islamaumaroc

مؤتمر دكار الإسلامي

  دعوة الحق

149 العدد

   أتيح للإسلام، مرة أخرى، أن يعبر عن وجوده المستقل، وحضوره الدائم، وصفاء عقيدته وقوتها في هذه الحياة، لترسيخ أقدامه، وتثبيت نظامه، وتأدية رسالته، وتحطيم كل الفئات والجماعات التبشيرية والإلحادية والفوضوية التي ما فتئت تحاول الكيد له، والنيل منه، والإجهاز عليه، والتي كانت دائما يغذيها لصوص الضمائر، وأبالسة الإنس، وسماسرة الأديان، وشياطين القلوب الذين اضطرهم البؤس أو اليأس إلى الاتجار بالدين، والعبث بعقائد الناس، والعيش على ضلالات العقول، وسفاهات الألسن، وحزازات النفوس وتخدير المشاعر.
   فقد شهدت مدينة دكار عاصمة القطر السنغالي في الشهر الأخير أكثر من سبعة عشر وفدا يمثل أقطارا من مختلف الرقاع والبقاع من آسيا وإفريقيا وأوربا جاء ليمثل بلاده لحضور المؤتمر الإسلامي الذي دعت إليه جمعية الاتحاد الوطني للجمعيات الثقافية الإسلامية..
                                                * * *
    ولعل هذه المؤتمرات الإسلامية المتوالية التي يتداعى فيها المسلمون وتعقد في مختلف أنحاء العالم لصالح الإسلام ولفائدة المسلمين، والتي أصبحت استجابة لإلحاح الضرورة، واستحثاث الحال لتؤلف بين القلوب في ذات الله، وتؤاخي بين الشعوب في أصل الحق وتحارب كل عمل يخدش الجبهة الداخلية للأمة، وهي التي حفزت الشعب السنغالي المسلم الذي نشر بنوده، وأعلى جنوده، لدعوة الدول الإسلامية للحضور في هذه الندوة الفكرية الإسلامية سعيا لتوحيد الصف، وجمع الكلمة، وضم الآراء، وسبيلا إلى الوحدة المرجوة بين أبناء المسلمين في كل مكان...
                                                * * *
    وأن انعقاد هذه المؤتمرات في القارة السمراء لأمل منشود، وعمل صالح، ولواء معقود، واتجاه واضح الدلالة في أن هذه الشعوب الإسلامية التي عاشت  فترات حالكة السواد، قاتمة الأفق، مبهمة المدى، حيث حصرها الاستعمار الكريه، وطغيانه المسلح الكافر، ردحا من الزمن غير قليل، في أراضيها المسلوبة المغصوبة، وقطع بينها الأسباب، وحرم عليها التواصل، وحال بينها وبين نزوعها وأشواقها وتطلعاتها ما يلوع القلب، ويروع الضمير، فأصبحت بعض شعوبها، أو كادت، صنفا مهينا من الخلق، ونوعا من بهيمة الأنعام، وجنسا من المواد الخام ليس له أي حق، وعليه كل واجب مما لا يطيب به عيش، ولا يصلح عليه أمر، ولا يستقر معه نظام...
                                                * * *
    ولقد مرت بهذه الشعوب المكروبة، محن قاسية، وخطوب داجية تحملتها في سبيل المبدأ والعقيدة، والحياة الكريمة، والعدل الشامل، والنظام العام..
    ولعل أرمضها للقلب، وأوجعها للنفس، وأبعثها للدمع ما فعله، عن عمد وسبق إصرار، الداء الدخيل، والخطر الوبيل التبشير الحاقد الذي زرع بين الملة الواحدة الزرع الخبيث، ففرق بين الأمة الواحدة، ومزق العلائق بين الإخوة في النسب والوطن والعقيدة حيث كان أكثر تدخلا في شؤون الناس، وأعنف تغلغلا في حياة المجتمع لما تهيأ له من أسباب الإمكانيات والنفوذ، والسلطان والعتاد، ووسائل الترهيب والترغيب... فقد أمده الاستعمار الكافر بالمال، وأرفده بالنقود، وغذاه بألوان شتى من الأساليب الإجرامية حتى يفتن الناس في دينهم ودنياهم، ويخدع الصبية والإيفاع، والشباب والشيوخ في عقائدهم ومورثاتهم...
                                                * * *
    وقد اعتمد الاستعمار في مجال التبشير على رؤوس طاغية، ونفوس عاتية، وقلوب غلاظ، ونوايا خسيسة طامحة تنفث سمومها الناقعات عن طريق التعليم كوسيلة لإعداد الأجيال الطالعة، وخاصة القيادات التي لها تأثير على شعوبها... وتاريخ البلدان الإسلامية من أقصى الدنيا إلى أدناها يكشف عن مدى الخطر الكامن في مدارس الإرساليات وجامعاتها المنبثة في مختلف العواصم وأنحاء الدنيا..!
    لكن ضحايا البغي، وطرائد البؤس، وأنضاء الهم، وفرائس الشيطان، كانوا أكرم عند الله من أن يبعث بهم عابث، أو يخدعهم خادع، لأن عقيدتهم التي تستمد أصولها من الينابيع الإسلامية الصافية ما برحت تستكن في ضمائرهم، وتنبض بها قلوبهم، وتحول بينهم وبين الوقوع في شرك الفتنة والضلال...
    والأمم ذات الرسالة الخالدة لا يمكن قهرها والتغلب عليها، فهي، دائما، في مناعة صامدة، وحصانة واقية تحفظا شر العثرات، ووخيم المغبات.
    والأمم المومنة، أيضا، تعلم أنها لا تنهض، ولا تلمع ولا تسود على العالم إلا برسالتها الحق، أو بما تنطوي عليه من صالح البشرية، وبما تستطيع أن تقوم به من ثورة عارمة، وأحداث انقلاب في الأوضاع الفاسدة...
    وأن أساس الأمة الإسلامية الدعوة إلى الله بالتي هي أحسن وأرفق، وأدعى إلى القلوب، والسعي والجهاد، وتمام الحجة على العباد..
    وأن مما يحيي النفوس،  ويثلج الصدور، وينعش الآمال أن أبناء إفريقيا اليوم كإخوانهم المسلمين في كل مكان – في تموجات حركية دائبة، وقوة إيمانية صادقة صامدة لتأكيد الذات، وإعلان الحضور، مدركين أن تناقض المذاهب، وتعارض الشرائع، وافتقاد الإنسانية لذلك النظام الإلهي الذي يسدد خطاها، ويحفظ قواها، ويصون تاريخها وثقافتها وعقولها ودينها ودنياها من التزييف الكاذب، والفوضى العبثية، هو الذي سيكون سببا لانبعاث الإسلام، ويحرك الهمم، وتقرير الوجود في حياة الإسلام للقارة السمراء...
                                                * * *
    ولقد أدرك القادة الأفارقة ما في الإسلام من حياة أبدية، وسعادة راضية، وعز مقيم... لأنه رحمة للعالمين لم يكن لجنس معين، ولا لوطن محدود، ولا للون خاص، ولا لطبقة دون أخرى... وإنما جاء ليؤلف أشتاتا من الناس، ويجمع أخلاطا من الأجناس على مشرع واحد، وكلمة سواء، ووحدة جامعة انصهروا كلهم في بوتقة واحدة ضمت الحبشي والعربي، والزنجي والبربري والتركي والصيني والتركستاني، والتتاري والماليزي والهندي، والأفغاني...
    أو ليس رسول الإسلام قال لبلال الحبشي: "سمعت خشخشة نعليك في الجنة يا بلال..
    وقال في حق سلمان الفارسي: سلمان منا آل البيت..
    وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صهيب الرومي: نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه...
                                                * * *
    وإن أثر الإسلام الإلهي في تنظيم العيش، وإصلاح الأرض، وتكريم الإنسان، وتعميم الخير و تنظيم العمران هو الذي دعا كثيرا من الشعوب إلى اعتناقه، وحمل المنصفين من الأجانب إلى الاعتراف بسموه وجدواه، وحفز الأفراد إلى الاستشهاد في سبيل نصرته فهذا السيد أحمد سيكوتوري يورد في ترجمة حياته تصويرا دقيقا كيف عمد الاستعمار في إفريقيا إلى تحريف التاريخ، وتزييف الوقائع، وإفساد الثقافة، وتخدير العقول وإفساد النشء والشباب والإيفاع، حيث يقول:
    "لقد تعلمنا نحن الإفريقيين المثقفين في مدارس الاستعمار تاريخ فرنسا، وحروب الغال، وحياة جان دارك، ونابليون، وقرأنا سفر لامارتين، ومسرح موليير، ودرسنا التنظيم الإداري لفرنسا كما لو كانت بلادنا إفريقيا دون تاريخ، ودون واقع جغرافي، ودون ثقافة، ودون قيم، ودون أخلاق، وقد قدم الاستعمار لنا من العلم والثقافة القدر الذي يرى أنه يخلق منا آلات ترتبط مصالحها بعجلة الاستعمار، وهكذا تحددت طبيعة التعليم في ظل الاستعمار...
    لقد أراد الاستعمار للمثقفين الإفريقيين أن يفكروا بديكارت وبرجسون، ولم يسمح لهم التفكير في قيمهم وثقافتهم وتراثهم الإفريقي، ولهذا لا يعرف كثير من شبابنا فلسفة المفكرين الإفريقيين أمثال المناضل الوطني الحاج عمر. وأحمد ساموري، وإذا استمر الأمر بنا على هذا النحو فلن نستطيع أن ننمي شخصيتنا الإفريقية التي هي الطريق الوحيد للنهضة في إفريقيا..."
                                                * * *
    وفي ظلال هذه المعاني والأشواق استطاع الملتقى الإسلامي الكبير الذي انعقد تحت شعار "الإسلام والتكيف مع العصر" في مدينة دكار عاصمة السنغال أن يعطينا صورة صادقة عن المسلمين في بلاد السنغال كمفكرين واعين، ومجتهدين مخلصين اشتركوا بجدارة وإخلاص في أبحاث المؤتمر، وزعماء روحيين تنضر بهم الآمال الذاوية، وتزكو العزائم الخابية، ويعلق الناس على علومهم وجهودهم كل الأماني، ومواطنين إفريقيين يتمسكون بإسلامهم، ويتعلقون بوطنهم كخير ما يكون عليه المواطن المسلم الصالح الذي تراه دائما ثائرا لا يهدأ، وطامحا لا يرضى، ودائبا لا يستقر...
     وفي ذلك رأينا وسمعنا بعض السادة المحاضرين المسلمين الإفريقيين الموفقين في المسعى الملهمين بالصواب، يحلل بدقة وإخلاص: التنظيم السياسي أو التنظيم الاقتصادي، أو التنظيم الاجتماعي في الإسلام، أو أثر الإسلام في الحياة اليومية للقارة الإفريقية، أو "الإسلام والزنجية" أو موضوع "تكوين وإدماج الإطارات المثقفة باللغة العربية في الحياة الوطنية" أو "الإسلام والأديان السماوية" تحليلا تاريخيا ليبين في النهاية كيف أن الإسلام قادر على استيعاب مشاكل الحياة، وهضم ما يعترضه من معضلات في الوجود...
    وأن هذا الشعار "الإسلام والتكيف مع العصر" الذي اندرجت تحته كل المحاضرات التي ألقيت من طرف علماء السنغال وضع معظم المحاضرين في موقف الدفاع عن الإسلام، والذياذ عن مبادئه السامية، وأصوله العامة ومصادره الصافية بدلا من الوقوف موقف التحليل والتمحيص والنقد الذاتي لحياتهم وحياة المسلمين الذين غزوا في عقر دارهم، وتخلفوا عن الركب الحضاري، ومسيرة التقدم والانفتاح، لأنهم كفروا بأنعم الله، وأشركوا معه آلهة أخرى، ولم يتمسكوا بالشرع الحكيم، وينهجوا الصراط المستقيم فأخلدوا إلى حياة الدون وركنوا إلى الضعة والهون، ورضوا بأن يكونوا مع الخوالف، بالرغم عن أن عالمهم اليوم يتربع على كنوز ثمينة، ويربض على ثروات معدنية هائلة، ويملك من حقول البترول أجداها نفعا، وأكثرها قوة ودفعا، مما يجعل عالمهم الإسلامي في وضع يسمح له أن ينمي فلسفته الخاصة به، المميزة له، المتميزة عما عداها، والتي تنبع من صميم مبادئ الإسلام، وتستمد عناصر وجودها من ينابيع الكتاب والسنة، وواقع المسلمين وأعرافهم وتقاليدهم، وما تقتضيه مصلحة الحياة، ومستلزمات التطور الحديث...
     وإنها لفاعلة إذا أرادت أن ترفع رايتها، وتعيد سمعتها وتعلي كلمتها، ويتلف لها الدهر، ويستجيب لها القدر، وتغير ما بنفسها، وتعرف قدرها ومركزها في هذه الحياة، وتتغلب على عقد النقص التي تقف لها كل مرصد.. وتوثق علائقها بالمودة مع أشقائها المسلمين، وتوضع لدينها ودنياها أنظمة ثابتة مستمدة من الكتاب والسنة تكفل لها السعادة الراضية والسلام الدائم...
     يقول الدكتور (جورج سارطون) الأستاذ في جامعة "هارفرد" ورئيس الاتحاد الدولي لتاريخ العلم:
    " إن المسلمين يمكن أن يعودوا إلى عظمتهم الماضية، وإلى زعامة العالم السياسية والعلمية كما كانوا من قبل، إذا عاودوا إلى فهم حقيقة الحياة في الإسلام والعلوم التي حث الإسلام على الأخذ بها...".
                                                * * *
     ولقد دالت دولة الاستعمار، الذي كان يتكلم بالحديد وينظر بالنار، وخشع صوته الذي كان يلعلع في مختلف الجهات وشتى الديار، وانسحبت فلوله المنهزمة تحت جناح الذل والخزي والعار عن طريق كفاح الشعوب ونضالها، وجهادها وبطولاتها، لكنه، ويا للأسف، خلف وراءه تركة مثقلة أخطر وأشد وأنكى من وجوده المادي ما زالت الشعوب تئن من فرط وطأتها، وترزح تحت أعبائها، وتعمل جاهدة للتخلص منها، لأنها تعبث بالمبدأ والعقيدة، وتعيث بالعقل والفكر، وتهدر العزة والكرامة، وتدع الإنسان ساهما واجما لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلا...
     وإن مما يبعث على الرضا والاطمئنان ويبشر بمستقبل زاهر للإسلام والدعوة المحمدية أن نرى ملوك ورؤساء الدول الإسلامية في هذه الأيام، وكدأبهم فيما مضى، يعملون جاهدين على تجديد حبل الإسلام، ونشر فضله، وحماية دياره، ونصر دينه الذي تصلح عليه شؤون الفرد وأحوال الجماعة، ويأتمرون فيما بينهم، بمعروف، للتشاور والتحاور للوصول إلى الهدف المنشود، والغرض المرصود...
    وإن مما يبعث على الرضا والاطمئنان، أيضا، أننا وجدنا شعبا حيا في بلاد السنغال يغلي حركة ودءوبا، ويتطلع شوقا لمعرفة دينه، ويمد يده، في ضراعة، لإخوانه المسلمين في كل مكان لمؤازرته وعونه وشد أزره وينشد من رؤسائه وحكامه تحقيق مطامحه وأشواقه ومقوماته وتطلعاته، حتى يستدرك ما فات ويتبوأ مقامه الكريم عن جدارة صائبة... وأصالة عريقة...
    ومما زاد في اطمئناننا، أيضا، أننا سمعنا من رئيس الجمهورية السنغالية السيد ليوبولد سنغور حينما قال لرؤساء الوفود الإسلامية في مقابلته لهم، عبارة مسئولة مخلصة تعبر أصدق تعبير عن النيات الطيبة والاستعداد النبيل لجعل مؤتمر دكار مؤتمرا مجديا يعطي المسلمين في السنغال وخارج السنغال أطيب الثمرات وأنفعها وأجداها.
    "إننا على استعداد تام لتنفيذ جميع ما تتخذونه من مقررات".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here