islamaumaroc

ابن الجوزي أمة وحده

  دعوة الحق

149 العدد

    إن كان هناك كثير من الأئمة المتقدمين من تاريخ الفكر الإسلامي لم ينالوا بعد نصيبهم من دراسة وبحث المتأخرين، سواء من حيث دراسة شخصياتهم وتحليل نفسياتهم ومواهبهم، أو من حيث نفض الغبار عن مؤلفاتهم ومصنفاتهم بتحقيقها وإبداء الرغبة في نشر أكثرها، فإن ابن الجوزي – وهو الجوهر الفرد – أحق بأن يدرس على كثير من غيره الذين تناولتهم أقلام الباحثين بالتحليل.
    فإن من أطيب ما أنجبته الأرحام العربية في القرن السادس الهجري خصوصا، وعلى مر الحقب التاريخية عموما، هو هذا الإمام الذي اتسعت مداركه بمختلف العلوم الحديثية والفقهية إلى جانب مشاركته في العلوم الأدبية. إلا أن أعظم ميزة امتاز بها ابن الجوزي عن غيره من أعلام الإسلام، هي الموهبة الإلهية في الدعوة والإرشاد، فكان بحق آية في الوعظ، وغاية في استقصاء خوالج النفس وتحريكها واستفزازها، مع الوقار والهيبة اللتين هما من العوامل النفسية الهامة التي تطغي على مجالسه الحديثية هيبة وخشية.
     فبعد أن كان يعلن على عقد مجلس من مجالسه في أي مسجد من مساجد بغداد، ترى الناس يتسارعون ويتلهفون للاستماع إلى أحاديثه المشجية التي كان يسعل بها صدره في قلب المسجد، وكان المستمعون إليه يقدرون بالآلاف، بل أن بعض الروايات تقول بأن عدد الحاضرين قد يصل إلى مائة وثمانين ألفا، ويسلم على يديه منها في كل مجلس خلق كثير، وكانت جموع مجالسه لا تقل عن عشرين ألفا، فما بالك بمن يحضر لمجالسه هذا الجمع الكثير إلا من كانت العناية الإلهية ترافقه تصبغ عليه القبول الإلهي المجسم في هذا الداعية الإسلامي.

- النسـب والمولـد -  
    هو عبد الرحمن بن محمد بن علي، بن عبد الله بن حمادي بن أحمد بن محمد بن جعفر الجوزي بن عبد الله بن القاسم بن النظر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه القرشي التيمي البكري البغدادي، الحافظ المفسر الفقيه الواعظ الأديب جمال الدين أبو الفرج المعروف بابن الجوزي، شيخ وقته، وإمام عصره قيلت أقوال كثيرة في سبب تسميته بابن الجوزي، وتعددت الروايات المنقولة عن صحة نسبه.
    قال الإمام المنذري: هو نسبة إلى موضع يقال له فرضة الجوز.
    وذكر الشيخ عبد الصمد بن أبي الجيش: أنه منسوب إلى محلة بالبصرة تسمى محلة الجوز.
    وقال بعضهم: بل كانت بداره في واسط جوزة لم يكن بواسط جوزة مثلها.

    كما قيلت أقوال متعددة في هذا النسب لا مجال لتتبعها واستقطابها وهي كثيرة موجودة في غير كتاب من كتب المؤرخين والباحثين الذين تناولوا ابن الجوزي وتتبعوا خصوصيات حياته، على أن هذا الاختلاف لم يقتصر على نسبه بل تعداه إلى سنة مولده. قال العلامة شمس الدين أبو المظفر المشهور بسبط ابن الجوزي في ترجمته لجده:
    "ولد جدي ببغداد بدرب حبيب في سنة (510)، وتوفي أبوه وله من العمر ثلاث سنين".
    وقال القادسي "سنة ثمان وخمسمائة (508)".
    ووجد بخط ابن الجوزي نفسه: "لا أحق مولدي، غير أنه مات والدي سنة أربع عشرة وقالت الوالدة: وكان لك من العمر إذ ذاك ثلاث سنين" فعلى هذا يكون مولده سنة إحدى عشرة أو إثنى عشرة.
    وقال ابن القطيعي: سألته عن مولده فقال: ما أحق الوقت، إلا أنني أعلم أني احتلمت في سنة وفاة شيخنا ابن الزاغوني، وكان قد توفي سنة سبع وعشرين.
    عاش في كفالة عمته وهو ابن ثلاث سنين بعد موت والده، إلا أن هذا اليتم الذي تربى تحت ظله نفعه كثيرا في مستقبل أيامه، جعله ينظر إلى الحياة نظرة استقصائية واقعية كهربت عواطفه وحولت وجهة حياته إلى طلب العلم والتحصيل جعلا من الدرس أبا ومعلما وموجها في الحياة، فحفظ القرآن وقراه على جماعة من أئمة القراء والحفاظ كابن الباقلاني، والحافظ ابن ناصر، وابن الحصين، والقاضي أبو بكر الأنصاري، وأبو بكر المزرقي، وأبو القاسم الحريري، وعلي بن عبد الواحد الدينوري، وأبو السعادات المتوكلي، وأبو سعد البغدادي، ويحيى بن الطراح، وغيرهم كثير ممن يعدون بالعشرات. وسمع الكتب الكبار كالمسند، وجامع الترمذي، وتاريخ الخطيب، وسمع الصحيحين على أبي الموقت، وما لا يحصى من الأجزاء، وتصنيف ابن أبي الدنيا وغيرها ووعظ وهو صغير جدا.
    قال ابن الجوزي: "حملني ابن ناصر إلى أبي القاسم العلوي الهروي في سنة عشرين، فلقنني كلمات في الوعظ، وجلس لوداع أهل بغداد مستندا إلى الرباط الذي عند السور في الحلية، ورقاني يومئذ المنبر فقلت الكلمات، وحرز الجمع بخمسين ألفا" كما درس الفقه والوعظ على أبي الحسين بن الزاغوني، كما تفقه على أبي يعلى ابن الفراء، كما درس الأدب واللغة على أبي منصور الجواليقي، وعلى العموم فإن ابن الجوزي لم يقتنع بالاغتراف من العلم كأسا واحدا، أو كان في فن من فنونه زاهدا، بل إن نفسه لم يروها إلا شرب ذلك النهر الذي كان ينهل منه، فاستلذ من باب الأدب، وتذوق من باب التصوف عن طريق مجالسه الوعظية، والتي هي بإنصاف مجالس ملوكية في العشق الإلهي، والدعوة بصدق وإيمان متمكن إلى الدين الإسلامي.

- ابن الجـوزي والحيـاة الوعظيـة-
    إن الردود الفعلية التي هزت الحياة المجونية، والتي كانت مسيطرة على القرون الأربعة الماضية -2، 3، 4، 5 – إنما أتت عن طريق الحلقات الوعظية والأحاديث الدينية التي كانت تعقد في مجالس بغداد، فبعد سيطرة العباسيين على الخلافة الإسلامية في الشرق نحوا من خمسة قرون، كانت الحياة التمردية والاستهتارية قد أثرت في نفسيات المسلمين، فتاقت هذه إلى إدخال نوع من تغيير وإبدال على طبيعتها، وذلك بتهيئي وضع مثالي يرتاحون تحت ظله من أتعاب المادة التي شربت ذاتيتهم أو كادت، فبانت بوادر هذا التحول في نهاية القرن الخامس على يد كثير من الوعاظ الذين اختتم بهم هذا القرن كالإمام العبادي الواعظ، وأبي عبيد الله القزويني، وأبي الفتيان الدهستاني، ويوسف ابن أيوب الهمذاني، وأيوب أبو محمد القطواني السمرقندي وغيرهم ممن لا يدخلون تحت نطاق حصر. ولقد كانت هذه الجماعة من الدعائم الكبرى التي وضعت لبناء صرح الوعظ الإسلامي في مختلف الممالك والأمصار، على أن الحلقة التي كان فيها الإمام الحافظ ابن الجوزي امتازت عن بقية الحلقات بنوع من التجرد وعدم التعصب لمذهب من المذاهب الإسلامية، ولئن كان ابن الجوزي حنبلي المذهب إلا أن هذا لم يجرفه لدرجة جعلته يتهجم على بقية الشيع والمدارس، بل إن إجابته على الأسئلة التي كان يطرحها عليه ملازموه ومستمعوه كانت تبين في غير موقف من المواقف عدم تحيزه وشدة تمسكه بالروح الإسلامية الحقة مما جعله يجتذب نحوه أعظم عدد من المتتبعين لأحاديثه الفقهية، والمستمعين لمحاضراته الحديثية، ناهيك بسحر أسلوبه، وقوة تأثيره، فما كلامه إلا حكم خالدة يلفظها شعلا ملتهبة إيمانا في قلوب مستمعيه وتلاميذه، فترى مجلسه في قلب المسجد يهتز لحكمة أرسلها، أو يرتج لخبر غريب بسطه، أو لجواب على سؤال حلله، لهذا كانت مجالسه الوعظية نقطة تحويلية لما كان يعيشه المجتمع العباسي من زندقة وتهور أخلاقي، فالتاريخ الزهدي الإسلامي لا ينكر لهذه الحلقات أياديها وصياح شاذيها في قلب حياة اللا أخلاقية التي عاشها المجتمع العباسي نحوا من خمسة قرون.
    على أن ابن الجوزي يجب أن يتصور وهو فوق كرسي وعظه، يجيب السائل، ويعظ الطائش، ويذكر الناس، وكأنه يملي على كل واحد من كتاب.
    قال له قائل: ما نمت البارحة من شوقي إلى المجلس، فقال نعم لأنك تريد أن تتفرج وإنما ينبغي أن لا تنام الليلة لأجل ما سمعت.
    وسئل يوما عن قوله عليه السلام: "لأعطين الراية إذا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله" فأعطاها عليا فأين كان أبو بكر؟ فقال: لما كان يوم بدر ليقاتل فقال له رسول الله (صلعم): متعنا بنفسك، ولما كان يوم خيبر سلم الراية إلى علي فقال له: "اخرج فقعود من قعد بالأمر كخروج من خرج بالأمر".
    ولكن في قوله متعنا بنفسك فضيلة.
    وسأله بعضهم عن لعنة يزيد بن معاوية فقال:
    قد أجاز أحمد بن حنبل لعنته ونحن نقول:
ما نحبه لما فعل بابن بنت نبينا، وحمله آل الرسول صلى الله عليه وسلم سبايا إلى الشام على أقتاب الجمال، وتجرئه على الله ورسوله فإن رضيتم بهذه المصالحة في قولنا: ما نحبه وإلا رجعنا إلى أصل الدعوى – يعني جواز لعنته – ثم قال: أما أبوه ففي خفارة الصحبة فدعوه من أيديكم وأنتم في حل من الإبن. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن وما دخلها يزيد ولا رآها. ثم قال: لا تدنسوا وقتنا بذكر من ضرب بالقضيب ثنايا كان (رسول الله صلى الله عليه وسلم) يقبلها، فجعلها يزيد غرضا لبلوغ غرضه.
    ووعظ يوما الخليفة المستضيء فقال: يا أمير المؤمنين إن تكلمت خفت منك، وإن سكت خفت عليك، فأنا أقدم خوفي عليك على خوفي منك لمحبتي لدوام أيامك، إن قول القائل اتق الله خير من قول القائل إنكم أهل بيت مغفور لكم، وقد قال الحسن البصري، لئن تصحب أقواما يخوفونك حتى تبلغ المأمن من خير من أن تصحب أقواما يؤمنونك حتى تبلغ المخاوف. وكان عمر بن الخطاب يقول: إذا بلغني عن عامل أنه ظلم الرعية ولم أغيره فأنا الظالم، يا أمير المؤمنين كان يوسف عليه السلام لا يشبع في زمان القحط لئلا ينسى الجياع، وكان عمر بن الخطاب يضرب بطنه عام الرمادة ويقول: قرقر إن شئت أو لا تقرقر فو الله لا شبعت والمسلمون جياع.
    فتصدق الخليفة المستضيء بصدقات كثيرة.
    وأنشد يوما الخليفة المستضيء هذه الأبيات لما كان مارا تحت سقف داره:
     ستنقلك المنايا عن ديـارك
   ويبدلك الردى دارا بـدارك
     وتترك ما عنيت به زمـانا
   وتنقل من غناك إلى افتقارك
     فدود القبر في عينيك يرعى
   وترعى عين غيرك في ديارك
    فجعل المستضيء يمشي في قصره ويقول أي والله: وترعى عين غيرك في ديارك، ويكررها ويبكي حتى الليل.
    إن المستعرض لشخصية ابن الجوزي في مختلف مسالكها ومشاربها ليستطيع التماس عظمة هذا الإمام من التاريخ الإسلامي خصوصا، والإنساني عموما، فهو في باب الوعظ نسيج وحده، وفي باب الزهد والتصوف عظة من عظات الدهر لمن خلت قلوبهم من الاتعاظ، وهو في ميدان الوقار والأخلاق والآداب قدوة لمن أراد أن يتحلى بأجمل الأوصاف وخالد المكارم.
    فمجالس ابن الجوزي الوعظية لم يكن لها نظير، ولم يسمع بمثلها، يتذكر بها الغافلون، ويتعلم منها الجاهلون، ويتوب فيها المذنبون، ويسلم فيها المشركون، وقد ذكر ابن الجوزي في تاريخه أنه تكلم مرة فتاب في المجلس على يده نحو مائتي رجل، وقطعت شعور خلق كثير.
    وقال في آخر كتابه القصاص: ما زلت أعظ الناس وأحرضهم على التوبة والتقوى فقد تاب على يدي إلى أن جمعت هذا الكتاب أكثر من مائة ألف رجل، وقد قطعت من شعور الصبيان اللاهين أكثر من عشرة آلاف طائلة، وأسلم على يدي أكثر من مائة ألف وقال ابن القطيعي في حقه: انتفع الناس بكلامه فكان يتوب في المجلس الواحد مائة أو أكثر في بعض الأيام، وكان يجلس بجامع المنصور يوما أو يومين في السنة فتغلق المحال، ويحرز الجمع بمائة ألف أو يزيد.
    وقال الإمام ناصح الدين بن الحنبلي في معرض حديثه عن ابن الجوزي ومجالسه:
    اجتمع فيه من العلوم ما لم يجتمع في غيره، وكانت مجالسه الوعظية جامعة للحسن والإحسان باجتماع المشجعة، والمعاني المودعة في الألفاظ الرائجة، وقراءة القرآن بالأصوات المرجعة والنغمات المطربة، وصيحات الواجدين، ودمعات الخاشعين، وإنابة النادمين، وتوبة المذنبين. وعظ وهو ابن العشرين على أن مات ولم يشغله عن الاشتغال بالعلم شاغل، ولا لعب، ولا لها، ولا سافر إلا إلى مكة، ولقد كان فيه جمال لأهل بغداد خاصة، وللمسلمين عامة، ولمذهب أحمد منه ما لصخرة بيت المقدس من المقدس، حضرت مجالسه الوعظية بباب بدر عند الخليفة المستضيء، مجالسه بدرب دينار في مدرسته، مجالسه بباب الأزج على شاطئ دجلة، وسمعت عليه مناقب الإمام أحمد، وبعثت إليه من دمشق فنقل سماعي بخطه وسره إلي، وحضرت معه دعوتين فكان طيب النفس على الطعام، وكانت مجالسه أكثر فائدة من مجالسته.
    على أن ابن الجوزي بالرغم من أن الحياة الوعظية قد اقتضت كثيرا من ساعات عمره، وشربت حتى الثمالة من ماء حياته، فإن الحياة التأليفية التي يبرز فيها ابن الجوزي كدائرة معارف، وقبلة للتالد منها والطارف قد نالت حظها من شخصيته فصيرته من أكثر أعلام الإسلام إنتاجا وغزارة مادة، فكتبه وتآليفه في مختلف العلوم العقلية والنقلية تبلغ حد الإكبار والإجلال  لما تحويه من معلومات قيمة، وأفكار ناضجة، إلا أن موضع القرابة في شخصية ابن الجوزي يتجلى في التنوع الذي امتازت به، فجعلت إمامته في الفقه والحديث، كإمامته في الأدب والاجتماع، والأخلاق والفلسفة، فما هي تآليفه وكم بلغت مصنفاته؟ وما هي الفروع العلمية التي كتب فيها وصنف؟ هذه جملة استفهامات ستتناولها بالإجابة في هذا الباب:

- ابن الجـوزي والحيـاة التأليفيـة –
    إن المعطيات التأليفية التي طلع بها القرن السادس -6 – على الأفق الفكري كانت من أدق ما هيئ للبحث والدراسة، ومن أبدع ما وضع للتصوير والإبداع، فابن الجوزي – وهو إمام هذه الثلة التي تطوعت للكتابة والتأليف – كان من أولهم الذين ضحوا بأعمارهم وطووا صفحات من أيامهم في الجمع والتنقيب، والكتابة والتصنيف، فكان يكمل نهاره بليله وهو جاد في وضع كتاب، أو ترتيب معجم، أو تصحيح أثر، وكل ذلك ليضع أئمة الفكر الإسلامي لإفادة المجتمع الإنساني إفادة تتفق والسمو الذي جاءت به التعاليم الإسلامية في أطر التعاليم القرآنية، والواقع أن ابن الجوزي قد صنف ما لا يمكن للعقل البشري أن يصدقه بالنسبة لإنسان قضى وقته فيما بين صحة ومرض، وتوجيه وإصلاح، بالإضافة إلى المشاكل المعيشية التي اقتضتها ظروف الحياة، على أن كل العقبات قد تخطاها هذا الداعية بقوة إيمانه؟، وشدة تمسكه بعقيدته المنحصرة في أن الحياة الدنيا إن هي إلا فترة وجيزة يجب على الإنسان أن يغتنم فيها بكل ما أوتيه من وسائل الاغتنام، أبالتوجيه والإصلاح، أم بالدعوة والإرشاد، أم بالخدمة والجهاد، أم بالتأليف والتصنيف، فكلها أخلاق ومكارم، وإن اختلفت أوجهها وتعددت طرقها فهي في نقطة الخير والصلاح ألصق ببعضها وإليه تسعى مع كل ما انتظم في سلكها، فأين الجوزي في باب التصنيف والتأليف، كابن الجوزي في باب الوعظ، وكابن الجوزي في باب الزهد والتصوف، كان يريد أن يضرب المثل الأعلى للإنسانية في كل ما يمكن للنفس الإنسانية أن تتسع له من أخلاق وآداب وحسن خصال، فألف في التفسير ما يقرب من خمسة عشر كتابا جلها يحتوي على كثير من المجلدات، وصنف في علم الحديث ما يقرب من ثمانية وعشرين كتابا، وفي علم تواريخ السير ما يربو على اثني عشر كتابا، وفي علم العربية ما يصل إلى إحدى عشر كتابا، وفي الرقائق أربعة وعشرين كتابا، وفي الرياضيات ونحوها اثنين وثلاثين كتابا، وفي الوعظ ما يزيد على خمسين مؤلفا، وفي الطب ما يلامس السبعة كتب، فيكون جميع ما ألف حسب هذه الرواية التي أوردها سبطه ابن الجوزي مائتين وخمسين كتابا تقريبا فيها من المؤلفات ما تبلغ أجزاؤه الثمانين، على أن ما أورده السبط في حصر كتب جده بهذا العدد قد زاد عليه بعض الثقاة من المؤرخين الكثير، فقالوا بأن تصانيفه قد بلغت ثمانمائة (800) اختزنها وأودعها حكمة وصوابا.
    قال شيخ الإسلام الإمام بن تيمية في أجوبته المصرية:
    "كان الشيخ أبو الفرج مفتيا كثير التصنيف والتأليف، وله مصنفات في أمور كثيرة حتى عددتها فرأيتها أكثر من ألف مصنف، ورأيت له بعد ذلك ما لم أره".
    وقال الحافظ الذهبي: "ما علمت أن أحدا من العلماء صنف ما صنف هذا الرجل" على أن هذا الجمع من المؤلفات القيمة لم يطبع منها إلا قليل القليل لا يتعدى الستة عشر كتابا وهي:
- دفع شبه التشبيه: وهو في أربعة أجزاء.
- فضائل عمر بن الخطاب: وهو في سفر واحد.
- مناقب الإمام أحمد: وهو في مجلد واحد.
- صفوة الصفوة: وهو في خمس مجلدات.
- مناهج القاصدين: وهو في أربعة أسفار.
- المنتظم: وهو في عشر مجلدات طبع منه ستة.
- مناقب بغداد: وقد وقع اختلاف في هذا الكتاب، فالكتاب المطبوع المنسوب إلى الجد هو لحفيده السبط، فله هو أيضا كتاب يحمل المعضلة التي كثيرا ما يقع فيها الناشرون تحتاج إلى موضوع قائم بذاته.
- المدهش: في مجلدين.
- صيد الخاطر: في سفر.
- الأذكياء: في سفر.
- الحمقى: في مجلد.
- تلبيس إبليس: في مجلد.
- الياقوتة: وقد طبع أخيرا.
    على أن هناك مؤلفات أخرى ما زالت عين النشر والطباعة نائمة عنها، وهي موجودة في الخزائن الكبرى من العالم الإسلامي التي تحوي المخطوطات العربية النفيسة. أما مؤلفاته الأخرى فجلها قد أغمطها التاريخ والتاريخ لا يرحم، وضاعت كما ضاعت كثير من المؤلفات الكبرى لغيره من الأئمة العظام، ولا تدري كم كانت كثير من الدفائن ستنقل لنا من غرائب الأدب، ونوادر التاريخ ما لا يعلمه إلا مبدع هذا الكون، فلنكف عن الرثاء حيث لا يجدي الرثاء، ولتقم همم المحققين والباحثين إلى تحقيق ما تحت أيديهم من مخطوطات هذه الشخصية العالمية ونفض الغبار عنها وطبعها ونشرها علنا نكون قد قدمنا لهذا الإمام حسنة وقد قدم للمجتمع الإسلامي حسنات.

- المحنـة والوفـاة –
    قد يكون من الموضوعات الطريقة التي لم أر بعد أحدا قد تجند إلى الكتابة فيها، وأجلاء العبرة من ورائها هو موضوع المحن والنكبات التي أصيب أعظم مفكري الإنسانية بنتائجها، وقاسوا من شدائدها، وتجرعوا من كؤوسها، وهو في الواقع موضوع هام ولطيف يستعرض فيه الباحث المحن والأرزاء التي اختتمت بها حياة هؤلاء العلماء والمفكرين، وكأن الإنسان ليأبى أن يقدم كهدية لهؤلاء هذا الألم والشقاء، فما عرفنا من الإنسان إلا إعراضه عن الخير وإنكاره للجميل. فما سقراط الذي عاش في بلاده أثينا يمدها بروح من فلسفته الوجودية، ويغذيها من أفكاره الميتافيزيقية الخالدة إلا من هؤلاء الذين اختتمت حياتهم بأعظم مأساة عرفها التاريخ الإنساني وهي الحكم بالإعدام صلبا، وما ابن الخطيب الذي عاش في الأندلس يؤلف ويسجل ويناظر، ويكتب إلا وقد تكالب عليه أعداء التاريخ ليخنقوا مواهبه فجازوه بالموت والدفن، وليتهم تركوه بل أخرجوه من قبره، وشوهوا بجسمه، والتاريخ من ورائهم يسجل ويسطر، لأن التاريخ سيان عنده أسجل الخير أم الشر، كل ما يهمه أن يكون هناك نوع من الشذوذ في كليهما، فليس  من يصدق أو يعمل عملا خيريا من هذا القبيل على التاريخ أن يسجله أو من يرتكب جريمة أو عملا شرسا من هذا القبيل على التاريخ أن يكتبه، فالتاريخ يبحث عن الخير والشر سواء ولكن مع وجود نوع من (اللاعادية) أو قل إن شئت نوعا من الشذوذ الخارق، فالعبرة حاصلة وهي التي تهم التاريخ سواء عن طريق الخيرية أو الشرية.
    فابن الجوزي وهو في إطار هذه الدائرة التي اكتسحتها يد الزمان، وتلون الأنداد والخلان، قد تعرض لكثير من الخصومات، واصطدم بكثير من الأقوال المغرضة التي كان القصد منها الإقلال من قيمته، وبث نوع من الشك في صدق إسلاميته وإيمانه.
    قال ابن الجوزي: "وظهر أقوام يتكلمون بالبدع، ويتعصبون في المذاهب، فأعانني الله سبحانه وتعالى عليهم، وكانت كلمتنا هي العليا".
    وقدم مرة إلى بغداد واعظ يقال له البروي، فتعصب في كلامه على الحنابلة كثيرا، فلم تطل مدته حتى هلك، وكان في تلك الأيام قد غدا ساع أسود للشيعة وخرجوا للقائه، فانبط ووقع ميتا، فضاقت صدورهم لذلك.
    وبقيت هذه المشادة بين المتعصبين للحنابلة وبين بعض الشيع الأخرى كالسنية والحنفية والشيعة مستمدة أصولها إلى أن بلغ ابن الجوزي الثمانين ولم يعد يستطيع أن يقوم ويجادل فلقد بدأت روحه تطل على العالم العلوي، فنصبوا له وهو في أرذل العمر وأرادوا أن ينتقموا لأنفسهم من هذا الإمام لا لشيء إلا لأنه كان يدافع عن الحق والإسلام، فبعد أن تولى الوزارة ابن القصاب – وكان رافضيا – سعى في القبض على ابن يونس وتتبع أصحابه فقال له الركن: أين أنت عن ابن الجوزي فإنه ناصبي ومن أولاد أبي بكر، فهو من أكبر أصحاب ابن يونس، وأعطاه مدرسة جدي، وأحرقت كتبي بمشورته؟ فكتب ابن القصاب إلى الخليفة الناصر وكان الناصر له ميل إلى الشيعة، ولم يكن له ميل إلى الشيخ أبي الفرج، بل قد قيل: إنه كان يقصد أذاه، وقيل: إن الشيخ ربما كان يعرض به في مجالسه، فأمر بتسليمه إلى الركن عبد السلام فجاء إلى دار الشيخ وشتمه وأغلظ عليه وختم على كتبه وداره، وشتت عياله.
    فلما كان في أول الليل حمل في سفينة وليس معه إلا عدوه الركن وعلى الشيخ غلالة بلا سراويل، وعلى رأسه تخفيفة فأحضر إلى واسط، وكان ناظرها شيعيا، فقال له الركن: مكني من عدوي لأرميه في المطمورة، فزبره، فقال يا زنديق: أرميه بقولك، هات خط الخليفة، والله لو كان من أهل مذهبي لبذلت روحي ومالي في خدمته، فعاد الركن إلى بغداد.
    قال ابن القادسي:
    لما حضروا واسط جمع الناس، وادعى ابن عبد القادر على الشيخ أنه تصرف في وقف المدرسة، واقتطع من مالها كذا وكذا، وكذب فيما ادعاه، وأنكر الشيخ، وصدق وبر، وأفرد للشيخ دارا بدرب الديوان، وأفرد له من يخدمه، وبقي الشيخ محبوسا بواسط ما يقرب من خمس سنين، وكان يرسل من وحي أحزانه وأشجانه أشعارا كثيرة إلى بغداد، ولم يتمكن من الدخول إلى الحمام طوال هذه السنوات وكان يختم القرآن كل ليلة إلا سورة يوسف من شدة حزنه على ولده يوسف إلا أن الألطاف الإلهية قد تداركته فسكنت روعته، وهدأت وحشته، فإن ولده محيي الدين يوسف ترعرع وأنجب، وقرأ الوعظ ووعظ، وتوصل وساعدته أم الخليفة وكانت تتعصب للشيخ أبي الفرج فشفعت فيه عند الخليفة الناصر، حتى أمر بإعادة الشيخ إلى بغداد وخلع عليه، وجلس عند تربة أم الخليفة للوعظ وأنشد:
     شقينـا بالنـوى زمنـا فلمـا
    تلاقينـا كأنـا مـا شقينـا
     سخطنـا عندما جنت الليالـي
    فما زالت بنا حتى رضينـا
     سعدنا بالوصال وكـم شقينـا
    بكاسات الصدود وكم فنينـا
     فمن لم يحي بعد الموت يومـا
    فإنـا بعدمـا متنـا حيينـا
    إلا أن الأعراض المرضية التي تأثر بها مدة سجنه بدأت تظهر عليه في صحته فبقي على هذه الحال سنتين إلى أن التحق بربه فهو خير مجاز، وذلك ليلة الجمعة من شهر رمضان سنة خمسمائة وسبع وتسعين (597)هـ.
         

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here