islamaumaroc

المرأة المغربية بين نشأة الإسلام وحاضره

  دعوة الحق

149 العدد

    لم تكن المرأة قبل الإسلام شيئا يلقى إليه بنظرة من طرف الرجال، ولا شيئا يعتد به في المجتمع، ولم يكن لها أدنى شيء ينم عما يسمى بالاعتبار والتقدير. فهي لم تكن تزيد على أنها موطن شهوة تستجيب لغرائز الرجل الجنسية، وخادمة مهينة تتلقف الأوامر لتنفذها في ذلة، وحقل يجب أن يكون خصبا لإنجاب الأطفال والذرية ولنوع خاص منهم أحيانا.
    في أوربا كان العلماء والفلاسفة يتنازعون في روح المرأة: أهي من جنس أرواح الإنسان أم من جنس أرواح غيره من الحيوانات، ثم إذا كان الفرض الأول: أهي في وضع الرقيق أم في وضع يدانيه وإن كان ليس هو بالذات؟ ولم ينته مجمع ماكون خلال القرن الخامس للميلاد في بحث موضوع: هل للمرأة نفس كالرجل؟ إلى الإجابة بالإيجاب إلا فيما يخص مريم العذراء والدة المسيح!(1)
    وفي وادي النيل كان القدماء المصريون ينظرون إلى المرأة كما لو كانت متاعا ثمينا لإنجاب الأطفال، وحقلا مثمرا لسيدها الزوج. يقول "يناح – حتب" أحد وزراء الدولة القديمة (3100 – 2050 ق.م) في وصيته لولده: "إذا كنت في سعة يجب عليك أن تعد منزلك، وتحب زوجك، املأ بطنها، واكس ظهرها، والعطر خير دواء لجسدها، اجعل قلبها منشرحا طالما حييت، لأنها حقل مثمر لسيدها"(2) ولم يعرف عن الفراعنة قبل "أمنحوتب الرابع = اخناتون" 1391 – 1353 ق.م. أنهم كانوا يسمحون بإظهار العطف والحنو على الزوجة والولد"(3).
    وفي آسيا والجزيرة العربية بوجه خاص كان ظهور البنت في البيت نذير شؤم على العائلة عامة وذكورها خاصة ينتهي بإهالة التراب على جسمها الرخو البريء ليحتضنها العدم من جديد بعد أن أبعدت عن الوجود الذي لم تكن هي المتسببة في المجيء إليه، ولكن أولئك الذين أبعدوها عنه بغيا وجهلا، أو باستحيائها على مضض وكره، وتحمل لوصمة ذل وآية عار، تعيش عيشة المجرم الآثم، تصطلي بنار السباب والقذف، وتخزها النظرات الشزر، تورث كمطلق متاع، فما على الرجل إذا مات مورثه إلا أن يضع ثوبا على زوجه لتكون ملكا له يتزوجها أو يزوجها من يشاء(4).
    وحتى إن كان للمرأة في بعض جهات العالم القديم تجلة وتعظيم ومكانة تنم عن التكريم كما قد نعثر عليه عند الرومان والإغريق والفرس والفراعنة فقد كان ذلك في فترات محدودة، ولم يكن للمرأة كجنس، وإنما كان لنساء معدودات بصفتهن الشخصية، أو لنساء العاصمة بوصفهن زينة المجالس وأدوات من أدوات الترف التي يحرص الأغنياء والمترفون على إبرازها زهوا وعجبا(5).
    يقول "فان فلوتن" في تعليقه على ما أعطته بعض الطوائف الفارسية من حرية للمرأة: "إن هذه الطوائف وإن أعطت للنساء من المكانة ما أعطت، وأباحت لهن في المجتمعات الدينية فإن ذلك لم يكن إلا بقصد الاستمتاع بظهورهن في تلك المجتمعات"(6).
    وجاء الإسلام فقفز بالمرأة من هاته الهوة السحيقة وأجلسها حيث الرجل لها نفس الحقوق، وعليها عين المرأة، لا وأد ولا مواراة، قال تعالى معقبا على فعلة الوأد الشنيعة: "ألا ساء ما يحكمون" وقال: قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم الآية" ولا استبقاء على مهانة وهوان بل على تكريم وتجلة، فرسول الإسلام يخرج إلى المسلمين في المسجد ليؤمهم بإحدى الصلوات وعلى عاتقه إمامة الصبية إذا ركع وضعها وإذا قام رفعها يفعل ذلك في صلاته كلها (7). وهو (ص) يقول: "من ولي من هذه البنات شيئا فأحسن إليهن كن له سترا من النار" (8).
    فأية وثبة هذه الفتاة؟ وأي تكريم هذا للمرأة لا من حيث أنها فلانة ذات القد الرشيق والوجه الأسيل والعيون... ولا من حيث أنها بنت فلان أو زوجة فلان من الوجوه والصدور ولكن من حيث أنها مخلوق بشري له اعتباره في الحياة؟
    ولم يكتف الإسلام بهذا في جانب المرأة ولكنه منحها حقوقا في مستهل القرن السابع لم تمنحها إياها الحضارة الغربية إلا في القرن العشرين: منحها حق الإرث، وحق التمليك والتملك، قال تعالى: "للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا" وقال: "للرجال نصيب مما اكتسبوا، وللنساء نصيب مما اكتسبن" ومنحها حق التعليم والتعلم، فجلس رسول الله للنساء يعلمهن كما جلس للرجال، وشرع لنا الأخذ عن المرأة فعادت معلمة وأستاذة لا للنساء فحسب بل وللرجال أيضا يروون عنها الأحاديث والأشعار ويستفسرونها عن كثير من شؤون دينهم وخاصة ما يتصل بحياة الرسول في بيته.. ولم يوجد من النساء من اتهمت أو تركوها..(9) ومنحها حق اختيار العشير، قال (ص): "البكر تستأمر وإذنها صماتها والثيب تعرب عن نفسها" وزاد تقدير الإسلام للمرأة في هذا الباب فنهى عن تزويجها من غير الأتراب والأكفاء ما تعددت مناحي الكفاءة وتنوعت وجوهها، وجعل الأمر بيدها إن زوجت من غير الأكفاء. قال (ص): ألا لا يزوج النساء إلا الأولياء ولا يزوجن من غير الأكفاء"(10) وجاءت الخنساء بنت خدام الأنصارية إلى رسول الله (ص) تقول: إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع خسيسته فجعل الأمر بيدها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء..(11).
    بل وفوق هذا أعطى الإسلام للمرأة أن تخطب لنفسها من تحبه زوجا وتريده عشيرا، وكان ذلك شيئا مستهجنا عند العرب. عن ثابت البناني قال: "كنت عند أنس وعنده ابنة له، قال أنس: جاءت امرأة إلى رسول الله (ص) تعرض عليه نفسها، قالت: يا رسول الله ألك بي حاجة؟ فقالت بنت أنس: ما أقل حياءها واسوأتاه، واسوأتاه. قال أنس: هي خير منك رغبت في النبي (ص) فعرضت عليه نفسه"(12) وأوصى الإسلام بالمرأة خيرا في المعاشرة والمعاملة وكل ما يتصل بشؤون الحياة الخاصة والعامة، قال تعالى:"وعاشروهن بالمعروف" وقال (ص): "أوصيكم بالنساء خيرا، اتقوا الله في النساء"(13).
    ولما اتصفت به المرأة من بعد التفكير، وعمق النظر، ولطيف الإدراك، وصفاء المزاج عرفت في الإسلام لأول نظرة المنقذ الأعظم، والمخلص الأوفى فسارعت لمعانقته واحتضانه، وعملت على تدعيم دعوته بجانب الرجل فلم تكن أقل منه تضحية، ولا أدنى منه استماتة، بل ربما تجدها أصلب منه عودا، وأربط جأشا، وأقوم رأيا، وأرسخ عزيمة.
    هذه خديجة (ض) تهدئ روع باني الإسلام محمد (ص) ونفتح له آفاقا فسيحة من الآمال في وقت يهيمن عليه فيه الفزع وتكاد تضل عنه ثقته بنفسه: فتقول له – وقد رجع إليها وحدثها بما حدثها عن الملك ورؤيته، وما أصابه من فزع وذعر – "كلا والله لا يخزيك الله أبدا" وذكرت خصاله الحميدة. وتوجهت به إلى ورقة، ثم هاهي تبذل ثروتها العظيمة لصالح دعوته فيأتي على آخرها ذلكم الحصار الاقتصادي الكبير الذي ضربته قريش على بني هاشم وبني المطلب المسمى "حصار الشعب" أو "حصار الصحيفة" وقد استحقت خديجة من أجل هذا أن يقرئها جبريل السلام من الله ومنه ويبشرها ببيت في الجنة من قصب(14) لا صخب فيه ولا نصب(15).
    وهذه زنيرة(16) الجارية الرومية سارعت إلى الإسلام وتحملت في سبيل عقيدتها كل أنواع العذاب والإذاية فكانوا يلقونها ويحمون لها مكاوي الحديد ويضعونها بين أعطاف جلدها ويدعون الأطفال يعبثون بعينيها حتى ذهب بصرها، فقالوا ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى. فقالت: كذبوا وبيت الله ما يغني اللات والعزى. وكان أبو جهل يقول: ألا تعجبون لهؤلاء وأتباعهم لو كان ما أتى به محمد خيرا ما سبقونا إليه، أ فتسبقنا زنيرة إلى رشد؟ فأنزل الله في سورة الأحقاف: "وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه، وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم"(17).
    وهذه سمية أم عمار بن ياسر يسمو بها عمق الإيمان إلى بذل نفسها فتكون أول شهيدة في الإسلام في حين يضعف ولدها عمار عن استمرار تحمل العذاب فيتفادى ذلك بظاهر من الكفر، وينزل الله في حقه: "إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان"(18).
    وحتى إذا ما انتهى دور الحرب الباردة بين الإسلام والوثنية، وهل دور إعلان الحرب وحمل السلاح كانت المرأة في الرعيل الأول، تزدحم مع الرجل في ميدان المعارك تحت ظلال السيوف، وبين مشتجر القنا تروي ظمأه، وتأسو جرحه، وتجبر كسره، وتهيج حفيظته، ثم تغشى حر القتال، وتصلى نار الحرب، تصول وتجول كاللبؤة النحيم، معرضة صدرها للسيوف، ونحرها للحتوف(19).
    هذه أمية بنت قيس الغفارية فتاة في ربيع الشباب لم تبلغ السابع عشرة من عمرها تأتي إلى الرسول وهو يتأهب للخروج إلى خيبر، ترغب في مصاحبته لتقوم بواجبها نحو الدين الذي خامر قلبها، فيجيبها قائلا: "على بركة الله" ويردفها وراءه فتبلى البلاء الحسن؟، وتبدي ضروبا من البطولة تجعل رسول الله يمنحها وسام الشرف دون المقاتلين من الرجال، فيقلدها بعد الموقعة قلادة لم تغادر صدرها حتى ماتت فأوصت أن تدفن معها(20). وهذه فلانة وفلانة ممن يطول ذكره، ويثقل الذاكرة وعيه.
    وكما شاركت المرأة في ناحية الإسلام المادية فبذلت الجاه والمال وملذات الحياة، وأخيرا الدم والروح، كذلك شاركت في ناحيته المعنوية، فكنت تراها تنسل من فراشها في هداة السحر وتدلف إلى المسجد في دجية الليل وغسقه، تبغي ما عند الله الذي قال: "فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى" تدخل المسجد، وتتوجه إلى الله بقلب طاهر نقي، ونفس ترشح بالإيمان والاعتراف بالجميل، تصلي كما يصلي الرجل، وتدعو كما يدعو، وتستفهم وتستفيد مثلما يفعل، ثم تعود لبيتها بأضعاف ما ذهبت به من حلي النفس الجميلة، إيمان لا يسبر غوره، وطهر لا يطلب وحده، عفاف مسربل، وأمل منسدل، عن عائشة قالت: لقد كان رسول الله (ص) يصلي الفجر فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات في مروطهن، ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد"(21). وكنت تراها تغادر بيتها وقت الظهيرة وقيظ الهجيرة لتشهد صلاة الجمعة، تؤدي فرضها، وتغتنم ساعتها، وتستوعب مواعظها، ثم تعود بروح مطمئنة، ونفس راضية، وقلب بالإيمان عامر، ولنعم الله وآله شاكر عن عمرة بنت عبد الرحمن عن أخت لعمرة قالت: لقد أخذت "ق والقرآن المجيد" من في رسول الله (ص) يوم الجمعة وهو يقرأ بها على المنبر(22). وكذلك كانت تشارك في المشاهد الجامعة الأخرى كصلاة العيدين والاستسقاء والكسوف، وكانت تأبى أن ينفرد الرجل بفضل، أو أن يكون له دونها منقبة؟، عن أبي سعيد الخدري قال: قال النساء للنبي (ص) غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوما من نفسك، فوعدهن يوما لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن"(23).
    كذلك تجد المرأة في عهد النبوة، وكذلك تجدها في عهد الخلافة لا يقل حظها في إحدى ناحيتي الإسلام السابقتين عن حظها في الأخرى، فهي تبذل المال بسخاء وهي تشارك في الحروب وتستبسل، وهي تشاطر في العبادات وما يتصل بها من القيم الروحية.
    هاهي أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية تودي بحياة تسعة رجال من الروم بعمود خيمتها في وقعة اليرموك آخر خلافة أبي بكر الصديق(24)، وهاهي المرأة تصلي التراويح في رمضان صحبة الرجل فيسن عمر سنة الجمع على قارئ واحد، فيؤم الرجال أبي بن كعب، والنساء تميم الداري تارة، وسليمان بن أبي حثمة مرة أخرى(25).
    هذه هي المرأة في نشأة الإسلام، وهذا قليل من كثير اليوم من هذا؟ وما هو موقفها من هذا الدين الذي كانت هي نفسها دعامته الأولى، وإحدى ركائزه العظمى؟.
    إن من ينظر إلى حال المرأة المسلمة اليوم لا يتمالك عن إرسال التنهيدات المنبعثة من قلب جريح، ونفس حزها الألم: ألم الغيرة على المرأة التي أخذت تتباعد عن الدين وتعاليمه، لا ترجع إليه إلا لتأخذ منه حججا وبراهين على مكانتها في المجتمع وعضويتها في الأمة، أو على حق كانت العوائد قد أضاعته عليها، فهي كذلك الابن العاق المتمرد الذي يتنكر ما لوالديه عليه من فضل ومعروف فلا يرجع إليهما إلا للحصول على ما أحوجته إليه الضروريات من مصاريف ونفقات، لقد ابتعدت المرأة عن الإسلام بتهاونها في شعائره، وإعراضها عن تعاليمه، ابتعدت عن الإسلام فلم تعد تتأدب بآدابه، وتتخلق بأخلاقه، وتتحلى بحلى فضله، وليس هذا الفساد في طبعها أو انحراف في مزاجها، ولكنه نتيجة عوامل عدة، وعلل متنوعة كثيرة، في طليعتها جهلها حقيقة الإسلام وعدم تفهمها لروح تعاليمه وتشاريعه، ذلك أن الرجال منعوها من حقها في ارتياد المساجد والجمع والأعياد، والاستفادة من مواعظ تلك المشاهد الجامعة، كما منعوها من حقها في الحصول على تعلم ديني صحيح أو بالأحرى أهملوا شأنها في هذا الباب، فلم تعد تعرف عن الإسلام إلا أنه دين، وقد دخلت المرأة المسلمة في هذه المرحلة منذ أواسط عصر النهضة الإسلامية ولم تزل تتوغل فيها تدريجيا إلى أن بلغت بحبوبتها أوائل عصر الانحطاط، وبقيت على ذلك عهودا وأجيالا إلى أن طال عليها الأمد فقسا قلبها وعظم جهلها.
    وكان الحامل للرجال على ما فعلوا غيرتهم الشديدة عليها، وإرادتهم الصون والنقاء لها، خصوصا وقد رأوا أن نساء أخذن يأتين في سلوكهن ما لم يكن معهودا في عهد الرسول (ص) كما يشير إلى ذلك حديث عائشة "لو أدرك رسول الله (ص) ما أحدثه النساء لمنعهن المسجد"(26).
    إلا أنهم اشتطوا في المعاملة، وأفرطوا في سوء الظن، وتغليب جانب الحيطة، فالحيطة شيء محمود ما في ذلك من شك. حدث البخاري عن سعد بن عبادة قال: "لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح(27)، فبلغ ذلك رسول الله (ص) فقال: أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه، والله أغير مني"(28). والغيرة أمر لابد منه تحفظ الشرف، وصيانة العرض شريطة الاعتدال وألا تتجاوز حدود الشريعة بحيث تنقلب إلى ظن آثم، وهوس جاثم، وقد كان السلف الصالح لهذه الأمة أشد الناس غيرة على أعراضهم وحرماتهم، ولكن لم يكونوا يتجاوزون نطاق الاعتدال وحدود الشرع. عن عاتكة بنت زيد امرأة عمر أنها كانت تستأذنه إلى المسجد فيسكت فتقول: والله لأخرجن إلا أن تمنعني فلا يمنعها(29). وكيف يمنعها عمر والنبي (ص) يقول: "إذا استأذنكم نساؤكم في المساجد فأذنوا لهن". ويقول: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله"(30). وفي الإصابة أن عاتكة هاته تزوجت بعد عمر الزبير فشرطت عليه الخروج إلى المسجد، فتحيل الزبير عليها بأن كمن لها لما خرجت إلى صلاة العشاء فلما مرت به ضرب على عجيزتها، فلما رجعت قالت: إنا لله فسد الناس، فلم تخرج بعد(31).
    وليس في حديث عائشة السابق حجة للمتشددين والمبالغين لأن ذلك رأي لها واجتهاد منها لا يغير مما شرعه الله على لسان نبيه شيئا، ولذلك قال الإمام القسطلاني: "واستدل بعضهم لمنع النساء مطلقا بقول عائشة (ض) هذا، وأجيب بأنه لا يترتب عليه تغير الحكم لأنها علقته على شرط لم يوجد بناء على ظن ظننته، فقالت لو رأى لمنع، فيقال عليه: لم ير ولم يمنع، واستمر الحكم حتى أن عائشة لم تصرح بالمنع.. وأيضا فقد علم الله تعالى ما سيحدثهن فما أوصى نبيه عليه الصلاة والسلام بمنعهن.. وأيضا فالأحداث إنما وقع من بعض النساء لا من جميعهن فإن تعين المنع فليكن لمن أحدثت، والأولى أن ينظر إلى ما يخشى منه الفساد فيتجنب لإشارته(32) عليه الصلاة والسلام إلى ذلك بمنع التطيب والزينة(33).
    وكان من نتائج جهل المرأة حقيقة الإسلام أنها أصبحت تراه مجرد طقوس ثقيلة العبء، شديدة الكلفة، ومن ثم جاءها التهاون بشأنه، والتجافي عن مبادئه، وهكذا وبعد أن فقدت سلاح التحلي بالحنيفية السمحاء، والتخلق بأخلاقها، والسير على نبراس هديها، وجدت نفسها تسير على غير هدى قد ابتلعتها مفازة مخيفة، انطمست فيها أمامها معالم الطريق فلم تعد تتبين باطلا من حق، وعدوا من صديق، وأسلمت زمام أمر نفسها إلى زمرة من شياطين الإنس ومتلصصي الفضيلة، تمثلوا أمامها في صورة رجال إنقاذ، ورسل مدنية، ودعاة رقي، حفزتهم الغيرة عليها، واستحثهم الرفق بها للأخذ بيدها إلى الحياة الناعمة المدللة، والسمو الفائق المتكامل. وما درت المسكينة أنها مضللة مخدوعة، وأنه لم يقصد بها ألا تكون ملهاة في يد هؤلاء وإضرابهم، يشبعون منها غرائزهم البهيمية، ثم يلقونها محطمة كما يفعل الطفل تماما بدميته.
    لقد عز على هذه الثقة الشريرة من الرجال أن تظل تلك الجوهرة البشرية بعيدة عن متناول عبثهم الماجن، ونزقهم الفاجر، ونزواتهم الدنيئة، وعهارتهم البذيئة، يلفها الصون، ويسربلها العفاف، وتحميها الفضيلة، وتسمو بها الحشمة، فدعوها إلى الابتذال والفضيحة، وزينوا لها الانحلال والرذيلة، ومدحوا لها التكشف والتبرج، وحسنوا لها التحذلق والتفسخ.
    أرادوا الاستمتاع بالنظر إلى مباهج زينتها فصمموا لها الأزياء المحددة الفاضحة، وقدموها لها باسم مدنيتهم الزاهرة، وحضارتهم الباهرة، فقبلتها وتبدت لهم كاسية عارية كما يريدون، ولم يكتفوا بهذا شأن الخبثاء الطامعين، والسفهاء المتربصين، فأهابوا بها باسم الاستمتاع بالنسيم النقي والجو الجميل إلى التعري السافل، والتجرد النازل، ثم ارتياد الشواطئ تدافع معهم الأمواج، وتتمدد بجانبهم على الرمال الدافئة فاستجابت طائعة ونزلت إلى الشواطئ والمسابح في صورة يأباها الحياء وتمجها المروءة، ثم قادوها باسم الفن إلى الأقلام الماجنة، وحلبات الرقص المستهترة، واتخذوا من صورها الخليعة وسيلة للدعاية والاتجار، والإعلان والإشهار، وجعلت منها أقلامهم المسمومة وسيلة للتكسب والارتزاق في أقاصيص وروايات وألقوا في روعها أنه لا زواج إلا عن تواصل سابق وتحابب مقدم فاستجابت لرغائبهم وكان ما يشاهد كثيرا من المآسي والفواجع.
    ولو علمت المرأة من الإسلام ما جهلت لكانت على بينة من أمرها، ولأدركت أن هذا الدين منحها الحياة بكل ما فيها من متع وملذات، لم يضع في ذلك أمامها من حد سوى ما يوجبه العفاف والفضيلة، وتقتضيه المروءة وشيم الإنسانية، فهو لم يحرمها من الزينة على كثرة أشكالها واختلاف ألوانها وتجدد أساليبها، بل دعاها إلى إتيانها وأباح لها فيها ما لم يبحه للرجل، ولكنه أراد أن تكون في زينتها غير مبتذلة، فأهاب بها إلى ترك التبرج وستر ما عدا الوجه والكفين عن الأجانب، وهو لا يمنعها من ارتياد المسبح أو الشاطئ للاستمتاع والترفيه عن النفس بل هو على عكس ذلك حريص على ما يشرح صدرها، ويدخل السرور على نفسها، فقد أذن (ص) لفتيان الحبشة ليلعبوا بحرابهم بين يديه في المسجد، ودعا عائشة فسترها بثوبه، وأشهدها ذلك المنظر البهيج، فكانت تنظر حتى تسأم ثم تعود(34). ولكنه يحرم عليها الاختلاط بالأجانب في حالة التكشف الفاضح، ويريد لها الصون والطهر، وللمرأة المسلمة خير أسوة في جدتها فقد كانت تتمتع بجو الشواطئ وقواعد المسابح ولكن في أمكنة خاصة بها حيث لا اختلاط ولا افتضاح(35). وهو لا يحول بينها وبين تعاطي الفن الصحيح النظيف بل يدعوها إليه ويرغبها فيه، عن عائشة (ض) أنها زفت امرأة كانت يتيمة في حجرها إلى رجل من الأنصار، فقال النبي (ص) هل بعثتم معها جارية تغني؟ فقالت: وما تقول؟ فقال: تقول:
    أتينـاكـم أتينـاكـم
   فحيـونـا نحييـكـم
    ولولا الذهب الأحمـ
   ـر لم تحلل بواديكـم
    ولولا الحنطة السمرا
   ء ما سمنت عذاريكـم
    فإن الأنصار يعجبهم اللهو(36). وعن الربيع بنت معوذ قالت: جاء النبي (ص) فدخل حين بنى علي فجلس على فراشي، فجعلت جويريات لنا يضربن على الدف، إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال: "دعي هذه المقالة.. فإن مفاتيح الغيب عند الله، وقولي بالذي تقولين" من المدح والثناء(37).
    وهو أخيرا لا يعوقها عن أن تنظر إلى خطيبها وينظر إليها في حدود الكرامة والصيانة بل هو صريح في استحسان ذلك واستحبابه، فقد قال (ص) للمغيرة بن شعبة: "انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" أي أن تدوم بينكما المودة والألفة. قال القسطلاني: "ولكل أن ينظر إلى الآخر وإن لم يأذن له اكتفاء بإذن الشارع سواء خشي فتنة أولا"(38). بل وأباح لها كما سبق أن تتقدم بنفسها مباشرة لخطبة من تريده زوجا من الرجال.
    فماذا تريده المرأة بعد هذا؟ وماذا بعد الحق إلا الضلال؟
    إن حالة المرأة المسلمة بلغت من الانحراف والتفكك، والانحلال والتميع، درجة تنذر بالشر وتهدد بأوخم العواقب، وحتى الشباب أصبح معظمه مشدوها أمام ما يرى ويشاهد، ويسمع ويحكي له، ومن ثم أخذ يشعر بابتذال أنوثتها فلا يسارع إليها، وتساوره الشكوك في سلوكها فيعزف عنها. ولا علاج للمشكل إلا في الرجوع بالمرأة إلى الدين، وفتح أبواب المساجد أمامها، وإعطائها حقها من دروس الوعظ على الأكفاء بسلوكهم وعلمهم من رجال الدين، وتعليمها الإسلام في بساطته ووضاءته، وسماحته ويسره، وفي مصادره الأولى البعيدة عن التعقيدات الفلسفية والآراء الجدلية، فإن التفريعات الكثيرة، والنزاعات المذهبية، والقواعد الاصطلاحية، تباعد عن المقصود، وتحول دون الوصول إلى الحق، وتكسب النفس سآمة ومللا، ثم هي لا تلائم طبيعة المرأة ولا طبيعة الدين كذلك، ولعل هذا هو السر في كون المغرب كان دولة عربية إسلامية علمت المرأة تعليما إسلاميا عاليا، فتخرجت من جامعته الخالدة: القرويين عالمات مسلمات بفضل عناية وجهود المغفور له، بطل التحرير وفقيد العروبة والإسلام محمد الخامس ومع ذلك لم يستفد منهن ما كان يؤمله من الدعوة إلى الفضيلة، وإقامة الاعوجاج، ومقاومة المخازي المستوردة، ومحاربة السموم الأجنبية في نفوس إخوانهن بالسلوك والعمل، والقول والدعوة.
    لقد شاركت المرأة المغربية في معركة التحرير بنصيب تشكر عليه، وبعد الاستقلال تكونت في البلاد حركات نسوية مباركة تعنى بالسياسة والثقافة والشؤون الاجتماعية ولكن مع الأسف الشديد لم نسمع عن حركة نسوية دينية، تعمل على تحلي المرأة بحلل الإسلام الزاهية، والتخلق بأخلاقه السامية، تزور المدن والقرى، وتدخل البيوت والأكواخ داعية إلى الله وسبيله، لم نسمع عن حركة نسوية تطالب وتعمل على أن تكون للمرأة مجالس علمية تمكنها من التوجيهات والإرشادات التي تسعدها في الدارين وتسعد البلاد بها، فتنجب وتنشئ لها أجيالا من الأبطال المغاوير الأفذاذ في شتى الميادين، لم نسمع عن وفد نسوي وقف أمام قائد الأمة والمسئول عن دينها ودنياها جلالة الملك ليقول: يا أمير المؤمنين، لقد ولاك الله أمر هذه البلاد دينا ودنيا، وإنا وافدات النساء إليك، جئنا نلتمس أن تكون للمرأة مجالس علمية تكرع من حياضها، ودروس وعظية تستفيد من إرشاداتها. كما جاءت أسماء بنت يزيد الأنصارية المعروفة بـ "خطيبة النساء" إلى النبي (ص) فقالت: "بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أنا وافدة النساء إليك، لقد غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوما من نفسك"، فوعدهن يوما لقيهن فيهن فوعظهن وأمرهن(39).
    إن هناك دعايات مصدرها من الغرب تزعم أن الدين أفيون مخدر غير لائق خصوصا بالمرأة، وإذا كان لهذه الدعايات نصيب من الصحة بالنسبة لدين الكنيسة: دين الرهبانية والعزلة، فهي بمعزل عن ذلك بالنسبة لدين الإسلام: دين العمل والحيوية، دين الحضارة والتقدم، دين الحرية السليمة والعدالة الحقة.
    إن على المرأة أولا أن تتعهد تلك النبتة المباركة: نبتة الإسلام التي كان لها فضل كبير على بذرها ونموها، وإن على الرجال ثانيا وخصوصا أولئك الذين يدركون أهمية دور المرأة في المجتمع والأمة، ويدركون مع ذلك مدى تأثير الدين في سلوك المرأة وأخلاقها، ومدى استعدادها الفطري لتعاليم الحنيفية السمحة – أن يسلكوا بها ما سلكه بها محمد وخلفاؤه.
    فعسى أن تهتدي امرأة العصر الحاضر لما اهتدت له أختها زمان ولد الإسلام، وعسى أن يعمل الرجل من جهته على مساعدتها في هذا المضمار، وعسى أن يلهمنا الله جميعا خير الدارين وسواء السبيل.
   


1  عن "هنري ماريون" في كتابه "خلق المرأة".
انظر "المرأة في الإسلام" لكمال عون ص 12.
2  جون ولسون: الحضارة المصرية، ترجمة الدكتور أحمد فخري ص 172.
3  جون ولسون: المصدر السابق ص 346.
4  القسطلاني: إرشاد الساري ج7 ص79 - 80.
5  محمد قطب: شبهات حول الإسلام ص96.
6  الدكتور حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي ج 2 ط3 ص 97 – 98.
7  الزرقاني على الموطأ ج 1 مطبعة مصطفى محمد ص 344 – 346.
8  أخرجه البخاري في: كتاب الأدب – باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته -
9  الحافظ الذهبي: ميزان الاعتدال ج 3 ص 395.
10  القسطلاني: إرشاد الساري ج 8 ص 19.
11  الشوكاني: نيل الأوطار ج 6 ص 129 وورد الحديث كذلك في البخاري.
12 البخاري: كتاب النكاح – باب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح.
13
  ورد الحديث بألفاظ كثيرة وصيغ متنوعة، ويمكن رؤية جملة منها في: إرشاد الساري ج 8ص 78 – 79. والترغيب والترهيب للحافظ المنذري ج 3 ص 8 – 9.
14  المراد بالقصب هنا لؤلؤة مجوفة، أو القصب المنظوم بالدر واللؤلؤ والياقوت الأحمر. انظر إرشاد الساري ج 6 ص 168.
15   الإصابة ج 8 ص 61 – 62، إرشاد الساري ج 6 ص 168 – 169.
16  زنيرة بكسر الزاي وتشديد النون المكسورة بعدها ياء مثناة ساكنة، أو بزاي ونون مصغر كما في الإصابة.
17  الإصابة ج 8 ص 91.
18   الإصابة ج 8 ص 113 – 114 و ج 4 ص 273 – 274.
19   انظر حديث الربيع بنت معوذ في القسطلاني ج 5 ص 85.
20  عبد الله عفيفي: المرأة العربية ج 2 ص38 – 39.
21  الزرقاني على الموطأ ج 1 ص 18 والقسطلاني: إرشاد الساري ج 2 ص 152و 154.
22  مسلم: كتاب الجمعة.
23  البخاري: باب هل يجعل للنساء يوما على حدة في العلم.
24  الإصابة ج 8 ص 12 – 13.
25  القسطلاني: إرشاد الساري ج 3 ص 25 – 26.
26 مالك: الموطأ – ما جاء في خروج النساء إلى المساجد. ومسلم: الصحيح باب خروج النساء إلى المساجد.
27 مصفح بضم الميم وسكون الصاد وفتح الفاء وكسرها أي غير ضارب بعرضه للزجر والإرهاب بل نجده للقتل والإهلاك، قال القاضي عياض: فمن فتح جعله وصفا للسيف وحالا منه، ومن كسر جعله وصفا للضارب وحالا منه.
القسطلاني: إرشاد الساري ج 8 ص 109.
28  البخاري باب الغيرة.
29 مالك: الموطأ – ما جاء في خروج النساء إلى المساجد.
30  مالك: الموطأ – ما جاء في خروج النساء إلى المساجد.
   مسلم: الصحيح: باب خروج النساء إلى المساجد.
31 ينظر كذلك الزرقاني على الموطأ 2 ص6.
32  أي في قوله (ص): "إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا، مسلم: الصحيح – باب خروج النساء إلى المسجد.
33 القسطلاني: إرشاد الساري ج 5 ص 153.
 34  القسطلاني: إرشاد الساري ج 8 ص 117 – 118.
   وعبد الله عفيفي: المرأة العربية ج 2 ص 48 – 49.
35  ما تزال هذه المسابح الخاصة بالنساء موجودة حتى الآن بحامات سيدي احرازم ومولاي يعقوب وشاطئ تطوان.
36   القسطلاني: إرشاد الساري ج 8 ص 67.
37  القسطلاني: إرشاد الساري ج 8 ص59 وعبد الله عفيفي: المرأة العربية ج 2 ص 49.
38  القسطلاني: إرشاد الساري ج 8 ص 47
39  تعرض أقضية هاته الوفادة كل من ابن سعد في الطبقات والقسطلاني والنووي والحافظ في الإصابة.
 
         

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here