islamaumaroc

الله: الحقيقة الكبرى -1-

  دعوة الحق

149 العدد

1) الدليل على وجود الله من خلال النفس الإنسانية وعجزها عن القيام بشؤونها:
    يجدر بنا ونحن بصدد الحديث عن النفس البشرية أن نرجع بفكرنا إلى الوراء، أي قبل أن تكون هذه النفس قائمة الذات على النحو الذي نراها عليه من الاستواء والحركة، فهي قبل أن تبلغ هذا الحد من التكوين الكامل، نجد أنها تدرجت في الخلق، وتطورت في النشوء تطورا عجيبا يبعث على الدهشة والحيرة ويوحي باستخلاص الموعظة والعبرة لكل من أراد أن يتتبع هذه المراحل المعقدة التي مر منها الإنسان، وإنها لمراحل معجزة حقا، وإن كل مرحلة منها لتدل دلالة صارخة على وجود مدبر لهذه النفس ومكون لها، إذ أن الخطوات التي قطعتها حتى النهاية لا يمكن أن تتم إلا بحساب دقيق، ولا يمكن لهذا الحساب والتقدير أن يفقد المصدر الذي نظمه على هذا النحو العجيب، وإلا لكان حسابا مختلا لا أساس له يستند عليه ولا نتيجة محمودة ترجى من ورائه، وإذا كان وجود الإنسان يرجع في أصله إلى الطين كما أخبرنا الله بذلك في عدة مواضع من كتابه العزيز ففي سورة السجدة يقول: "الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، قليلا ما تشكرون".
    فإن هناك تكمن الحكمة البالغة، إذ كيف يعقل أن يتحول الجماد الذي هو الطين إلى إنسان متحرك مدرك مفكر ومريد، لولا ذلك السر الإلهي الذي استقر في كومة الطين محوله إلى الحركة والشعور والتفكير "يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي". وإنها لقفزة شاسعة يثبتها الإنسان من الطين الذي هو أصله إلى مرحلة النطفة، إنها خطوة جبارة وعملاقة حقا تلك التي خطاها هذا المخلوق، ولنقرأ معا هذه السطور التي خلدها قلم شهيد الإسلام الأستاذ سيد قطب في كتابه "في ظلال القرآن" ص 513 حينما تعرض لتفسير هذه الآية الكريمة "... وقد يكون ذلك إشارة إلى بدء نشأة الخلية الحية الأولى في هذه الأرض، وإنها نشأت من الطين، وأن الطين كان المرحلة السابقة لنفخ الحياة فيها بأمر الله وهذا هو السر الذي لم يصل إليه أحد، لا ما هو. ولا كيف كان. ومن الخلية الحية نشأ الإنسان، ولا يذكر القرآن كيف تم هذا، ولا كم استغرق من الزمن ومن الأطوار. فالأمر في تحقيق هذا التسلسل متروك لأي بحث صحيح.." انتهى.
    ولنرجع إلى الخلية الحية الأولى التي تطورت إلى هذا الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم، ولنحاول أن نتأمل وجود الحياة فيها على الشكل الذي أصبحت عليه ولنتصور مع فكرنا كيف دبت الحياة في هذه الخلية لولا تلك النفخة الإلهية التي سبقت وجود الإنسان والتي اشتملت كل أطراف هذه الأرض بزمن طويل ليكون بأمره كما أراده أن يكون، ولنحاول أن نتصور في أذهاننا من أنواع الخلايا موجودة على الأرض كل خلية ليست في تركيب الأخرى وأن أتحدث في مجموعها في معنى الحياة والتطور، إننا أمام هذه الحالة لا نستطيع أن نكتم دهشتنا أمام هذا اللغز المحير وإنها ليد ماهرة وقادرة تلك التي فرقت بين تشابه الوجوه حتى لا نضل ولا نهتدي وفرقت بين اتحاد الألسنة وسبحان من وهبنا هذه العين التي تقر بهذه الحكمة وهذا السمع الذي يميز هذه النعمة.
    ولندقق النظر في هذه الفقرات التي اقتبسناها من كتاب في ظلال القرآن لنفس المؤلف حيث يقول: "أين تلك النقطة الصغيرة المهيمنة من ذلك الإنسان الذي تصير إليه في النهاية لولا أنها يد الله المبدعة التي تصنع هذه الخارقة. والتي تهدي تلك النقطة الصغيرة الضعيفة إلى اتخاذ طريقها في النمو والتطور، والتحول من هيئتها الساذجة إلى ذلك الخلق المعقد المركب العجيب؟ هذا الانقسام في تلك الخلية الواحدة والتكاثر، ثم التنويع في أصناف الخلايا المتعددة ذات الطبيعة المختلفة والوظيفة المختلفة التي تتكاثر هي بدورها لتقوم كل مجموعة منها بتكوين عضو خاص ذي وظيفة خاصة، وهذا العضو الذي تكونه خلايا معينة من نوع خاص يحتوي بدوره على أجزاء ذات وظائف خاصة وطبيعة خاصة، تكونها خلايا أكثر تخصصا في داخل العضو الواحد هذا الانقسام والتكاثر، مع هذا التنويع كيف يتم في الخلية الأولى، وهي خلية واحدة؟ وأين كانت تكمن تلك الخصائص كلها التي تظهر فيما بعد في كل مجموعة من الخلايا المتخصصة الناشئة من تلك الخلية الأولى؟ ثم أين كانت تكمن تلك الخصائص المميزة لجنين الإنسان من سائر الأجنة؟ ثم المميزة لكل جنين إنساني من سائر الأجنة الإنسانية، ثم الحافظة لكل ما يظهر بعد ذلك من استعدادات خاصة ووظائف معينة وسمات وأشياء طوال حياته؟!" انتهى.
    وأمام هذه التساؤلات التي تنتهي بالإنسان المفكر العاقل إلى تسليم زمام الأمر وإرجاعه إلى المدبر المقتدر العالم بالسر والنجوى يقف الفكر موقف الخضوع والاستسلام أمام هذه الحادثة التي تتكرر على مسرح الحياة باستمرار لا يعرف الانقطاع وبتنوع لا حصر لكثرته ونوعه، والتي تتضح للعين في كل من يمشي على رجلين أو أربع أو ما يطير بجناحيه أو يزحف على الأرض ببطنه أو يندفع في الماء بزعانفه وذيله ومما لا تراه عينيك من المخلوقات، ثم إن هذه الخلية لا تفتأ أن تمتزج بالماء الذي هو أصل الحياة جميعا، كما أخبر الله سبحانه بذلك منذ قرون وأثبته العلم الحديث في أواخر هذا العصر حين أرجع تكوين الطيور من الماء بدليل وجود تشابه قوي بين أرجلها وأرجل الزواحف المائية وذلك في القشور التي تغطي سيقانها. مما يدل دلالة واضحة أنها كانت زواحف تعيش في الماء ثم تطورت إلى النحو الذي هي عليه وقد قال تعالى: "وجعلنا من الماء كل شيء حي" وأن النطفة من ماء الرجل لتحتوي وحدها على عشرات الآلاف من أمثال هذه الخلية وفي استطاعة كل واحدة منها إذا ما لقحت ببويضة المرأة وعلقت برحمها أن تكون إنسانا إلا أن الحكمة الإلهية المقدرة لكل شيء اقتضت رفقا بآلام المسكينة وحفظا على سلامة وجودها أن تمتزج ببويضة المرأة أكثر هذه الخلايا أو الحيوانات المنوية كما يسميها البعض شبها بتلك البويضة نفسها، وبمجرد هذا الامتزاج الذي يتم في عالم الغيب والمجهول تصبح هذه الخلية علقة وسميت بذلك لأنها تعلق برحم المرأة وتستقر فيه وتكون في البداية كنقطة دم، وكثيرا ما نشاهد هذه العلقة في بيضة الدجاجة مثلا حين نفقسها فنرى تلك النقطة من الدم والتي تصغر في حجمها حتى تصل إلى حجم بؤبؤ العين في وسط أصفر البيضة، وليتصور الإنسان مع نفسه ويتأمل في أعماق فكره أن هذا الماء اللزج ما هو في حقيقة الأمر إلا غذاء لتلك النقطة الحمراء ثم هو حجابها المنيع الذي يحفظها من الانزلاق عن قرارها المكين ثم لتكون في نهاية المطاف دجاجة في تركيبها إلا صورة شبيهة بتلك العلقة التي تستقر في موضعها من بطن المرأة لتتطور إلى مضغة أشبه ما تكون بكتلة دم جامد كذلك الذي نجده عندما نذبح كبشا أو حيوانا. إلا أنه شتان بين هذه وتلك فالأولى دم جامد بدون حياة والثانية منها خرجت إلى الوجود. وحاول أن ترسم في ذهنك أيها الإنسان المفكر مرة أخرى هذه الكتلة اللزجة من الدم الغليظ المائل إلى الصفرة والتي سماها الله بالمضغة وقد تحولت إلى عظام تحمل في طواياها خصائص قوية تحيلها مع النمو المطرد إلى أعضاء صالحة للعمل المستمر والحركة العنيفة إلا أن هذه العظام تكون في بدايتها الأولية رخوة سهلة الانطواء حتى يتسنى لك أن تخرج من بطن أمك دون أن تبقى عظامك في جوفها، ثم لا تفتأ هذه العظام العارية المخيفة المنفرة للنظر أن تكسى بحلة من اللحم وهنا تتضح المعجزة أكثر، معجزة قدرة الله سبحانه على الخلق والتكوين، وذلك حين نعلم أن خلايا العظام على اختلاف مع خلايا اللحم في الميزات الموهوبة لكل منهما، فمن أين جاءت إذن هذه الخلية الجديدة؟؟ ومن أي مكان دخلت رغم توقف كل فعل خارجي يمكن أن يزودك بها؟ إنها النفخة الإلهية وقد دبت في أوصالك لتهب لك الحياة ومعنى الوجود، ولولاها لبقيت ساكنا في عالم المجهول والعدم ولما عرفتنا أو عرفناك، وقد أثبت العلم الحديث أن خلايا اللحم ليست كخلايا العظام، وهل هناك إذن دليل أكبر على وجود الله سبحانه بحقيقة ذاته وكمال صفاته وجمال أوصافه وهو الذي أخبرنا في كتابه الحكيم منذ أجيال طويلة مضت بأن خلية العظام تسبق في التكوين خلايا اللحم هذا ما أقر به العلماء المختصون في تتبع الإنسان. إنها آيات يضيء نورها في ظلمة الجهل فنهتدي بسناها وإنها لقبس نوراني يشع بالمعرفة الخالصة عسانا أن نهتدي إلى الحقيقة، حقيقة وجود الله سبحانه وتعالى ولكن كثيرا من الناس يمرون عليها مرور العميان – لا مرور الكرام – وهي في دلالتها الواضحة توصل العبد إلى معرفة ربه ومدبر شؤونه.
    وإذا كان الإنسان في تكوينه الأولي أشبه ما يكون بتكوين الحيوان إلا أن خلية الحيوان تقف عند حدها الحيواني فلا تتعداه ولا تتجاوز مداه كما أن خلايا الإنسان لها ميزاتها التي ترفعها عن مرتبة الحيوان إلى درجة الإنسان بكل ما يحمله هذا الكائن من قدرة على تحمل المسؤولية والقبض على زمام الخليفية على الأرض.
    ولا يفوتني في هذا الباب أن أقطف للقارئ الكريم بعض الفوائد من نفس كتاب الشهيد سيد قطب أيضا وذلك من ص 17 ج 6 حيث يقول: "إن الجنين الإنساني مزود بخصائص معينة هي التي تسلك به طريقه الإنساني فيما بعد، وهو ينشأ خلقا آخر في آخر أطواره الجنينية بينما يقف الجنين الحيواني عند التطور الحيواني لأنه غير مزود بتلك الخصائص، ومن ثم فإنه لا يمكن أن يتجاوز الحيوان مرتبة الحيوانية فيتطور إلى مرتبة الإنسان تطورا آليا – كما تقول النظريات المادية – فهما نوعان مختلفان اختلفا بتلك النفخة الإلهية التي بها صارت سلالة الطين إنسانا". انتهى.
    وبهذه النفخة واختلاف مداها بالنسبة للمخلوقات اختلف الذكاء بالنسبة لمختلف الكائنات، وبهذا الذكاء ارتقى الإنسان إلى مرتبة الكمال وحب التمام – لا بطريقة آلية – ولكن بتدبير محكم وعلم مدقق وموزون، وإلا لكان هذا الحيوان – ما دامت المسألة آلية – حسب اعتقاد البعض أن يقفز قفزته إليه فنجد الحمار إلى جانب حيوانات أخرى يعلن ثورته على الإنسان وربما نجده بجانبه يشاركه في إدارة المصنع أو أعمال الوزارة أو شؤون أخرى تتصل بالحضارة وهذا لعمري مما يبعث تصوره على الضحك وانفراج أسارير الوجه من شدة العجب.
    فالأمر ليس هينا حتى تكون الآلية محركا على حدوثه ولكن المسألة وجوابها الصحيح، تكمن في الهبة الإلهية التي سخرت الإنسان ومنحته القدرة والاستعداد ليكون بفضلها أشرف وأكرم المخلوقات على الأرض.
    إلا أن الإنسان قد يسعد بهذه الهبة وقد يشقى فهي قد تصعد به إلى الأعالي وقد تنزل به إلى الحضيض قد يكون فكره باعثا على سموه وقد يكون علة انحداره إلى أعماق الأرض وبهذه القدرة على الارتقاء في العلياء والسقوط في أعماق الوحل، بهذا كله كان الإنسان خليقا وجديرا بأن يحمل الأمانة ومسؤولية تحملها وما ذلك إلا لأنه يملك الحرية في اختيار مكانه ووجوده في الحياة. ولكن الحيوان على اختلاف أنواعه وأشكاله لا يتعدى نطاقه فهو لا يرتفع حين يريد لأنه لا يملك القدرة على ذلك ولا يسفل لأن له حدا معينا، وبهذا التمييز المشار إليه نعرف من تلقاء أنفسنا واجب ومسؤولية الإنسان وعذر الحيوان.
    ثم أنت هذا الإنسان المغرور الذي تدرجت من مراحل الخلق والإبداع والذي كان يصلك طعامك وشرابك دونما تعب بذلته أو نصب اقترفته أو أدنى مجهود قمت به من تلقاء نفسك لا أظن أنك ترجع عن غيك، وأنت موقن أنه لولا تلك العناية الوارفة التي رافقتك ظلالها ما كان ليصبح له ذكر أو نسمع لك من حسب أو نجد لك من أثر، ولولا ذلك النظام القويم الذي كان يمكنك من غذائك بانتظام، لكنت في خبر كان، فأنت هذا الإنسان الذي تدرج من مراحل خارقة يعجز فكرك أن يحبط بكنهها أو الإلمام بأسرارها لا يسعك وأنت مسربل بالعجز والقصور إلا أن تنحني في تواضع وإجلال أمام هذا الإحكام البديع والتناسق الرائع العجيب الذي صاحب وجودك وحياتك باستمرار، ولا أخالك مهما غاليت ونأيت عن الحق أن تنكر تلك العناية الفائقة التي كانت وما تزال تحرسك وتحافظ عليك وأنت في جوف أمك في ظلمات بعضها فوق بعض وعلى مسرح الحياة تتخذ طريقك وعمل يدك الذي هو من وحي تفكيرك، ولا تذهب بفكرك بعيدا عن الذي كانت تهيمن عليك قدرته الخفية وتراقبك عيناه اللتان لا تعرفان سنة النوم، فلم يغفل عنك لحظة ولم ينساك ولو برهة، فإن الذي سواك كما أنت وكما قدر لك أن تكون هو.. هو.. الله.
    ويقول واعظ الإسلام الحافظ أبو الفرج عبد الرحمان بن الجوزي في كتابه " صيد الخاطر" ص 207 حين أراد أن يضرب مثلا للدليل على وجود الله سبحانه وتعالى: "من أكبر الدليل على وجود الخالق سبحانه أن هذه النفس الناطقة المميزة المحركة للبدن على مقتضى إرادتها ودبرت مصالحها وترقت إلى معرفة الأفلاك، واكتسبت ما أمكن تحصيله من العلوم وشاهدت الصانع في المصنوع فلم يحجبها ستر وإن تكاثف، لا تعرف مع هذا ماهيتها ولا كيفيتها ولا جوهرها، ولا محلها بأشغالها، ولا يفهم من أين جاءت ولا يدري أين تذهب، ولا كيف تعلقت بهذا الجسد، وهذا كله يوجب عليها أن لها مدبرا وخالقا وكفى بذلك دليلا عليه."
    إنه الله الذي أنشأك من العدم وصورك في الرحم كيف شاء وجعل لك السمع والبصر والفؤاد فلم يوجدك عبثا حين أراد ولم يقذف بك إلى هذا العالم سدى. أ فتدري حيث لا تدري أنه لما دقت ساعة بروزك إلى هذه الدنيا ليكون لك من بعد في الأرض آثار هي من عمل يدك وإلهام عقلك ومحض اختيارك، برزت حينئذ ضعيفا عاريا، وانسجمت في أقل من لحظة مع حياتك الجديدة عليك، الغريبة عنك، والتي ما تعودت على طقسها من قبل فلما تلقتك الحياة واصلت وجودك وتابعت مسيرتك بعد أن تسلمتك يد أمك التي أضفى الله على قلبها معاني الرحمة وفجر في كيانها ذلك السبيل الذي يتدفق بالحنان عليك فكانت لك خير عون وسند على صونك ووقايتك مما قد يصيبك من سوء أو مكروه. فلما مكنتك من ثديها اهتديت إليه دون غيره وميزته عمن سواه من باقي أعضائها. ويرسم الإمام أبو محمد علي بن حزم الأندلسي الظاهري في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل هذه الصورة بقوله: "إن الإنسان يخرج إلى هذا العالم ونفسه قد ذهب ذكرها جملة في قول من يقول إنها حدثت حينئذ أو أنها مزاج عرض إلا أنه قد حصل. إنه لا ذكر للطفل حين ولادته ولا تمييز ما لسائر الحيوان من الحس والحركة الإرادية فقط فتراه يقبض رجليه يمدهما ويقلب أعضاءه حسب طاقته ويألم إذا أحس البرد أو الحر أو الجوع، وإذا ضرب أو قرص ولا سوى ذلك مما يشاركه الحيوان والنوامي مما ليس حيوانا من طلب الغذاء لبقاء جسمه على ما هو عليه، ولنمائه فيأخذ الثدي ويميزه بطبعه من سائر الأعضاء بفمه دون سائر أعضائه كما تأخذ عروق الشجر والنبات رطوبات الأرض والماء لبقاء أجسامها على ما هي عليه لنمائها".
    ثم أنت قبل ذلك كنت ترمي باللقمة في جوفك فلا تستقر فيه – مؤقتا – حتى تمر من عمليات تبتدئ بالطحن ثم الطحن من جديد ثم التصفية والتنقية ليكون غذاؤك في نهاية المطاف صالحا لبدنك يبعث فيه الدفء والطاقة التي تمكنه من العمل والحركة جميعا.

    وكل ذلك يتم دون اختيارك أو أخذ مشورتك أو أن يكون لك فيه أدنى نصيب من الفكر والرأي.
    حتى إذا بلغت مبلغك الذي عليه من القوة والبأس وشأوك من المنعة والصحة نظرت في عطفيك فأكبرت نفسك وعددت وجودها من محض الصدف وحدثان الطبيعة.
    وكم من حرب ضروس تعرض لها بدنك واستهدف لها جسمك فما كنت تحس لها من ركز وما شممت لها غبارا، فإذا ما تعرض بدنك لغزو جرثومة من أي نوع ركضت كرياتك التي يتكون منها دمك وأسرعت لنجدتك وإنقاذك من موت محقق يمكن أن يلحق بك خطره في أي وقت، فتصارعه وتحاربه حتى إذا أخذ منك المرض مأخذه وعييت بتجرع الدواء وطلب الاستشفاء، وأطبقت عليك الأيام بثقلها فاستحال كل جميل في عينيك قبيحا، ومسخت في لحظة من الزمن كل آمالك في الحياة ومطامحك في المستقبل وحصرتها جميعا في أمل واحد، هو رغبتك الشديدة للعافية، كأنك ما عرفت فضلها ولا تذوقت طعمها، ولما عيل صبرك، ونفذ جلدك وفقدت في خبرة وحنكة الأطباء كل أسباب الرجاء، وظننت مع نفسك أن لا ملجأ ولا منجى لك من الموت، وضاقت عليك الأرض بما رحبت، تحولت عندئذ آمالك الباقية بشيء معين أنكرته من قبل وعددته في العدم، وهو منك قريب وعليك رقيب ورجوت منه إصلاحا لحالك وقبسا من رحمته تجعل منه بلسما لجراح فؤادك ودواء علتك، ونسجت وأنت  مرهق خيطا واهيا يربطك بالسماء ولولا أنك قصمته بجحودك وغرورك ما كان لينقطع له وثاق أو تنفصم له عرى، وأبصرت من خلال تلك الظلم التي تغطيك ذلك النور الخفي الذي أغلقت قلبك دونه سنين عددا، فاستعصى عليه أن يجد إليه سبيلا أو منفذا.
    نعم، لقد غرك قبل اليوم ما كنت تنقلب فيه من نعم صافية وحلل براقة زاهية، وخدعتك الحياة حين رأيتها متزينة بربيعها مكسوة بزهورها وورودها، واستدرجتك أحلامك بامتلاك هذا العالم وشغلتك الدنيا أن تجلس إلى نفسك في ساعة من نهار تناقشها وجودها وأسبابه والغاية منه، وكيف كنت قبل أن تصبح رجلا؟ ومن أي شيء خلقت؟ ولأي غاية هيئت؟ وأي مسؤولية حملت؟ ولأي يوم أقتت؟ علامات من الاستفهام تنتصب أمام أعيننا ومآقينا تتطلب منا النظر و تحثنا على الجواب، ولكننا نغض عنها الطرف بما نلبسه أحيانا من الحالات الحيوانية البهيمية التي غاب عنها أن نهتدي إلى الغاية من وجودها إلا أنها تأكل وتشرب وتنام وهي حالات يشترك فيها مع الحيوان كثير من الناس ممن ضلوا وأضلوا أولئك عموا عن معرفة هدفهم الذي خلقوا له ومن أجله فقعدوا عن القيام ببحث في أنفسهم وفي الكون، وفي مفاجئات الأيام في إقبالها أو إدبارها ولن يعرف الإنسان ربه إلا إذا تأمل في بعض ما يجري حوله من آيات ودلائل كثيرة تكون باعثا محمودا على إذكاء وتقوية إيمانه ورسوخه في نفسه لأن عظمة الله وحكمته تكمن في مخلوقاته سبحانه.
    ولما رابك اليوم من أمرك ما رابك أصبحت تطلب النجاة من رب العالمين بعد أن قطعت رجاء من كل مخلوق، وتيقنت أن هناك خالقا لم تبحث في الحياة عن دلائل وجوده هو القادر على إصلاح شأنك وما فسد من أمر بدنك، وعلمت في ساعة العسر أنه الأدرى بتركيبك وحالك، أجل.. لقد دعوته مستجديا بعد أن تجردت من كبريائك، سألته إما بلسان الحال أو المقال ووضعت أمامه أحمالك وأرجاءك، ودعوته في حطة وذلة أن يزيل عنك الكرب ويدفع ما ألم بك من خطب ويعيد إلى جسمك لباس الأمن ورداء العافية، وحتى إذا ما استجيبت دعواتك ولبى المولى طلباتك علما منه بضعفك وقلة حيلتك وعجزك، وأحسست بدبيب العافية يسري في أوصالك ويسلك مسالك جسمك قمت عندئذ من فراشك وأصلحت من حالك وانتفضت كما ينتفض الطائر الوجل ثم غادرته لا تلوي على شيء، ونسيت مع مرور الزمان رقدتك وعددت ذلك من عوارض الحياة ومفاجئات الأيام، حتى إذا أنبك ذو عقل حصيف على ما انزلقت إليه من جحود، وذكرك بما كنت عليه من قرب للفناء وما حباك الله من نعمة العودة إلى العافية، أجبت في إصرار وعناد أن الذي حدث لك إنما يدخل في سنن الكون وينتظم في قانون الطبيعة، وأن المرض والصحة كالنجاح والفشل، وأرجحت كل ذلك إلى الدهر.
    لقد عاودتك الظلمة من جديد إلى قلبك، وحل الشك محل اليقين من فؤادك بعد أن خنقتك يد الشهوات وخدعتك مظاهر الحياة، فنسيت ما رددته بالأمس حين كنت على شفا حفرة من الرمس وأصبحت على ما أنت عليه من كفر بالله وجحود بوجوده سبحانه، ولو كان لك نظر سديد وفكر ثاقب رشيد لعرفت يقينا إنما أنت أنكرت نفسك التي ضل عنك أن تهتدي إلى معرفة سرها، فهويت بذلك إلى القعر بعد أن كدت تطفو فوق الماء.
    وكثيرا ما تكرر مثل هذه الحالات في مختلف المواقف القاسية بالنسبة لكثير من الناس، خصوصا عند ذوي النفوس الضعيفة منهم أولئك الذين نعتهم القرآن الكريم ووصفهم بالإصرار على الكفر والتمسك به ففضح بذلك ريبهم وأظهر مكنونهم وقرب من أذهاننا في جلاء وعبرة مختلف الأزمات التي تعصرهم وتكاد تعصف بهم كلما أطل عليهم الموت من نافذة الحياة أو أيقنوا الردى وخشوا الهلاك، فلا يسعهم وهم على ما هم عليه إلا أن يمدوا أيديهم إلى بارئهم يستعجلون منه الإنقاذ مما هم فيه.
    وفي مثل هذا الحديث الذي أطنبنا الكلام فيه يقول جل من قائل في سورة الروم: "وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون".
    ثم يصور الله سبحانه وتعالى حالتهم النفسية وصدق التجائهم إليه وهم على سطح البحر في عبارات فخمة قارعة موقظة لكل ضمير يحمل معنى الحياة إذ يقول: "وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه، فلما نجاكم إلى البر أعرضتم، وكان الإنسان كفورا".
    وفي سورة يونس نجد الله تعالى يقرب من أذهاننا صورة فرعون وقد شق البحر يبتغي البطش بسيدنا موسى ومن آمن معه إلا أن الموج يطبق عليه فلا يملك إلا أن يقول "حتى إذا أدركه الغرق قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين".
    ونكتفي بذكر هذه الآيات البينات التي تعطينا فكرة واضحة من خلال معاني تعبيرها السامي عن الإنسان وقد راقه النسيم وصحو الجو واستهوته زرقة أديم السماء وركود سطح البحر فركب سفينته وابتعد بها عن الشاطئ  بينما هو في مرحه وسلوه وانشغاله ببهجة البحر وجلاله فاجأته على حين غرة أمواج عالية وسماء ملبدة قاسية ورياح شديدة عاتية، فأصابه الذهول مما يرى ونظر حوله فشاهد الشاطئ بعيدا ورأى كذلك بحرا زاخرا وأسماكا تنتظر وصوله إليها فتعبث به وبلحمه. وأيقن أن السعادة التي ظنها دائمة قد أخذت تتبدد أمام عينيه وتنقشع لتحل التعاسة محلها بسوئها، وتأرجحت الأمواج بسفينته وتلاعبت بها وخانته قوته فلم يقو على أن يتمسك بركن منها واسودت السماء في عينيه فلم يعد يرى أو يسمع إلا وميض بوارقها وهدير رواعدها فاغرورقت عيناه ودعا بقلبه ربه فنجاه فلما وطئ الأرض بقدميه عاد إلى جحوده وأصر على إنكاره وتكذيبه وكفر بوجود الخالق سبحانه.
    وهل هناك حقيقة أكبر تعرفنا بوجود الله وتدلنا على معرفته كتلك الحقيقة التي يشاهدها الإنسان في نفسه وافتقاره باستمرار إلى من يشد عضده ويحفظه كلما شاهد عجزه في نفسه وقصورها على عدم قيامها بذلك كلما دعت الحاجة، وهل هناك حقيقة أبلغ وأجل من تلك الحركة الدائمة في نفوسنا والتي تصدر دون إرادتنا أو مجرد تفكير نقوم به، فهذه المعدة تطحن، وهذه الكلي تصفي، وهذه أعضاء أخرى لكل واحدة منها وظيفتها الخاصة التي تقوم بها ولكل منها دورها في العمل أيضا.
  وهذا القلب الذي ينبض بانتظام كل هذه الأعمال المستمرة في جسمك والتي تعمل بنشاط فائق ودقة متناهية كل ذلك يقرب من ذهنك الحقيقة الإلهية كأجلى ما تكون الحقيقة من غير لبس أو إبهام.
    ولكن كثيرا من الناس لا ينظرون إلى أنفسهم إلا كما ينظر أحدنا إلى ساعته حين يريد أن يعرف قياس زمنه، فهو لا يرى في ظاهر الأمر إلا عقربين يتحركان، لكنه لو فتح في يوم ما ساعته لوجد آلات دقيقة تعمل هي السر في تحرك العقربين المذكورين لقياس الزمن وضبط الوقت، ولو ألقيت سؤالا على مجرد طفل صغير تستفسره عن صانع هذه التي في يدك، لعد سؤالك من قبيل السخافات وضروب البلادة، ولأخبرك بجلبة الأمر وواقعه في تثاقل منه واستهزاء كأنما يقول لك: ويحك ألا تعلم علة وجود ساعتك وأنت على ما بلغته من نمو الجسم والسن.
    فكيف بك إذن أنت هذا الإنسان الذي حمل الأمانة وتقلد وسام المعرفة، لقد انسلخت منها فهويت إلى الحضيض ونسيت واجبك نحوهما فكنت كما قال الله تعالى "كمثل الحمار يحمل أسفارا". فكيف بك يا ترى ترد وجودك إلى حدثان الطبيعة وتعزوه إلى الصدف وأنت تجيب عن أبسط الأشياء بأن وراءها صانع، كيف تنأى عن الإقرار بوجود ربك وخالقك وما أنت في الحياة إلا نموذج من نماذج لا تحصيها من المخلوقات التي تدرك بعضها وغاب عن ذهنك معظمها.
    إنك مع كل هذا لا تريد أن تؤمن إلا بالمحسوسات مع أنك آمنت فيما قبل بأشياء ما أبصرتها قط ولا عرفت كنهها أو جوهرها آمنت بوجود الروح وآمنت بوجود الهواء مع أنك ما أحسسته بيدك ولا تأملته بعينك، فلما أبصرت حقيقة الله في نفسك أنكرت وجوده ونسيت مع مرور الأيام إحسانه وفضله.
    وفي هذا المعنى أورد الحافظ بن الجوزي في كتابه المنتظم في تاريخ الملوك والأمم حين تعرض لترجمة ملكشاه. ص 73 ج التاسع حيث يقول: "قال المصنف نقلت من خط ابن عقيل قال كان الجرجاني الواعظ مختصا بجلال الدولة فاستسرني أن الملك قد أفسده الباطنية فصار يقول: ايش؟ هو الله و إلى ما تشيرون بقولكم الله؟ فبهت وأردت جوابا حسنا فكتبت: اعلم أيها الملك أن هؤلاء العوام والجهال يطلبون الله من طريق الحواس فإذا فقدوه جحدوه، وهذا لا يحسن بأرباب العقول الصحيحة، وذلك أن لنا موجودات ما نالها الحس ولم يجحدها العقل ولم يمكنا جحدها لقيام دلالة العقل على  إثباتها، فإن قال لك أحد من هؤلاء لا يثبت إلا ما نرى فمن هاهنا دخل الإلحاد على الجهال والعوام الذين يستثقلون الأمر والنهي، وهم يرون أن لهذه الأجساد الطويلة العميقة التي تنمى ولا يعد تقبل الأغذية وتصدر عنها الأعمال المحكمة كالطب والهندسة فعلموا أن ذلك صادر عن أمر وراء هذه الأجساد المستحيلة، وهو الروح والعقل فإذا سألناهم هل أدركتم هذين الأمرين بشيء من إحساسكم؟ قالوا لا لكنا أدركناهما من طريق الاستدلال بما صدر عنهما من التأثيرات.. قلنا: فما بالكم جحدتم الإله حيث فقدتموه حسا مع ما صدر عنه من إنشاء الرياح والنجوم وإدارة الأفلاك وإنبات الزرع وتقليب الأزمنة؟ وكما أن لهذا الجسد روحا وعقلا بهما قوامه ولا يدركهما الحس لكن شهدت بها أدلة العقل من حيث الآثار، كذلك الله سبحانه وتعالى وله المثل الأعلى ثبت بالعقل لمشاهدة الإحساس من آثار صنائعه وإتقان أفعاله، قال فحكى لي أنه أعاده عليه فاستحسنه (أي الملك)، وهش إليه ولعن أولئك وكشف إليه ما يقولون له".
وأغلب المصائب التي تداهمنا تأتي دائما من رغبة الإنسان الحثيثة في التجسد ورؤية الحق سبحانه بالعين المجردة وهو طلب إن لم يتحقق لهذا الكائن فإنه يتيه أن يهتدي للصواب، ولو منح هذا الإنسان لنفسه متسعا من الوقت للتأمل لأدرك من تلقائيته أن طلبه مستحيل ليس في مقدرة جسمه وقوته المحدودة أن تتحمله. فإننا لا نستطيع أن نحقق النظر في الشمس لما لها من نور باهر ومع ذلك نطلب رؤية ذلك النور الذي هو مصدر كل نور في هذا الكون.
    وقد سبق لسيدنا موسى عليه الصلاة والسلام أن طلب رؤية ربه وهو على ما هو عليه من قوة الإيمان وثبات الجنان ورباطة الجأش، إلا أن الله أخبره بأن ذلك لن يقع ولن يقوى على النظر إليه كما يرى الواحد منا صاحبه ولكنه في استطاعته أن ينظر إلى الجبل فإذا ظل الجبل كما هو مستقرا فإن رؤية الله ربما تتحقق وإلا فتحقيق هذا الطلب شيء مستحيل، وانتظر سيدنا موسى وبصره مركز على الجبل حتى إذا ما تجلى الله سبحانه أصبح الجبل دكا ورمادا بعد أن كان عاليا إذ لا يعلو على الله شيء في الأرض ولا في السماء ولكن الإنسان يريد أن يعلو عن مقامه فيسقط بجهله في أسفل سافلين.
    وقد علمنا الله أن رؤيته على ما نحن عليه من ضعف التكوين أمر مستحيل وأن حقيقته العظيمة تكمن في آيات الكون وفي النفس وما على الإنسان إلا أن يستخلص المغزى فيعرف ربه معرفة لا ضلال بعدها.
    وفي مقالتنا المقبلة سنتحدث عن حقيقة الله سبحانه من خلال الكون.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here