة الماضية ونشرت تلك القوائم كذلك في الصحف وبواسطة الإذاعة، ولكن المعول قبل كل شيء على المعلمين حتى ينشأ الأطفال وهم يتكلمون لغة سالمة لا شية فيها.
وإنني قبل مغادرتي المغرب حظيت بمقابلة صاحب الجلالة محمد الخامس نصره الله، وقد كلفني أن أبلغ حضراتكم تحياته ومتمنياته لنجاح المجمع في رسالته، وعندما علم أنكم اخترتموني لأحل محل الراحل الجليل الشيخ عبد القادر المغربي تغمده الله برحمته، ذكرني بالكلمة التي كان وجهها جلالته لتلقى في حفلة تأبينه، وكان يقدره، ولا ينسى له مواقفه من قضية المغرب، وقد قال لي كذلك جلالته «ان تعيينكم في مجمع اللغة العربية تشريف للمغرب»
فأكرر لكم شكري وشكر بلادي، راجيا من المولى تعالى أن أكون عند حسن ظنكم بي، وأن أوفق إلى العمل بجانبكم ومعكم، حتى نصل باللغة العربية إلى المكانة التي برهنت على أنها جديرة بها يوم وسعت حكمة الفرس وعلم اليونان.
أيها السادة:
إنكم أردتم ان أحل بينكم في محل كان يشغله أحد أقطاب النهضة العربية الأولى، الذين كان لهم نصيب كبير في كل الميادين التي سارت فيها الأمة العربية بخطى واسعة نحو التقدم ونحو التحرر ونحو الإصلاح الديني والاجتماعي، مما يجعلني أتهيب هذه الرسالة التي حملتموني إياها لأني سوف أجعل دائما نصب عيني سيرة الشيخ عبد القادر المغربي وأعماله، حتى أحاول أن أساهم مثل ما ساهم به، أو بالأحرى أن أسعى نحو ذاك في بعض الميادين، وقد أحرز في كلها رحمه الله المعلى والرقيب. وإن الحديث عن الشيخ عبد القادر المغربي في هذا الوسط العلمي الجليل بين زملائه وأصدقائه ومعارفه، لا يمكن أن يأتي بشيء جديد، خصوصا وأنه ألف في حياته، وكتبت عنه المقالات، وتكلمت عنه الإذاعات، وهو من أفراد الرعيل الأول من رجال النهضة الذين استمروا في أعمالهم حتى أدركوا عصرنا، فكان اتصالنا بأمثال الشيخ جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده اتصالا إنسانيا، لا عن طريق الكتب فحسب، بل عن طريق التلمذة وهي أجدى وأكبر فائدة. فالشيخ عبد القادر المغربي من هؤلاء الأعلام الذين يقال عنهم مثل ما يقال عن كبار المحدثين: ملحق الأحفاد بالأجداد. وإن كنت أنا لم يتيسر لي ملاقاته رحمه الله فقد لاقيت وعاشرت كثيرا أحد رفاقه ممن كان لهم أيضا الحظ الأوفر في النهضة العربية وهو الأمير شكيب أرسلان رحمه الله.
إن من يتتبع سيرة الشيخ عبد القادر المغربي، يرى تنوع مناحي نشاطه الفكري، ويعجب لتوفر كل تلك الكفاءات في شخص واحد، فهو الرجل السياسي الذي ناضل في سبيل خير الأمة العربية ونشد لها الحرية وذاق من أجل مبادئه الاضطهاد والسجن، وهو المصلح الديني الذي أحس بأن ما كان عليه الإسلام أو بالأحرى المسلمون في القرون المتأخرة من الاعتقادات الفاسدة والتقليد الأعمى ليس من الإسلام في شيء وأن الحق كل الحق فيما ينادي به الشيخ جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده، وهو المصلح الاجتماعي الذي يرى أن الدعوة التي يتزعمها قاسم أمين في سبيل تحرير المرأة هي ما يناسب روح الإسلام ويتأسف عندما يرى في إحدى الجرائد ما نشر عن قاسم أمين من أنه رجع عما يدعو إليه، ثم يفرح ويستبشر عندما يتأكد أن الأمر مكذوب عليه، وهو الصحفي الذي شارك في تحرير عدة جرائد بل أسس جريدة له ينشر فيها أفكاره ويناضل فيها عن المبادئ التي آمن بها وهو العالم الذي يولي ناحية اللغة العربية اهتماما امتاز به من بين رفاقه الذين كان لهم جميعا إشفاق على لغة القرآن وحدب عليها.
إن لكل من الأمير شكيب أرسلان والشيخ رشيد رضا وأمثالهما مواقف في الدفاع عن اللغة العربية والبحث عن وسائل إحيائها وتصفيتها وجعلها أداة صالحة للتعبير عن كل مقتضيات المدنية الحديثة، ولكن الشيخ عبد القادر المغربي فاقهم جميعا بإعطاء هذه الناحية من القضايا العربية اهتماما خاصا، حتى أن باكورة أعماله أو تكاد ان تكون إياها، تأليفه لكتاب الاشتقاق والتعريب سنة 1908 أي قريبا من خمسين سنة قبل وفاته. ومنذ ذلك الوقت وهو يكتب في هذا الموضوع ويحاضر فيه ويشارك في أعمال المجامع الثلاثة التي كان عضوا فيها بدمشق والقاهرة وبغداد، ومجلات هذه المجامع وغيرها ملأى بأبحاثه ودراساته ومنها ما طبع ك"عثرات اللسان"، وكلها في الدعوة للتعريب ولتطهير اللغة العربية من الشوائب، وإن هذه الظاهرة من نواحي تفكيره واهتمامه كانت من أول ما بدا من ميوله واستعداداته، حيث نراه يعلق تعاليق لغوية على مجموعة (العروة الوثقى) التي كان يصدرها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده بباريس. وإن عبد القادر المغربي فوق كل هذا الرجل الفاضل الذي كان يتخلق بأخلاق المؤمنين والذي كان لا يكتفي بالكتابة في موضوع الأخلاق وبالدعوة إليها، وإنما كان يعيش عيشة الأبرار فقد كان رحمه الله كما حدثني عنه سعادة سفير الجمهورية العربية المتحدة في بلادنا السيد أسعد محاسن أبا حنونا بتربية أبنائه تربية تجعل منهم رجالا صالحين قادرين على تأدية واجبهم نحو المجتمع العربي أحسن تأدية، وكان رؤوفا بأصدقائه عطوفا عليهم يزور مرضاهم ويعين من كان منهم في شدة، وكان أبي النفس لم يتملق أحدا طول حياته، وكان ينشد العز للعرب في كل أقطارهم، وإن المغرب لن ينسى له مواقفه في أيام المحنة الأخيرة التي مني بها في آخر مرحلة من أيام الحماية، حين أبعد ملكه وزعيمه محمد الخامس عن عرشه ونفي عن وطنه، وقد ورد في الكتاب الذي بعث  به جلالته للجنة التأبين كما أشرت إليه سابقا هذه العبارة: «وما نسينا ولن ننسى موقف الشيخ عبد القادر من القضية المغربية في عهد الأزمات الأخيرة، إذ كان في الصف الأول من المناضلين عن حق المغرب العربي في الحرية والكرامة».
وإن شباب المغرب يدين للشيخ عبد القادر المغربي بفضل كبير، حيث أن كتابه (الأخلاق والواجبات) مقرر في كل المدارس الثانوية الرسمية منها والحرة، وقد كان له أحسن الأثر على الناشئة بما يمتاز به من الأسلوب السهل وروح الحماس التي تسوده وتجعله محببا عند التلاميذ.
أيها السادة:
ترون بهذه النظرة العجلى على سيرة الشيخ عبد القادر المغربي رحمه الله أنني كنت محقا في تهيبي من تحمل الرسالة التي طوقتموني إياها، ولكن لي في رحابة صدوركم وفيما عسى أن يكون من جدة في مشاركة الناحية المغربية من العالم العربي في أعمالكم ما يعينني على القيام بهذا الواجب.
نعم إن الجناح الغربي من العروبة يحافظ على تراث قيم من مخلفات الحضارة العربية الصميمة، وهذه الظاهرة قد تنبه إليها كل فضلاء المشارقة الذين زاروا بلادنا وشهدوا بها في محاضراتهم ودروسهم وأحاديثهم، والسبب في ذلك أن الحضارة العربية لم تحد نفسها بالمغرب أمام حضارات قديمة يمكنها أن تؤثر فيها، ثم إنها لم يطرأ عليها ما يغيرها من مثل ما وقع بالمشرق، فلا هي اصطدمت مع المدنيات الفارسية والرومية والهندية، ولا تعرضت لفتوح المغول والتتر، ولا دخلت حتى تحت النفوذ التركي، والكل يعلم أن الخلافة العثمانية امتد نفوذها على كل البلاد العربية من الخليج العربي الى وجدة، ولم تستطع التسرب الى المغرب حيث صدتها دولة الشرفاء ثم العلويين من بعدهم، وهكذا بقيت كثير من الأوضاع العربية الأصلية سليمة في شتى المناحي الفكرية واللغوية والموسيقية والحضارية على وجه العموم من هندسة معمارية وزخارف ومطبخ وملبس وغير ذلك من مظاهر الحياة.
ثم إن تراث حضارة العرب في الأندلس بقي كذلك محافظا عليه في بلادنا مما كتب له الخلود، إذ امتزج مع الحياة واكتسب كذلك عمرا جديدا، أما ما بقي منه لاسبانيا فانه لا يتسم بهذه السمة، وهو كالأطلال البالية وسط المدن الحديثة، أو كالغريب عن وسطه وأهله وأحبابه.
وتضفي مجموع هذه المميزات على الحضارة العربية بالمغرب الأقصى طابعا خاصا يساعد على إحياء ماضينا المجيد، وإن في ما حافظت لنا عليه كذلك جامعة القرويين التي مر على تأسيسها هذه السنة مائة وألف سنة، سواء في خزانتها أو في صدور علمائها، ما يعتبر أيضا ذخيرة يستعان بها على تحقيق الغايات السامية التي يهدف إليها المجمع الموقر.
أيها السادة:
إنني لا أريد ان أطيل عليكم في هذه الكلمة التي سمحتم بإلقائها، والتي أردتها قبل كل شيء كشكر لكم وترحم وإحياء لذكرى الشيخ عبد القادر المغربي رحمه الله، ولكنني أريد مع ذلك ان أتعرض قبل الختام لنقطتين اعتبرهما من الأهمية بمكان، وذلك أن مجمع اللغة العربية حقق بما وضعه من المصطلحات العلمية الأمنية التي جاشت في نفوس المصلحين وكل المشفقين على لغتنا، وهو لا يزال سائرا في طريقه لمسايرة كل المستجدات والمستحدثات وإيجاد الكلمات للتعبير عنها، ولكن ناحية أساسية من لغة التكلم العادية اليومية لا تزال مفتقرة الى الاهتمام، فهناك الشيء الكثير من أدوات الحضارة الحديثة وأثاثها مثلا نعبر عنه باللفظ الأعجمي أو بكلمات عامية محرفة على أصول عربية ينبغي ان توضع لها الألفاظ المناسبة. هذا من جهة ومن جهة أخرى فان مسالة توحيد المصطلحات ولغة التخاطب تتطلب منا مجهودا كبيرا، إذ لا يكفي أن تكون لنا كلمة عربية للتعبير عن معنى من المعاني أو عن شيء من الأشياء، ولكن لتتم وحدتنا وليمكن أن يستفيد بعضنا من بعض يجب أن تكون لنا كلمة واحدة للتعبير عن الشيء الواحد، وإني لا أورد لكم إلا مثالا واحدا فإننا تعبر في المغرب عمن يقوم مقام غيره في شيء بلفظ خليفة، فخليفة الرئيس وخليفة المدير وخليفة القائد الخ... هو ما يعبر عنه بتونس بلفظة تركية هي كاهية ويعبر في بلد عربي آخر بلفظة وكيل وفي غيره بلفظة نائب، فهلا اتفقنا على واحدة من الكلمات العربية الثلاث بعد نبذ اللفظة التركية تماما، وخصصنا اللفظين الأخيرين لحالتين خاصتين من النيابة ؟ والأمثلة من هذه الخلافات لا تكاد تحصى وإن كان يتعين علينا أن نحصيها وندرس كل صورة منها لنختار أليقها لما نريد التعبير عنه وأقربه للسليقة العربية.
وإن لي اليقين أن مثل هذا العمل لا تصغر عنه هممكم، وأنكم سوف تولونه من العناية ما هو جدير به وأنكم سوف تتوفقون بفضل ذلك الى تحقيقه كما حققتم الأماني الثمينة التي جعلت لغتنا لغة حية تساير التقدم الحديث وتحتل المكانة اللائقة بها. وفقنا الله جميعا لما فيه خير العروبة والسلام عليكم ورحمة الله.
تعقيب للدكتور منصور فهمي سكرتير المجمع:
أيها الزملاء
أيها السادة
لقد حمل جلالة الملك محمد الخامس المعظم، معالي زميلنا الأستاذ محمد الفاسي، تحيته الكريمة للمجمع، وهي تحية عزيزة نتقبلها بالغبطة والسرور، لأنه لا يحيي المجمع بها فحسب، ولكنه يحيى اللغة العربية، وهي تراثنا الكبير الثمين الذي يجمع بين أحاسيسنا وأهدافنا في التحرر والعزة والمجد.
فباسم المجمع، وباسم محبيه ومقدري أعماله نكلف زميلنا السيد الفاسي أن يرفع إلى جلالة الملك العظيم إجلال المجمعيين، ودعواتهم أن يوفقه الله لخدمة العروبة في مصالحها الغالية وأهدافها في الوحدة والتحرر والعزة.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here