islamaumaroc

كلمات باكية

  دعوة الحق

146 العدد

فقدت سوريا في بضعة شهور ثلاثة ادباء كبار يعدون من مفاخر هذا العصر هم الدكتور سامي الهان والدكتور زكي المحاسني والاستاذ سامي الكيالي ، ولكل منهم انتاج علمي وادبي اتجه به اتجاها خاصا و برز فيه حتى عد من اعلامه .
فالدكتور سامي الدهان بدا حياته معلما في مدرسة ابتدائية وهو من اسرة اكثرها يميل الى تعاطي التجارة كسائر اهل حلب لكن طموحه ابى عليه الرضاء في هذه النزلة فسعى حتى  ابتعث الى باريس قبل الحرب العالمية الثانية ، وعاد بعدها يحمل الدكتوراه بيد واطروحة ممتازة باليد الاخرى مؤلفة من جزئين  بحث في ابي فراس الحمداني والثاني شرح لديوانه ومازال شرحه لابي فراس معتمدا حتى اليوم بالرغم من مضي ما يقرب من ثلث قرن عليه ، وفي ايام حكم الشيشكلي لسوريا اختير عضوا في المجمع العلمي العربي وقدم خلال ثلاثين عاما عددا من المؤلفات في الادب وتاريخ الادب وتحقيق المخطوطات ما يجعله خالدا بين الخالدين.
كان يجيد اللغتين العربية والفرنسية ويشدو بشيء من الالمانية والاسبانية ومارس التعليم الجامعي في سوريا والمغرب والاردن واصيب قبل وفاته ببضع سنين بجلطة دموية الزمته الفراش شهورا طويلة ثم خرج من ازمتها عليلا وربما كانت هي من بعض الاسباب في استعجال وفاته.
عاش اقل من ستين عاما ملأ ها جميعا بالعمل المنتج وكان مرحا نشيطا يلسع بنقداته وغمزاته الاصدقاء والخصوم معا ولايجرؤ على المجابهة ما الا اذا احرج احراجا شديدا جدا . واسلوبه كنفه لا تكلف فيه ، دعي في احدى الفترات السياسية للاشراف على جريدة يومية في دمشق فرفع منمستواها الا سلوبي رفعا جعل خصومه من الصحفيين واكثرهم ضعيف الثقافة اللغوية او منافق للجماهير يكتب باسلوبهم ، جعلهم حسادا ناقمين .
واقيمت لذكراه يوم الاربعين حفلة تـأبين في حلب رثاه فيها عدد كبيررحمه الله ووفاه اجر عمله بما يرضاه.
والدكتور زكي المحاسني من اسرة كريمة في دمشق عاش يتيم الام فـأ ثر فيه فقدان حنان الامومة تـأثيرا كبيرا جدا جعله مرهف الاحساس ناعم الحديث كثير الدب على اولاده متعلقا بزوجته تعلقا عجيبا وهي سيدة منكرام الاسرة المعروفة في لبنان نهضت بروحها وحدها حتى ادركت منزلة رفيعة في الادب والفت عددا من الكتب اكثرها في كريمات النساء المسلمات بعهد الاسلام الاول.
واختلفت معه مرة على امر من الامور اوجب العتب والاعتذار فوقف الى جانبها يدافع وينافح
بقوة ، ثم ظهر الحق وبطل العتب فوقف معها في المرة الثانية يحامي ويدافع فقلت له يا زكريا اما ان تقف الى يمين واما الى يسار ايهما اعتقدت انه الحق فقال :
يا اخي ان وداد على حق فهي لا تخطيء . وانا اكثر من معجب بها اكثر من محب لها . انها لي الام الزوجة والحبيبة وكل شيء في الدنيا ، فما تقوله لا اناقش فيه .
واما وفاؤه لاصدقائه وتلاميذه فالى غير حدود ، وكثيرا ما كان يفاخر بطلابه وبخاصة من احرز منهم منصبا كبيرا .
وينشد شعره فتحسبه قصيدة تذوب و يستشهد بشعر غيره فيغرد وصوته في انشاد الشعر حنون وله فيه غنة خاصة يتذوق فيها طعم الكلمات والحروف كمن يتذوق اطايب الطعام .
كان يتحف اصدقاءه بشعره اتحافا كريما وله في كثير منهم قصائد طويلة وينتهز المناسبات ليهديهم شعره اهداء على صفحات الجرائد والمجلات وبخاصة في السنين الاخيرة من ايامه بل يضفي عليهم من الالقاب ما يشبع غرور الكثير منهم ، كتب مرة الى احد الاصدقاء رسالة عنوانها بالجملة التالية :
الى عالم الشرق والغرب الاديب  البحاثة والعلامة الفرد ... والرسالة الان امامي انظر اليه وعيناي تدمعان حزنا عليه ، انه لم يكتب ما كتب نفاقا وا بساسا وهو غير محتاج الى نفاق وانما كتب ذلك عن حب وتقدير وايمان بما يقول ، وان كان هذا الحب مبالغا فيه الى حد بعيد .
لم يمارس غير التعليم مهنة الا فترة قصيرة ارسل فيها الى مصر لتحضير الدكتوراه عين خلالها ملحقا ثقافيا واختار بعد احالته على التقاعد عزلة فرضها على نفسه فرضا وتوهم اهمال بعض طلابه واصدقائه اياه لفرط حساسيته فكان يشكوا ذلك الى المخلصين من احبابه ومنهم الاستاذ احمد الجندي الشاعر المرح فكان يخفف كثيرا بملحه اللطيفة.
والجندي من اخف الناس روحاوان كان من اثقلهم جسما لا تراه الا ضاحكا فكيف يتلاقى عابس  وضحوك؟! الواقع انهما يشتركان معا في صفة واحدة هي الحساسية الشاعرية والوفاء اطال الله عمر احمد ورحم الدكتور زكي.
كان المحاسني عزوف عن المجتمع وحب للعزلة لكنها عزلة منتجة يقرا ويحفظ ويستذكر ويكتب وينظم الشعر بدا حياته اديبا مقلدا كسائر الشبان وكتابه النواسي يكاد يكون صدى لما كتب طه حسين في حديث الاربعاء . وانتهى قدرة ممتازة في البحث والتنقيب وحسن الاستنتاج والمقارنة حتى عد كتابه في شعر الحرب عند العرب كتابا محترما جدا .
وكان في اعتزازباصدقائه كبار الادباء تحدث بهذا في كثير من مقالاته في اخريات ايامه .
و بلغ في اعتزازه بنفسه ان دعا اصدقاءه على صفحات المجلات والجرائد الى تاييده للحصول على جائزة نوبل.
ومرض ولم يطل به المرض وان كان انهياره الصحي قد بدا منذ عدة اعوام بعد احالته على التقاعد وتوفي مـأ سوفا عليه ولم يفكر اصدقاؤه حتى اليوم – على ما اعلم – باقامة حفلة تـأبين له تذكر فيها اثاره ومحاسنه رحمه الله.
واما الاديب الثالث سامي الكيالي ، فهو من اسرة كبيرة محترمة جدا في حلب منها الدكتور عبد الرحمان الكيالي الزعيم السياسي الذي قاوم الاستعمار طويلا وقبل الوزارة في عهد الفرنسيين لا حبا بالاستسزار بل ليبرهن على ان الزعيم السياسي المناضل يدخل كل حومة ليبرهن على صدق نضالهفي السلبية والايجابية على حد سواء .
ووالد سامي الكيالي كان مفتيا في حلب وعرف بتمسكه باعطاف الدين من غير تعصب ، وعاش سامي في جو علمي ونشـأ بين كتب الفقه و اللغة وقضى سنين طويلة كاتبا عاما لبلدية حلب ولو كان سواه في هذا المنصب لاكتفى به وعاش على هامش الحياة الفكرية ينعم بالرفاهية لكن سامي لم يكن من هذا النمط الكسول بل انشـأ مجلة(( الحديث )) الادبية ودعا كبار كتاب العالم العربي الى مؤازرته وزارهم في بلادهم وعقد معهم اواصر صداقات متينة ، حتى لقد صدر احد اعداد الحديث قبيل عام 1930 وجميع كتابه من المصريين بدءا من طه حسين فنازلا فاشاع خصومه وحساده عنه قولتهم : ((ان سامي يصدر مجلة مصرية في حلب)) قال مرة : وهل للعلم  او للادب وطن ؟ ولماذا نضيق على انفسنا ونحن ندعي اتساع العروبة من الخليج الى المحيط ؟ ومن منع الكتاب الحلبيين ان يكتبوا ما يشاؤون ؟ وهل منعت نشر مقال حلبي في حديثي؟!)).
كان سامي اول من شجعني على الكتابة منذ كنت تلميذا في الباكالوريا واشاد بي وحفظ ودي حتى يوم وفاته . ولما اسسنا عصبة وكنا ثلاث شبان : عمر ابو ريشة من املراء الشعرالمعاصر الان، والمرحوم اورخان ميسر الكاتب البحاثة ، وكاتب هذه الكلمة ، نشر سامي بياننا وبرنامجنا على نفقته ووزعه في الاقطار العربية على كل مشتركي مجلته وجاءتنا رسائل تشجيع من اكثر من مائة عالم و اديب مشهور في العالم العربي ، وكانت خطواتنا الاولى هي المجدية بتاثير هذا التشجيع حتى اصبحت الصحف تتهافت على أي مقال منا او حديث ، وسامي يقف الى جانبنا ويفتح لنا صدر مجلته على مصراعيه .
لم يكن سامي اكثر من اديب مناضل من خلال مجلته التي عاشت اربعين سنة ثم من خلال مؤلفاته المتعددة عن رحلاته في اوروبا وامريكا وسواها ، ونستطيع ان نعده بحق من مؤسسي ادب الرحلات في هذا العصر واسلوبه بسيط جدا يكاد يكون اسلوبا صحفيا عاديا واذا كان امدينة حلب ان تفاخر بسامي الدهان وعمر ابو ريشة واورخان ميسر وفوزي الرفاعي وسواهم من الرعيل الاول فان فخرها بسامي الكيالي لايقل عن هؤلاء بشيء رحمه الله رحمة واسعة .
هذه الكلمات الباكية امليتها وفي قلبي اسى وحزن وفكرة تخامرني منذ زمن . لماذا نكتب عن علمائنا وادبائنا الا بعد وفاتهم ؟ لماذا لانقدرهم الا بعد ان يغيبهم الموت ؟! انسمي ذلك حسدا ام نسميه توانيا ، ام نسميه طمعا بالحي ؟ ام نتانى حتى تختتم حياته لنعرف سلوكه الاخير ؟!
اني ادعوا الى الكتابة عن الاحياء ليروا باعينهم كيف يقدرون وفي ذلك عزاء لهم عما يقاسون من الام الاغتراب الحقيقي عن مجتماعاتهم المختلفة .
اني ادعوا الى ((بيبلو غرافيا)) عربية للا حياء وهو الذي ادعوا اليه قد نفذته فعلا وسيرى القراء في العدد الاخير من مجلة اللسان العربي مصداق ذلك ...
وان مجلة دعوة الحق التي تحمل مشعل الفكر الادبي والثقافة الدينية منذ زمن لاجدر من يؤيد هذا الراي فهل تقوم مجلات اخرى بتنفيذ هذه الدعوة واخراجها الى حيز الوجود ؟! اني لارجو ذلك من كل قلبي.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here