islamaumaroc

عقيدة الإسلام شريعة وكفاح

  الرجالي الفاروقي

19 العدد

جاء الإسلام وهو عقيدة تنبعث من أعماق القلوب. وعمل يظهر بمختلف الأسلوب. فكانت العقيدة فيه أصلا أصيلا. وكان العمل فيه تابعا ولازما. والعمل إذا لم يكن له سناد معنوي أولا وعماد مادي ثانيا يتوقف عن سيره ولا يمضي في طريقه. فلا تذهب عجلته إلا بقوة تدفعها. وروح تحركها. وذلك روح الإيمان والإيقان. ثم سر الأمداد والإمكان فالإنسان يسمو بصحة العقيدة وصدق العزيمة وحسن التربية. وعلى هذا الأساس تنبني سائر الأعمال وترتكز جميع الحركات. وصدق النتائج بصدق المقدمات.
هكذا نشأ الإسلام في حياته الأولى فكان صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم يحاول أن يثبت هذا المبدأ في النفوس ويغرس شجرة الإيمان في القلوب. وكان يتخولها بموعظته ومؤاخاته بين أصحابه. ويسقيها بمعارفه وحكمه. والوحي يأتيه في ذلك من ربه. حتى إذا ما انبثقت وثبتت هيمنت قوة الإيمان على المشاعر والحواس. وجعلت صاحبها مستعدا لتنفيذ جميع ما فرض عليه من الأعمال. وصابرا على تقلبات الظروف والأحوال. ومرت الدعوة على هذا النمط في طورها الأول واقتضت حكمة الله انتقال الدعوة إلى محل خصيب. قابل للبذر. صالح للإنتاج. فكانت مدينة الأنصار مجالا واسعا للنفوذ ومكانا ساميا في الوجود. ويومئذ فرض التكافل الاجتماعي بين المسلمين. وهيئت معاهدة التئاخي بين الأنصار والمهاجرين. وبدأت التكاليف والتشريعات المدنية تتوالى شيئا فشيئا. ومن ذلك الحين رسم الإسلام خطته المحكمة وتابع نشاطه العملي في المصالح الأساسية والحروب الضرورية. حتى رجحت كفته وانتصرت حجته وأصبحت الجزيرة العربية فيما بعد مهد الإسلام الأول ثم تتابعت أعمال الفتح والإنشاء. والتمدين والبناء إلى أن تم صرح المدنية الإسلامية. وتجاوزت الحدود العربية. إلى ما وراء البحار من الكرة الأرضية وأشرقت الآفاق بأنواره. وتضوعت الأرجاء بنشر ذكائه. وكل هذه المعاني السامية من إيمان وصبر وعمل وشكر وجهاد ونصر يوحي بها شهر رمضان ذلك الشهر الذي أنزلت فيه التوراة والزبور والإنجيل والفرقان ذلك الشهر الذي يذكرنا بعزة الإسلام في غزاة بدر«ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون» ذلك الشهر الذي فتحت فيه أم القرى أبوابها وشرحت للإسلام صدر ها فكان شهر الفتح والنصر دخل فيه رسول الله مكة رافعا رأسه في كتيبيه الخضراء. وعلى ناقته القصواء يقرأ : « إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراط مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا » وافطر صلى الله عليه وسلم في طريقه وقال إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم ،  فأفطروا لمشقة السفر. ولغاية الفتح والظفر. وبهذه الذكريات العزيزة كان كلما أهل هلال رمضان تسابقت النفوس إلى مصافحته. وآمنت بمعانيه وفضائله. وتجددت الذكريات. وارتفعت الأصوات. وغصت المساجد. وامتلأت المعابد. وانطلق المومن يسبح في بحر الإحسان. فيذكر إخوانه المحتاجين ويرحم الأرامل والمقعدين. وتتلخص نفسه من حبائل الشيطان وطبائع الحيوان. وكلما أتى رمضان أضفى على الإنسانية حلة أمن وإيمان. وحب وإحسان. وأملى دروسا من الصبر والكفاح لتحطيم الأنانية والطغيان وإقصاء النفس من المآثم والعدوان.
والصيام لجام المومنين المتقين. ورياضة الأبرار المقربين. وجنة المجاهدين والمحاربين. وله درجات ومراتب. أدناها الكف عن الغذاء وشبه الغذاء وأوسطها امتناع الجوارح من الوقوع في الموبقات. وأعلاها كف النفس عن الوسوسة والالتفات. ومن عادة التشريع الإلاهي انه إذا شرع لعباده سننا وأحكاما لا يقف عند هذا الحد، بل يذهب إلى الترغيب فيه بوسائل الخير والثواب تشجيعا وتنشيطا للعاملين. والنفوس مجبولة على حب الأمل ولا تعيش بالأجل. ولذلك تذكر فضائل الاعمال ازاء شرعية الاحكام.  يقول الله تعالى: (الصيام لي وأنا أجزي به). فيؤول على معنى أن الله ينفرد بمقدار ثوابه وتضعيف حسناته. من أجل أن الصوم يتضمن الصبر وإنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب. وأما غيره من العبادات فقد كشف عن حسابها وقدر ثوابها. الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ويمكن أن يؤول أن جميع العبادات تؤخذ في التبعات إلا الصوم فلا توفي منه المظالم. ويقول الرسول صلوات الله عليه وسلامه: ( من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) إيمانا لا تقليدا ولا خوفا من العار. واحتسابا أي طابت نفسه بذلك واحتسب أجره على الله فلا يستثقل صيامه ولا يستطيل أيامه. هذا بعض ما كان بين يديه. وأما ما وراءه من المقاصد المعنوية فإنه نظام عملي بديع فرضته الشرائع على كل إنسان مكلف صحيح فرضا يتساوى فيه الأغنياء والفقراء والأقوياء والضعفاء. فيمتنعون جميعا عن كل ما يشتهي طبعا ويستلذ عادة طوال أيام معدودات يشعر فيها الفقير بمساوة الغني له في فراغ البطن وخلاء الجوف، كما يشعر الغني بضرورة مواساة المنكوب والمحتاج في الأرض. لأن الألم المشترك يخلق الرحمة ويجلب المودة. والمساواة في الفقر ولو مؤقتا تبعث على المواساة في حال اليسر والغنى. فصار الإحسان بمقتضى هذا النظام المستقيم والمذهب الحكيم ساريا في نفوس الجميع ومعترفا به من طرف الخاصة والعامة على السواء لا يختلفون في حقيقته ولا يتنازعون في شأنه. وكلما نفذ الفكر في الأنظمة الإسلامية وعمق النظر في الخطط الدينية أدرك ما يكمن فيها من معاني الإخاء والمساواة. والإحسان والمواساة. وتهذيب النفوس وتطهيرها من أعمال السوء وءاثار الكفر. وبذلك تكمل الإنسانية. ويرتقى عقلها. ويعم خيرها وفضلها. ثم إعداد الصيام لهذه المعاني الشريفة ظاهر من جهة تعويد الشفقة والرحمة على البائسين والمحرومين وبهما أحياء العواطف والروابط التي أوحى بها الدين وكفلها الإسلام. ومن جهة اعتياد الأمم لنظام العيش والغذاء حيث أنهم يأكلون في وقت معين خاص لا يتقدم واحد على ءاخر وذلك من معاني التوحيد في الشعوب المتمدنة. ومن جهة إزالة الصيام لرواسب المادة وتجفيفه للعفونات الضارة. وغسله الأمعاء من سموم البطنة طلبا للصحة والراحة. ومن جانب تهيئته لخشية الله ومراقبته في السر والعلن. فالصيام سر بين العبد وربه لا يشرف عليه حد غيره، فمن مارس هذه الخشية وداوم عليها شهرا كاملا تعود الحياء من خالقه والمراقبة في أمره ونهيه. والشعور بالمراقبة هو العامل الأساسي في نجاح العبادات والأعمال. والباعث القوي على التدرج في مقامات الكمال. وتلك المراقبة تؤهل الإنسان إلى سعادة الدنيا وسعادة الأخرى. ولولا أن الصوم كان بهذه المكانة بين شرائع الدين وفرائض الإسلام لما وعد الله الصائمين أن يتولى ارجهم بنفسه وأضاف ذلك إلى ذاته. فلنحذر أن نصوم البهائم إذا منعت من الأكل ساءت أخلاقها واشتد باسها وقوى غضبها. ولنبتعد من ارتكاب الخطيئات وانتهاك الحرمات. واستكثار ألوان المطعومات والمشروبات. فلذلك لا يليق بالمؤمن الكامل ولا يحقق كسر الشهوة ولا يؤمن من شر التخمة. ومن امتلأت معدته نامت فكرته وخرست حكمته وقعدت أعضاؤه عن العمل. والله يوحي إلينا على لسان نبيه وصفيه:(وكلوا واشربوا ولا تسرفوا أنه لا يحب المسرفين) فالصوم يتقي به شر أخلاط المعدة وأخلاق السوء ويتقي به الفساد في الأرض والانحراف في العقل والتبذير في الأموال فهو سعادة المؤمنين يرقى عقولهم ويزكي نفوسهم ويرفع مقامهم. والصائم حقا هو الذي يحتضن الفضائل الإسلامية ويلتزم الأخلاق المحمدية. ويعتنق الآداب الشرعية. فيخرج وقد حلق في الجو بفضائله، وافرغ على البشرية حلل معانيه. وما أحسن إشاعة روح فضائل الصيام بين الشباب رجاء أن يساس الشعب بهذه السياسة الرشيدة. لتمكين سلطان الدين من قلوب العامة وأخذهم به من أول عهد الصبا فيطلعون في كنفه ويتربون في أحضانه ولعل السبب في انحدار المستوى الاجتماعي وتدهور معناه يرجع إلى تربية الأطفال. من لدن نعومة أظفارهم وتعليق تمائمهم على خلق الاستخفاف بالدين والتحلل من قيوده وتكاليفه فيشب اغلبهم أبعد ما يكون استمساكا بالآداب الدينية والأخلاق الطاهرة فإذا وصل بهم العمر إلى طور الرجولة كانوا منبع فتن ومصدر قلاقل يضطرب من جرائها حبل الأمن والسلام. ولا يسع أحدا أن ينكر ما للتربية الأولى في الصغر من اثر في الخير أو الشر. فإذا أخناه في مبتدأ حياته بالفضل والطهر والصدق والأمانة سعد من أثر في الخير أو الشر. فإذا أخذناه في مبتدأ حياته بالفضل والطهر والصدق والأمانة سعد في نفسه و سعد  به مجتمعه أيضا. وإلا فالويل له من نفسه وويل مجتمعه من سفهه. ولا بد في الشعوب الجاهلة أو المتمردة على الأخلاق والدين من سلوك طريق الالتزام مرة واللجوء إلى اللين تارة أخرى. والمسلك الأول أكثر نجاحا وأوفق طريقا لأن كثيرا من الناس لا يتأثرون من غير هذه الناحية وهو ما رآه عثمان بن عفان رضي الله عنه حين قال كلمته المشهورة(إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) ونسأل الله وحده أن يجعلنا ممن اتبع هداه وخالف نفسه وهواه والسلام.

 


 

 
 

 

 
 


 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here