islamaumaroc

القراءات القرآنية واللهجات العربية -3-

  دعوة الحق

149 العدد

حــرف الجيــم
    19 – جبريــل:
    أحب أن أثير الانتباه هنا، إلى أن ذكر هذه المفردة من بين ألفاظ لهجة قبيلة تميم، لا يعني أنني أقول بأنها تميمية أصلا، أنا الذي ذكرت في مناسبات كثيرة أنها مركبة من كلمتين لا تمتان معا إلى لهجة تميم بصلة، وإنما أريد بإدماجها هنا أن أنص على أنها تقرأ في القرآن الكريم متأثرة بلهجة تميم.
    ولا يدل مرة أخرى على أن لتميم ضلعا في الموضوع، وإنما قرأ بها الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه تبعا للنطق الذي يوافق لهجة بعض القبائل، تسهيلا عليها، وطبقا للحديث الشريف "نزل القرآن على سبعة أحرف.."(1).
    ولقد تشعب النطق بكلمة "جبريل" إلى درجة أن ظن بعض علمائنا الأجلاء أن التعرض لهذا في تفاسيرهم يوسع الموضوع ولا يفيده في شيء، ومع هذا، سجلوا أن مختلف قراءاتها لغات.
    قال الإمام الحافظ أبو الفداء إسماعيل ابن كثير القرشي الدمشقي في تفسيره بمناسبة تعرضه للآية الكريمة: "قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمومنين."(2) : وفي جبريل وميكائل لغات وقراءات تذكر في كتب اللغة والقراءات، ولم نطول كتابنا هذا بسرد ذلك"(3).
    ومع ذلك أورد هذا المفسر الجليل أحاديث لا تنص على قراءات اللفظية فقط، وإنما تحاول تفسيرها من الناحية الإيتيمولوجية أيضا، لقد أورد هذا الخبر: "قال البخاري: قوله تعالى (من كان عدوا لجبريل) قال عكرمة "جبر" و "ميك" و "اسراف" عبد ايل: الله"(4).
    ولقد أحس، من جهة أخرى كثير من الذين اهتموا بالقراءات وبدراسة اللغة العربية ولهجاتها أن هذه المفردة أجنبية عن هذه اللغة. ولما دخلتها، وكان النطق بها عسيرا لعدم مطابقتها للأوزان المعروفة في لغتهم، حرفتها كل قبيلة، عند التلفظ بها حسب ناموس نطقها، أو بالأحرى نطق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم حسب لهجات القبائل(5).
    وإلى ذلك يشير الإمام الحسين بن أحمد بن خالويه(6) في كتابه(7) : "الحجة في القراءات السبع" قائلا: "والحجة في ذلك أن العرب إذا عربت اسما من غير لغتها أو بنته اتسعت في لفظه لجهل الاشتقاق فيه"(8). بل إنها تخضعه لمجرى أصول كلامها كما قال ابن جني: " ويؤكد هذا عندك أن ما أعرب من أجناس الأعجمية قد أجرته العرب مجرى أصول كلامها(9).
    ولكن ابن جني لا يبقى دائما على هذا المبدأ، ذلك أنه يظن، في كثير من الأحيان أن "العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت"(10).
    بل يذهب لتبرير ذلك إلى أكثر من هذا، فيقول: "وإذا جاز للعرب أن تخلط في العربي، وهو من لغتها، فكيف يكون – ليت شعري – فيما ليس من لغتها."(11).
    وإذن فأنا أورد لفظة جبريل في لهجة قبيلة تميم اعتمادا على أنها خضعت لنطق خاص فرضه مجرى أصول لهجتها.
    ونطق "جبريل" في لهجة هذه القبيلة كنطق "عنتريس"، أي بفتح الجيم والراء وتحقيق الهمزة بكسرة خفيفة ممدودة. هكذا يراها أبو حيان الأندلسي الغرناطي حين يصرح: "وجبريل كعنتريس، وهي لغة تميم وقيس وكثير من أهل نجد، حكاها الفراء واختارها الزجاج وقال هي أجود اللغات."(12).
    وهي قراءة رواها لنا الأعمش وحمزة والكسائي وحماد بن أبي زيد عن أبي بكر عن عاصم."
    لقد وقع كثير من الناس وحتى بعض القراء المتخصصين بالمغرب في خطأ حين لم يمعنوا النظر في الموضوع أو أمعنوه فقط فيما يقوله الإمام الداني في تيسيره حين يصرح بأن قراءة أبي بكر "بفتح الجيم والراء وهمزة مكسورة من غير ياء"(13). بينما يسمعون أبا حيان يقول إن قراءة أبي بكر هي على عنتريس، وإذن فهي بهمزة بعدها ياء، وهو شيء مخالف لما يقوله الإمام الداني الأمر الذي يرفضونه جملة وتفصيلا.
    وبما أن طلابنا وفقهاءنا يعتمدون الداني ويقدمونه على أبي حيان، وبما أنهم يجهلون كل ما يتعلق بقراءة لأبي بكر (14) لم يذكرها الداني فإنهم يشكون فيما رواه أبو بكر هذا ضانين أن صاحب البحر نقل خطأ(15)، ونسوا أن أبا بكر، شعبة ابن عياش الكوفي، هو، وإن كان يروي عن الإمام الخامس عاصم بن بهدلة الأسدي(16) رضي الله عنه، فإن له طريقين:
    الطريق الأول وهو ليحيى بن آدم(17). وهذا روي عن إمامه أبي بكر "جبرئل" بدون ياء، وهي الرواية التي أوردها صاحب التيسير والتي يقول عنها ابن الجزري: "وهذا هو المشهور من هذه الطرق"(18). ويتفرع عن يحيى بن آدم هذا طريقان، طريق أبي حمدون(19) المتوفى في حدود سنة240 هجرية، وشعيب بن أيوب(20) المتوفى سنة261 هجرية، وهما اللذان، ولا شك، جعلا قراءته هذه تصل إلى الشهرة التي يذكرها ابن الجزري.
    والطريق الثاني هو ليحيى العليمي(21) المتوفى سنة242 هجرية، وهو الذي يروي عن أبي بكر مفرودة جبريل كما ينطق بها أفراد قبيلة بني تميم والتي أورد صاحب البحر، كما أشرنا إلى ذلك سابقا وسكت عنها الإمام الداني.
    وليحيى العليمي هذا طريقان، طريق أبي عمرو عثمان بن أحمد بن سمعان البغدادي المتوفى في حدود سنة360 هجرية وطريق أبي الحسن علي بن محمد بن جعفر بن خليع(22) المتوفى سنة336 هجرية.
    فكل من جهل هذه الروايات وتلك الطرق عسر عليه تتبع مختلف القراءات ومال بسهولة إلى تخطئة ناقل هذه الأمور بدون حجة ولا برهان.
    وإننا لنعلم أن قبائل كثيرة من أهل نجد وكذا قبيلة قبس تشارك تميم هذه القراءة(23).
    كما أننا نعرف من جهة أخرى أن قراءة جبرين بنون وبفتح الجيم أو كسرها(24) هي من لغة أسد(25)، كما سأبين ذلك في حينه.
    كما أنها تقرأ أيضا على وزن قنديل(26) وهي لغة أهل العالية(27) وسأتعرض لها بحول الله في إبانها.
    20 – جــدف:
    في الآية الكريمة "حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون"(28). حين تقرأ "حدب" "جدف" بالفاء عوض الثاء.
    أما قراءة "جدث" بالثاء(29) فهي، حسب ما ذكره ابن جني قراءة ابن مسعود(30). وقد خالف في ذلك الإمام الزمخشري الذي يذكر أنها قراءة لابن عباس(31).
    أما أبو حيان الغرناطي فقد وافق بين نظرية ابن جني ووجهة نظر الزمخشري وذكر أنها قراءة لهما معا، أي لابن عباس ولابن مسعود(32).
    وهذا هو المشهور المعروف عندنا، وهو الذي تلقيناه عن شيوخنا.
    أما قراءة "جدف" بالفاء، وهي التي تهمنا لأنها توافق لهجة تميم(33) التي نتحدث عنها الآن، فقد قرئ بها في هذه الآية حسب ما نص عليه أبو حيان الأندلسي(34)، وأشار إليه الزمخشري وإن لم يكن يذكر عبارة "قرئ بها" كعادته(35).
    وأقر أنني رغم البحوث الطويلة لم أعثر حتى الآن على أسماء القراء الذين قرءوها بالفاء موافقة للهجة تميم، ولعل الله ييسر ذلك في المستقبل.
    وأما الألفاظ التميمية المستعملة في اللغة العربية في باب الجيم والتي لا يوجد لها أثر في القرآن الكريم، فهي حسب ما وصلت إليه اثنتان.
    21 – لفظة "جؤنة" : وهي فيما اعتقد "جؤنة العطار"، لأنها هي التي دون غيرها من المعاني(36) تأتي مضمومة الجيم وقد تهمز كما قال الجوهري(37)، وإن لم يذكر في آية لهجة تكون مهموزة.
    أما الذي أخبرنا أنها، حين تقرأ بالنبر، تدخل في عداد ألفاظ لهجة تميم، فهو العلامة عبد الرحمن جلال الدين السيوطي نقلا عن يونس في نوادره قال: "أهل الحجاز جونة بلا همز وتميم جؤنة بالهمز"(38).
    22 – لفظة "أجزأ" بالهمز عوض "جزى". ذكر الإمام الجوهري تحت مادة "جرى" أن بني تميم يقولون: "أجزأت عنك شاة(39) بالهمز".
    لم أعثر رغم كثرة ورود هذه المفكرة، وبصيغ عديدة في القرآن الكريم على من يقرأها على طريقة نطق بني تميم(40) ولا أدري سر ذلك. فلعل (إذا تحقق فعلا عدم وجود قراءة من هذا الصنف) النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه لم يقرأ بها على لغة تميم قط، ولذا لم ينقل عنه من الصحابة الأجلاء أحد.


1  بنص هذا الحديث كنت فتحت هذه الحلقات: ذكرته في الحلقة الأولى الصادرة في دعوة الحق – العدد التاسع من السنة الرابعة عشرة ابتداء من صفحة 28.
2   السورة الثانية البقرة الآية 97.
3   تفسير القرآن العظيم الجزء الأول صفحة 133، السطر الثالث.
4  المصدر السابق صفحة130، السطر السادس عشر.
5  إنك لتراني ألح على هذا المعنى إلحاحا دون ملل ولا عياء لما رأيت وسمعت من الناس ميلهم وادعاءهم إلى أن القراءات واختلاف الروايات فيها أمر حديث العهد (الجابري في أطروحته) وأن النحو له ضلع في حفظها لنا (أحمد عبد الرحيم السايح، في مقاله: اللغة الإنسانية – نشأتها، فلسفتها – مفهومها – تطورها" صفحة82، الفقرة الثانية من الضلع الثاني، المقال المنشور في اللسان العربي، المجلد التاسع – الجزء الأول.
6  انظر ترجمته في البغية، الجزء الأول، صفحة529 ومعجم الأدباء الجزء التاسع صفحة200 وغاية النهاية الجزء الأول صفحة237.
7  أحدث صدور كتاب الحجة في القراءات السبع المنسوب لابن خالويه صدى مهما إلى درجة أن شك في نسبته لهذا الباحث عالم متخصص هو الأستاذ الجليل محمد العابد الفاسي الذي بين وجهة نظره في الموضوع، نشرها في اللسان العربي، المجلد الثامن، الجزء الأول، ابتداء من صفحة521. بعد ذلك قام محقق وشارح كتاب الحجة الدكتور عبد العال سالم مكرم بالرد على الأستاذ الفاسي بمقال تحت عنوان: "حول نسبة كتاب الحجة في القراءات السبع لابن خالويه" نشره له اللسان العربي أيضا، المجلد التاسع، الجزء الأول ابتداء من صفحة315. والرجوع إلى هذين المقالين يفيد كثيرا.
8  الحجة في القراءات العشر، صفحة62 السطر الرابع عشر.
9   الخصائص، الجزء الأول، صفحة357 السطر العاشر من طبعة القاهرة سنة1371هجرية.
10  المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها – الجزء الأول بتحقيق علي النجدي ناصف والدكتور عبد الحليم النجار والدكتور عبد الفتاح إسماعيل شلبي صفحة80 السطر الثالث طبعة القاهرة1386.
11   نفس المصدر، السطر التاسع.
12  البحر المحيط – الجزء الأول، صفحة318 السطر الحادي عشر.
13   كتاب التيسير في القراءات السبع للإمام أبي عمرو عثمان بن سعيد الداني عني بتصحيحه Otto Prêtzl وطبع في استانبول سنة1930 صفحة75 السطر العاشر.
14   أنظر ترجمته في طبقات القراء لابن الجزري، الجزء الأول صفحة325.
15  وإنني لمضطر أن أشاطرهم ظنهم هذا – ولو من حيث تقنية القراءة، إن صح هذا التعبير – ذلك أن البدر الذي ينقل عنه أبو بكر عياش الكوفي وهو الإمام عاصم كان "صاحب همز ومد وقراءة سديدة" (الذهبي في الطبقات، صفحة84 السطر الخامس عشر من الجزء الأول، الطبعة الأولى بالقاهرة) ولهذا فإن كل قراءة بالهمز يجب أن تقدم على التي خلت منها ما دامت تروى عن عاصم، وهذا لا يعدو أن يكون مجرد اجتهاد أردت به تعميم قاعدة.
16  أنظر ترجمته في "معرفة القراء الكبار على الطبقات والإعصار" الإمام شمس الدين أبي عبد الله الذهبي الجزء الأول صفحة73.
17  أنظر طبقات القراء لابن الجزري، الجزء الثاني صفحة363.
18   النشر في القراءات العشر، الجزء الثاني صفحة219 السطر التاسع.
19   أنظر ترجمته عن الذهبي الجزء الأول صفحة173.
20   نفس المصدر صفحة169.
21   نفس المصدر صفحة167.
22   أنظر ترجمته في "معرفة القراء الكبار" الجزء الأول صفحة203.
23   البحر المحيط الجزء الأول صفحة318 السطر الحادي عشر.
24   المعرب من كلام الأعجمي على حروف المعجم لأبي منصور الجواليقي صفحة114 السطر الأول.
25   البحر المحيط صفحة318 السطر الواحد والعشرون.
26   الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، الجزء الأول صفحة126 السطر السادس عشر.
27   البحر المحيط الجزء الأول صفحة318 السطر الواحد والعشرون.
28   السورة21 الأنبياء الاية96.
29   ذكر ذلك Arthur Jeffery في بحثه.Materials for the history of the Qur an حيث قال في صفحة62 السطر العشرون: « So read by
 Abbàs , al _Jahadari and others»  Ibnغير أنه لم يبين من هم هؤلاء الآخرون.
30   المحتسب لابن جني الجزء الأول صفحة66 السطر السابع.
31   الكشاف الجزء الثالث صفحة106.
32   البحر المحيط، الجزء السادس صفحة331 السطر السابع والعشرون.
33   أشار إلى أن " الجدف" بالفاء تميمية كل من ابن جني في المحتسب، الجزء الثاني صفحة66، وأبو حيان في البحر صفحة339 من الجزء السادس والزمخشري في كشافه صفحة106 من الجزء الثالث.
34   البحر المحيط الجزء السادس، صفحة339 السطر الثامن والعشرون.
35   الكشاف، الجزء الثالث صفحة106 السطر الواحد والعشرون.
36   قد تدل لفظة الجونة على مصدر الجون من الخيل ويقال أيضا للشمس جونة بينة الجونة.
37   الصحاح الجزء الخامس صفحة2093 السطر السابع من العمود الأول.
38   المزهر في علوم اللغة وأنواعها – الجزء الثاني، صفحة276 السطر الخامس.
39   الصحاح الجزء السادس صفحة2302 السطر العشرون من العمود الثاني.
40   اكتفى بعض المفسرين الذين يهتمون في بحوثهم بقضية القراءات بأن أشاروا إلى أن "جدف" حين تقرأ بالفاء تكون تميمية ولكنهم لم يذكروا لنا أسماء القراء، ومن بين هؤلاء الزمخشري وأبو حيان وغيرهما.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here