islamaumaroc

أبو الحجاج يوسف الثالث ملك غرناطة -2-

  دعوة الحق

149 العدد

                                                - 2 -

ج – المرحلة الثالثة (811 – 820)
      يوسـف ملكـا
    1 – توليتـه:
    لما توفي محمد سنة811 هـ خلفه في الملك أخوه يوسف الثالث فقد غادر سجنه في شلوبانية، ودخل غرناطة حيث استقبل استقبالا حسنا من طرف الشعب.

    2 – سياستـه:
    كانت سياسة يوسف الثالث سياسة رشيدة، مبنية على أساس من النجدة والكرم والعدل ورعاية شؤون الناس ومصالحهم وحماية معتقداتهم. يقول مصورا معالم هذه السياسة(1):
     إذا يمم العافـي مريـع جنابنـا
             فقد حمدت طي الفيافي رواحلـه
     يحييه طلق الوجه يرتاح للنـدى
             وتسبق علـوي الريـاح أناملـه
     فللمذنب العتبى وللخائف المنـى
             وللمقتر الجدوى وللغرم حاملـه
     وللسرح حاميه وللمحـل قاتلـه
             وللملك كافيـه وللديـن كافلـه
    وكان يرغب في توفير السلم والهناء لشعبه، فقد عقد في بداية عهده هدنة مع قشتالة لمدة عامين. وسعى بعد مضي العامين إلى تجديدها، لكن القشتاليين بقيادة (فرناندو) الوصي على العرش أبوا ذلك. وطلبوا منه الخضوع لهم إذا شاء استمرار السلم، فرفض يوسف ذلك واستعد للقتال. وزحف (فرناندو) على أراضي غرناطة وضرب بالحصار على مدينة انتقيرة، فهب يوسف يدافع عنها ببسالة وجهد رائع وأنزل بالعدو خسائر فادحة، إلا أنه هزم أخيرا وسقطت انتقيرة في يد النصارى (سنة1412م) وقد تألم كثيرا لهذا المصاب، وضاقت نفسه، واستسلم في النهاية إلى حكم القدر. يقول من مخمس نظمه عند نزول العدو على ثغر انتقيرة (2).
خليلي مهلا فالزمان كما تـدري
                      ولابد من يسر على أثر العسـر
فمهما دهى صحة فلابد من قطر
                      ومهما دجى خطب فلابد من فجر
 
         وألطاف صنع الله رائعة البشر
هو الدهر ذو وجهين فعل منافـق
                      وأحكامه تجـري بكره الخلائـق
فصبرا وتسليما لما شـاء خالقـي
                      فلابد من ظفـر ونصـر موافـق
      على رغم من يأبى الظهور على الكفر
    وعاث النصارى بعد ذلك في أراضي المسلمين، فسارع يوسف إلى ترضية بلاط قشتالة وعقد الهدنة معه على أن يطلق سراح الأسرى النصارى دون فدية.
    وقد سادت عقب السلم بين الفريقين علائق المودة والاحترام المتبادل.
    وأما عن علاقته مع البلاط المريني، فقد كان يغلب عليها طابع التوتر، فكلا البلاطين – كشأنهما في الماضي – لم يكن يتوانى عن حبك المؤامرات للإيقاع بالنظام القائم في البلاط الآخر. ونجد في ديوان يوسف عدة قصائد تشتمل على إشارات إلى نزاعات سياسية قامت بينه وبين (صاحب فاس) كما يسميه، ويعني به ملك المغرب المعاصر له: أبا سعيد عثمان المرينـــــــي (3).
    لقد أرسل أبو سعيد المريني هذا أخاه عبد الله في جند إلى جبل طارق قصد احتلاله – استجابة لنداء أهله الذين اعتقدوا أنه أقدر على حمايتهم من غارات النصارى – فوقف يوسف على هذه المؤامرة، وأرسل مددا إلى حاكم جبل طارق، فهزم عبد الله وأسره، وبدا ليوسف أن يكرم وفادته ويزوده بالمال وبعض الرجال ويرده إلى المغرب ليناهض أخاه (4).
    ولا شك أنه كان يذكر بهذا الانتصار الذي حققه على أبي سعيد عندما كان يتهدده بحوادث منها "سائق ومسوق" في مثل قوله :(5)
وإنا لنرجـو من تناهـي ضلالـة
                عسى شكره يصحو بنا ويفيـق
يمينا لقـد ألقـت بعثمـان بركهـا
                حوادث منهـا سائق ومسـوق
    ويتضح من بعض الإشارات التي يبثها هنا وهناك في أشعاره أنه كان يحرض على أبي سعيد، ويدبر للثورة عليه مع أوليائه من بني مرين وعلى رأسهم المسمى (بالسعيد). ونجده يحضهم على مساعدة (السعيد) هذا على القيام بالثورة حتى يتم الأمر، ويصير إليه الملك، وبالتالي تتحسن العلاقات بين غرناطة وفاس. يقول :(6)
هلا برزتم للوغـى أو صـادرت
             منكم رجال في الوغى لم يسعدوا
(عثمانكم) أضحـى قـدار قبيلـة
             فكـأن بـه لصعيـده يتوســد
يقضي (السعيد) بما اقتضت عزماتنا
             والملك منصـور اللـواء مؤيـد
(فـاس الجـديد) يحلهـا متغلبــا
             ووليـه نعـم المعين المنجـد...
إن (السعيـد) إذا تمهــد ملكــه
             عدتـم لنـا والعود منكم أحمـد
أوطانكـم إخوانكــم وبلادكــم
             عودوا وعهدكم القديم فجـددوا...
    ويبرر موقفه هذا من تحريض وحض للقيام بالثورة على أبي سعيد عثمان بقوله من نفس القصيدة:
أوليس قـد أعطـى العـداة بلادنـا
            إعطاء من يرضى الكفور ويرفـد
لم يتق الرحمـن في الوطـن الـذي
             من أجلـه قد عاث فيـه الملحـد

لعله يشير إلى أخذ البرتغال لمدينة سبتة، الذي حصل في عهد أبي سعيد المريني (7).
    ولم يكن يوسف يحجم عن التعريض ببني مرين عموما والتنقيص من شأنهم والافتخار عليهم بنسبه وحسبه. وسنعرض نماذج من ذلك عند حديثنا عن شعره.
    وقد كان يتخلل هذا التوتر – بين الفينة والأخرى – تحسن في العلاقات، فنجد يوسف لا يبخل بالثناء على أبي سعيد وعلى بني مرين عموما. وذلك كما في هذه الدالية التي يقول منها(8) :
هكــذا هكـذا إخــوة ملــك
             نسـارع النجـد مستطيل النجـاد
هكـذا الفخـر يـا أعـز قبيــل
             محـرز للسبـاق خصـل الجيـاد
جـد سلطانكـم أفــاد العوالــي
             فظفرتــم بذخــره المستفــاد

    3 – يوسـف بين شعـراء قصـره:
    غير غريب أن يعرف بلاط غرناطة – لهذا العهد – حركة أدبية نشيطة، فعلى العرش ملك شاعر كريم، كلفه بالأدب شديد، ورعايته لأهله كبيرة. تحف به حاشية لا يندر فيها وجود الخطيب والكاتب والشاعر. فوزيره ورئيس كتابه: أبو بكر ابن عاصم أديب شاعر، وابن الوزير القائد أبو يحيى كان كذلك، وغيرهما كثير.
    وقد كان يوسف يساهم في هذه الحركة الأدبية ويرعاها. فهو يقرض الأشعار ويساجل ويراسل خطباءه وشعراءه ويبادلهم الدعاية. وهم يحفون به ويلقون على مسامعه ما تجود به قرائحهم في مدحه وتمجيده، فترتاح نفسه لأشعارهم، ويطرب لسماعها ويعتز بها لما يتخللها من تخليد لمآثره وإشادة بعظيم ملكه، فيأمر بتدوينها وجمعها، ويعهد بذلك إلى أحمد ابن فركون – أحد شعرائه المقربين – الذي رتبها وجمعها في مؤلف سماه (مظهر النور الباصر، في أمداح أبي الحجاج الناصر) .(9)
    ومن بين الشعراء الذين نلقى أسماءهم وأمداحهم في هذا الكتاب أحمد ابن فركون نفسه، وقد كانت له – حسبما يبدو – حظوة كبيرة في البلاط – ومن شعره في مدح يوسف مشيدا بنسبه الكريم وخلقه النبيل وحلمه وعلمه وحزمه. قوله: (10)
أنصـار ديـن اللـه آبــاؤه
              للـه مولـى منهـم أنجـــب
مولـى ينيـل الخلـق إرفـاده
             إن سألـوا، والعفو إن أذنبــوا
مكـارم الأخـلاق تقضي لـه
             أن يبـذل العتبـى ولا يعتــب
مآثـر ليسـت لملـك مضـى
             هيهات لا تحصى ولا تحســب
وينوه بفروسيته وجهاده في قصيدة أخرى، يقول منها: (11)
وهل يوسف والمشرفيات تنتضي
             على الكفر إلا عصمة الدين والدنيا
وهل يوسف إلا الذي يترك العدى
             وأملاكهـم نسيا من الدهر منسيـا
ومن طليعة شعراء يوسف الشيخ الأستاذ أبو عثمان الاليري. يقول من قصيدة له في مدحه مشيدا بإجادته في النظم والنثر :(12)

فـإذا تكلـم قلت قيـس بلاغـة
             تـزري فصاحتـه بكـل كــلام
وإذا انبرى للنظم أعجب كل مـن
             يحويـه مـن شعرائـه الأعــلام
    وقد دارت بين يوسف وأبي عثمان مساجلات ومراسلات شعرية ونثرية تدور حول أغراض مختلفة، ولا تخلو أحيانا من شؤون أدبية ونقدية. ومن ذلك خطاب أرسله أبو عثمان إلى الملك يوسف وضمنه شعرا من البحر الطويل ولم ينتبه إلى ما في أحد الأبيات من كسر، وتفطن يوسف إلى ذلك فأشار إليه منبها عليه في معرض رده، حيث قال :(13)
أما القصيدة فهـي رائعـة الحلي
            حسناء محـرزة لأشـرف مقصـد
لكـن موازنة الطويـل بكامــل
            لا عـذر فيـه لناظـم أو منشــد
    وعرفت ساحة يوسف غير ابن فركون وأبي عثمان جماعة كبيرة ممن ترد أسماؤهم وأمداحهم في (مظهر النور الباصر)، وقد كانوا يقرضون الأشعار مادحين ومشيدين بنسبه الكريم وخلقه الجميل، منوهين بعلمه وحلمه وفروسيته. ونخص بالذكر من بين هؤلاء الوزير أبا بكر بن عاصم وابنه أبا يحيى والوزير أبا محمد بن مليح والكاتب البارع أبا عبد الله الشران.

 4 – وفاتـه:
    وفي سنة820هـ توفي السلطان يوسف الثالث بعد حكم دام نحو تسعة أعوام. وقد كان أميرا شاعرا وأديبا "راجح العقل، بارع السياسة، عظيم الفروسية والنجدة، محبا لشعبه، فكان حكمه القصير صفحة زاهية من تاريخ مملكة غرناطة" (14).

1  ديوانه، ص: 93.  
2 ديوانه، ص: 70 – 71
3  حكم المغرب من سنة 801 هـ إلى سنة823، انظر الاستقصا ج4 /ص:86 – 93.
4  انظر الخبر مفصلا في الاستقصا ج4، ص:93 – 94.
5  ديوانه، ص:146.
6  ديوانه، ص:51.
7  الاستقصا ج4، ص92.
8  ديوانه ص:40.
9  يحتفظ قسم الوثائق بالخزانة العامة بالرباط بمخطوطة للجزء الثاني من هذا الكتاب وذلك تحت رقم23 – ج (الكلاوي).
10  مظهر النور الباصر – مخطوط – ص180.
11  نفس المرجع، ص:85.   
12  المرجع السابق، ص:122.
13  ديوانه، ص:42.
14  نهاية الأندلس عبد الله عنان، ص:154

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here