islamaumaroc

موسوعة قادة الفتح الإسلامي (لمحمود شيت خطاب)

  دعوة الحق

149 العدد

    عرف تاريخ الأدب العربي الحديث كوكبة من الفرسان والأدباء، وأطلق عليهم أرباب السيف والقلم، جمعوا بين المقدرة العسكرية الحربية وبين التبريز الأدبي وقد كان اسم محمود سامي البارودي في مقدمة هذه الأسماء وأضيف إليه حافظ إبراهيم ثم ظهرت أسماء كثيرة في مجالات الشعر والنثر وغيرها.
    غير أننا الآن أمام نموذج آخر، نموذج فرضته ظروف التحدي التي تمر بها الأمة العربية فهذا رجل عسكري محارب وهو في نفس الوقت كاتب بارع ومؤرخ حصيف، ولكن في دائرته فهو يرى أن أزمة العالم العربي وكبرى قضاياه لا تحل إلا في مجال الوحدة العسكرية العربية ومن هنا فهو معني بهذا اللون من الدراسات على مدى تاريخ الأمة العربية.
    ومن هنا كانت موسوعته (قادة الفتح الإسلامي) التي ستتم في سبعة مجلدات صدر منه أربعة والباقي في الطريق، وهي تضم سيرة كل فاتح ضم بلدا جديدا أو بلدانا جديدة لأول مرة بعد الإسلام إلى الدولة الإسلامية إيمانا بأنه ما به "قصة هؤلاء القادة تبهر العقول والأبصار" وأن "جهادهم يخرس الأصوات المنكرة المريبة التي تعمل جاهدة لتهديهم تاريخنا وتراثنا لتستورد لنا تاريخا وتراثا من وراء الحدود.
    وهذه الأجزاء السبعة هي:
    1 – قادة فتح العراق والجزيرة.
    2 – قادة فتح فارس.
    3 – قادة فتح الشام ومصر.
    4 – قادة فتح المغرب.
    5 – قادة فتح المشرق (من الصين شرقا إلى سيبيريا شمالا إلى المحيط جنوبا).
    6 – قادة فتح الأندلس والبحار.
    7 – قادة فتح أوربا.
    ويؤكد رب السيف والقلم (محمود شيت خطاب) في أكثر من مقدمة، وأكثر من مناسبة أنه إنما يندفع إلى هذا العمل في مواجهة خطر واضح يتهدد الأمة العربية والثقافة العربية والتاريخ العربي "بعد أن راعه انفصال الكثيرين من أبناء الجيل الحاضر عن تراث أجدادهم المشرف المجيد واتجاههم في حيرة وهوان ليستوردون النماذج والمثل والقيم" وهي "أمنية راودته ما يزيد على العشرين عاما خلت" فقد كان يشعر شعورا عميقا بعظمة هؤلاء الرجال ويشعر بالحزن والأسى يحزان في نفسه حين يلمس أن هؤلاء الرجال على عظمتهم وآثارهم وقيمة تضحياتهم لا نعرف حتى أسماء أكثرهم، وما تعرفه عن بعضهم لا يتجاوز بعض المعلومات السطحية المشوشة التي يشيع فيها التناقض ويقارن بين تكريم الأجانب لقادتهم وبين ما يلاقيه قادتنا من عقوق، هذه هي الفكرة التي مازالت تتغلغل في نفسه منذ انبعاثها حتى أصبح يشعر بمرور الأيام أنها رسالة وواجب وعليه مسئولية حملها وتبليغها للناس.
    ومنذ ذلك الوقت وكان ذلك قبل1958 بوقت طويل على الأكثر عندما أصدر كتابه الأول "الرسول القائد" كان قد عكف على المصادر القديمة والحديثة وجمع أخبار الفتح من شتات كتب السير والمغازي وطبقات الرجال وكتب التاريخ والأدب.
    ولقد كان إحساسه وهو يكتب هذه الصفحات هو ما صوره في عبارة لا تباري: "كنت أشعر بفيض غامر حين كنت أؤرخ قادة الفتح، من غبطة وسعادة لا تقدران بثمن ولا يمكن وصفهما".
    وهو لا يلوم الجيل الحاضر من أبناء العرب والمسلمين على عقوقهم "قادة الفتح": "فقد تضافرت جهود الثقافة الاستعمارية منذ دخول الاستعمار هذه البلاد إلى إغفال كل ما يثير في النفوس روح الاعتزاز بالماضي المشرف المجيد، كما أن الشعوبيين منذ سيطر بعض رجالهم على الدولة العباسية في القرن الثاني للهجرة بذلوا جهودا عن عمد وسبق إصرار ولا يزال أحفادهم يبذلون جهودهم إلى اليوم لطمس أسماء القادة الذين دكوا عرش أكاسرتهم وقياصرتهم".
    ولكن أي عبرة من وراء هذه الدراسة المضنية الواسعة:
    نعم، يجيب رب السيف والقلم فيقول: إن معرفة الماضي هي التي تطوع لنا تصوير المستقبل وتوجه جهودنا إلى الغاية الجديرة بتراثنا العظيم فالماضي والمستقبل وحده لا سبيل إلى انفصالهما ومعرفة الماضي هي وسيلتنا لتشخيص الحاضر ولمعرفة المستقبل، وذلك أن معرفة حقيقة تاريخنا ومعرفة سيرة روح هذا التاريخ، وهم قادة الفتح وقادة الفكر هي مصل وقائي للعرب والمسلمين يصونهم من الانحراف في مجرى التيارات الفكرية الدخيلة التي لا تنبع من صميم تربة وطننا ولا تمت بصلة إلى تراثنا وعقائدنا. "إن معرفة الماضي هي التي وحدها التي تطوع لنا تصوير المستقبل".
    ذلك هو الهدف الذي دفع بكاتبنا الكبير إلى تحرير سيرة قادة الفتح الإسلامي وأعلامه، وقدم هذا الثبت الضخم من المؤلفات المفردة أيضا عن أمثال: "المهلب ابن أبي صفرة الأزدي، والأحنف بن قيس التميمي، وقتيبة بن مسلم الباهلي، وما يعده من أبحاث أخرى عن الصديق أبي بكر والإمام علي وقادة النبي وسفراء النبي وشهداء الإسلام في عهد النبي.
    بل إن هذا العالم الفارسي ليذهب إلى أبعد من ذلك فيخصص جانبا كبيرا من وقته وجهده لدراسة المصطلحات العسكرية في الآثار الجاهلية والقرآن والحديث ومصادر التاريخ الإسلامي والأدب العربي بعد الإسلام. ولا يتوقف عن العمل كاتبا ومصححا ومحققا في مختلف المجالات العلمية، وهو يعد عضو المجمع العلمي العربي في العراق، والمجمع اللغوي في مصر، ويواصل كتاباته في عشرات المجلات الإسلامية والعربية والعسكرية التي تصدر في مختلف أجزاء العالم العربي حتى ليمكن القول أنه وهب نفسه لهذا العمل وتجرد له.
                                                * * *
   ويؤمن اللواء شيت خطاب إيمانا أكيدا في كل مؤلفاته وآثاره بالرابطة الأساسية بين العرب وبين الإسلام ويرى أن الإسلام هو الذي جمع شمل العرب ووحد قلوبهم وأشاع فهم النظام والضبط وبذلك أصبحوا قوة هائلة وجدت لها متنفسا في توحيد الجزيرة العربية أولا وفي الفتح الإسلامي ثانيا فحملوا رايات الإسلام شرقا إلى أقاصي المشرق وغربا إلى أقاصي المغرب وحملوا أعباء الفتح وحدهم فكان لهم بتوفيق الله وتسديده فضل في نشر الإسلام في البلاد المفتوحة.
    ولا شك أن تعاليم الإسلام هي التي رفعت المستوى العقلي للعرب إلى درجة كبرى من عبادة الأصنام والأوثان وما يقتضيه ذلك من انحطاط في النظر وإسفاف في الفكر إلى عبادة إله وراء المادة "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار" واستطاع العربي بهذه التعاليم أن يرقى إلى فهم إله لا مادة له واسع السلطان واسع العلم، وكان لعقيدة اليوم الآخر ودار الجزاء والجنة والنار أثر عظيم في بيع كثير منهم نفوسهم في سبيل نشر الدعوة (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) وكان للإسلام أثر كبير في تغيير قيمة الأشياء والأخلاق في نظر العرب فارتفعت قيمة أشياء وانخفضت قيمة أشياء أخرى وأصبحت مقومات الحياة في نظرهم غيرها بالأمس. ذلك أن الإسلام رسم للحياة مثلا أعلى غير المثل الأعلى للحياة في الجاهلية وهذان المثلان لا يتشابهان وكثيرا ما يتناقضان، فالشجاعة الشخصية والشهامة التي لا حد لها، والكرم إلى حد الإسراف والإخلاص التام للقبيلة والقسوة في الانتقام والأخذ بالثأر ممن اعتدى عليه أو على قريب له أو على قبيلته بقول أو فعل، هذه التي كانت أصول الفضائل عند العرب الوثنيين، أصبحت في الإسلام الخضوع لله والانقياد لأمره والصبر وإخضاع منافع الشخص ومنافع قبيلته لأوامر الدين، والقناعة وعدم التفاخر، والتكاثر، وتجنيب الكبر والعظمة وهي المثل الأعلى للمسلم في الحياة.
    وهكذا فالإسلام عقيدة وعملا هو الذي صهر نفسية العربي ونفى عنها الخبث فأصبح العربي المسلم يخلص لعقيدة أكثر مما يخلص لنفسه. ثم لم يلبث العربي المسلم إن تصرف تصرفا لا يزال يعتبر من الأعمال الفذة النادرة في حياة الرجال حيث تحمل التعذيب والموت راضيا مطمئنا وترك أهله وماله وهاجر إلى الله ورسوله، كما تصرف العربي المسلم ضمن المجموع من أمته تصرفا لا يزال يعتبر حتى اليوم مفخرة من المفاخر، فقد اندفع يجاهد في سبيل نشر عقيدته وحمايتها فخرجت القوة المؤمنة التي اختزنتها الصحراء عبر الأجيال تحمل راية الله وتبلغ عن أمره، فتتابعت الانتصارات الباهرة.
    وهكذا كان الإسلام للعرب عقيدة منشئة آمنوا بها وزادوا عنها وحملوا رسالتها شرقا وغربا حماة قادرون.
    ثم يصل الباحث الكبير إلى أن يتساءل عن عبرة ذلك كله للعرب في حاضرهم ومستقبلهم، ويرى أن الوحدة العربية هدف حتمي يستمد مقوماته من وحدة اللغة ووحدة التاريخ ووحدة الكفاح الشعبي ووحدة القيم الروحية والإنسانية النابعة من رسالات السماء، ويرى أن الوحدة هي سنة الحضارة البشرية ونحن لا نملك من أمرها إلا أن ننظم الاتجاه إليها، ولا يكون ذلك إلا بدعم الانسجام الفكري في العرب أولا وقبل كل شيء، ذلك لأن الانسجام العقائدي يوحد الصفوف ويجمع الشمل ويبلور الأهداف الحيوية فتنطلق الأمة العربية من منطلق واحد نحو اتجاه معين وهدف واضح.
    وإن هذه العقيدة التي تشيع في العقول الانسجام وتغمر القلوب بالنور هي الإسلام وعنده أن العرب بالإسلام كل شيء والعرب بدون إسلام لا شيء فلقد وردت إحدى وأربعون آية كريمة في سور مختلفة من سور القرآن الكريم عن العرب بالذات "كنتم خير أمة للناس" "وكذلك جعلناكم أمة وسطا" "فإنما يسرناه بلسانك".
    وقول الرسول: إذا ذل العرب ذل الإسلام وقول عمر: العرب مادة الإسلام.
    وعنده أنه لا توجد عقيدة غير الإسلام بإمكانها أن تؤمن الانسجام الفكري المتغلغل في أعماق القلوب والعقول، فالإسلام هو الذي أشاع هذا الانسجام بين العرب في الصدر الأول من تاريخهم بعد الإسلام فوحد صفوفهم وجمع كلمتهم ولما كان حاضر العرب ومستقبلهم يدعوهم إلى الوحدة الشاملة لخيرهم وخير المسلمين وخير الإنسانية جمعاء فإن وحدتهم لن تكون رصينة إلا إذا ساد أفكارهم الانسجام العقائدي وليس بإمكان غير الإسلام أن يؤمن لهم هذا الانسجام.
    تلك هي رسالة محمود شيت خطاب ودعوته التي يبثها في موسوعته الضخمة: "قادة الفتح الإسلامي".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here