islamaumaroc

القرآن دعامة الوحدة

  محمد الطنجي

19 العدد

أن الروابط التي تربط الإنسان بأخيه الإنسان خارج دائرة أسرته من وطن وجنس ولغة وثقافة وعقيدة وأهداف مشتركة تكثر أحيانا بين الجماعات البشرية فيوحد بين جماعة وأمة ومخصوصة جلها أو أكثرها، وتقل أحيانا أخرى، وتتحد أحيانا، وتتباين أحيانا أخرى، وكلما كثرت واتحدت كانت ادعى لتكوين القوميات، ولكما اتسعت واكتسبت صبغة العموم وصفة الشمول في وصفتها هذه زادت فائدتها وقوى أثرها وعملت علمها في تكوين الأمم وتهيئة الدول الفتية وإنشاء الحضارات التاريخية الكبرى.
وأن الناظر إلى حالة الأمة العربية في عزلتها عن العالم الخارجي قبل البعثة المحمدية وتنازعها القبلي المستمر بينها، ونزعتها العنصرية الضيقة، وتعدد آلهتها الوثنية، وكثرة أصنامها المعبودة والمقصودة والمنذور لها.
نقول أن الناظر إلى الأمة العربية في حالتها تلك ليجدها غيرها بعد ما شملتها الهداية المحمدية، حيث تعددت روابطها وتوحدت مشاعرها وتمت عناصر تكوينها كأمة هيأتها الأقدار الالاهية لتلعب أدوارا خالدة في التاريخ البشري، وتتحمل مسؤولية تبليغ رسالة الإسلام الخالدة للعالم وتكون امة نموذجية في الوجود كما وصفها الله تعالى في قوله :  كنتم امة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله.
نعم تمت عناصر تكوينها من لغة وعقيدة وتشريع وأخلاق ومنافع مشتركة، وأهداف عليا تسمو عن العنصرية وتخدم العدالة والحق والقيم الإنسانية.
وأهم ما احدث فيها هذا الانقلاب الاجتماعي الخطير الذي أدهش العالم وغير نفسيات الأمم والشعوب، هو ذلك الكتاب الخالد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد.
فكان طلوع هذا الكتاب على البشرية كالشمس وقت إشراقها.
حتى إذا طلعـت في الأفـق عم هـذا  
                          ها العالميـن وأحيت سائـر الأمـم
ويعجبني أن أشير هنا إلى ما روي عن علي كرم الله وجهه، حيث قال: عليكم بكتاب الله فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله ، وهو حبل الله المتين ، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم هو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن خاصم به فلج، ومن دعا إليه هدى إلى الصراط مستقيم.
والحقيقة أن هذا الأثر يستحق كل عناية من رجال الوطنية المسؤولين في التعليم وأصحاب الأفكار التقدمية، حتى يستوحوا منه أن القرآن أهم دعائم الوحدة الإسلامية لاشتماله على كل العناصر المهمة لتكوينها وتدعيمها واستمرارها في الوجود، ولا أعد نفسي مبالغا إذا أضفت على ذلك القول بأن من مقتضى التفاف المسلمين حول القران ان يعود غليهم الاتحاد المنشود وأن تتصف وحدتهم من جديد بالخلود ،ذلك أن للغة كل امة حية آثارها وثروات أدبية وفكرية، صاغها عظماء شعرائها وأدبائها في صورة قصص وحكم وأمثال، وألحان وأزجال، ووصف للملاحم والكفاح الوطني والنزال والقتال وتنسيق وأحكام لوضع روايات لتخليد التقاليد الطيبة وحياة العظماء والأبطال.
وكل هذه الآثار في مختلف الأمم يكون لها نصيب أكبر من حصص الدراسة في المدارس في قصص المطالعة وقطع المحفوظات، وقواعد اللغة والتصريف، وغير ذلك، كما يعمل الانجليز في آثار شاعرهم الكبير شكسبير، والألمان في مخلفات شاعرهم (كيت) والفرنسيين في أقوال فيكتور هيكو وإضرابه، والأسبان في أدب كاتبهم سرفانتيس وغير هؤلاء من الأمم في آثار أدبائهم وشعرائهم الشعرية والنثرية والقصصية، وقد يبالغ الانجليز فيقولون مثلا أن شاعرهم شكسبير يكون رابطة بينهم بأدبه وقصصه أقوى من رابطة الكومنولت في الشعوب البريطانية. والمسلمون يجدون القرآن يشتمل على القص والعقيدة والتشريع وتربية العواطف الدينية وتوحيد المشاعر الأهداف في نزاهة لفظ وسمو خيال، وروعة أسلوب، واستخلاص عبرة، وتقويم أخلاق، مما يرتفع بقارئه ودارسه والمتخلق بأخلاقه وآدابه إلى درجة الكمال في كل منحى من مناحيه، و معنى من معانيه.
ولا يمكن أن يقاس بالقرآن غيره أو يساويه في أي مرمى من مراميه، فقد توحدت به اللغة العربية وكتب الخلود به للغة فريش، لأن القرآن نزل بها وبلهجتها، وزاد على الآثار الأدبية الأخرى المقروءة والمدروسة بكونه لغة صلاة المسلمين اللازمة خمس مرات في اليوم والليلة يقرأ جميع المصلين كل يوم حصة منه ويناجون ربهم به، في مناجاتهم ودعواتهم وابتهالهم على اختلاف جنسياتهم، ففيه نبأ ما قبلهم وخبر ما بعدهم وحكم ما بينهم من قصص لاعتبار، وأمثال للاستبصار إلى حكمة دامغة، وعظة بالغة، وتشريع محكم، على أساس العدالة والحق مبرم، ووصف للرب بكل أوصاف الكمال والجلال وتنزيه له عن كل عيب ونقصان، وبالجملة هو كما وصفه الله: «كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير».
وأزيد من هذا كله أن المجمع الإسلامي تكيف بتعاليمه مدة ثلاثة عشر قرنا، وبلغت منه الأعماق وحبب إلى كل مسلم أن تكون تربية ذريته وأهله الى أحكامه وأخلاقه وآدابه، رغبة منه في أن تعيش في كنف تعاليم القرآن طاهرة الذيل، كاملة الفضل والعقل، وتلك من الآثار الطيبة للقرآن في المسلمين كما قال النبي عليه السلام: خيركم من تعلم القرآن وعلمه، وقال في تفصيل وتوضح هذه الخيرية ( وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم والملائكة ونزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده.
ومما زاد به فضل القرآن على تقوية الروابط بين المسلمين، أنهم بعد اعتقادهم بأنه كتاب مقدس منزل من عند الله يتعبد بتلاوته، وتتحتم إقامة فروضه وحدوه، اهتدوا إلى تدوين العلوم الإسلامية، وجمع آثار العرب اللغوية والفكرية، حتى يتعرفوا تشريعه وتأثيره، وتفسيره وقراءته وتأويله، فاتسعت دائرة العلوم والثقافات الإسلامية، وخلقت هذه الثقافات والعلوم روابط متينة بين الأمة الإسلامية، قاربت ووحدت بين ميولها وتفكيرها وعقليتها، فصارت على قلب رجل واحد، وخرجت إلى واقع حياة الناس تحمل مشعل النور، وسفر الكتاب المسطور الذي كتب الله لأهله الغلبة والسيادة والظهور. ومشارق الأرض ومغاربها مملوءة بالآثار التاريخية والعلمية والأدبية الشاهدة بما كتب فيها للأجداد من مقام كريم، وتاريخ عظيم، يشهد به الأعداء قبل أن يذكره الأصدقاء.
فالمسلمون أمة واحدة تعبد ربا واحدا، ولدينها الإسلامي لغة واحدة، ويفرض عليها هذا الدين شريعة واحدة تساوي هذه الشريعة بين جميع أتباعها، لا فرق بين مشروف وشريف، وقوي وضعيف كما قال نبيها العظيم( المسلمون سواسية كأسنان المشط تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم) فينبغي لكل مومن ومثقف وكل وطني يحب وطنه أن يشعر من أعماق قلبه بجامعة اللغة العربية، ورابطة  العقيدة الإسلامية ومصلحة التشريع المشترك، و فوائد توحيد المشاعر والأهداف الوطنية العليا التي عادت على الأمة الإسلامية جمعاء بكل خير، حتى استظلت تحت رأية القرآن والوطن الإسلامي الكبير زهاء خمسمائة مليون من البشر، لا ينقصهم لتكون لهم الكلمة العليا في الميدان والميزان الدولي إلا أن يعاودوا سيرة أسلافهم في الإخلاص للغة القرآن والعمل بشريعته ولا بأس أن يتنازل بعض كبراء المسلمين المترفين عن بعض الكماليات في أسلوب حياتهم لينزلوا لمستوى وسط يستطيعون معه ان يقيموا للإسلام فرائضه وحدوده، ويعززوا مركزه ووجوده، ويحفظوا مواثيقه وعهوده، فان أوربا رغم قوة حضارتها المادية تعاني من الانحلال الخلقي، والمآسي النفسانية، والمشاكل الاجتماعية ما لا يجمل بالعالم الإسلامي في دورته التاريخية المقبلة الباسمة ان يتخذها قدوة له في كل شيء بل الواجب على العالم الإسلامي كله في الشرق والغرب ان يحافظ على روحانيته ويعمل بكل قواه على إحياء ما ضعف من عناصرها وان يأخذ عن الغرب قوة المادية فحسب، فيضيف إلى قوة نفسه،شدة بأسه، ويسعى في جد لتوحيد صفوفه وأقطاره، وحدة تكون قوة وعدة، وتنفع أهلها في كل رخاء وشدة، فإن امتنا في طور التطور والانقلاب والتجديد لابد للمخلصين فيها من تحديد مثل أعلا لها في الحياة تلتف حوله الأفكار، وتسعى إليه الأمة في جميع الأطوار ولا نرى مثالا يحقق للأمة جميع أمانيها غير التمسك بالقرآن وشريعته، في العقيدة والاجتماع، والمعاملات والجنايات، والسعي الجدي لتزويد الأمة في الميدان العلمي والاقتصادي والصناعي والعسكري بأحدث ما جد في العالم من الوسائل لهذه الغايات، إذ كل ازدهار في أي ميدان من هذه الميادين قوة للأمة تتوقف حياتها واستقلالها ومكانتها في الوجود عليه، وقد قال تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة. فجعل الأمر بالإعداد منوطا بالاستطاعة البشرية، فعم ذلك كل وسائل القوة الممكنة.
ويعجبني في هذا المعنى ما سجله الدكتور الاجتماعي الفرنسي غوسطاف لبون في كتابه سر تطور الأمم في فصل تأثير المعتقدات الدينية في تطور المدنية حيث يقول. وإذا رجعنا إلى الجهة السياسية علمنا أيضا كيف كان تأثير المعتقدات شديدا والسبب في قوة الدين العظيمة كونه العامل الوحيد الذي تتوحد به وقتا ما منافع الأمة ومشاعرها وأفكارها، فيقوم المبدأ الديني بذلك دفعة واحدة مقام غيره من العناصر التي يتكون منها روح الأمة والتي لا تنتج هذه النتيجة إلا إذا ربت وتم نضجها بالوراثة، نعم لا يتغير مزاج الأمة العقلي بمجرد استيلاء دين على قلبها، غير أن جميع القوى تتجه نحو غاية واحدة هي الانتصار للمعتقد الجديد، وفي ذلك سر قوتها العظمى، لذلك نجد أن قيام الأمم بعظم الأعمال كان في عصر هذا التطور الوقتي اعني عصر تدينها وتأسيس اكبر الممالك التي أدهشت العالم كان في عصر تدينها، كذا أتحدث بعض قبائل العرب بفكرة محمد، فاستطاعت قهر أمم كانت لا تعرف منهم حتى الأسماء، وشادوا تلك الدولة الكبرى.
ونحن نعتقد أن الدين فيه صلاح وأن أنعام الله على الإنسانية بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين، عاد عليها بأعظم الفوائد، وهيا لها في الوجود أعظم المقاصد وأن ذلك كله كان نتيجة لتحقيق الوعد الالهي لها على ما اقتضته حكمته ومشيئته، كما قال سبحانه: وتلك الأيام نداولها بين الناس، وقال تعالى: قل اللهم مالك الملك توتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير انك على كل شيء قدير. فعلينا ان نجدد الإيمان في نفوسنا. فإن حياتنا الفاضلة في التمسك بالشريعة الكاملة، استجابة لأمره تعالى: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا. فإلى الاتحاد والقوة والحياة الفاضلة أيها المسلمون. وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمومنون.

 

 


 

 
 

 

 
 

 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here