islamaumaroc

الاستشراق وقضايا الإسلام وثقافته-14-

  دعوة الحق

149 العدد

    ح – مفهوم الجهاد في الإسلام:
    ذاك هو الإسلام في جهاده وفتوحاته، فكيف كانت المسيحية في حروبها ضد المسلمين، ومطاردتها للمؤمنين؟ لقد وعت ذاكرة التاريخ فيما وعت أعمال المسيحيين وجرائمهم في الأندلس بعد تقلص الحكم الإسلامي بها، وما محاكم التفتيش التي أنشئوها بها – يعني الأندلس – إلا صورة ناطقة شاهدة على التعصب الديني الذي حفزهم إلى أن يسوموا المسلمين سوء العذاب، لا لشيء إلا أنهم يدينون بغير دينهم، ولم يراعوا في كل ذلك ما كفله لهم المسلمون أيام حكمهم من عيش رغيد وعدالة رائعة تمشيا مع روح التشريع الإسلامي السمح، وهنا أذكر أن الصليبيين في الأندلس عندما احتلوا غرناطة أحرقوا عددا كبيرا من الكتب بأمر الكردينال خميمينس، كما أمر هذا أن تباد عصارة الفكر الإسلامي في جميع البلاد الأندلسية(1) ، وهنا أذكر أيضا ما قاله العالم البرتغالي :فرانسوا ده ما سيدو" في تمجيد محاكم التفتيش تلك، لأدلك على العقلية البسيطة التي كان يتميز بها رجل العلم والمعرفة عند الصليبيين قال: "إن محاكم التفتيش قد نشأت في السماء قبل أن توجد الأرض والله سبحانه وتعالى هو الذي قام بوظائف أول محكمة للتفتيش الخ(2) ..".
    ومهما يكن فتلك شنشنة الصليبيين في كل بقعة يطئونها، وفي كل أرض يحتلونها، وفي كل عهد من عهود تاريخهم الملطخ بالدماء، فدوما شعارهم الغدر والخيانة واختراق المواثيق – مع تبرئتنا للمسيحية كدين سماوي مبدأه السلام من هذه الأعمال الوحشية – ولذلك يحكي المؤرخون أن ريتشارد قلب الأسد تعهد بإطلاق سراح أسارى "عكا" من المسلمين بناء على الاتفاقية المبرمة بين الطرفين سنة 1191م، بيد أنه ما كاد يستولي على "عكا" حتى أمر بقتل ثلاثة آلاف مسلم بينما صلاح الدين الأيوبي البطل المسلم الرحيم كان يعامل أسارى محاربيه بالحسنى والبر والعطف، الأمر الذي جعل بعض المؤرخين ينتقد سياسته، من ذلك ما قاله ابن الأثير معلقا على إفراطه في التسامح "إن الحاكم أو الملك لا ينبغي أن يترك الحزم وإن ساعدته الأقدار فلان يعجز حازما خير له من أن يظفر مفرطا مضيعا لحزم"(3) .
    وشتان – والحق يقال – بين السلوك الوحشي الذي جبل عليه الحاكم المسيحي – ولا زال يبرهن عليه في جميع أنحاء الأرض لحد الآن – والسلوك الطيب الذي تعلمه الحاكم المسلم في المدرسة الإسلامية.
    ولا بد أن أنهي حديثي عن الموضوع دون أن أناقش قضية لها أهمية تتعلق بالدافع إلى الفتوحات الإسلامية، هذا الدافع عند بعض المستشرقين، ومن تبعهم في وهمهم مثل فليب حتى في كتابه "تاريخ العرب" هو العامل الاقتصادي المحض، يقول هذا المؤرخ: فليست الأثرة الدينية ما حدا بالعرب إلى تدويخ الدول، وفتح الأمصار إنما هي الحاجة المادية التي دفعت بمعاشر البدو، وأكثر جيوش الفتح منهم إلى ما وراء تخوم البادية الفقراء إلى مواطن الخصب في بلدان الشمال، ولئن كانت الآخرة أو شوق البعض إلى جنة النعيم قد حبب لهم حومة الوغى فإن ابتغاء الكثيرين حياة الهناء والبذخ في أحضان المدنية التي ازدهر بها الهلال الخصيب كان الدافع الذي حبب لهم القتال"(4) .
    ثم يستدل في الآن عينه بما أورده بعض مؤرخي المسلمين – بغير نية فليب طبعا لأنهم أدرى بطبيعة الفتح الإسلامي – مثل البلاذري من أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه عندما توجه الجيش إلى الشام كتب إلى أهل مكة والطائف واليمن يرغبهم في الجهاد ويغريهم بالغنائم، جاهلا سر ذلك وهو أن الغنائم حق للمحارب الذي خاض الحرب وضحى بنفسه وماله وبكل عزيز لديه، على ألا تكون غاية في ذاتها، لهذا أحلها الله للمسلمين في قوله "فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا، واتقوا الله، إن الله غفور رحيم" .(5)
    وقد وضح الله تعالى كيفية تقسيم الغنائم في قوله: "واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، والله على كل شيء قدير" .(6)
    ويحسن هنا أن أسوق ما قاله الإمام الشهيد سيد قطب رحمه الله في تفسير هذه الآية فهي غنية محتوى وشكلا عما يمكن أن أقوله في شأن الغنائم:
    "فهناك غنائم وهناك محاربون، وهؤلاء المحاربون يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم: هم يتطوعون للجهاد، وهم يجهزون أنفسهم على نفقتهم الخاصة، وهم يجهزون غيرهم من المجاهدين الذين لا يجدون ما ينفقون، ثم هم يغنمون من المعركة غنائم، يغنمونها بصبرهم وتباتهم وبلائهم في الجهاد. ولقد خلص الله نفوسهم وقلوبهم من أن يكون فيها شيء يحبك من شأن هذه الغنائم فرد ملكيتها ابتداء لله ورسوله، وهكذا لم يعد من بأس في إعطائهم نصيبهم من هذه الغنائم – وهم يشعرون أنهم إنما يعطيهم الله ورسوله – فيلبي هذا الإعطاء حاجتهم الواقعية، ومشاعرهم البشرية، دون أن ينشأ عنه محظور من التكالب عليه والتنازع فيه بعد ذلك الحسم الذي جاء في أول السورة.
    إنه منهج الله الذي يعلم طبيعة البشر، ويعاملهم بهذا المنهج المتوازن المتكامل الذي يلبي حاجات الواقع كما يلبي مشاعر البشر، وفي الوقت ذاته ينقي فساد الضمائر وفساد المجتمع من أجل تلك الغنائم" .(7)
    ثم يستشهد فليب حتى ببيت وارد في حماسة(8) أبي تمام يقول صاحبه فيه:
فما جنة الفردوس هاجرت تبتغي
         ولكن دعاك الخير أحسب والنمر
    وينبغي ألا ننسى أن فليب حتى – وهو لبناني مسيحي تأمرك (9) - غير ما يتعرض للفتوحات الإسلامية والجزية وغيرها من مسائل تتعلق بالإسلام في كتاب :تاريخ العرب" لا يتجرد من تعصبه الديني، ذلك التعصب الذي أفقده توازنه كمؤرخ غايته البحث عن الحقيقة، وإعمال النظر في قضايا التاريخ الإسلامي بروح نزيهة وفهم منهجي متزن.
    ولو كان فليب يحترم نفسه ما ارتجل الحكم الصارم، واستشهد ببيت شعر واحد يؤيد به رأيه، في حين البيت السالف هو لحكيم بن قبيصة الضبي، ومن المحتمل أنه أدرك الإسلام ولم يسلم كما يقول التبريزي في شرحه على "الحماسة"، وهذا الشاعر كان له ابن يقال له بشر، فارقه مهاجرا البدو إلى الأمصار فتركه وحيدا لا معين له على شيخوخته، ولهذا يقول قطعة شعرية منها البيت المستشهد به سابقا وأولها:
لعمر أبي بشر لقد خانه بشر
   على ساعة فيها إلى صاحب فقر
    فبطبيعة الحال أن يتهم الأب ابنه بهذه التهمة إن صح أنه هاجر في سبيل الله، ولم يهاجر في سبيل غرض آخر.
ومن نافلة القول أن نقرر أن الشعر صورة للحياة في كل عصر غير أن هذا لا يبرر اعتساف فليب في الحكم دون التأكد الدقيق من صحة هذا الشعر والأسباب التي دفعت صاحبه إلى قوله، ومقارنته بالأحداث التاريخية، وغير هذا مما يفرضه البحث العلمي الصحيح.
    كل هذا يجلي لنا دسيسة فليب ويؤكدها تأكيدا لا مجال للشك فيه، كما يؤكدها بحثه في "الحماسة" متسقطا ما يعزز افتراءه حتى أنه انتزع البيت السالف من قطعة حكيم بن قبيصة غير مبال بالمعنى العام للأبيات.
    ولو كان فليب أيضا منصفا في أحكامه ورجع إلى أمهات المصادر التاريخية مثل "تاريخ الرسل والملوك" للطبري و "البداية والنهاية" لابن كثير وبحث بجد – كما بحث في فتوح البلدان السابق الذكر – لوجد هناك حوادث عديدة تشجب زعمه وزعم أساتذته المستشرقين، وأذكر من بينها أن رجلا اشترك في الحرب ضد الفرس في معركة "المدائن" وجاء بعد انتهاء المعركة بحق فدفعه إلى صاحب الأقباض فقيل له: هل أخذت منه شيئا؟ فقال: أما والله لولا الله ما أتيتكم به فقيل له: من أنت؟ فقال: لا والله لا أخبركم لتحمدوني ولا غيركم ليقرظوني، ولكني أحمد الله وأرضى بثوابه فاتبعوه رجلا حتى انتهى إلى أصحابه فسأل عنه فإذا هو عامر بن عبد قيس" .(10)
   ونحن لا ننكر أن الجانب الاقتصادي من الأسس التي تعتمد عليها الحضارات الإنسانية، ولكن لا بالطريقة الماركسية المتعامية عن الواقع البشري.
    وإن فسرنا فتوحاتنا على هذا الرأي انتفت الصفة الإلهية عنها بتاتا ولم يعد للجهاد الإسلامي الرائع أي هدف إنساني، ذلك الجهاد الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم – وفي قوله مغزى عميق يدق عن إفهام الكثير -: "رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله"، وفي حديث آخر أن رجلا قال: "يا رسول الله أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ماله فقال صلى الله عليه وسلم: "لا شيء له" فأعادها عليه ثلاث مرات فقال: "لا شيء عليه إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا وابتغى به وجهه".
    ولنجار فليب في رأيه ونفترض أن المسلمين خاضوا معركة الجهاد من أجل الخبز، فما بالهم بعد استقرارهم في شتى البلدان لم يكفوا عن الجهاد، وواصلوا مسيرتهم غير عابئين بالحياة الدنيا متجشمين الهول، على حين رجل النعيم قل أن يفارق حياته الناعمة ليقدمها فريسة لأنياب الموت، إنه يا فليب الإيمان بالله الذي يصنع رجالا على نمط فذ ينتزع الإعجاب من أعماق النفوس، ومن أمثال أولئك جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه الذي قطعت يداه فواصل جهاده غير مكترث، وكان يقتحم معركة الشرف وهي على أشدها فيردد في إباء واعتزاز:
يا حبذا الجنة واقترابها
طيبة وباردا شرابهـا
والروم روم قد دنا عذابها
كافرة بعيدة أنسابهـا
علي إذ لاقيتها ضرابها
    وعلى النقيض حروب الصليبيين الذين ينتمي إليهم فليب فإنها دلت دلالة قاطعة على أنها كانت تهدف إلى الاستغلال والاحتكار واستنزاف خيرات البلدان، ويكفي شاهدا على ذلك قصة الاستعمار في القارة الإفريقية وقد بدأت شوكته تشتد هناك عند أوائل القرن الخامس عشر الميلادي أثناء حركات الاستكشاف الكبرى.
    ففي سنة 1444 أخذ البرتغاليون ينقلون العبيد من غانة الأمر الذي أدى إلى تزايد الرقيق في القرن السادس عشر واستفحالهم استفحالا مدهشا حتى أمسى عددهم أكثر من عدد البرتغاليين أنفسهم في بعض المناطق البرتغالية .(11)
    وقد قدر أحد المؤرخين البرتغال عدد الإفريقيين المختطفين من "أنجولا" وحدها فقط بـ1.389.000 وذلك بين سنتي 1486 - 1641 (12). وكذلك قام الفرنسيون وغيرهم من سفاكي الدماء الذين همهم ووكدهم السرقة والنهب باستعمار العوالم الأخرى تحت ستار الحماية أو الانتداب.
    ونحن إذا استرسلنا في تعداد ما فعله الاستعمار الأوربي في العالم العربي والإسلامي معتمدين الأرقام والوثائق فيما يخص كل مرفق من مرافق الحياة لما اتسع المقام لذلك، وهو لحد الآن لا يزال يحاول عرقلة المد الإسلامي والتشكيك في شريعة الله وبجانبه القوة الصهيونية تعضده وتخدر عقله بشتى الوسائل الشيطانية، وفي جانب آخر المعسكر الشرقي يجد في حماس لالتهام الوجود الإسلامي بآرائه الإلحادية ومذاهبه الدخيلة على الفطر البشرية.
    وأغلب هذه القوى المسيطرة على العالم اليوم تحتاط بفطنة وذكاء خارقين من استيقاظ العملاق الإسلامي الذي تكمن قوته الجوهرية في عقيدته ومنهاجه، ذلك المنهاج الذي لا يتسنى لأي نظام بشري أن يرقى رقيه، لأنه وضع من طرف خالق مدبر حكيم محيط إحاطة مطلقة شاملة بطبائع الكائنات ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ .(13)
    ذلك هو حوارنا مع المستشرقين في حديثهم عن الجهاد الإسلامي، ولست أرتاب في أن ما قدمناه مقنع لمن له عقل يميز الغث من السمين، ومن يطرح هواه جانبا مستمعا إلى الحق ولا شيء غير الحق.

1-  راجع عنان (محمد عبد الله): الآثار الأندلسية الباقية في إسبانيا والبرتغال ص 430 وما بعدها ط مصر – 1381 – 1961.
2-  انظر الغزالي (محمد): مع الله، دراسات في الدعوة والدعاة ص 157 ط 2 سنة 1380 – 1961.
3-  انظر عاشور السعيد عبد الفتاح، أضواء جديدة على الحروب الصليبية – المكتبة الثقافية ص 86.
4- ج 1 ص 195 ط 1958.
5 -  سورة الأنفال آية 69.
6 -  سورة الأنفال آية 41.
7- في ظلال القرآن ج 10 ص 9 و 10 الطبعة السادسة.
8- ج 2 بشرى التبريزي ص 389 – 390.
9- انظر الطبري: تاريخ الرسل والملوك ج 4 ص 19.
10 - قال الدكتور محمد البهي عن فليب حتى في كتابه الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي ص 554 – 555 – ط بيروت 1970: "من ألد أعداء الإسلام، ويتظاهر بالدفاع عن القضايا العربية في أمريكا وهو مستشار غير رسمي لوزارة الخارجية الأمريكية في شؤون الشرق الأوسط يحاول دائما أن ينتقص دور الإسلام في بناء الثقافة الإنسانية ويكره أن ينسب للمسلمين أي فضل الخ".
11 - انظر مع الله، دراسات في الدعوة والدعاة ص 143.
12 - نفس المصدر السابق ص 144.
13 - سورة الملك آية 14.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here