islamaumaroc

عبير من دمشق (ديوان شعر مردم بك )

  دعوة الحق

146 العدد

                                                   -1-

لكـأننا ونحن نطا لع ديوان عبير من(( دمشق)) للشاعر السوري الكبير عدنان مردم بك ، ننصت الى همس ابي عبادة البحتري وغنائه في شعره الرفيع الساحر ، الذي يقول فيه شاعرنا عدنان مردم :
 
شعره السحر ، معجز اغرابـــــه
                              وجديد على الزمان شبابـه
شاعر ، للجمال كل اغـــــــانيــــ
                               ـه ، وللمجد سعيه وذهابه

وليس ذلك بعجيب ، فان نسيج الشاعر واحد ، نسج الحرير وحنانه وجماله وموسيقاهما تكاد تتشابه ، موسيقى الروح ، موسيقى الموهبة الهادئة الرفافة ، المهومة في افاق السحر والابداع والجمال .
و((عبير دمشق )) احداث دواوين هذا الشاعر العربي ، صدر بعد اخوات له : ((نجوى))195، و ((صفحة ذكرى)) 1961وبعد صدور ((غادة افاميا )) 1967، و((العباسية))1968، والملكة زنوبيا 1969، وهي مسرحيات شعرية  ماثورة صدرت له.
وفي الديوان من العبير ارجه شذاه ونفحه وعطره ، وفيه من دمشق الهامها وايحاؤه وصداها وسناها ، يتمثل فيه تراب الوطن  ومعالمه ، فهنا ازقة دمشق القديمة ، وهنلك الفوطة في الربيع، وربوة دمشق والخريف في دمشق ، وهناك هناك : سفح دمر ، وتدمر في التاريخ ، وشارع النصر... كما يتمثل فيه ابو عبادة البحتري ، وابو فراس الحمداني ، ووقائع نور الدين زنكي ، وبطولات يوم حطين .. وسوى ذلك من ملامح دمشق الفيحاء ومعالمها وتاريخها وبطولاتها ، ومن انتصاراتهاالخالدة ، وذكريات مجدها القديم ...
دمشق الملهمة ، لساحرة ، التي انطقت اعظم شعراء العربية بارفع الايات ، واخلد الحكم ، فرايناها مرسومة الشخصية في شعر أي تمام البحتري وديك الجن والواواء والمتنبي وابي فراس والمعري وغيرهم من شعرائنا الخالدين .
فلا عجب اذن ان تكون الملهمة لشاعر ((عبير من دمشق ، والموحية له بملامح رفيعة من الشعر العربي الجليل ، وهي هي وطن العروبة والاسلام على امتداد التا ريخ ، وعلى الرغم من كل ما صنعه ويصنعه الشعوبيون  .. 
ومن عدنان مردم صاحب اصالة وطلاقة فنية عجيبة ، وصاحب مواهب طريفة وتلبدة في الشعر، وهو من بيت عريق في الشاعرية ، غنى بمواهب  الفكر والادب والشعر ، كما كان بيت زهير في الجاهلية ، وحسان وكعب بن مالك في الاسلام  ، على سبيل المثال  ..  وقد اهدى ديوانه الى ابويه : خليل مردم ، وزهراء الحمراوي ، الانسانين الذين وهباه حب الجمال وتذوقه والاجادة في تصوره وتصويره .
والكلاسيكية الاصلية واضحة في قصائده الشعرية ، وفي جميع صوره ، اما موضوعاته ففيها الموضوعات الاكلاسيكية  والاخرى الرومانسية الطريفة ، واما معانيه فصدى لثقافة واسعة عميقة .
 
                                                   -2-

والشاعر يؤمن بالعاطفة والشعور ، ويجحد العقل ةالمنطق ، يقول في قصيدته ((ابو عبادة البحتري)) يكذب العقل ، وينفي ان يكون طريقا الى الحقيقة :

كذب العقل رائدا ودليلا
               في طريـق للشك ماجـت قبابه
منطق العقل مجدب شحيح
               ليس يروي الماء يوما شرابه
ظلمات كتابه ، وشكوك
               اين للشك ان يبين كتابـــــــه؟

ويقول في قصيدته ((في حلبة المتصوفة)) يصور منطقهم من الايمان بالهام ، واتخاده طريقا الى الحقيقة والمعرفة :

بلغوا الحقيقة بالشعور ، ولم يروا
               في العقل ثم معارفا تتحقق
اوليس نور الله يبصره الفتى
               بشعوره والليل داج مطبق ؟
تعمى القلوب عن الصواب ودونها
               شمس السنة الحقيقة تنطق            

وفي قصيدته ((كل حقيقة سراب )) ينزع نحو فلسفة ذاتية ، يعبر فيها عن رأيه في الحياة والناس. وهو مقبل على الحياة ، معتز بالتاريخ ممجد للثرات ، متشائم من الانسان ، الانسان الذي يشوه جمال الحياة ، وحقيقة الخير فيها ، فيقول من قصيدته (( لاعب السرك)) :

تجد الناس – حيثما وجد النا
             س- قطيعا يسعى لسوء ويـحـدى
نعمت بالاذى قلوب البـرايـا
             واستطابت ورد القطـيعـة وردا
اجد الصخر كان ألين قلبـا
             من بنى الناس ، والسوائم اهدى
رب صخر تفجر الماء منــه
             فشـفـى لاعـجـا واطـفـأ وجــدا
ومرد الاحقاد والسوء القلب
              لم يكن دهره عـنـالسـوء يهـدا
عالم الشلر عالم ما تعدى
              هــذه الارض او تـجــاوز حــدا
 
وهنا نجد تشاؤم المعري ، وصياغة البحتري واضحين كل الوضوح ، ونجد الجانب الفلسفي في
((عبير دمشق)) قويا واضحا رفيعا .
                                                   -3-

والديوان غني بروائع الخيال والصور الفنية الجليلة ، وبـأتلد واخلد واجمل ما في العربية  من مثل للاداء والتصوير والتعبير ..
يحتوي على ثمان واربعين قصيدة ، قد يسوغ لنا ان نقول : انها تثرى الشعر الحديث ، وتكسبه مجدا كبيرا ، وتلبسه حللا جميلة من زهو الشاعرية ، ورونق عموديتها الاصيلةالمتمردة المعبرة عن كل حقائق الحياة ، ومشاعر الشاعر.
جزالة الالفاظ والاساليب ، وشرف ما تضمنته من روائع المعاني ، واوابد الحكم ، وبدائع الخيال والصور ، وجميل التشبيهات والاستعارات والمجازات والكنايات ، كل ذلك سمة اصيلة للديوان والشاعر .
والقصائد الثماني والاربون في جملتها من بحر الكامل ، ومنها قصيدتان من مجزوئه ، وقصيدة
واحدة من مجزوء ، واخرى من المتضارب ، وثمان القصائد من بحر الخفيف ، وثلاث من الرمل ، اما الكامل التام فمنه ثلاث وثلاثون قصيدة في الديوان ، وهذه الاوزان استخدمها الشاعر استخداما موسيقيا ماهرا ، في اجادة تامة للعزف ، وابداع في صناعة اللحن ، وصياغة النغم والعبرة في الامر هي اصالة الشاعر ، وان كان شعراء العاطفة والحب يفضلون اوزان خاصة ، وشعراء الماثر والمفاخر والتاريخ يفضلون اوزانا غيرها ، ولكن الشاعر هنا في اختياره لاوزانه يعبر عن ذوق كلاسيكي رفيع في الغناء والشعر ، وتحاول اداته الطبعة في الشعر ، ان تطوع كل نغم لخيال الشاعر وفكره وشاعريته. 
                                                   -4-

ويحتوي((عبير دمشق)) على ابواب رئيسية :
فالباب الاول ، وهو من ((كنوز بلادي)) يحتوي على احدى عشرة قصيدة ، من ارفعها – الخريف في دمشق – شارع النصر – ازقة دمشق القديمة .
ومنه قصائده :  الغوطة في الربيع – سفح دمر – قلعة الحصن – الوطن – تراب الوطن .

والباب الثاني ، وهو وصف الطبيعة، يحتوي على ثمان قصائد ، من اجملها : جبال لبنان – خريف- اوراق الخريف .
ومنه : البرق- شقائق النعمان – سنابل القمح  - الصفصافة العارية – الناعورة .

والثالث ، وهو المعذبون في الارض ، يحتوي على سبع قصائد ، من ابدعها قصيدتاه : بائع العرقسوس ، الحطاب.
ومنه : شواء الذرة – صانع الزجاج – الحائك – الخزاف – الحمال .
والرابع : وهو صورة فنية ، يشتمل على سبع قصائد ايضا ، من امتعها : لاعب اليرك ، راقصة الباليه ، الاشباح التي تعد ذات مضمون رمزي ومنه : ندوة القصاص – العازف العجوز- غجرية – المولوي .
 والخامس : وهو تـأملات ، يحتوي على اربع قصائد ، من اجملها ، في حلبة المتصوفة ، في كل بيت مـأساة .
ومن قصائده : عالم الحق – كل حقيقة سراب
والسادس : وهو صفحات من التاريخ ، يحتوي على عشر قصائد ، من اجلها : دمعة القمر – غرناطة – الثغور السليبة – الشهيد – ابو فراس – ابو عبادة .
ومن قصائده : اندلس الشرق – يوم حطين – وقائع نور الدين زنكي – التاريخ
والواقعية في موضوعات الشاعر واضحة ، وتمثل هذه الموضوعات الجانب القومي للعرب  والمسلمين تمثيلا كاملا واضحا ..
والديوان مصدر بقصيدة كلاسيكية بليغة بعنوان ((الله)) وفيها تـأمل كثير ، وفكر عميق ، وحجج منطقية دقيقة .
 
                                                   -5-

وقصائد الديوان تمتد ، فتحتوي فترة من حياة الشاعر الفنية الخصبة ، هي الفترة مابين عامي 1960،1969.
وفي الديوان قصيدة واحدة من نظمه عام 169، هي ((دمعة على القمر)) ، وست من نظمه عام 168 هي : شارع النصر – اوراق الخريف – المولوي – راقصة الباليه – في حلبة المتصوفة – التاريخ .
وباقي قصائد الديوان من وحي عام 1960 حتى   عام 1967.
والديوان حافل بالشعر الوطني والقومي ، ومنه قصائده : الوطن – تراب الوطن – الحرية – الشهيد – اندلس الشرق (فلسطين) – الثغور السلبية .
وفيه من الشعر الرمزي قصيدتاه : في كل بيت ماساة – الاشباح.

وهو من الجملة من اوابد الشعر وخوالده ، وصوره الجميلة تمضي بين بلاغة الاداء وجلال الخيال، وشموخه ، وسحر التصوير وابداعه .

                                                   -6-

والشاعر في ديوانه عميق النظر في الطبيعة والحياة والتاريخ والاشياء والمجتمع .. وتكاد تلتهم عينه الناظرة كل ماتصف التهاما شديدا ، لتخرج منه صورا لطيفة ، ومن ثم ابدع الشاعر في وصف كل المحسوسات المرئية .
فهذه صور فريدة رسمتها ريشة شاعر ملهم ، يقول الشاعر من قصيدته ((ربوة دمشق)):
 
همس النسيم وسجعة النهر
               رجع الصدى لقوافل الدهر
دون الربى وبكسل منحدر
               لروائع فيض من الثغر
وعلى الثرى عبر موعظة
               عن غابر لوقائع تكسر
والحسن اسفر غير متنقب
               برياضها ، واطل كالبدر
والسحر لايحصى بغوطتها
               ويضيق عنه الشعر من حصر
ماست قيان الدوح من عجب
               مزهوة بـمطـارق خــضـر
وازينت بجواهر نظمت
               للنور دون الجيد والنحر
سطعت غلائلها بمؤتلق
               منبائع كالانجم الزهر
والصورة بصرية ، فيها من الجمال سحره ومن الطبيعة مرحها ، ومن المحسات كل فتنتها ، ويكاد الشاعر يمثل ذا الرمة وابن المعتز ، وابن خفاجة في شاعريته وخياله وتشبيهاته البصرية، وفي هيامه بالطبيعة واوصافها في شعره..
ويستمر الشاعر في القصيدة نفسها فيقول :

واوابد للصخر قد نــــــــــثرت 
                               في الافق اجنحة من الصخر
عطفت على الوادي تحــــف به
                                 كالام فـي رفـق وفي بئـر
شابت ذؤابتها وما وهنــــــــت
                               قـدم على الاحداث من ذعـر
قامت على الايام شامـــــــخة
                              بمعاطس كالنجم مــن كبــر
ما عابها عرى تحيفــــــــــها
                            او غـض مـن شــأن ومن قـدر
عري الحقائق زاد هيبتـــــــها
                            في السمع والعينين والصـدر
والسيف مالم تعري شفرتـــــه
                           عـبء ، ولا يـغـنـيك في امـر

فنجد ارفع الصور الحسية ، واجمل الخيال المغرق في النظر في الاشياء.
وفي المعنى الاخير ، الذي تضمنه اخر بيت منها ، يقول الشاعر من قصيدته ((سنابل القمح)):

عريانة لم تحتجب عن ناظر
                           والليل عريان يضل ويوبق

ويصور ((قلعة الحصن))، ويقول :

مقل الخريف على الثرى تجري 
                           بدموع ثاكلة على قبر

ويقول فيها:

والماء يضرب في مساربه 
                         متـعثـرا حـيـران لايـدري
والغيم ارخى من غلائله
                         طرزا على الكثبان والقفر

ويقول كذلك في القصيدة نفسها متحدثا عن دمشق :

عقد الغمام على مفارقهــــــا
                         تـأجين من شرف ومن فخر
 عصفت بها الاحداث من قدم 
                         حسدا لهـا بحـوادث نكـر
لم يطغها ترف وما وهنت 
                         قـدم لهـا عـلـى عــســر
 
يا لله.. هذا هو الشعر والخيال وروائع الصور المبصرة حقا ، التي البسها الشاعر طيالس من عبقريته او شاعريته .
وفي قصيدته ((شقائق النعمان)) يقول متحدثا  عن انسان مولع بهذا الزهر الجميل :

وأغد يسرع والظلام ملاءة 
                         نشرت بغير يد على الغبراء

وملاءة الظلام هنا شبيهة بملاءة الفجر في شعر ذي الرمة ، وهي اثر لخيال شارد ملهم.
وروائع صور للشاعر في قصيدته ((بائع العرقسوس )) كذلك تغنى عن التحليل ، يقول في وصف طاسات بائع العرقسوس :

سلبت شعاع الشمس ريقه
                          وبهاءه بـأشعـة صـفـر
وتجلببت بالنور ادرعة
                          شفافة كالكوكب الـدري
اوانها بيمـيـنه اكـر         
                         وضاءة من مشعل الفجــر
جرع بدار بها مشعشعة
                         كوميض برق في دجى يسري
تشفى جوى ولظى مؤججة
                         بالـري اونـة وبالعطـر

ويقول في وصف الحطاب:

اهوى على الجدع العتيق بفاسه 
                          حنقا كاعصار بجنح ظلام

ويقول في لاعب السرك:

لم يرعه الردى وقد نشر الرعـــ
                         ــب حبالا على الفضاء ومدا

صورة خلابة مشرقة لانعثر عليها الا عند الاصلاء من الشعراء ، ولانكاد نجدها عند احد منالشعراء المعاصرين . ولعل بيئة الشاعر دمشق ،
وجمالها الندر كان من بين العوامل التي صنعته على اجادة الوصف والتصوير . ومن هذا الجانب الحسي البصري استمد شاعرنا قاموسه الشعري الجميل ، وهو يغني بالشعر والسحر والجمال .. 
                                                   -1-

ولا اعدد قصائده الجياد في هذا الديوان ، فاكثرها جيد نادر ..
ازقة دمشق ،خريف ، ربوة دمشق ، جبال لبنان ، لاعب السيرك ، بائع العرقسوس ، راقصة الباليه ، دمعة على القمر ، غرناطة .. الخ .
ويكاد الشاعر يصور نفسه فيما وصفه البحتري حيث يقول :

شاعر الجمال كل اغانيــــــ
                               ــــــه وللمجد سعيه وذهابه
 
فهو ينشد الجمال في الحق والخير والحرية والفداء والبطولة والنضال ، وفي الحياة والمجتمع والطبيعة والكون والوجود والله ..
وهو يرسم الصور الانيقة الجميلة التي تعبر عن هذا الجمال الذي امتلأت به نفسه وروحه حتى ليقول :
    
صور سمحة الخيال تعرت
                    دون افق بالنور ماج رحابه

والديوان بعد هذا غنى بالحكمة النادرة ، والمثل النافر وبالقياس والتنظير والتشبيه الضمني ، وحسن التعليل .. ممالا نعثر عليه في كثيرا في دواوين الشعراء المعاصرين . ويكاد يكون الشاعر في تشاؤمه وحيرته متـأثر بابي العلاء الى حد كبير.
وما كان احوجني الى الوقوف امام قصيدة نادرة طويلة ،(( مثل لاعب السيرك)) أو((بائع العرقسوس)) ، لنحللها ، ونتملى جمالها وبلاغتها ، ولكن لا ضير ، فلذلك موضع اخر من الدراسة والنقد.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here