islamaumaroc

الإسلام والتأميم -5-: التأميم يسقط الزكاة (تعقيب د. الرحالي الفاروق)

  دعوة الحق

149 العدد

    جاء في مقال (التأميم يسقط الزكاة) للأستاذ عبد الواحد الناصر، المنشور بمجلة دعوة الحق في عددها الخامس والسادس بتاريخ رمضان 1392 المصادف أكتوبر 1972 ما نصه (تصويب لابد منه) ثم قال: وفي هذا الاتجاه كتب عالم مغربي هو الأستاذ الرحالي الفاروقي، بصدق وحق، أن: (نظام الإسلام شيء لا يتبعض وكل لا يتجزأ فإما أن يؤخذ كله وإما أن يترك كله، وإما إذا بعضته أو زاوجته مع غيره كالقضاء بالشرع في الأحوال الشخصية، وبالقانون في الأحوال المدنية والجنائية فإنه لا ينجد ولا مردة فيه وتلك هي طبيعته وخاصيته فهو نظام الأنظمة ونظام التماسك والوحدة لا يقبل تجزئة ولا ازدواجية وهو نظام شامل وكامل) ثم قال: فإذا كان الأستاذ الفاروقي يعلن وحدة وتكاملية الإسلام وعدم قابليته للتجزئة أو الازدواجية وأعطى لذلك مثالا بأنه لا يمكن أن نقضي بالشرع في الأحوال الشخصية، ونقضي في نفس الوقت بالقانون الوضعي في الأحوال المدنية والجنائية... فهل يمكنه تبعا لذلك أن يسلم بمبدأ تطبيق القانون المالي الوضعي في وقت تطبق فيه قوانين إسلامية في الميادين المدنية والجنائية والأحوال الشخصية، ثم قال إن الإجابة على هذا السؤال نجدها جاهزة لدا الأستاذ الفاروقي في قوله (وكل ما يمكن أن تقبله قواعد الشريعة ونصوصها العامة هو مراقبة الحياة الاجتماعية، واتخاذ إجراءات حاسمة وعادلة تستهدف تحقيق ازدهار مادي في المرافق العامة، أو حماية المجتمع من استغلال غير مشروع، أو إحداث ما هو ضروري من الضرائب لنهوض دولة فتية مجدة لها اتجاه مقبول وهدف معقول، ثم قال ونتيجة ذلك أولا أن الإسلام لم يقدم نظاما كاملا يمكن أية دولة من النهوض والازدهار وإنما ترك لأرباب السلطة أن يتخذوا الإجراءات الحاسمة والعادلة، أو يحدثوا ما شاءوا من الضرائب حتى تستطيع دولتهم النهوض في اتجاه مقبول وهدف معقول. ثانيا: وما دام الإسلام قد ترك المجال مفتوحا في هذا الميدان فيمكن للمسلمين أن يأخذوا من غيرهم نظامهم الجبائي الذي لا يمت للإسلام بصلة سواء في أصوله وامتداداته أو في غاياته وأهدافه إلى آخر ما كتبه من أن الضرائب تؤخذ من الفقراء والأغنياء بدون تمييز، ومن أن إحداث الضرائب تعبير عن قصور الإسلام وعجزه في ميدان المالية العامة.
    أقول لقد استنتج الأستاذ بعد عرضه لما جاء في أول المقال ولما جاء في آخره أمورا ثلاثة بعضها مبني على بعض – الأمر الأول وجود التناقض والتدافع بين أول الكلام وآخره بمعنى أننا نقول الإسلام نظام كامل نظام غير كامل، فهناك نفي بعد إثبات كما هي حقيقة التناقض وصرح بهذا النفي في قوله: إن الإسلام لم يقدم نظاما كاملا يمكن أية دولة إلى آخره ليحقق معنى التناقض الذي أشار إليه.
    الأمر الثاني مبني على هذا التناقض و على التحليل الذي حلل به الفقرات الأخيرة التي تقول:
واتخاذ إجراءات حاسمة وعادلة تستهدف تحقيق ازدهار مادي في المرافق العامة، أو إحداث ما هو ضروري من الضرائب لنهوض دولة فتية مجدة لها اتجاه مقبول وهدف معقول. فقد استخرج من هذا الكلام أنه يمكن للمسلمين أن يأخذوا من غيرهم نظامهم الجبائي الذي لا يمت للإسلام بصلة. الأمر الثالث مبني على الأمر الثاني وهو أننا نسلم ونرضى بمبدأ تطبيق القانون المالي الوضعي، هذا ما زعمه الأستاذ وصوبه تصويبا لا محيد عنه والصواب ضد الخطأ.
    أما دعوى التناقض فبعيدة كل البعد ولا دلالة عليها أصلا إذ ليس في كلامنا إثبات شيء ورفعه كما هو بارز للعيان، وكما هو التناقض عند أهل الميزان، وهناك فرق كبير بين القول بجواز تطبيق القانون المالي الوضعي الذي لا يمت للإسلام بصلة وبين القول بجواز إحداث دولة إسلامية تعتز بنظامها الإسلامي: ما هو ضروري من الضرائب لحياتها ونهوضها مما تقبله نصوص الشريعة وقواعدها حتى لا تكون عالة على غيرها ولا فريسة لعدوها، وذلك كشراء ما تحتاج إليه من أسلحة دفاعية وقوات احتياطية، وإنشاء مراكز ومحطات عسكرية، وكبناء مدارس تعليمية، ومعامل صناعية وغير ذلك من النفقات الضرورية في حياة العصر الذي نعيش تحت أثقاله وتكاليفه، وكذلك كل ما تتقاضاه الظروف من إجراءات حاسمة وعادلة، كتحضير قوانين ومراسيم إسلامية تهيئ المواطنين القادرين لممارسة العمل، وتنظم شؤون الشغل وتحدد أوقات العطل، وتفصل بين العمال وأصحاب المعامل فيما يحدث بينهم من المشاكل تفاديا من آفة الفراغ والخصام والبطالة، فإن الإسلام نظام عالمي وعملي، ولابد لهذا النظام من سلطة شرعية تضع البرامج وتتخذ الوسائل الكفيلة بتنفيذ أوامره وإصلاح مجتمعه، وتخطط الخطوط على أساس إسلامي للصعود والنهوض به، ولا يمكن لأي أمة من الأمم أن تنهض من كبوتها نهوضا تاما وثابتا إلا إذا كانت متحررة من ضغط أعدائها، وقادرة في الجملة على حماية نفسها، وكفاية ذاتها، وإذا كانت الموارد الشرعية المتعارفة لا تقوم بحاجات الدولة وضرورياتها الملحة فلها أن تأخذ من المسلمين ما يحفظ عليهم مصالحهم وإلا تعرضوا لاستعمار أراضيهم، واستغلال مواردهم، وهتك أعراضهم وتشريد أبنائهم، كما هو الواقع والشائع الآن في فلسطين، وفي غيرها من بلاد المسلمين، وتلك هي الطامة الكبرى والمصيبة العظمى، وما خلق المال إلا لحفظ الأعراض وحفظ الأوطان وحفظ الأديان، ولقد نص عز الدين بن عبد السلام في كتاب قواعد الأحكام، أن المصلحة العامة كالضرورة الخاصة، ولو دعت ضرورة واحد إلى أخذ أموال الناس لجاز له ذلك بل يجب عليه أخذه إذا خاف الهلاك، فأخذ المال للمصلحة العامة ليس هو أخذ المال للمصلحة الخاصة – وأما ما ظنه الأستاذ المحترم بناء على فهمه وإدراكه من أننا نسلم بجواز تطبيق القانون المالي الوضعي، فإننا نذكره بقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن، إن بعض الظن إثم".
    وإنه مهما يؤت المرء من العلم والعقل ومهما يكن له من جودة الفكر وحرية الرأي فعليه أن يتهم رأيه حتى يتثبت في حكمه ويتوثق من أمره ثم عليه أن يحمل كلام الناس على أحسن محامله وأفضل معانيه، ونحن نبرأ إلى الله من ذلك براءة أكيدة، ونكره كل جانب من جوانب القانون الوضعي كراهة شديدة، ونعتقد أن السعادة في إتباع الشريعة في كل ورد وصدر، ثم إن هذا شيء لا يلزمنا ولا يصح إلصاقه بنا فإن قولنا: أو إحداث ما هو ضروري من الضرائب، جاء محمولا على قولنا: وكل ما يمكن أن تقبله قواعد الشريعة ونصوصها العامة، وبين المحمول والمحمول عليه ارتباط خاص وعلاقة شديدة، والشريعة حافلة بطلب الجهاد لإعلاء كلمة الله، وبعدم الرضا بالوقوع تحت سلطة الكافر – وبالإعداد والاستعداد لملاقاة العدو وإرهابه، وبالاعتداء على من اعتدى علينا بمثل ما اعتدى به، وبتحريض المؤمنين وتدريبهم على القتال"عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا" وبإصلاح المجتمع ومراقبة تربيته، وبإجبارية التعليم لقوله صلى الله عليه وسلم: طلب العلم فريضة على كل مسلم. وبالمحافظة على الأمن والدخول في السلم إلى غير ذلك من الأوامر الشرعية، ولن تقوم هذه المطالب الإسلامية بدون نفقة باهضة وفائضة، والمال هو قوام كل معركة، وعصب كل دولة، لا يقوم ولا يتم شيء بدونه، وفي هذا العصر بالذات عصر الصواريخ الطبقية، والرؤوس النووية يستحيل أن تعتمد معركة الدفاع ومعركة الحياة الاجتماعية والاقتصادية على تلك الموارد المحدودة – والعصور الماضية بالإضافة إلى هذا العصر الطاغي كانت من البساطة بمكان، ومن أجل ذلك كان الإسلام يربط أحكام المعاملات والتصرفات بالمصالح وبالإعصار، والشريعة الإسلامية مسايرة لكل عهد وجديدة في كل عصر، والمسلمون هم جيش الإسلام وهم الذين ينفقون على مصالح الإسلام في كل زمان وفي كل مكان، والنفقة تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة "وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" وسبيل الله كل مصلحة من المصالح العامة التي تتوقف عليها وتنهض بها حياة المسلمين، والإلقاء بالأيدي إلى الهلاك يكون بالبخل والإمساك وعدم الإنفاق في سبيل المصالح ويكون بالتكاسل والتواكل والقعود، وبالخلافات والنزاعات وضعف النفوذ. فإذا ما أمرتنا الشريعة بالعمل والإصلاح وبالتعليم والجهاد، والأمن والسلام وحفظ الحقوق بالحكم والقضاء فقد أمرتنا الشريعة بالعمل والإصلاح وبالتعليم والجهاد، طبق ما تتطلبه حياة العصر، وقد تقرر في الأصول أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وظرف الزمان والمكان له أثر كبير على حياة الإنسان وإذا كان هذا هو معنى ما أشرنا إليه في المقال فكيف يتهمنا الأستاذ أننا نقول بجواز تطبيق النظام المالي الغربي ويخطئنا خطأ لا مغفرة فيه، وكيف يتساهل في بيان نتيجته ويقول: أو يحدثوا ما شاءوا من الضرائب. فإن هذا القول غير قولنا (و إحداث ما هو ضروري من الضرائب) وعلى أي حال فهذه هي الجهة التي نريدها والتي نخلص لها والتي لا تناقض تكاملية الإسلام وليست لنا جهة أخرى، وذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها.
    ثم الزكاة وهي من جملة النظام الجبائي في الإسلام ليست وحدها ما يجب على الأغنياء بل على الأغنياء أن يبادروا إلى إسعاف ضعفائهم، والإنفاق على مصالحهم، على الرغم من أداء زكاتهم كلما اشتدت الحاجة، أو طرأت المجاعة، أو هجمت الغارة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: في المال حق غير الزكاة.
    وأما قوله: وما دام الإسلام قد ترك المجال مفتوحا في هذا الميدان فيمكن للمسلمين أن يأخذوا من غيرهم نظامهم الجبائي الذي لا يمت للإسلام بصلة. فليس كذلك إذ طبيعة النظام الإسلامي غير طبيعة النظام الأجنبي وفلسفته غير فلسفته، وكيف يتصور أن نكون ملتزمين بالإسلام ونعتمد نظام غير الإسلام في المال أو في غيره هذا خلف.
    وأما إذا فكر المسلمون في مصلحة من مصالحهم الضرورية أو الحاجية وأحدثوا لها ما يناسب دينهم ويلائم شريعتهم فليس معنى ذلك أنهم أخذوا قانون غيرهم، على أنه قد تتلاقى الأنظمة في بعض الخطوط النظرية أو في بعض الخطوات العملية، كما يشهد بذلك واقع الحياة البشرية وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد. وفي رواية: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد. فمفهوم الحديث أن إحداث ما هو جار على سنن الدين بأن كانت طبيعة الإسلام تحمله، ونصوصه العامة تشمله، فإنه لا يرد، وقد نصوا على أن جميع البدع المستحسنة تدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه الإمام مسلم: من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء. والسنة الحسنة هي المصلحة العامة إذ الشريعة الإسلامية جاءت باعتبار المصالح والكليات، ومما قررناه يبدو أن الإسلام نظام كامل وغني بدلالاته وعموماته وبقواعده ومقاصده، ومن ثم كان الاجتهاد والقياس والاستنباط والاستحسان والاستدلال، وذلك أن الشريعة لم تنص على حكم كل حادثة على حدتها وإنما أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة تتناول أعدادا لا تنحصر، روى أبو داود والترمذي والدارمي بألفاظ مختلفة عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال له: كيف تقضي؟ قال أقضي بما في كتاب الله. قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضاه رسول الله، وعدم وجود شيء منصوص في الكتاب والسنة لا يدفعنا إلى القول بأن نظام الإسلام قاصر وعاجز، هذا وقد كان العلامة النظار أبو إسحاق الشاطبي صاحب الموافقات ممن يرى جواز ضرب الخراج على الناس إذا ضعف بيت المال عن القيام بمصالح الناس، وكان رحمه الله يفتي بذلك كما ذكروه في ترجمته، وكذلك وقع للشيخ المالقي في كتاب الورع أنه قال: توظيف الخراج على المسلمين من المصالح المرسلة ولا شك عندنا في جوازه وظهور مصلحته في بلاد الأندلس لضعف بيت المال ولكثرة الحاجة لما يأخذه العدو من المسلمين سوى ما يحتاجون إليه فهذا مما يقطع بجوازه الآن في الأندلس انتهى.
    وهذا مناخ إسلامي نادى فيه العلماء بإحداث الضريبة وتوظيف الخراج على المسلمين، ولا ريب أن حالة المسلمين اليوم أسوأ حالا مما كانت قبل عليه، وأنهم في أمس الحاجة إلى المال الذي هو دعامة الحياة وقاعدة الحرية حتى إن كثيرا من شعوبنا النامية قد امتلأت بالقروض الأجنبية فأصبحت بذلك فاقدة لحرية تصرفها، ومقيدة في تقرير مصيرها، أيرضى الإسلام أن يكون المسلمون على هذه الحال وأهل الأموال يتلاعبون بأموالهم، ويخرجونها من أوطانهم، ويودعونها في مصارف غيرهم ليستفيد منها الأجانب في مصالحهم وليتقووا بها على إخواننا، وبلادنا تنقصها المعامل والصناعة، وتجتاحها الحاجة والخصاصة، ومما اشتهر عن الإمام مالك رحمه الله أنه توسع في باب العادات بقدر ما تشدد في باب العبادات حتى باتت المصالح المرسلة أصلا من أصول مذهبه، ولقد حاول بعض أصحابه أن يقيدها بقيود ثلاثة، أن تكون ضرورية، وكلية، وقطعية، أو قريبة من القطع، وهكذا قال الإمام الغزالي رحمه الله وبمقتضى هذه الشروط تكون مما دل الدليل على اعتبارها، ونسأل الله سبحانه أن يوفقنا للعمل الذي يحبه ويرضاه، وأن يفهمنا الحكمة والصواب فيما سنه وشرعه.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here