islamaumaroc

الدين الحق في الرد على كتاب "بيان الحق"، ليسى منصور -1-

  دعوة الحق

149 العدد

    يقول الله سبحانه وتعالى: "يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون، يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون".
    ويقول جل علاه: "قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل".
    ويقول تعالت كلماته: "يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق، إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته، ألقاها إلى مريم وروح منه، فآمنوا بالله ورسوله، ولا تقولوا ثلاثة، انتهوا خيرا لكم، إنما الله إله واحد، سبحانه أن يكون له ولد، له ما في السموات وما في الأرض، وكفى بالله وكيلا".
    أما بعد:
    فقد ظهرت في العالم العربي والإسلامي هذه الأيام ظاهرة ملفتة للنظر، وهي الهجوم على الإسلام أو الدعوة إلى توهين العقيدة الإسلامية، والغريب في هذا الأمر أن يقوم به مواطنون من داخل هذه الدول نفسها، سواء أكانوا مسلمين أو غير مسلمين ينادون بدعاوى فجة، وأمور مبتدعة ينقلونها عن بعض المستشرقين والحاقدين على الإسلام ورسوله الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بقصد إضعاف الإسلام والتشكيك فيه...
    ولكن مهما حاول هؤلاء وأولئك فلن يستطيعوا أن ينالوا من الإسلام شيئا وسيبقى الإسلام دائما قاهرا منتصرا، وسوف تموت هذه الدعوات الخبيثة، ويموت أتباعها ومروجوها غيظا.
    ومن الكتب التي ظهرت مؤخرا كتاب "بيان الحق" للكاتب المسيحي يسى منصور ادعى فيه كاتبه أن القرآن الكريم اقتبس الكثير من إنجيل يوحنا وأورد كثيرا من الجمل من الإنجيل وقابلها ببعض آيات من القرآن الكريم ليدلل على أنها منقولة من الإنجيل (من ص79 إلى ص99 من الجزء الثاني) والآيات التي جاء بها تختلف اختلافا تاما عن كلام الإنجيل المدعى أنها مقتبسة منه.
    ثم جاء بجمل أخرى من رؤيا يوحنا في سفر الرؤيا بالإنجيل وأثبت أمامها بعض آيات القرآن ليبين اقتباسها منها (ص99 – 101) وهي أيضا لا تؤيد رأيه وإنما تدحضه.
    وفي ص126 يتحدث المؤلف عن المسيح عليه السلام في القرآن فيدعي أن القرآن لقب المسيح بألقاب إلهية منقولة عن الكتاب المقدس وأخذ يؤول الآيات القرآنية حسب هواه.
    وبلغت حملته ضد القرآن الذروة حينما شكك فيه حيث يقول في ص130 ما نصه:
    (ولنا الحق أن نفهم على ضوء التوراة والإنجيل من غمض في القرآن من النقاط المشتركة لأن القرآن نفسه في حالة شك من شهادته أو من فهمها يحيلنا إلى الكتاب المقدس).
    "فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك".
سورة يونس294 اهـ
    ولقد صدر هذا الكتاب في طبعتين الأولى سنة1964 والثانية سنة1968 ونفذت نسخه من المكتبات ولم ينتبه إليه أحد.
    وسنحاول في الصفحات التالية الرد على هذه المفتريات، وإن كان خير رد عليه وعلى أمثاله ما يقوله الله سبحانه وتعالى فيهم:
    "لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم" سورة المائدة17.
    إن الكاتب في ادعائه أن القرآن مقتبس من إنجيل يوحنا يعتقد أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو مؤلف القرآن، وقد اقتبس من الإنجيل النصوص التي أشار إليها في كتابه. وهذا الافتراء مردود عليه بداية بما يلي:
    أولا: كان الرسول العربي صلى الله عليه وسلم أميا لا يقرأ ولا يكتب، فلم يطلع على الإنجيل أو غيره من الكتب، ولذلك كان القرآن الكريم معجزته الكبرى التي تحدى بها العرب وهم أهل بلاغة وأرباب فصاحة، فلم يستطيعوا تقليده، مما يقطع بأن هذا القرآن الفصيح البليغ ليس من قول البشر، بل هو تنزيل من الله سبحانه وتعالى: يقول تعالت كلماته: "وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك، إذا لارتاب المبطلون، بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم، وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون" .
   فلو كان الرسول قارئا أو كاتبا لتشكك كثير من الناس في أمر القرآن، أما وحاله معروفة لديهم فقد آمنوا أنه وحي السماء يأتيه من عند الله سبحانه وتعالى، ويشهد القرآن نفسه بأمية الرسول عليه السلام ويقرر أن التوراة والإنجيل قد بشرا بهذا الرسول الأمي فيقول: "الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون".
    ثانيا: إن النصوص التي ركز عليه الكاتب يدور أكثرها حول ألوهية السيد المسيح، وهذا ما ينكره الإسلام إنكارا تاما، ومحاولة الكاتب التوفيق بين رأي القرآن ونصوص الإنجيل جهل فاضح وتبرير لا يقوم على أي أساس من العقل أو المنطق، لأن أساس الاعتقاد في الإسلام: وحدانية الله، بينما يؤمن النصارى: بعقيدة التثليت، ولا يمكن أن يلتقي أو يتشابه الاعتقادان.
    ثالثا: القرآن كتاب عقيدة وتشريع، بينما نصوص الأناجيل خاصة بأخلاق.. وإذا كان بها بعض العقائد فهي تدور كلها حول لاهوت المسيح وعقيدة التثليت وهو عكس الاعتقاد الإسلامي في وحدانية الخالق..؟؟
    من كل ما سبق كان لابد لنا أن نتحدث عن حرية الرأي في الإسلام وكيف يصبح الرأي جريمة ثم عن القرآن والإنجيل، معرفتين بهما، ومقارنين بينهما، ثم نتكلم في إيجاز عن ألوهية المسيح وكيف دخلت إلى المسيحية ليكون ذلك مدخلا لنا إلى الرد على مفتريات الكاتب وتفنيد دعواه وهو الموضوع الأساسي في هذا البحث.

الفصل الأول
حرية الرأي ومتى يصبح الرأي جريمة؟

    إن حرية الإنسان في إبداء رأيه أو ما يعتقد أنه الصواب من أهم الحقوق التي يقررها الإسلام ويكفلها للأفراد، ولا رقابة على الفرد أو حجر عليه في رأيه طالما كان الرأي خالصا لوجه الله سبحانه وتعالى، ولصالح المجتمع.
    أما إذا تعدى الرأي حدوده بأن اعتدى على الدين أو دعا إلى توهين العقيدة الإسلامية اعتبر ذلك جريمة يجب العقاب عليها.
    وجريمة الرأي ذات شقين:
1- مجرد إبداء الرأي المنحرف ضد الدين.
2- تجاوز إبداء الرأي إلى الفعل المنحرف بقصد الكيد للإسلام ومحاولة تقويض بنيانه.
    إن الإسلام يتعرض هذه الأيام – كما قلنا – لحملات تضليل وتشويه شرسة منبعثة من داخل بلاد المسلمين ويجب وقف هذه الحملات فورا لأنها تخالف نصوص الدساتير العربية والإسلامية التي تنص على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام، ويستتبع هذا النص أن يقوم كيان الدولة على أساس الدين الإسلامي وأن تكون الشريعة الإسلامية هي الحكم بين الناس في تعاملهم وفي كل ما يخصهم من أمور الدين والدنيا وأي مساس أو خروج عن تعاليم الإسلام يعد مساسا بالدولة نفسها وعدوان على سلطتها..
    والنص على دين الدولة في الدساتير من النظام العام الذي لا يجوز مخالفته، ويعاقب كل من يخالف النظام العام للدولة أو يحاول الاعتداء عليه، وعلى ذلك فكل اعتداء أو هجوم على الدين الإسلامي يستوجب عقاب فاعله بأشد العقوبات.. ولكني لا أدري لماذا تتراخى الحكومات عن معاقبة هؤلاء المجرمين والضرب على أيديهم حتى توقف عبثهم وتمنع نشر أباطيلهم.
    وقد يقول قائل أيضا أن الدساتير تنص أيضا على حرية العقيدة، ولكن حرية الاعتقاد المكفولة للجميع لا تمنح لأحد مهما كانت عقيدته أو شخصيته الحق في مهاجمة دين الدولة الرسمي..
    و تنص الدساتير كذلك على حرية الرأي وهذه الحرية مكفولة أيضا في الحدود التي لا تسمح بالاعتداء على حق الغير... فإذا ما جاوز الرأي حدوده فاعتدى على الغير وجب وقفه فورا وعقاب صاحبه.
    إن عمليات الهجوم التي مني بها الإسلام منذ نشأته وحتى الآن لم يكن الباعث عليها حرية الفكر أو الاعتقاد، ولكن الدافع الحقيقي لكل هذا هو محاولة تقويض كيان الدولة والقضاء على دينها إذا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
    وبالتطبيق للنص الدستوري يكون مؤلف كتاب "بيان الحق" قد ارتكب جريمة رأي يجب أن يحاكم عليها هو وطابع الكتاب وناشره لأنه يعتدي على دين الدولة ويروج للكفر باسم البحث العلمي، وهو ليس بالبحث، ولا صلة له بالعلم، بل هو الحقد الذي ملأ قلب كاتبه أراد أن ينفثه سموما في عقول الجماهير.
                                              - * -
الفصل الثاني
القرآن... والإنجيل

التعريف بالقرآن الكريم:
    القرآن هو كتاب الله المعجز المنزل وحيا من المولى سبحانه وتعالى على رسول الإسلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، المنقول إلينا بين دفتي المصحف الشريف عن طريق التواتر وهو يشتمل على كل ما يتعلق بالعقيدة والشريعة في الإسلام.
    قال تعالى: "يا أيها الناس قد جاءكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين" وقال: "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين" وقال: "قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم".
    ويقول تعالت كلماته: "ونزلنا عليك القرآن تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين". والقرآن الكريم نزل بلغة عربية مبينة ليكون معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم بين قومه لا يستطيع أحد محاكاته أو الإتيان بمثل شيء منه " قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا" . فالقرآن الكريم هو المعجزة الكبرى لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    يقول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه عن القرآن الكريم: "كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل. من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، ونوره المبين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم. هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الترداد، ولا تنقضي عجائبه. من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم".
    التعريـف بالإنجيـل:
    الإنجيل هو كتاب الله سبحانه وتعالى الموحى به إلى نبيه الكريم عيسى ابن مريم عليه السلام يهدي به بني إسرائيل إلى عبادة الله، ولكن هل الأناجيل الأربعة المتداولة حاليا هي إنجيل المسيح الذي جاء ذكره بالقرآن الكريم؟
    يقرر مؤرخو المسيحية أن هذه الأناجيل ليست كلام المسيح، أو ما أوحى إليه. وإنما هي من وضع تلاميذه وحوارييه، دون كل منهم إنجيله بنفسه. وقد عرفت المسيحية الأولى قبل مجمع نيقية سنة325 م الكثير من الأناجيل التي كتبت بعد المسيح عليه السلام. ولكن المجمع المذكور استقر على الأخذ بالأناجيل الأربعة المتداولة حاليا ورفض ما دونها.
    إنجيـل يوحنـا:
    وهو الإنجيل الرابع – وضعه يوحنا – كما يقول المؤرخون المسيحيون – عندما انتشر بين الناس ما يعرف بلاهوت المسيح حيث لم يكن مذكورا بالأناجيل الثلاثة قبل يوحنا، فطلب رجال الدين من يوحنا وضع إنجيل يوضح لهم ولجماهير المسيحيين لاهوت المسيح. ولذلك جاء إنجيل يوحنا بالكثير في هذا الموضوع وهو أول من ذكر عقيدة التثليث في الأناجيل.
    ومعنى ذلك أن التثليت انتشر بين بعض المسيحيين قبل أن يكون مذكورا بالإنجيل ثم رأى بعض رجال الدين تأييد ذلك بإنجيل يكتب خصيصا لهذا.
    ويذكر ثقات المؤرخين المسيحيين أن التوحيد كان هو العقيدة السائدة بين المسيحيين بعد المسيح بأكثر من قرنين حيث نشب الخلاف بينهم حول طبيعة السيد المسيح، وأدخل بعض الوثنيين الرومان والمصريين معتقداتهم الوثنية في الديانة المسيحية، فدعا الإمبراطور الروماني قسطنطين إلى مجمع نيقيه سنة325 م وحضره أكثر من ألفين من رجال الدين المسيحي وناقشوا موضوع طبيعة المسيح فكان رأي الأكثرية ويربو عددهم على السبعمائة أن المسيح نبي أرسله الله إلى قومه، وهو بشر مثل باقي خلق الله، أكرمه بالرسالة، ورأى البعض وعددهم ثمانية عشر وثلاثمائة أنه إله متجسد، فاختار الإمبراطور هذا الرأي القريب من وثنيته الرومانية وطرد بقية أفراد المجمع وعقد اجتماعا لم يحضره إلا الثمانية عشر وثلاثمائة حيث أجمعوا على لاهوت المسيح.
    وبذلك كان أول قول بألوهية المسيح يصدر رسميا من هذا المؤتمر، وطالب المؤتمرون بإبطال أي رأي يخالف ذلك وحرمان وطرد كل من يعترض أو يخالف رأي المجمع، واضطهدت الدولة كل من ينادي بالتوحيد.
    أما رؤيا يوحنا فقد رفض المجمع الاعتراف بها، وإن كانت قد اعترفت بها المجامع بعد ذلك. يقول استادلن عن إنجيل يوحنا: "إن كافة إنجيل يوحنا تصنيف طالب من طلبة مدرسة الإسكندرية، ولقد كانت فرقة الوجين في القرن الثاني تنكر هذا الإنجيل وجميع ما أسند إلى يوحنا".
    وتقول دائرة المعارف البريطانية: "أما إنجيل يوحنا فإنه لا مرية ولا شك كتاب مزور أراد صاحبه مضادة اثنين من الحواريين بعضهما لبعض. وهما القديسان يوحنا ومتى، وقد ادعى هذا الكاتب المزور في متن الكتاب أنه هو الحواري الذي يحبه المسيح، فأخذت الكنيسة هذه الجملة على علاتها، وجزمت بأن الكاتب هو يوحنا الحواري ووضعت اسمه على الكتاب نصا مع أن صاحبه غير يوحنا يقينا، ولا يخرج هذا الكتاب عن كونه مثل بعض كتب التوراة التي لا رابطة بينها وبين من نسبت إليه، وإنا لنرأف ونشفق على الذين يبذلون منتهى جهدهم ليربطوا ولو بأوهى رابطة، ذلك الرجل الفلسفي – الذي ألف  هذا الكتاب في الجيل الثاني – بالحواري يوحنا الصياد الجليل فإن أعمالهم تضيع عليهم سدى لخطبهم على غير هدى".
    إن الأناجيل الأربعة وضعت في سنوات غير معروفة لدى المؤرخين ولم تنقل عن طريق التواتر و لا يعرف أحد كيف وصلت هذه الكتب وأصبحت متداولة بين رجال الدين وغيرهم، فهل تعتبر هذه الأناجيل كتب دينية ويحتج بها؟
    على هذا التساؤل يجيب أستاذنا العلامة الشيخ محمد أبو زهرة فيقول:
    "لأجل أن يكون الكتاب الديني حجة يجب الأخذ به على أنه شريعة الله ودينه ومجموع أوامره ونواهيه، ومصدر الاعتقاد وأساس الملة – يجب أن يتوافر في هذا الكتاب أمور:
    أحدهما: أن يكون الرسول الذي نسب إليه قد علم صدقه بلا ريب ولا شك، بأن يكون قد دعم ذلك الصدق بمعجزة أي بأمر خارق للعادة قد تحدى به المنكرين المكذبين، وأن يشتهر أمر ذلك التحدي وهذا الإعجاز، ويتوارثه الناس خلفا عن سلف، وبتواتر بينهم تواترا لا يكون للإنسان مجال لتكذيبه.
    ثانيها: ألا يكون ذلك الكتاب متناقضا مضطربا يهدم بعضه بعضا، فلا تتعارض تعليماته ولا تتناقض أخباره، بل يكون كل جزء منه متمما للآخر، ومكملا له، لأن ما يكون عن الله لا يختلف، ولا يفترق، ولا يتناقض، بل إن العقلاء في كتبهم يتحرون ألا يتناقض قولهم ولا يختلف تفكيرهم.
    ثالثها: أن يدعي ذلك الرسول أنه أوحي إليه به، ويدعم ذلك الادعاء بالبينات وهي المعجزات التي بعث بها الرسول، ودعا إلى كتابه على أساسها ويثبت ذلك الادعاء بالخبر المتواتر أو يثبت بالكتاب نفسه.
    رابعها: أن تكون نسبة الكتاب إلى الرسول الذي نسب إليه ثابتة بالطريق القطعي بأن يثبت نسبة الكتاب إلى الرسول بحيث يتلقاه الأخلاف عن الأسلاف، جيلا بعد جيل من غير أي مظنة للانتحال. وأساس ذلك التواتر أن يروي جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب عن جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب حتى تصل إلى الرسول بحيث يسمع كل فرد من الجمع الراوي الذي سبقه والذي سبقه كذلك حتى يصل إلى الرسول الذي أسند إليه الكتاب ونسب إليه ونزل به الوحي عليه".
    وبتطبيق هذه الشروط على كتب المسيحيين نجد أنها لا تنطبق عليها جميعا، فهي ليست منزلة على السيد المسيح عليه السلام باعتراف المسيحيين أنفسهم، ولم ينقلها جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب وأن الأناجيل تناقض بعضها بعضا في كثير من الأمور الاعتقادية وغير الاعتقادية و بها اضطراب يهدم بعضه بعضا، وأن مؤلفي التوراة ليسوا أنبياء أوحى إليهم وإنما هم من تلاميذ المسيح وحواريه.. وضعوا هذه الكتب في القرن الأول وظلت مجهولة وغير متداولة حتى سنة325 ميلادية حين اعترف بها مجمع نيقيه ولا يعلم رواة لهذه الكتب خلال تلك القرون الثلاثة.
    ألوهية المسيح وكيف دخلت إلى المسيحية:
    قلنا إن المسيحيين في القرن الأول وحتى انعقاد مجمع نيقية كانوا يعتقدون في وحدانية الله سبحانه وتعالى، وعندما دخل كثير من المصريين والرومان إلى الديانة المسيحية ظلوا متعلقين ببعض معتقداتهم الوثنية، واستطاعوا إدخالها في دين المسيح، والمسيح عليه السلام بريء منهم ومما يدعون. وسوف نبين في نهاية البحث ما نقلته الأناجيل من الديانات الوثنية وخاصة في موضوع التثليث.
    وننقل فيما يلي ما يقوله المستشرق المعروف ليون جوتيه في كتابه (المدخل لدراسة الفلسفة الإسلامية) (1).
    التثليث ليس من المسيحية بل من الفلسفة الإغريقيـة:
    1 – كانت المشكلة الفلسفية التي واجهت أولا الإغريق هي: "ما مبدأ كل شيء؟".
    وباجتهاد الفلسفة في الإجابة عن هذا السؤال إجابة محدودة ومقنعة التي تتابعت في تاريخ الفلسفة
الإغريقية. هذه الفلسفة بدأت طبيعية مع الفلاسفة الأيونين، ثم أخذت فكرة التوحيد في الظهور على أيدي سقراط، وأفلاطون، وأرسطو، بحيث رأى هؤلاء أن المبدأ الذي صدر عنه العالم هو الله الواحد الذي لم يتغير، على غموض في تعيين هذه الصفات ونحوها مما يصح أن يتصف بها.
    2 – ولكن بمقدار تعيين هذه المعارف والمعلومات عن الله كانت تكبر الصعوبة الأساسية التي اصطدمت بها المذاهب التي سبقت سقراط: كيف تصدر الأشياء عن مبدئها؟ كيف يمكن أن يخرج الكثير – أي العالم – من الواحد، والمتغير من الذي لا يتغير؟ وإنه كلما قرب المبدأ الأول من الوحدة الحق بصيرورته روحيا، ومن عدم التغير الحق بصيرورته كاملا، تتسع الهوة التي تفصله عن العالم وكثرته، وتصير أكبر عمقا، كما يصبح عسيرا فهم كيف يبرز الله العالم للوجود ويحركه.
    3 – إذا كان الله واحدا وحدة مطلقة كيف يمكن أن يخلق الكثرة  المختلفة دون أن يقبل في ذاته كثرة بأي وجه من الوجوه؟ وإذا كان كماله المطلق يقتضي عدم التغير، كيف تفهم أنه في وقت ما أوجد العالم دون أن يلحقه تغير، مع أنه انتقل من حالة عدم العمل إلى حالة العمل؟ هنا تظهر عبقرية العقل الآري! الواحد البريء من التغير لا يمكن أن يصدر عنه العالم المتكثر المتغير مباشرة. يجب إذن أن تتوسط بينهما وسائط أزلية متدرجة حسب نظام ميتافيزيقي.
    4 – كان أفلاطون أول من أدرك تلك المشكلة وأول من أدرك هذا الحل الذي وجب على العقل الإغريقي فيما بعد – بعد إنضاجه طويلا – أن يجتمع نهائيا عليه، أعني عقيدة ثلاثة أقاليم أو عقيدة التثليث – ص70 – 71.
    5 – هذا المذهب أو هذه العقيدة التي تمثلها عقل أفلاطون، وإن كان أدركها إدراكا، فيه نوع غموض ليس إلا عقيدة التثليث المشهورة، ومن السهل إدراك الغرض منها: الاحتفاظ لله بالكمال المطلق والبراءة من التغير، جعله يضع بينه وبين العالم وسيطين يعتبران دونه خارجين عنه، وعلى نحو ما داخلين فيه أي تتضمنهما ذاته – صادرين عنه، دونه في الكمال، ويجهلانه ممكنا أن يصدر عن العالم الكثير المتغير. أول هذين الوسيطين العقل وثانيهما الروح الإلهية، ص73 – 74.
    6 -   وهكذا كان التزاوج بين العقيدة اليهودية والفلسفة الإغريقية لم ينتج فلسفة فقط، بل أنتج معها دينا أيضا، أعني المسيحية التي تشربت كثيرا من الآراء والأفكار الفلسفية عن اليونان. ذلك أن اللاهوت المسيحي مقتبس من نفس المعين الذي كانت فيه الأفلاطونية الحديثة (يريد فلسفة أفلاطون التي كانت المعين الأصلي للفلسفة الأفلاطونية الحديثة) ولذا نجد بينهما (أب اللاهوت المسيحي والأفلاطونية الحديثة) مشابهات كبيرة، وإن افترقا أحيانا في بعض التفاصيل. فإنهما يرتكزان على عقيدة التثليث، والثلاثة الأقاليم واحدة فيهما – ص93.
    7 – أول هذه الأقاليم هو مصدر كل كمال، والذي يحوي في وحدته كل الكمالات، وهو الذي دعاه المسيحيون الأب. والثاني أو الابن هو الكلمة. والثالث هو دائما الروح القدس ص92 -94.
    على أنه يجب أن يلاحظ (وهذا بعض ما يفرق اللاهوت المسيحي عن الأفلاطونية الحديثة) إن الأقاليم الثلاثة ليست في نظر هذا المذهب متساوية في الجوهر والرتبة. بينما هي متساوية عند المسيحية. فالابن الذي يتولد من الأب لا يمكن أن يكون أدنى منه كمالا. وإلا صار من طبيعة الكامل أن يصدر اضطرارا عنه غير الكامل. وهذا حط من رتبته. وكذلك الروح القدس مساو للأب والابن – ص94.
    هل يجوز أن ينقل القرآن عن الإنجيل أو أي كتاب سماوي آخـر؟
    الكتب الدينية المنزلة من الله سبحانه وتعالى ليست إلا كلامه جل وعلا يوحي به إلى أنبيائه عليهم السلام بما ينظم حياة الإنسان الدينية والدنيوية.
    والاعتقاد هو أساس الأديان السماوية ويجب، بل ومن المحتم، ألا تختلف الكتب السماوية في موضوع العقيدة. والتوحيد هو جوهر الأديان وأساسها بلا تفرقة منذ آدم حتى بعثة آخر الأنبياء عليه الصلاة والسلام، وأي اختلاف أو تحريف في عقيدة التوحيد كفر صريح.
   أما في مسائل محاسن الأخلاق والفضيلة والمعاملات فمن الجائز الاختلاف أو الاتفاق لأن الله سبحانه وتعالى يشرع لكل مجتمع ما يلائمه من التشريعات. فإذا اختلف التشريع الحديث نسخ القديم وإن لم يختلف معه ولم يتعرض له ظل ساريا، وكذا في حالة الاتفاق.
    فليس هناك ما يمنع من وجود تشابه في بعض الأمور بين التوراة والإنجيل الحقيقيين والقرآن وما سبقهم من كتب سماوية ما دام ذلك لا يخالف عقيدة التوحيد.
    أما أن يجيء كاتب مهما كانت شخصيته بعقيدة التثليث في إنجيل يوحنا ورؤيا يوحنا ويحاول إثبات أن القرآن يؤيدها ويدعي أن القرآن نقل ذلك من الإنجيل فإن هذا ما لا يقبله عقل أو يؤيده منطق، وهو كذب وافتراء يجب أن يحاسب عليه.
    والتشريع الإسلامي امتدادا لما قبله من الشرائع السماوية التي نزلت من عند الله سبحانه وتعالى. يقول تعالت كلماته: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك".
    يقول الإمام الأكبر المرحوم الشيخ محمود شلتوت: (ومن هنا جاءت الآيات مصرحة باتحاد خطة الأنبياء، وبأنهم جميعا يوحى إليهم من عند الله، وبأن ما شرع للمتأخر من دين وعقيدة هو ما شرع للمتقدم، فالإنسانية في نظر الألوهية واحدة، ووضعها واحد لم تحكم فيها طبقات ولا أجناس، ولا أقاليم، ولا لغات، فالكل أمام المسؤولية الإلهية سواء، وكلهم مأخوذون بعهد الله وميثاقه، ولكن الناس بأهوائهم وفتن هذه الحياة جعلوا الرسالات الإلهية الواحدة، والعدل الإلهي الواحد، والفضل الإلهي الواحد، أنواعا متعددة، وصورا مختلفة متباينة، وانحاز كل فريق بدواعيه الخاصة إلى ما حد له ورسم لنفسه من شرعة ودين، فرقوا دين الله وهداية الله وكانوا لأنفسهم هم الظالمون.
    "إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء، إنما أمرهم إلى الله، ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون".
    وعلى ذلك فإنه ليس هناك ما يمنع أن تتشابه الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حيث أن مصدرها واحد وهو الله سبحانه وتعالى وهدفها واحد وهو التوحيد.
    أما القول بأن القرآن قد اقتبس الكثير من إنجيل يوحنا ورؤيا يوحنا فهذا قول لا يقوم عليه دليل لأن الكتب السماوية لا تقتبس فيها ما يشاء بل من صنع الخالق القادر، كما وأن القرآن لا يتفق مع ما جاء بالإنجيل وخاصة ما يتعلق بلاهوت المسيح وليس إنجيل يوحنا هو الإنجيل المنزل على المسيح عليه السلام بل هو من وضع يوحنا ونشك كثيرا في صحة الإنجيل وصحة نسبه إلى يوحنا الحواري الجليل.
    وقبل أن نبدأ في دحض المفتريات نبين عدة أمور:
    1 – أن الكاتب يقتطع الآيات مما قبلها وما بعدها لتؤيد رأيه في حين أنها تدمغه وتدينه.
    2 – يخطئ الكاتب كثيرا في أرقام الآيات وقد نقلناها بنفس الأرقام التي ذكرها  ونبهنا عنها في حينها.
    3 – حاولنا في ردنا ألا نتجاوز الحد المطلوب لبيان الحقيقة حتى لا نظلم الكاتب أو نظلم أنفسنا.
          

  1 نقلناه عن كتاب محاضرات في النصرانية لأستاذنا العلامة الشيخ محمد أبو زهرة ص36 – 37

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here