islamaumaroc

عقبات في وجه العلاقات بين المدرسة والأسرة

  دعوة الحق

146 العدد

 على هامش أحداث وداديات للتلاميذ في التعليم الثانوي :
 لعل من أهم ما يشغل الأذهان في ميدان التربية ما يقتضيه وضع التربية وتطور المناهج الدراسية وتغير النظرة إلى المدرسة بوصفها الخلية التي تتولى الحرص على تكملة تكوين النشئ الذي يتلقاه الطفل في البيت، وقد أدت هذه المعطيات جميعها إلى حتمية التعاون وتبادل الرأي والمشورة بين التلميذ والمدرسة والبيت، وبتعبير أدق بين الطفل وهيئة التدريس والأولياء.
 والمشاكل التي تعترض هذا العمل البناء كامنة في جهل الآباء أو قلة وعيهم لحقيقة الشؤون الملقاة على كواهلهم، فالأولياء لا يعون جسامة المتاعب التي تنتاب هيئة التدريس، كما أن المعلمين من جهة أخرى لا يتفهمون بدورهم نوعية المساعي التي يقوم بها الأولياء إزاءهم، والتلاميذ ينشأون في معظم الأحايين بمعزل عن الحقائق التي تنبثق عن الاتصال المباشر بالراشدين، وبكلمة فإذا كنا نلحظ هناك عاملا من عوامل سوء النية أو رفضا مطلقا للانسجام والتفاهم، صادرا عن الأسر أو المعلمين على السواء فإن الشواهد التي تتوافر لنا تنهض دليلا قاطعا على أن العقبة التي تتضاءل إلى جانبها كل العقبات تكمن على جميع المستويات، في انعدام بين المتحاورين. وهذه الدراسات محاولة جادة لجلاء هذه العقبة، للتغلب عليها واستئصال جذورها.

 بأي منظار يرى المعلمون الآبــاء ؟
لقد طال الحديث في أيامنا عن رأي المعلمين حول اتصالهم الشخصي بالأسر والأهمية التي يعلقون عليه والأسباب التي تعوق نجاح هذا الاتصال، وقد تركز هذا الحديث بنوع خاص حول تنوع تقدير هذا العمل في الأوساط المدرسية وحول قيمة معرفة الوسط الأسروي، ورغما عن أن هيئة التدريس قد أبانت في معظمها عن استعداد طيب لإجراء اتصالات فردية، فإن كثيرا من المعلمين لا يقرون بفعاليتها ويظهر كثير منهم بعض التحفظ تجاه هذا العمل الشاق، وجدير بالإشارة أن بعضهم يعترف بأن الصلات الرسمية لا يمكنها أن تحل محل الاتصالات الفردية، ثم أن هناك فريقا آخر يتلافى بشتى الوسائل الاتصالات التي لا يراها ضرورية أو التي يعتبر ضررها أشد من نفعها، وقد تكشفت الأمثلة المتوافرة لدينا فيما يخص أهمية التعرف على الوسط الأسروي عن عنصرين جوهريين : أولهما اعتبار الاتصال بالأولياء ضرورة وجيهة يفرضها فهم التلميذ، وثانيهما اندهاش المعلم تجاه المكاسب التي يوفرها له اللقاء كاكتشاف المشاكل الخطيرة لدى التلاميذ الموهوبين الذين لا أثر في سلوكهم لوجود انحراف  بين، واتضاح حالات بعض التلاميذ، على أثر حديث مع الأولياء يقتصر فيه الأولياء على الحديث عن ذاتهم.
 بيد أن مختلف الشواهد تشير إلى أن جو الاحترام واللياقة الذي يطبع اللقاءات الفردية لا يمنع عددا هاما من المعلمين من رفض الاتصال الشخصي بالأسر إلا إذا غدا أمرا لا مفر منه، وهذا الموقف نتيجة حتمية لتصرف الآباء وانعدام وعيهم بمشاكل نفوذ هيئة التدريس وإقامتهم لحصون منيعة من معطيات شخصيتهم بين الطفل والمدرسة بالحلول الكلي محل الابن أو البنت مما يجعلهم يتقبلون بصعوبة انتقادات التلميذ. ثم هناك ظاهرة غريبة تتمثل في تقبل الآباء لموقف الدفاع الآلي لدى الطفل حتى أن حرصهم على اتخاذ موقف القوة لدى اتصالهم بالمعلم ينقلب بعد حين إلى لون من التحيز للطفل بإبراز محاسنه وشمائله واعتبار المعلم مجرد شخص يلقي الكلام جزافا على غير ترو وطول تفكير.
 لا جدال في أن هذه الظاهرة قد أبرزت للأخصائيين في الدول المصنعة مدى الجهل المتبادل لدى الطرفين، وقد كان موضع تعاليق ضافية، فالأولياء يتصرفون بمعزل عن الحقائق المدرسية أو يمنحون المعلم من الثقة المطلقة ما يجعل منه ساحرا يقوى على تصريف كل شيء !.. ثم أن هيئة التدريس تجهل أنها تتجه إلى عناصر تعاني من الحصار.
 فكيف السبيل إلى إجراء الاتصال ؟ إذا كان الآباء يحرصون على الاستفسار عن أحوال الطفل مع مراعاة العراقيل التي تعترض المعلم، فإن على هذا الأخير أن يصرف اهتمامه للمدلول المزدوج الذي يكتسيه طلب الأولياء : حالة التلميذ وظاهرة القلق التي تسيطر على من يتولون كفالته، والمعلم مطالب في هذه الحالة باستكناه الحصار، وليعيد الثقة إلى نفوس الأولياء، يجب أن لا يعير أدنى اهتمام "لعقدة الدبلوم" ذلك أن كثيرا من المعلمين يكتفون من تقييم أصالة التلميذ بما حققه من نجاح في الفصل بينما نعيش عصرا يجنح كثيرا إلى الخلط بين النجاح المدرسي وحظوظ السعادة في الحياة.
 والغاية من الزيارة الخاصة للمدرسة هي البحث المشترك عن الأسباب، فإذا ما انحصر الحوار الشخصي في شؤون التربية والنقط المحصل عليها غدا عقيما ولم يصب الهدف المتوخى منه في البحث عن فهم الأسباب التي تدعو الطفل إلى التلكؤ في أداء الواجب المدرسي أو المسوغات التي تحفزه إلى تغيير تصرفاته.
 نستخلص مما سلف أن هناك شرطا أوليا لضمان فعالية العمل المشترك يتجلى في عدم توجيه مبادرات الأولياء الخاصة والرسمية ضد هيئة التدريس، بل يتعين أن تكتسي روح التعاون الوثيق. كما أن نجاح هذا العمل المشترك بقاس برغبة الأولياء في البحث عن فهم تصرفات المعلم وشرحها للطفل، وقد اقترح كبار الأساتذة أن يتصدر زيارة المدرسة حوار عميق بين الأولياء والأبناء وإلقاء الضوء في الأسرة على موضوع الزيارة، ذلك أن من شأن هذه المبادرات أن تساعد على تلافي سوء التفاهم وأن تكون مناسبة لمراجعة نوعية التبادل الفكري مع البنين والبنات وغني عن البيان أن هذا العمل لن يحقق الغاية المتوخاة منه إلا إذا تركز الجهد على فهم الطرف الآخر. 

 التلميذ بين المعلم والأســـرة :

 ما الدور الذي يلعبه التلميذ في الاتصال ؟ وما رأي الشباب في الهيئات الجديدة ؟ وكيف يسهمون في أعمالها ؟
 لقد أجمع الأخصائيون في الدول المصنعة على أن استجابات الأطفال وخاصة أبناء الممثلين كانت في البدء تندد كلها بتدخل الأسرة في الوسط المدرسي، إذ كان التلاميذ يخشون من دخول هذا العنصر الثالث مسرح الحياة الدراسية في الوقت الذي يعتبرونه عنصرا دخيلا على المؤسسة التربوية، بعيدا عن حقائقها كما يزعمون، وقد غاب عنهم في معظم الأحايين مفهوم الدور الذي يلعبه مجلس الأساتذة فأبدوا تخوفاتهم من تدخل محتمل للأسرة) في الحالات الخاصة، فلم يحظ النظام الجديد بموافقتهم ألا يوم اتضح لهم دور الأولياء الحقيقي.
 والحقيقة أن الشباب قد فهموا الآن مدلول الهيئات الجديدة بيد أن ممثليهم كمثلي الأسر، كلاهما ينخذل أمام الواجبات الموكولة إليه، هناك حالة نموذجية تبرز جانب التخاذل لدى الطرفين : ذلك أن ممثل التلاميذ وممثل الأولياء يتحملان مسؤولية جسيمة في عدم التوجه بملاحظاتهم للأساتذة حول الاحتباس الذي ينجم عن سخريتهم من أصحاب الواجبات المدرسية الرديئة، لأن التلميذ يخاف مكاشفة المعلم بسوء عمله ولأن ممثل 
الأولياء ينزعج من إثارة مثل هذا العمل لخوفه من أن يكون ممثل ابنه من ذوي الكفاءات الناقصة، فتكون النتيجة أن أحدا منهما لا يقدم على شيء !
 على أن الكل يتعقد أن ممثلي التلاميذ لا يمنعهم توترهم وإحجامهم في بعض المواقف من أن يبرزوا ممثلي الأولياء في أداء الدور المناط بهم، وأبلغ الأدلة على ذلك ما يلحظه الأخصائيون خلال اجتماعات مجلس الأساتذة من تصدي الشباب لطرح الأسئلة بصورة لا يجد معها الأولياء إلا الموافقة والاستسلام، هذه السلبية حفزت معظم الأخصائيين إلى التفكير في المكان الذي يجب أن يحتله التلاميذ في هذا العمل الجماعي البناء. أن جو التوافق والانسجام الذي يطبع العلاقات القائمة بين المعلم والتلاميذ لخليقة بأن ترشحهم، بدل الأولياء، ليكونوا اللسان المعبر عن رغبة الجماعة لدى مجلس الأساتذة، ثم أنه من المنطقي أن يتقبل هؤلاء الأساتذة الانتقادات والأفكار والاقتراحات الصادرة عن تلاميذهم بدلا من أن توجه إليهم من عالم خارجي عن المدرسة. كما أن هناك محاولات جادة لتكليف كبار التلاميذ من الطور الثاني من التعليم الثانوي بعرض المطالب خلال الاجتماعات الرسمية شريطة أن تكون مرفقة بتقرير إخباري يعده ممثلهم وأن تحرر بأسلوب يتساوق ومستوى التلاميذ في مختلف الفصول. وقد حرص واضعو هذه الاقتراحات على أن يردفوا إليها مقالتهم الشهيرة : يجب أن لا يكون توفر العلاقة الوثيقة بين الطفل والمعلم مدعاة لإنكار أهمية العنصر الثالث، أي الوسط الأسروي أو التنقيص منها لأن وجوده يغير الجو الذي يسود عادة مجالس الأساتذة ويحطم علائق السطوة والنفوذ وييسر التعبير ويخلع على الحوار طابع الإيجابية.


 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here