islamaumaroc

التجربة الشعرية

  دعوة الحق

149 العدد

    لم تعد القصيدة الحديثة استجابة لمناسبة طارئة، أو حالة نفسية عارضة، بل صارت من أعماق الشاعر حين يتأثر بعامل معين أو أكثر فيستجيب له أولها استجابة انفعالية قد يكتنفها التفكير وقد لا يكتنفها ولكن لا تتخلى العاطفة عنها أبدا .(1) وهذا ولا شك اتجاه رومانسي في القصيدة وفي الانفعال بها وجعلها نابعة من أعماق نفس الشاعر، معبرة عن ذاته.. ويقول لاسل آبركرومبي في كتابه "قواعد النقد الأدبي": إن لفظ التجربة ليس معناه هنا المحاولة، بل ما يعرض للإنسان من فكر أو إحساس: أو نحو ذلك (2).
    ويقول ناقد آخر: العمل الأدبي هو التعبير عن تجربة شعورية في صورة موحية، فالعمل الأدبي وحدة مؤلفة من الشعور والتعبير، والانفعال بالتجربة الشعورية يسبق التعبير عنها (3) ويقول السحرتي الناقد: إن القيمة الفنية للقصيدة هي في تواؤم تجربتها الشعرية مع صياغة هذه التجربة (4).
    ولقد كانت القصيدة العربية في أغلب الأمر تعبيرا عن مناسبة طارئة أو عن حالة نفسية عارضة، وكانت لا تعبر عن ذات الشاعر تعبيرا صادقا عميقا فثار بعض النقاد المعاصرين على كبار الشعراء الذين تقف قصائدهم على هذا المستوى وهاجم العقاد الشاعر شوقيا هجوما شديدا في كتاب الديوان قائلا لشوقي:
    "إن المحك الذي لا يخطئ في نقد الشعر هو إرجاعه إلى مصدره فإن كان لا يرجع إلى مصدر أعمق من الحواس فذلك شعر القشور والطلاء وإن كنت تلمح من وراء الحواس شعورا حيا ووجدانا تعود إليه المحسوسات كما تعود الأغذية إلى الدم ونفحات الزهر إلى عنصر العطر فذلك شعر الطبع القوي والحقيقة الجوهرية، وهناك ما هو أحقر من شعر القشور والطلاء وهو شعر الحواس الضالة والمدارك الزائفة.
    ومن ثم حارب العقاد وزملاؤه شعر المناسبات ودعوا إلى أن تكون القصيدة تعبيرا عن وجدان الشاعر وذاته... وكان ممن دعا إلى ذلك أيضا مطران.
    ثم جاء أبو شادي فدعا إلى التجربة الشعرية بمعناها النقدي الذي لا يخرج عما ذكرناه وهو أن تكون القصيدة  نابعة من أعماق النفس معبرة عن ذات الشاعر، وفي ذلك يقول بعض النقاد: إن العمل الأدبي هو التعبير عن تجربة شعورية في صورة موحية، فالعمل الأدبي وحدة مؤلفة من الشعور والتعبير، والانفعال بالتجربة والشعور بها يسبق التعبير عنها.
    ولذلك حاربت المدارس الجديدة في الشعر العربي شعر المناسبات لأنه غالبا لا يكون تعبيرا عن أعماق نفس الشاعر ولا صدى لانفعال عميق بفكرة القصيدة.
    وإذا كانت أغلب قصائد الشعر العربي القديم قد قيلت في مناسبات طارئة، فإن معنى ذلك أن جملة الشعر العربي يبعد عن ذات الشاعر ووجدانه وعن أعماق نفسه.
    وإذا كنا نحكم بهذا المقياس فإننا نكون مخطئين غاية الخطأ، فإن الشعراء الذين يتحدثون عن مناسبة يتفاوتون، فهناك شاعر يترك المناسبة نفسها ليتحدث في أعماق نفس الموضوع وانفعاله به كمرثية المعري في الفقيه الحنفي، وقصيدة البحتري في إيوان كسرى، مثلا، فالشاعران كلاهما قد تجاوزا المناسبة إلى صميم الموضوع وعبرا عن انفعالهما به. وهناك شعراء يقفون عند حد المناسبة ذاتها لا يعبرون في قصائدهم عن انفعال ولا يصدرون عن عاطفة قوية، فذلك الشعر هو المعيب في حد ذاته لأن الشاعر لم يعبر عن ذاته ووجدانه وانفعاله بموضوع القصيدة تعبيرا قويا مؤثرا.
    وفي الشعر العربي القديم والحديث صور كثيرة لتجارب شعرية مؤثرة كقصيدة ابن زريق البغدادي:
لا تعذيله فإن العذل يولعـه     قد قلت حقا ولكن ليـس يسمعـه
    وقصيدة المتنبي:
عيد بأية حال عدت يا عيد      بما مضى أم لأمر فيـك تجديـد
  وقصيدة البحتري في إيوان كسرى:
صنت نفسي عما يدنس نفسي     وترفعـت عن جـدا كل جبـس
    ومنها مرثية مالك بن الريب لنفسه. ومنها كذلك قصيدة العودة لإبراهيم ناجي، وقصيدة الأشواق التائهة للشابي، وقصيدة الشاعر والسلطان الحائر لأبي ماضي.
    والتجربة الشعرية تشتمل على حدث فكري نفسي، أي موقف معين للشاعر، عاشه أو عاش فيه من فاتحته إلى خاتمته لأول مرة بحيث أبرزه عملا قائما بنفسه، عملا له كيانه وله صفاته، وله وضوح التجارب الكبرى التي تمر بنا في حياتنا، ففيه وضوح الرؤية، وهو يتكون من جزئيات كثيرة ركز فيها الشاعر تأملاته وتنقل تنقلا طبيعيا فيها من جزء إلى جزء، وكأنما هو بإزاء بناء كبير يريد أن يقيمه(5) .
    والأحاسيس والمشاعر هي أهم العناصر في القصيدة أو في التجربة الشعرية كما يقول شوقي ضيف(6)، ومن عناصر التجربة كذلك الفكر أو العقل إذ هو الذي ينظم الأحاسيس ويهيمن عليها ويقيم من شتاتها بناء متكاملا، ويأتي بعد ذلك الخيال بتركيبه للصور والموسيقى بإيحاءاتها الحالمة.
    ولابد من أن تكون التجربة صادقة بأن يكون الشاعر قد عاشها أو أدمن فيها ملاحظته واستغراقه الفني وعاش في حقيقتها الفنية.
    وكلما قربت التجربة من عمل مثالي أو بطولي أو ملحمي أو من الأمور الخارقة والأساطير أو من مثيرات العواطف والمشاعر كان ذلك أكثر توفيقا لها، ولذلك قال النقاد كالأصمعي: إن الشعر نكد يقوى في الشر ولا يقوى في الخير، واستدلوا على ذلك بضعف شعر حسان في الإسلام وقوته في الجاهلية. وقد أكد هذا المعنى الثعالبي في كتابه "خاص الخاص" إذ لاحظ أن حسانا حين كان يلهمه شيطانه كان قوي الشاعرية فلما تبدل الشيطان ملكا  ضعفت شاعريته (7)، ومثل هذا ما روي عن (ولز) الشاعر الانجليزي إذ قال له الملك شارل الثاني: إن الأناشيد التي نظمتها لي أقل شاعرية مما كنت تنظمه في كرومويل.. فقال الشاعر: سيدي، نحن معشر الشعراء ننجح في الأوهام خيرا من نجاحنا في الحقائق.
    وقد تكون التجربة فكرية كما في قصيدة المعري:
غير مجد في ملتي واعتقادي       نوح باك ولا ترنـم شـادي
    وقد تكون فلسفية كما في قصيدة الطلاسم لأبي ماضي، وقد تكون وجدانية كما في قصيدة العودة، وقد تكون اجتماعية كما في قصيدة حافظ في حريق مدينة ميت غمر المروع:
   سائلو الليل عنهم والنهـارا      كيف باتت نساؤهم والعذارى


           
1   - ديوان وحي السماء للشاعر أبو شادي – ط نيويورك 1949.
2  - قواعد النقد الأدبي – ترجمة محمد عوض محمد ط 1936.
3  - 9، 22، 41، 42 النقد الأدبي لقطب.
4 - الشعر المعاصر على ضوء النقد الحديث. 
5 - راجع ص 140 النقد الأدبي لشوقي ضيف.
6 -  146 المرجع.
7-  راجع 108 خاص الخاص الثعالبي.   

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here