islamaumaroc

مهزلة التفكير الإلحادي في كتاب "أزمة الفكر العربي" -1-

  دعوة الحق

146 العدد

المقــدمـة :
منذ أن نفذ حكم الإعدام شنقا في حق الأستاذ الشهيد سيد قطب(1) .. والفكر الإلحادي في العالم العربي- خصوصا- يصوب طعنات تلو الطعنات لكل شيء يمت بصلة إلى هذا الدين ! .. زاعما أنه «أسطورة» أحدثها البورجوازيون! والإقطاعيون! « لتلهية الجماهير بنعيم الآخرة عن حياة الحرمان في الأرض» حسب تعليمات المحرك النظري للحركة الشيوعية كارل ماركس .. زهي نغمة صهيونية شكا وقالبا، يطرب لها الملاحدة ومن ورائهم تلامذتهم الأبرار! .. ومكيدة استعمارية مقصودة تبدو- وللوهلة الأولى- واضحة المعالم ... تبرهن على أن هؤلاء العبيد من الذين فقدوا خاصية التفكير الذاتي- والمنتمين إلى اللائحة السوداء للفكر الإلحادي يريدون فقط أن يتخذوا من أنفسهم آلهة مقدسة بيدها الحل والعقد في دنيا العقيدة والمنهج كوسيلة غير مباشرة لدعم « فرضياتهم»- التي لا ترتقي بأي حال نظريات- في صورة يوهمون الناس فيها أنهم يخدمون العلم! ويسعون إلى إسعاد البشرية .. مدحضين في ذلك كل فكرة تناقض تصوراتهم الشاذة للكون، والحياة والإنسان .. مرددين جميعا قولة « نبيهم» المقدس اليهودي الماسوني كارل ماركس- حين جرفته أنانيته، وجهله بحقيقة نفسه فبالأحرى جهله بحقيقة الكون، والحياة- إلى القول : « لا إله إلا المادة، ولا وجود إلا وجودي».
وهذه النغمة السحرية- التي يعزف على أوتارها كل مخدر أبله- هي التي تصيره جثة هامدة تتلقفها أيدي المخابرات الصهيونية أو الأمريكية أو الشيوعية كيفما شاءت، وبأي طريقة أرادت .. مستغلة ضعف إرادته، وانعدام وعيه في تشويه مفهوم الحقيقة .. هذه الحقيقة المعذبة، البائسة- التي ترزح تحت رحمة المقامرين بالكلمة ممن شوهوا معالمها- تقف الآن في فترة احتضار على يد الفلسفة الإلحادية الممقوتة التي اتخذت من العنصرية أولا، والعصبية ثانيا، والجهل بحقائق الأشياء ثالثا، منطلقا ديماغوجيا نحو إقرار ذاتيتها ومنهجها في عالم الواقع ..

ولقد كانت الظروف الأخيرة التي أعقبت استشهاد الأستاذ سيد قطب- كرائد للفكر الإسلامي المعاصر، وبالتالي كمحرك مظري وعملي في آن واحد للحركات الإسلامية في العالم- ظروفا خصبة بالنسبة لتلامذة الاستعمار وعبيد الصهيونية العالمية، أتاحت لهم فرص نشر ترهات وافتراءات أسيادهم بين أبناء الجيل الصاعد .. وذلك في وقت كثرت فيه النكبات، والهزائم، والويلات، التي اجتاحت العرب خلال السنوات الخمس الأخيرة، والتي أيقظت الإنسان العربي ن سباته العميق، وأذكت في ذهنه روح الحيوية، والوعي، والتبصر بحقيقة أمره .. كما ألزمته البحث عن وجوده الضائع بين الأوهام والآمال الذابلة .. وقد أحدثت هذه النكبات- التي واكبت المسيرة العربية منذ حرب خامس يونيو- فجوات، وثغرات، تسرب من خلالها كل ذي فكر استعماري إلى أسواق العبيد كي يتسنى له بيع بضاعة أسياده التي نقلها من زبالاتهم، وهو مخدر بنشواتها كأبشع ما تكون حالة السكير وهو يعربد بين الأزقة الخالية .. ذلك أن ميدان الشرف كان خاليا من وجود جنود من المفكرين الإسلاميين، يتولون ضد الهجومات المتكررة التي ينشئها الملحدون على الإسلام .. إذ أن رواد الفكر الإسلامي كانوا- خلال هذه المدة- رهن الاعتقالات، نظرا لما يتسمون به من أفكار ثورية انقلابية ..يناجون جدران الزنزانات بالرحمة والعطف .. بعيدين عن أصداء المعركة المصيرية التي يحارب فيها طرف واحد فقط .. وكان بديهيا- إذن أن تتاح الفرص لتلامذة الاستعمار- الذين يتوبون عن أساتذتهم في العالم العربي!- كي ينزعوا القناع عن وجوههم، ويظهروا أمام الجماهير العربية بنفس المعايير السيكلوجية التي تتقمص ذاتيتهم عقائديا، ويعلنوا في تحد سافر : « أن أي ثورة لا تكافح الأديان تعتبر خائنة»(2). وهكذا برزت لوائح عديدة من هؤلاء التلاميذ الأبرار .. كنديم البيطار .. وصادف جلال العظم .. وأدونيس .. وكاتب ياسين ..وإبراهيم خلاص ..وهشام شرابي.. وأخيرا ظهر وجه جديد ضمن هذا القطيع المخدر، إلا وهو المسمى « مصطفى النهيري» من البيضاء، ولعله الوحيد في المغرب من تجرأ على أن يعلن انتماءه إلى هذه اللائحة السوداء من عبيد الاستعمار عن طريق كتابه « أزمة الفكر العربي» الذي هو موضوع حديثنا هذا..

محتوى الكتاب :
اعتمد المؤلف على أسلوب جاف، معقد، محشو بالعشرات من المصطلحات الفلسفية في بسط آرائه حو الفكر الإسلامي، مما يجعل القارئ في تضايق محرج وممل .. فهو يمتطي صهور أسلوبه الركيك، العقيم، الخالي من أي منهجية علمية، أو أي تصور أدبي يضفي على مخيلة القارئ وضعا من المتعة الأدبية، ثم يطلق العنان لقلمه كي ينقله إلى الأجواء العليا . حتى إذا استأنس به القارئ- في تجواله هذا- يطرحه هناك في الفضاء الرحب دون أن يمد له يد المساعدة ليعود به- ثانية- إلى الأرض حيث الواقع ... لكن القارئ مع ذلك يعيش معه- في جولته تلك- حياة المقامرين المليئة بألوان من صور الشتم، والسب، والقذف، والتي ليس لها ما يبررها إلا نية الهجوم لذات الهجوم .. بالإضافة إلى قيامه بحشد جملة من الآراء المتضاربة والمتناقضة التي لا يستطيع ربطها بأي دليل منطقي نتيجة فقدانه لأي حجة تدعم مزاعمه .. علاوة على وجود سمة أساسية طبعت جل آرائه، وهي تلك التي تتجلى في عملية المزج والخلط بين شتى الأفكار والتصورات ذات الرؤيا المستقلة عن الأحرى ..إذ أنه يعتقد أن ثمة « آلهة» وليس إلها واحدا، وأن هناك «أديانا» وليس دينا واحدا .. وهذا يعني أنه ليس على خبرة واسعة بالدراسات المقارنة للأديان حتى يستطيع أن يفرق بين العقلانية الإلهية، والعقلانية البشرية، وبين التصورات الإسلامية، والتصورات الوضعية .. وبذلك يجد نفسه مطروحا في دوامة مقوقعة داخل زوبعة من الأوهام الفارغة الهوجاء .. يعسر عليه معها التفريق بين فكرة : .. الكل والجزء، والكمال والنقص .. والخير والشر .. والعدل والظلم(3)، بحكم أنه بات ذا عقلية معقدة، ومتمردة على معطياته الذاتية وتصوراته الفطرية التي فقدها مذ أعلن تمرده على دين الفطرة : الإسلام.
وكطبيعة كل ملحد في مناقشة الأفكار، يحاول المؤلف بشتى وسائله أن يخضع الناس إلى تصوراته الضالة سواء عن طريق أساليبه الديماغوجية أو عن طريق تلويك الألفاظ بالصبغة الفلسفية دون اعتماده على أي مصدر وثائقي، فحين يهاجم مثلا « النظام السياسي في الإسلام» يجعل من الظلم الاجتماعي الذي ساد بعض العصور « الإسلامية» صورة التعريف بالنظام السياسي في الإسلام، متجاهلا دوره الطلائعي في تحرير الإنسان من عبودية أخيه الإنسان، وفرضه لحرية الرأي، وإقراره لعدالة اجتماعية لم يشهد التاريخ السياسي مثيلتها إطلاقا.
وإني هنا إذ أريد أن أستفتي المؤلف فأوجه له هذا السؤال :
هل ثمة إيديولوجية « علمية» حقا آمنت بالعلم، فوهبت « العدل المطلق» باسم هذا العلم كما وهبه النظام الإسلامي؟ (4)
ثم أي حرية تفتخر بها الإيديولوجيات الحديثة إلى افتخارها بالظلم والاستبداد ؟
لقد كان الإسلام أيام الخلفاء الراشدين يهيمن على الدولة الإسلامية من النواحي السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والسلوكية، فعاش المسلمون- إذ ذاك- في ظلال حكم عادل أدهش رجالات التاريخ، والقانون في أوربا وأمريكا.
أو لم يقل عمر بن الخطاب- وهو رئيس الدولة- أمام تجمع عام : « إن رأيتم في اعوجاجا فقوموني»!
فيقوم الصحابي المعروف سلمان الفارسي- ليشهر سيفه الذي جرده من غمده في وجه عمر- فيقول له محذورا : « والله يا عمر لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بحد سيوفنا هذه» إذ ذاك، هل لقي سلمان الفارسي- وهو يجابه عمر بهذه الجرأة والشجاعة- سوءا سجله التاريخ؟ ترى، بماذا أجابه الخليفة العادل إذن؟ لقد حمد الله إن وجد في رعيته من يمثل الاتجاه المعارض في دولته، وقال قولته المشهورة، ليعلم شعبه ويعلم الدنيا كلها من بعده : « الحمد لله الذي وجد في رعية عمر من يقوم اعوجاجه بحد سيفه»!
هذه هي الحرية! وهذه هي العدالة! وهذا هو التعامل الإنساني بين الحاكم والمحكوم في نظر الإسلام (5).

الخطوط العريضة للكتاب :
يركز صاحب الكتاب أهميته على النيل من القدرة الإلهية، والتمرد على شرائعه، وبالأخص سعيه وراء دحض الإيديولوجية الإسلامية، واعتبارها « خرافة»! قيدت الفكر العربي مدة أربعة عشر قرنا عن كل بحث علمي! وعن كل تجربة عقلية نظرية ! ..هذا مع اعترافه بأن النبي مبعوث من قبل الله قصد نشر الدعوة الإسلامية .. وأن هذه الدعوة أحدثت تغييرا جذريا في التصورات، والقيم، والأوزان .. وأنها أوجدت مفكرين واعين قادوا الجماهير الإسلامية ضد الاستعمار والاستبداد ..
أو ليس هذا تناقضا مانعا يجمع بين التصورات الإيجابية والسلبية في آن واحد ؟
وكيف لا .. و «الخرافة» لا يمكنها- سوسيولوجيا- أن تحدث هذا التغيير الجذري مدة أربعة عشر قرنا على الوالي! ..إنها الديماغوجية بعينها تراود أوهام التفلسف الإلحادي في عقلية المؤلف. ثم يرى أن العرب قضوا هذه المدة الطويلة في غيبوبة « خارج الوعي» حسب ادعائه، دون أن يدلل على رأيه بأي أدلة منطقية، ويعقد مقارنة فكرية بين العصر الجاهلي، والعصر الإسلامي، فينوه بالأول الذي كان يحتكم إلى « العقل» في حين يحمل بالأئمة على الثاني الذي يراه « يستنزف» طاقة العقل في الاختيارات الإيجابية للتفاعلات السياسية، والفكرية والسلوكية .. ومن ثم ينفي وجود هيمنة «العقل» في بعث وعي فكري بين المسلمين، لأن العقل العربي- في نظره- كان مجمدا بعقدة « الطابو»! الشيء الذي حال دون أن يشارك في العطاء حتى يتمكن من معرفة كينونته ووجوده!!.. (وهي آراء ما يكون إلى «براح» مهرج).
وينتهي من هذه النظرات الطبيانية إلى نتيجة باهتة سخيفة طالما رددها أعداء الإسلام فيقول : «أن عبر مسيرتنا التاريخية الطويلة اليوم لم نستعمل «العقل» وأداته « الفكير» في بنائنا الذاتي والحضاري».
وينقل نفس المعنى، ليؤطر به « العقل» العربي في الجاهلية، وليجعل منه « عقلا» غير متأهل- منهجيا- على تقصي مفاهيم الحياة، وذلك كخطوة نحو استصغار أبعاد تفكيره خاصة أثناء وقوفه وجها لوجه أمام « المنطق الإسلامي» المناقض للعقلية العربية إذ ذلك .. وقد رأى أن هذه العقلية لم تستطع تحليل أو مناقشة القرآن الكريم، بل سلمت به من غير فهم وإدراك!(6) لأن قساوة معاني النذير والتير- حسب تعبيره- التي جاء بها القرآن إلى الإنسان الجاهلي « البسيط» كانت أكبر، وأعنف من أن يحللها أو يناقشها، فما كان عليه إلا أن ينكسر أمام منطق الغيــــــــب».(7) .. ويعطي تعليلا على ذلك حين يصف هزال العقلية العربية أمام آلهتهم المصنوعة من الحولى، والتي كان- غالبا- ما ينتهي دورها بأكلها! .. وهذه العلة ليست كافية في حد ذاتها لأن تبرهن- علميا- عما كانت تتصف به العقلية العربية من عمق حيال إدراكها لحقائق الأشياء وطبائعها .. لقد تجاهل المؤلف- والتجاهل من خاصياته- أن العرب في الجاهلية وقفوا- أول الأمر- موقفا عنيدا جدا ضد الإسلام، إذ أنهم كانوا أشد الناس تعصبا لطقوسهم الوثنية، وعداوة لهذا الدين الجديد (8)، ولم يقبلوا به كدين رسمي لهم، إلا بعد وقوفهم على تحري دقائق الأمور، وتلابيب كل خاصية دينية .. ملمين بجميع مفاهيمها الشكلية والجوهرية.
ولأترك هذه الحيثيات التي أعطينا فيها نظرات عامة على منهجية المؤلف في النقد، لأتفرغ إلى معالجة « أفكار» الكتاب بصورة تدريجية.
ينطلق المؤلف في مقدمته بالتركيز على ما زعمه بفقدان خاصية التفكير لدى العرب عموما، وذلك بدأ من البعثة النبوية حتى اليوم بحكم أن العقل صار «جامدا» خلال هذه المدة بالمقولات الدينية، مستثنيا في ذلك العصر الجاهلي كما ألمحنا إلى ذلك قبل قليل،  ويبني رأيه هذا على النقط التالية :
أولا : أن «العقل العربي» في العصر الجاهلي لم يكن مدينا لأي هيمنة دينية! متجاهلا الأوضاع الوثنية التي اكتست الطابع التفكيري لدى العرب في الجاهلية!!
ثانيا : أن « العقل العربي» في الإسلام أصبح ذا رؤيا « ثيوقراطية»(9) غير موضوعية واعية!!

ثالثا : أن « العقل العربي» في الإسلام لم يقدم للبشرية- على مدار التاريخ- أي نتاج فكري أو حضاري على الإطلاق (10)!!
وهذا يعني في نظر المؤلف أن :
أ- العقل : لا يتحرر إلا حين يتنكر الإنسان العربي للمبادئ الدينية!!
ب- الوعي : لا يكمن في عقلية الإنسان إلا بمحق التصورات الدينية!!
ج- الدين : «الخرافة»! يستغله « الرجعيون» لأغراضهم الخاصة!!
د- الدين : هو العائق الوحيد نحو كل تقدم وحضارة!!
وقد عبر المؤلف عن هذه النزعة الإلحادية، فقال في ص 10: «أن عنف الجانب الميثولوجي (أي الأسطوري) في القرآن، قد «سطا» على أكبر مساحة من فكر الإنسان العربي، و «نسف» بالتالي جوانبه العقلية الاحتجاجية الأصلية بيولوجيا في النوع الإنساني»(11).
بهذه الفكرة الاستعمارية الإلحادية ينزع المؤلف القناع عن وجهه الحقيق لينصب نفسه- بغير حق- ناقدا! ففيلسوفا! فعالما!، وليجعل من ثم جموع : الكتاب، والأساتذة، والمفكرين، والعلماء، مجرد أناس «أغبياء!! كانوا جميعهم «فاقدي الوعي»! وذلك حين يضعهم جميعا بين الأقواس كأنهم لا يستحقون تلكم الألقاب! مستعملا في نفس الوقت علامات التعجب ليكون لسخريته مفعول أكثر دلالة .. وحتى يكون لآرائه في النقد والهجوم ما يبررها أثناء استعرضه للأحداث التاريخية، والسياسية، والفكرية،، وهي مراوغة مألوفة لدى الفكر الإلحادي المتعصب .. تفي بمقدرة المؤلف في الانخراط في سجل « حكماء صهيون» الذين تفننوا في تلويك الكلمات، وإخراجها في قالب «علمي» .. والعلم منها ومن تعاليم أصحابها براء ..
ويلاحظ أن المؤلف قد أغرق نفس في بحر من المصطلحات الفلسفية ذات المفاهيم الخاصة، الموضوعة لعلم محدد .. وهي بطبيعتها حين تقاس بعلم آخر تبدو جوفاء واهية لا تؤدي نفس الوظيفة المهيأة لها أول مرة، لكن المؤلف- رغم ذاك- يختلس جملة من المصطلحات الفلسفية- وكأنها عين الحقيقة- ليقحمها ضمن آرائه المذبذبة، وليتخذها وسيلة لمناقشة الإيديولوجية الإسلامية، جاهلا أن الإسلام لا يناقش ولا يفهم إلا بمصطلحاته .. لأن العقلية التي وضعت هذا الإسلام هي ذاتها التي تعرف وحدها وضع مصطلحات هذا الإسلام التي تعرف وحدها وضع مصطلحاته ..ثم أن هذه المصطلحات الفلسفية التي تبجح بها الكاتب- من غير أن ينساق على خطى المنهج العلمي النزيه- أفقدته حتى النظرة العلمية في النقد، حيث رمت به في معترك التناقضات والملابسات كما سنبين ذلك جليا فيما بعد ..
وفي الصفحات (12 حتى 45) يذكي المؤلف حملة هجومية، عنيفة، مسعورة، تشمل العناصر التالية :
1) الله -2) والإسلام-3) والرسول -4) والخلفاء الراشدون -5) والعلماء.
ويريد بذلك أن يقتنص الغايات الآتية :
أولا : يزعم أن هناك صراعا طبيعيا بين الله والإنسان، الذي يتمتع « بروح العناد والتمرد» على القدرة الإلهية! بحجة أن التعاليم الدينية « تعطل خاصية الثورة الأبدية في عقل الإنسان»(12) وقد رأى أن اليونان واجهوا « الصراع الديناميكي بين الإنسان والآلهة»! عن طريـــــــــــــــــق « المسرح» لكنه يشهد أن مثل هذا العمل لم يحدث عند المسلمين، وكان ذلك كافيا لأن يصف العقلية العربية الإسلامية بما أسماه «بالبلادة الأنطولوجية» بيد أن الذي يطالعنا في مواجهة هذه الآراء الضالة هي كون المؤلف يخلط بين «الآلهة» التي صنعها اليونانيون من محض خيالاتهم، وبين «الله» الذي لا يشاركه أحد في تدبير هذا الكون، ونحن إذ نثبت هذه الحقيقة واضعين النقط على الحروف، لأن «صاحبنا» لا ينكر وجود الله، وإن كان يستهزئ بعظمته .. وهذا ما يومئ لنا بسطحية ثقافية، والتالي بضحالة تفكيره في عجزه عن مناقشة فكرة «الوجود الخارجي».
وافتح القوس هنا لأذكر المؤلف أن اليونانين كانوا على عقيدة وثنية، يتخذون من الشمس، والقمر، والنار، والبرق، والرعد، والتماثيل آلهة مقدسة، فهل هذه « الآلهة» هي التي آمن بها المسلمون حتى يقع في هذا الخلط الشائن؟ سؤال موجه للمؤلف وحده.
لكننا مع ذلك نعرف المقصود الذي حدا بالكاتب إلى أن يخلط بين حقيقة «آلهة» اليونان، وحقيقة الله، إذ أن مهمته لا تنحصر في البحث عن الحقيقة كبحاثة يحترم نفسه، بل نراه يتقمص لباس الإلحاد، ويشهر قلمه على العقيدة الإسلامية، مريدا بذلك تهديمها بأي وسيلة يراها أهلا لتحقيق غايته .. حتى أنه أفرد فصلا خاصا أسماه «الإستعمار الفكري» (13) منتحيا في ذلك منحة خاصا لفرض التعاليم الاستعمارية .. وذلك بتهكمه على كل الذين يقولون بأن الإيديولوجيات الأوربية هي إيديولوجيات استعمارية، أو أنها تشكل مبادئ هدامة .. فنراه يرد على هذه الفكرة بقوله أن هذه التعاليم «هدامة بالفعل للجهل» وأن « الاستعمار الفكري» خدعة يستغلها «الرجعيون»(14) قصد إلغاء المبادئ المستوردة التي توقظ في الإنسان روح الوعي (كذا).
ثـانيـا : يتعمد المؤلف تشويه الإسلام تشويها شموليا (15) واعتباره « أداة قمع يستغلها الإقطاعيون»! مع مسخ حقيقته بادعائه أنه مجرد «أسطورة»، وهو يسعى إلى هذا التدليس معتمدا على مصادر هي من الإسلام بعيدة عند بعد السماء عن الأرض .. وهذه المصادر تتلخص- حسب نظره- في (الإرهاب السياسي والاجتماعي الذي عرف في عهد الدولة الأموية والعباسية والعثمانية) ويعتبر أن هذه الدول كانت تقترف تلكم المظالم بايجاءات دينية ! .. أي أن الإسلام- في نظره- هو الذي كان يحرك « الفتن السياسية» و «المظالم الاجتماعية» ويغذي «فتواه» هذه، فيقول في صفحة 14 : « هذه الظاهرة السيكوسولوجيا- غالبا- ما كان وقودها المباشر  العامل الديني»! ويقول أيضا : « كانت مرحلة القرون الوسطى ويقصد العهد الإسلامي) حقبة جليدية جمدت بتراثها اللاهوتي التيوقراطي الفكر الإنساني عموما».
ثالثـا :  يرى الكاتب في صفحة 13 أن الرسول والخلفاء الراشدين تولوا تسيير دفة الحكم بعد «تخدير أعصاب المسلمين بقيم الإقطاع والأساطير» (وهي مزاعم أعلنها كارل ماركس ويرددها كل ملحد أفاك أثيم)، لكنه في صفحة 14 يقف بعض الشيء موقفا ايجابيا في نظرته إلى مبدأ الشورى الذي «نص عليه القرآن ونصب بواسطته أبو بكر وعمر» مبينا أنه «أول نظام جمهوري عربي» ثم يحد من ايجابيته ليرجع بنا إلى نزعته الشريرة، وليشك بالتالي في عدالة الخلفاء الراشدين، ظانا أن اغتيال عمر بن الخطاب جاء بدافع ثوري ضد سياسته، ونفس المعنى يرددها بالنسبة للفتن السياسية التي اجتاحت دول بني أمية، وبني العباس، وبني عثمان، وبذلك يعمد مرة أخرى إلى فكرة الخلط- وهي تكثيك منهجي عنده- بين المنهاج السياسي في عهد الخلفاء الراشدين وبين المنهاج السياسي فيما عدا ذلك من العصور، ليخلص من ثم إلى تشويه نظرية « القانون الدستوري في الإسلام»(16).
رابعــا : لابد هنا من وقفة فاحصة تمهد لنا السبيل لمعرفة نظرة المؤلف لمفهوم « الفكر الإسلامي» حتى نستطيع استجلاء رأيه عن هذا الرصيد الضخم من التراث الإسلامي الذي يتجاهله هذا التمرد. لقد وقف أمام خريطة العالم الإسلامي.. يتذكر ما قام به المسلمون خلال هذه الأربعة عشر قرنا، مستعرضا أحداث التاريخ .. فيخرج بالنتيجة الوهمية التي بيناها آنفا في نكرانه لأي عطاي أو نتاج ايجابي .. الأمر الذي حدا به إلى شن حملات شعواء مركزة هادفة- كما أسلفنا- على الفكر الإسلامي، معلنا في صفحة 12 أن : «معايير المقدس واللا مقدس قد أرهقت ثقافيا الفكر العربي، وأجهضت نفسه الانقلابي لمدة أربعة عشر قرنا» مستنبطا العلة من « الحوادث السياسية» التي عاشها العالم الإسلامي والتي « انتكس فيها الفكر العربي عن أي جدل أو عطاء انقلابي» لكنه سرعان ما يناقض نفسه- شانه تناقضاته الأخرى- وذلك باعتراف بوجود جمهرة من المفكرين المسلمين ممن كان لهم عطاء فكري ضخم، ويقدم أمثلة عنهم كالإمام الغزالي، وابن سينا، والفارابي، وابن رشد» (17) إلا أن هذا العطاء كان- يراه- يشكل « فلسفة تبريرية تزكي من طغيان التحالف السلطوي للقيم الإقطاعية والمفاهيم الإيديولوجية الحياديــــــة» (18).
بيد أن هذه الظاهرة التي اختلقها المؤلف يأتي الآن وعلى صفحة 16 ليعلن عن تجاهله لها، بل ليهدمها من أساسها، فيعتبر أن « العقد السيكو ثقافية للفكر العربي يسهل العثور عليها في التراث الفقهي .. وذلك النتاج الفقهي على اختلاف مذاهبه هو الصورة الثقافية المعبرة موضوعيا عن طبيعة الاهتمامات العقائدية والفكرية والاجتماعية والسلوكية للإنسان العربي والمسلم» (19).
أوليس هذا هو اعتراف قاطع يتبناه المؤلف، ليزعزع به ما زعمه بنفسه من آراء صبيانية مررنا بها في السطور السابقة ؟
إن هذا الاعتراف وحده يثبت لنا ثلاث معطيات أساسية وهي :
أ- الإسلام نظرية قائمة بذاتها، وليست « بخرافة» خلافا لإدعاءاته السابقة.
ب- الفكر العربي أعطى نتاجا ايجابيا في الميدان الثقافي.
ج- النتاج الفقهي هو المعبر الوحيد عن حقيقة الفكر الإسلامي وليس النتاج الفلسفي.
ولكي يدلل على وجود هذا العطاء الفكر بالإيجابي، يجشم نفسه عناء توضيح « رأيه الجديد» (الذي نتفق معه عليه) .. فيقتطف فقرات من كتاب الدكتور زكي نجيب محمود عن عمليات التعذيب التي استعملها «المأمون» في حق الإمام أحمد بن حنبل كرائد من رواد الفكر الإسلامي .. ويأخذ المؤلف إعجابه بشاجة الإمام ابن حنبل فيستغل الصفحات (18 حتى 22) في سرد أخبار الإمام، وما لقيه من أصناف  الاضطهادات الوحشية، ثم يعلق على هذا المشهد البطولي الرائع فيقول- وقد اعترف ضمنيا بوجود خاصية التفكير لدى العرب- في صفحة 22 : « صورة مؤثرة، ومشاهد فظيعة لا زال بسطلي بتيرانها كل مفكر حر»(20).
ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى صفحة 28، ليتحدث عن تطور الفكر الإسلامي، ويعلن أن « الوعي الجمعي العربي استيقظ على صيحات محمد بن عبد الوهاب»، ويشرح ذلك فيقول : « لقد ثار هذا المصلح الديني على تفشي البدع والخرافات في أمصار نجد بالجزيرة العربية، فتصب من نفسه حاميا لدين الله، وأخذ يدعو إلى الموروث من النصوص عن السلف الصالح المعتمدة على أحكام الكتاب والسنة كما فسرهما ابن حنبل وابن تيمية».
والملاحظ في هذه الفقرة- وفي سواها من الفقرات- أن المؤلف يخط كلماته أحيانا من غير أن يعي للتناقضات التي تكتنف معانيها والتي لا تربطها مع بعضها أدنى رابطة معنوية، فهو في ص 12 يرى أن الإسلام قد بطش بالوعي الجمعي العربي» ويأتي في ص 28 لينفي زعمه هذا، ويعلن أن الوعي الجمعي العربي قد انتبه « أي أنه كان موجودا» في منتصف القرن الثامن عشر على صيحات محمد بن عبد الوهاب» وفي صفحة 13 يردد ما كان كارل ماركس يتهم به الإسلام من أنه مجموعة من « قيم الإقطاع والأساطير» لكننا نجده على صفحة 28 يحبط رأيه هذا، ويقول أن : « محمد بن عبد الوهاب ثار على تفشي البدع والخرافات».
وإذن، هذا الداعية الإسلامي الذي ثار على «الخرافات» لا يمكنه- منطقيا- أن يعتنق «الخرافات» ليحارب بها نفسيا .. لأنه من الناحية العملية لا يمكن محاربة «الخرافات» إلا بنظريات ثابتة تناقضها شكلا وجوهرا .. فماذا- يا ترى- يعتنق إذن ؟ ..
يجيبنا المؤلف نفسه بنزاهة فيقول : «أخذ يدعو إلى الموروث من النصوص عن السلف الصالح (ويعترف أن السلف كان صالحا) المعتمدة على أحكام الكتاب والسنة كما فسرهما ابن حنبل وابن تيمية (وهذا اعتراف ضمني بأن هذين العالمين يمثلان ريادة فكرية إسلامية، وذلك ما كان ينفيه المؤلف ولا يعترف به).
ولكي يدحض المؤلف بنفسه فكرته القائلة بأن الإسلام « خرافات وأساطير» يؤكد في ص 28 أنه: «لا الغزوات الأوربية النابوليونية ولا الريادات التعليمية المسيحية، استطاعت أن تخلص الإنسان العربي من إسلامه» ! (21).
وهكذا، في وسط خضم هذه التناقضات الفكرية يبرز المؤلف كتلميذ استعماري غيور .. لا يهمه من أمر هذه «الأفكار»! إلا التلاعب بالألفاظ وإرسالها عن غير هوية من مركز «أخطبوط» عقليته التي يزكيها بآرائه العشوائية، السطحية، الغوغائية .. والمستمدة جلها من الملاحدة : نبتشه، وفرويد، وماركس، وسارتر، وماركوز .. الذين يضع فيهم كامل ثقته في تلقي «المعارف». ولما كان عقله مشبعا بايحاءات سدنة الإلحاد، فلا يمكنه- والحالة هذه- إلا أن ينهج نفس الطريق الذي رسموه لأنفسهم في التفنن في أساليب المكر والخديعة.. وهي أسلحة فتاكة قاتلة يحارب بها الملحدون أعداءهم ..
وهذه التناقضات العديدة التي استنبطناها من كتاب «أزمة الفكر العربي» تفسر بما لا يدع مجالا للشك- ظاهرة المكر التي يتحلى بها الملاحدة كغريزة متأصلة في شرايينهم، تلازمهم حتى في تعاملهم مع بعضهم البعض! ..
وفي الصفحة 29 يجنح إلى استعمال أسلوب آخر في معالجة «تطور» الفكر الإسلامي فيطلع عليه بعقلية متصنعة للكاتب النزيه- وقد هدأ من توتر أعصابه، وانفعالاته كمهلة من الوقت للاستراحة- ليضع نفسه كناقد متحرر، بعيد عن الترهات العقائدية الإلحادية التي تعوقه- بطبيعة الحال- عن معرفة الرؤية السليمة لطبائع الأشياء ..
وهكذا نجده بمجد الكاتب الإسلامي المعروف عبد الرحمان الكواكبي، ويعترف بأنه كان مفكرا، وشجاعا، وأنه أشهر قلمه في وجه المستبدين من العثمانيين والإنجليز .. وفي نفس الصفحة يعترف بأن الأئمة، الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا يعتبرون «رواد قومي ومفكرين إسلاميين» (22).

لكن نية المؤلف السيئة الخبيثة، تجره دائما إلى الخساسة والميوعة، وتحجمه عن مواصلة بسط الحقائق التاريخية بمنظار علمي نزيه .. فسرعان ما يتحول إلى عدو ماكر شرس عساه يتمكن من بث سمومه القاتلة التي لقحوه بها أثناء إصابته بعاهة التفلسف الأعمى! إذ أن غايته- كما عرفناها سابقا- تتلخص في نشر البلبلة الفكرية ومحاولة زعزعة أفكار القراء عما تلقوه من حقائق علمية تاريخية ينبض بها المنطق الحر قبل أن تقرأ على صفحات الكتب .. من ثم يحاول هذا التلميذ الاستعماري فرض آراء أساتذته بشكل أو بآخر على ذاكرة القراء السذج..
وها هو ذا على صفحة 30 يطلع علينا برأي استعماري محض .. يستعبد فيه كون الإسلام يمكنه أن يزاول مهمته كما كان في الأول. ويستهزئ- كعادته- بكل الذين يدعون إلى مثل هذه المبادرة، فيقول ساخرا:« أن رواد الإصلاح الروحي (كذا) أن تخلف العالم الإسلامي يرجع في الأساس المباشر إلى كارثة تخلي الخلف عن محجة السلف، وسر تقدم المسلمين حضاريا، واقتصاديا، وسياسيا، وثقافيا .. مشروط بإدراك الشعوب الإسلامية لروح الإسلام، وحقيقة الإسلام، وأصالة الإسلام، وجوهر الإسلام، إلى غير ذلك- يقول المؤلف- من مصنفات بضاعة التبرير المسطحة التي يزخر بها عقل أكبر أبله على الأرض»(23)
ذلك هو بيت القصيد الذي أراد هذا التلميذ أن يظهره للملأ .. وتلك هي غايته الدنيئة من وراء كتابته لهذا الكتاب الخبيث ..
يستطرد المؤلف في سرد شطحاته وترهاته بكل ما يملك من حقد وغل في دنيا العقيدة .. تبعا لما تفرزه له ذاكرته من مصطلحات فلسفية التي تقوم –بدورها – بتغليف ما تذره عليه عقليته من أوهام وأحلام طائشة كي تنطلي بالصبغة « العلمية » المزيفة .. لكن طلاوتها هذه تزول بمجرد ما أن تصطدم بأي حقيقة تاريخية معبرة عن ذاتيتها بنفسها ..
وفي الصفحة 31 يسخر من كل الذين يقولون بأن حضارة أوربا اعتمدت على حضارة العرب، ناسيا أو متناسيا حتى ما كتبه الأوربيون (24) عن هذا الموضوع بمقاييس عادلة.
أما في الصفحة 38 فيتعرض للحديث عن الفوبيا السياسية، فيهاجم بعض رؤساء العرب ( ممن يطبقون المبدأ الذي يؤمن به)!، محددا حديثه عن الاضطهاد الذي لقيه الحزب الشيوعي السوداني .. فاتحا بذلك نافذة أخرى على ساحة الفكر الإسلامي ليتمكن من جديد إرسال المزيد من التهجمات الهادفة على الإسلام الذي ليس له أي دور قيادي في الوقت الحاضر، لكنه مع ذلك يريد – دائما – أن ينال من كرامته ظلما وعدوانا .. ويحاول جهد ما استطاع أن يظهر هذا الإسلام بمظهر « الغول » الذي يلاحق الناس ليفترسهم .. وهذا ما دعاه إلى أن يركب مطية مفترياته لأن يصدر «فتوى» غريبة يزعم فيها أن ثمة « تحالفا » بين الإسلام والبورجوازية السياسية، فيقول : « أن أربعة عشر قرنا من القهر الغيبي والقمع السياسي أهانت الجماهير العربية بشكل بهيمي»! ولعل هذه النظرة الزائفة المنحرفة هي التي حملته على مهاجمة جماعة الإخوان المسلمين ! الذين يشكلون المنطلق الثوري للفكر الإسلامي.
إن الإخوان المسلمين (25) يمثلون أمة الإسلام في القرن العشرين، وإذا كان يحلو لتلامذة الاستعمار، وعبيد الصهيونية العالمية أن يشوهوا سمعة الإخوان، فلأنهم يريدون إلغاء هذا الدين من حسابهم، وذلك بمهاجمتهم لكل الذين ينطلقون على نهج الإسلام.. الداعي إلى إقرار العدالة الاجتماعية الحقة غير المزعومة بين البشرية جمعاء.
والذي انتباهنا – حقا – أمام كل ما أثيته المؤلف في كتابه : من تهجم فأذع، واستخفاف ساخر، وتهكم ماجن، وتنكر سافر بدين الله الوحيد (الإسلام) إننا نجده في بداية صفحاته الأولى، وكأنه يطمئن القراء بلغة المساومات، هامسا في آذانهم بعض هاناته الشيطانية، مدعيا أنه سيبني آراءه على أسس منطقية صرف : « وبدون أي شكل من أشكال الاستلاب الثقافي والإيديولوجي، أو الرفض التاريخي القومي، وبعيدا عن أي صورة من صور الانسلاخ الشخصائي، أو التنكر القومي الوطني .. وإنما بحثا عن الحقيقة العلمية، واكتشافا لمميزات شخصيتنا» (26).
وإذا كان المؤلف لا يرى أن ما أعلنه في كتابه من « آراء »!! انسلاخا عن شخصيته! ورفضا للتاريخ! وتنكرا للتراث القومي!.. فأي مهزلة هذه .. يركع تحت وطأتها أن كان ممن يبتغون البحث عن الحقيقة الأزلية!.
وأي فلسفة هذه .. تخدر بنشواتها وهو دون سن الرشد «الثقافي» كما يجب أن انعته!. يخبط خبط عشواء، ويختفي وراء المغالطات اللفظية ..
الخاتمة : وفي نهاية هذا الرد – الذي لم أتمكن فيه من الإلمام بجميع جوانب الكتاب – أود أن ألمح إلى أن الملحد بطبيعته الشاذة بتنكر لكل الحقائق التاريخية والموضوعية حتى لو كانت ماثلة أمامه .. ويرمي عرض الحائط جميع الاعتبارات التي لا تواكب عقليته الضيقة المحدودة المقاصد، والتي ترنو إلى طبائع الأشياء من خلال زاوية واحدة لا أكثر .. لهذا أرى أن الملحد - غالبا – ما يكون في مستوى دون المناقشة لأنه كالحرباء لا يتمتع بأي نزاهة، أو رزانة، أو تركيز، أو استقامة، أو عمق، أو وعي إلا ما يتشدق به من معان فوضوية غامضة، الأمر الذي يصبح فيه معه يحيا في الغموض ويدافع عن هذا الغموض .. لأن منطقه هو منطق الرفض ليس إلا. وتلك هي العقدة النفسية، والعقائدية التي يصاب بها كل ملحد.
إن الفكر الإلحادي لا يريد البتة أن يسير في أي منعطف علمي نزيه، ولا يريد أن يتجاوب مع أي عقلية تخالفه، لأنه فكر شاذ، متعصب، يصدر عن أشخاص أنانيين، معقدين، متأهلين، يعتقدون أنهم معصومون من الخطأ، وأن سواهم مخطئون! بلداء!!.

1 ) حكمت محكمة خاصة بالقاهرة على الأستاذ سيد قطب بالإعدام، وذلك في غضون شهر غشت من سنة 1966 بتهمة التآمر على أمن الدولة وبعد بضعة أيام من إصدار الحكم، نفد في شهيدنا هذا الحكم شنقا بالرغم من كثرة الاحتجاجات والاستعطافات التي تقاطرت على قصر القبة بالقاهرة في ذياك الوقت من مختلف الجهات الحكومية والهيئات السياسية والإسلامية في العالم!
2) قائل هذه العبارة الطافحة بنشوة التخدير هو الملحد « كاتب ياسين » .. وقد نشر فتواه هذه على صفات جريدة «النهار» اللبنانية في عدد نوفمبر 1969.
3) للتوسع في هذه النقطة، يراجع بالتفصيل كتاب «معالم في الطريق» وكتاب «خصائص التصور الإسلامي ومقوماته» للعبقري الخالد سيد قطب.
4) يستطيع أن يجيب عن هذا السؤال بالنسبة للرأسمالية الكاتب الأمريكي « هنري جمس» في كتابه «أمريكا تحترق» وبالنسبة للماركسية المفكر الشيوعي «مليوفان دوجلاس» في كتابه «الطبقة الجديدة».
5) يراجع بتوسع كتاب «العدالة الاجتماعية في الإسلام» للشهيد سيد قطب، وكتاب «دولة القرآن» للأستاذ طه عبد الباقي سرور، وكتاب « منهاج الحكم في الإسلام» للأستاذ محمد أسد.
6) كأنه يريد أن يلمح إلى أن العرب كانوا « أغناما » يؤمنون بلا روية وتفكير، وينقذون بلا معرفة وادراك!!..
7) راجع ص 10 من كتاب « أزمة الفكر العربي».
8) أن قصة إسلام عمر بن الخطاب كافية لأن تقيم لنا « خاصة التفكير » لدى العرب في الجاهلية خصوصا وأن عمر كان أشد الناس عداوة للإسلام، فأصبح أشد الناس تحمسا له .. لا استسلاما لأحد، ولكن اقتناعا بالحق الأزلي.
9) مصطلح « الثيوقراطية» لا يجوز – إطلاقا – الاعتماد عليه في توضيح مفهوم الإسلام، والمؤلف إذ يأتي بهذا المصطلح كي يشوه به معالم التصور الإسلامي!!
10) ونحن إذ ننصح المؤلف أن يراجع – كتاب «شمس العرب تسطع على الغرب» للمستشرقة الألمانية: زيغريد هونكه، حتى يتمكن من تغذية عقله بما يجهله عن الحضارة الإسلامية .. ومع ذلك فإننا نعذره على هفواته هذه ضد الفكر الإسلامي، لأننا نعرف أن «فاقد الشيء لا يعطيه».
11) الكلمات الآتية : « الميثولوجي» و «سطا» و «نسف» في عبارته هذه، لها من الدلالة اللفظية ما أفهمتنا بحقيقة الغاز المؤلف!
12) راجع ص 25 من كتاب «أزمة الفكر العربي».
13 ) راجع ص 156 من نفس المصدر.
14) هذا هو المصطلح الفتاك الذي يتستر وراءه تلامذة الإستعمار كي يتمكنوا من تنفيذ دسائسهم بين الجماهير الساذجة.
15) يراجع بتوسع كتاب « شبهات حول الإسلام» للمفكر الإسلامي الشاب محمد قطب.
16 ) يراجع الكتاب « نظرية الإسلام وهديه» للمفكر الإسلامي الكبير أبي الأعلى المودودي، وكتاب « الإسلام وأوضاعنا القانونية» للأستاذ الشهيد عبد القادر عودة.
17) راجع ص 16 من كتاب « أزمة الفكر العربي».
18) ينهج المؤلف هذا التكتيك الديماغوجي كي يظب ملتزما بالمبدأ الذي رسمه لنفسه أول مرة حين ادعى أن « العقل العربي» بم يقدم أي نتاج فكري!!
19) راجع ص 16 من نفس المصدر.
20) هكذا نجد المؤلف يقوض مزاعمه السابقة بنفسه، فيعترف بالأمم ابن حنبل كمفكر حر، وكأنه يلمح من بعيد- مع بعض التحفظات- أن الإسلام لا يجمد العقل، استنادا إلى رأيه النزيه عن الإمام تبن جنبل.
21 ) السبب واضح، وهو يكمن في كون هذا الدين ليس بأسطورة تتداولها عقول الصبيان ..
22) تناقض ملحوظ ..إذ أنه كان يزعم أن العرب « بلداء» و « فاقدي الوعي» ! وهو معذور على كل حال لأن « السكير» يعذر بما يتفوه به.
23 ) راجع ص 30 من نفس المصدر.
24) من بين هؤلاء الأوربيين نخص بالذكر منهم : الدكتور غوستاف لوبون، والدكتور جيب، والأستاذ اورلوند، والأستاذ ماسينيوس الخ ..
25) جدت أجهزة الدعاية العالمية من صهيونية، فصليبية فماركسية فرأسمالية امبريالية على أن تستعمل جميع الوسائل الممكنة للنيل من كرامة أعضاء الحركة الإسلامية الواعية في مصر (الإخوان المسلمين) وتشويه سمعتهم كإتهامهم بأنهم : « رجعيون»! و «متزمنون»! و«انتهازيون»! و«مجرمون»!! إلى آخر اللائحة مما كانت تردده أجهزة الدعاية في الشرق الأوسط. (براجع في هذا الصدد بالتفصيل كتاب «مؤامرة ضد الإسلام في مصر» وكتاب « شهداء الإخوان المسلمين أمام حبل المشنقة»، وكتاب «لعبة الأمم» للأمريكي ما يلزكويلند، ثم كتاب الموسم «الشعوبية الجديدة» للكاتب الإسلامي الشاب الأخ محمد مصطفى رمضان).
26) راجع ص 7 من كتاب « أزمة الفكر العربي».
                                                    

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here