islamaumaroc

الأصالة والزيف

  دعوة الحق

149 العدد

     1 – العصرية والتراث
    على شاطئ نهر فاس – قرب محطة القطار – تمتد ملاعب رياضية ومروج معشوشبة. وعلى ضفته الشمالية توجد حفرة مستطيلة الشكل، عميقة ومتسعة، كانت فيما مضى منجما لنوع خاص من الحجر، وخلال شتاء 68 فاض النهر وغمر الأراضي المحيطة به، وما عاد إلى وضعه الأصلي حتى غير الطبيعة على جانبه تغيرا تاما، فالسمك أخذ يسبح في الملاعب ويخترق المرامي دون ما حراس أو شبكات! والمنجم القديم استحال منظرا بديعا، فبعد أن ترسبت الأتربة والأوحال صار بحيرة رائعة تعكس الظلال والقمر والنجوم.. ويبدو أن المرآة الأرضية "غارت" من اللوحة السماوية أو أنها أرادت أن تتحرر من سلطانها، وأنفت من أن تكون مجرد عاكسة منفذة لأوامر عليا، وتاقت إلى أن تخلق لها قمرا ونجوما خاصة بها، فبزغت على سطحها أزهار عجيبة في خلقتها، إذ كانت منفصلة عن الأرض تماما ولا تستمد قوة بقائها واستمرارها إلا من سطح الماء..! وعلى كل فقد عاشت هذه الزهور المجثوثة أكثر من ثلاثة أشهر، كانت البحيرة أثناءها محط رحال عشاق الجمال وذهب الغروب وهو يسيل على  الأزهار المائية ويلون وجه المرآة السحرية... يبدو أن الحكمة الإلهية أرادت أن تعطي درسا للمخدوعين بالمظاهر والواجهات، أو أنها أرادت أن تؤدب هذه البحيرة المتمردة على النواميس الكونية، فأرسلت عاصفة هوجاء لتمزيق القناع المزيف، فمسحت الوجه المشرق وطمست نجومه الزاهرة، وألقتها على الشاطئ شاحبة محتضرة بينما كانت الأزهار الأرضية ذات الجذور تتغامز ضاحكة..! كنت أشهد انكشاف وجه الزيف في شبه غيبوبة عندما أيقظني رفيقي بهذين البيتين:
    ما ربع مية مغمورا يطيف بـه
   غيلان أبهى من ربعهـا الخـرب
    ولا الخدود وقد أدمين من خجل
   أشهى إلى ناظري من خدها الترب
- ما محل "أبي تمام" من الإعراب هنا ونحن نراجع الأدب الحديث؟
- أردت أن أهمس في أذنك بأن النشوة التي كانت تهز "أبا تمام" يوم إحراق "عمورية" – عندما وقف يتغزل بأسوارها المشتعلة – أحس بها الآن تستولي عليك فتجعلك مسرورا بمنظر تخريب هذه البحيرة الوديعة.
- حدسك أخطأ طريقه إلى الصواب هذه المرة، الحلاوة التي أحسها الآن من نوع آخر، لقد كانت العاصفة تسكب في أذني أغنية بالغة العذوبة. ألا ترى معي أنها كانت تقول ما يهمس به هنا "إسماعيل  عز الدين"؟ أنظر، وقربت إليه كتاب "الشعر العربي المعاصر" الذي كنا نراجع بعض فصوله استعدادا للامتحان. قرأ رفيقي هذه الفقرة التي كان تحتها سطر أحمر: "فالعصر الذي ينفصل عن الجذور إنما يشبه النبات الذي يعيش على سطح الماء، فلا يقوى على مقاومة التيارات العنيفة"  ثم هز رأسه وقال كفانا من الفلسفة ما قرروه علينا، وجذبني من ذراعي. تابعنا طريقنا بجانب النهر ونحن نراجع موضوع "العصرية والتراث" والرياح ما تنفك عاصفة قاصفة.

    2 – الزبد والأصداف:
    لكن انتظروا، فللمسرحية فصل آخر: فقد حل فصل الصيف بحرارته المفرطة، وسلطت الشمس أشعتها المحرقة على مياه البحيرة فأخذت تبخرها شيئا فشيئا، وكل يوم كان يمر كان عمقها يقل ونتوءاتها تظهر، ومخابئ سمكها تنكشف، وفي آخر غشت تخلى الأطفال عن السنارات والقمصان والخرق وأخذوا يجمعون السردين بقبضة اليد..! كانت السمكات الصغيرة تنتفض وتسقط هامدة، وسمكات أخرى بشرية تنتفض وتسقط في مرآتي! كنت أسترجع صورا وأشرطة هذا الشباب الظامئ إلى المعرفة وروح العصر، يلتفت إلى التيارات والمذاهب الواردة، ويفتح لها قلبه عن حسن نية، مدفوعا برغبة جامحة إلى التفتح ومواكبة ركب الزمان، لكنه يتعجل الطيران قبل الأوان فيسقط في فخاخ السطحية ومستنقعات القشور. لأنه لا ينطلق من أرضية فكرية صلبة ثابتة، تمتد جذورها في أعماق تاريخ أمته وحضارتها وقيمها ومقوماتها الخالدة، يسقط ويقع حيث هيأت له الأيدي الخفية المصدرة للمذاهب والمبادئ أن يقع: داخل شباك وشراك فكرية ونفسية تنتشر في الشوارع و"الأندية" والمكتبات، ومراكز البعثات، حيث يعلب ويقولب و"يكفن" في أزياء فكرية وفلسفية صيغت و "فصلت" وخيطت على قدر تفكيره وطموحه.. وعندما يدرك تناقضاته ويحس أنه يعيش على قشور الحضارة الحديثة وهامشها، ويشعر بعجزه عن مسايرة العصور مسايرة حقيقية يلجأ إلى الخيال فيغرق نفسه في بحيرات من الخمور وغيرها من المخدرات في محاولة للذوبان والنسيان. وبذلك يترك الفرصة لأصابع "جراحة" ماهرة لتجري له عملية "افسال" جماعية للأدمغة والألسنة والقلوب، فلا يعود يحس إلا بإحساس الأجنبي، ولا يفكر إلا بتفكيره ولا يتكلم إلا بلغته، ولا يحترم إلا تاريخه وحضارته وأعلامه.. وهكذا ينفصل عن منابعه الأصلية ويغرق نفسه في بيئة مصطنعة طارئة تستمد أسباب بقائها من بقاء الأجنبي – كما استمدت البحيرة وأزهارها المائية أسباب بقائها من حملة طارئة وماء خرج من مجراه – فيصبح مدافعا عن وجوده – أي وجود الأجنبي – وحضوره في شكل ثقافة وسلوك ونظام حياة..
    السؤال الذي كان يلح علي وأنا أشهد اختناق السمكات الصغيرة واحتضارها، هو: إلى متى؟ هل سيأتي يوم تستيقظ فيه الضمائر المخدرة ويعود رجال الغد إلى نفوسهم وجذورهم؟ أم أنه كتب على جيلنا الناشئ أن يظل مجثوثا إلى الأبد كالأزهار المائية؟ لست متشائما ولذلك فإن إيماني بهذه اليقظة عظيم، ويقيني فيها راسخ وعميق. فحتى لو فرضنا أن زمرة من فلذات أكبادنا انحرفت نهائيا ولا أمل في عودتها فإن هذا لا يمكن أن يدعو إلى اليأس التام ونحن نشاهد هذه الأفواج الهائلة والصفوف الطويلة من الأطفال والفتيان والشبان وهم يؤمون المدارس والمعاهد صباحا ويغادرونها مساء. هذا النبت الجديد الغض اليانع لا يمكن أن يجرفه التيار كله ويطوح به بعيدا. فهو معقد آمالنا ومناط رجائنا، فإذا ما طفت الفقاقيع وتبخرت فإن الأصداف تظل في الأعماق محتفظة بدورها، فضمير ووجدان الشعب المغربي المسلم العريق في الحضارة والمجد لا يمكن أن يخلو من الأصداف التي ستدفع في يوم ما بمستودعاتها ودررها وكنوزها، وصدق الله العظيم: "فأما الزبد فيذهب جفاء، وأمام ما ينفع الناس فيمكث في الأرض".

    الأفيون الأحمر:
    ضغطت على الجرس مرات – كالعادة – قبل أن يفتح الباب ويطالعني بوجهه المتعب وشعره الأشعث الأغبر.   
- تفضل، قالها بسرعة وعاد ليرتمي على السرير في تهالك كعجوز جاوز السبعين.
وكالعادة كانت هناك كتيبات ونشرات مبعثرة في كل مكان، فوق السرير، على الطاولة، تحت أرجل الدولاب، وحسب معرفتي ببيت صديقي فإنني كنت متأكدا من أنني حتى لو ذهب إلى بيت دورة المياه لوجدت من هذه النشرات أكواما... ثم ابتدأ حوارنا الذي لا ينتهي، فابتدرته:
- إلى أين وصل تفكيرك؟
- لقد يئست. أقولها لك بصراحة. ولقد يئست من مصير هذا العالم الممتد من "جاكرطا" إلى "طنجة" لحد الآن لم توجد امرأة مسلمة تلد لنا مثل هذا. (وأشار إلى صورة مطبوعة على صدر كتيب أحمر).
- أي شيء يعجبك في "ماو"؟
- كل شيء. إن عبقريته لا تتجلى في تحرير بلاده من الاحتلال العسكري وتجار الأفيون فقط، بل تظهر واضحة في هذه الثورة الثقافية التي حررت الإنسان الصيني من الداخل، وخلقته خلقا جديدا.
- ألا تظن أن هناك إنسانا آخر قام بثورة ثقافية أعظم من ثورة "ماو"؟
- لحد الآن لم يظهر مثل هذا الرجل.
- إنني أعرف أنك على بينة من التاريخ – على الأقل – وإنك قرأت فيما قرأت أن رجلا جاء إلى شعب كان قبائل متفرقة تمزقها الصراعات الداخلية، وتستعبد جسدها شيوخ القبائل وزعماؤها، وتخضع روحها وفكرها سدنة الكعبة وأصنامها وحراسها، فحرر هذه القبائل ووحدها وجعلها أمة قوية عظيمة زعزعت أركان إمبراطوريتين، وشع ضياؤها على الشرق والغرب.
- لماذا هذا الرجوع إلى تاريخ مات وانقضى ومحاولة الاستضاءة بأقمار ونجوم أفلت وانطفت؟ ثم ما هو وجه الشبه بين مفكر ورسول؟
- أولا إنه ليس تاريخا مات وانقضى كما يخيل إليك، بل هو استمرار وحياة نابضة مشرقة وضاءة، اختفى ضياؤها بالنسبة لك خلف هذه الكتيبات والنشرات المخدرة، أما عن وجه المقارنة بين مفكر ورسول، فالحق معك، لأنه لا مجال للمقارنة بينهما، إذ الفرق شاسع كبعد السماء عن الأرض، ذلك أن الثورة التي قام بها محمد عليه السلام جاءت في كتاب نزل من السماء لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أما ثورة صاحبك فهي نتيجة تفكير بشري، هذا التفكير الذي يصيب حينا ويخطئ أحيانا، إنني أقولها لك بصراحة. ألا ترى معي أن هذه النشرات والكتيبات التي تقول لك أن الدين أفيون الشعوب وتحول بينك وبين تاريخك وجذورك وأصالتك. ألا ترى أنها حلت محل الكتب السماوية وأصبحت لك أفيونا!؟ وأن أصحابها أصبحوا لك من دون الله أربابا!؟
اغتاظ صديقي عندما تجرأت على صنمه المعبود واختطف من يدي "قرآنه الكريم" عفوا كتيبه الأحمر!
 

      
   عن كتاب "الشعر العربي المعاصر" لإسماعيل عز الدين. ص16.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here