islamaumaroc

عزام في ظلال الوحي

  دعوة الحق

146 العدد

 لئن انقطع الوحي السماوي من بعد الرسل، وبخاصة من بعد رسول الله محمد صلوات الرحمن عليه وسلامه، فإن وحيا شعريا ملهما مازال حيا في الوجود بتنزل من سماوات الفن على الموهوبين والعباقرة الذين سقطت عنهم نبوة الدين وقامت فيهم نبوة الفن ووحي الإلهام فيما يبدعون. 
  ومن هؤلاء أستاذنا الدكتور عبد الوهاب عزام الذي تحلى الإيحاء في فنه بمواقع عديدة من آثاره الكثيرة، لق كنت أشاهده وأحدثه وكنت أجلس إليه في منزله بضفاف النيل الروضة "شارع الهلباوي" وبكون ثمة ضيوف أتوه من الشونك وهي منازل فوق في الريف المصري أو أن طلابا أو أساتذة قد جاؤوه زائرين أو راغبين بفضله وأدبه أو طامعين بكرمه، فلقد كان إلى كل ذلك من مزاياه الفكرية والعلمية مضيافا كريما.
 وقد كنت أراه مليا في كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (الجامعة المصرية) حيث أعددت رسالتي للدكتوراه(1) وأشرف هو عليها، فكان لك لقاء لي به يطلعني على أنني لست أجد إنسانا عاديا وأنا أكون على الدوام معه بحضرة مخلوق هبلولي يشف ودمه عن عنصر ملائتي يعلو مصاف الجسوم الإنسانية. وكنت أومن بأنني سعدت حينا من الدهر بملازمة هذا الأستاذ العظيم وأنه مؤثر في أثرا بالغا. 
 من معالم الوحي الفكري والإيهام الفتي لدى الدكتور عزام رباعيات له كثيرة كادت تبلغ ثلاثمائة رباعية نظمها في الإشراق الروحي والاستغراق الصوفي وفي التأمل الغيبي والفلسفة الروحية والتعبد الديني، وقد رحت أتأمل في خلق هذه الرباعيات فوجدتها كأنها وضعت على عدرة جبل فوق جناحين من أجنحة طير خيالي وإذا به العدوة الثانية رباعيات عمر الخيام، فكانت رباعيات عزام تفيض بالنور ورباعيات الخيام تفيض بالخمور. 
 وإن الحديث عن رباعيات الخيام وعزام طلاوة ونذارا وقد ختمت رباعيات عزام هذه المحاضرة.
 لكن الدكتور عزام لم يرض عن أبياته أن يسميها رباعيات فراح قسماها (المثاني) لأن كل قطعة مؤلفة من بيتين وقد مهد لكتابة المقدمة في (المثاني)(2) فصل فيها القول من الرباعية والمثنوية والفروق الفنية بينهما، وقد أفاد في بحث هذا التناظر حين عاد إلى تاريخ المنظومات الرباعية، فوجد بعد الاستقصاء أن (علي بن الحسن الباخرز) مؤلف "دمية القصر"(3) المتوفى سنة 467 للهجرة مؤرخ فشاعر كان يقول الشعر بالعربية والفارسية هو أحمد بن الحسين الخطيب فيقول فيه :
 - ولم يبلغني من شعره لا قطع نظمها على وزن الرباعي.

وجال الدكتور عزام في مجالات المناظرة بين الشعر الرباعي والشعر المثنوي، أي المؤلف من بيتين اثنين، فرغب عن الرباعيات إلى المثنويات وسمى ديوانه هذا بالمثاني.  
وإذا كان الدكتور عزام إنسانا صوفيا بالفطرة نزاعا إلى الروح المتصوفة لا عن تقيد ديني ولا رغبة في هروب دنيوي، إذا كان كما نعرفه ممارسا لحقوقه الدستورية يعيش كما عاش الناس وإن يكن لا يلهو كما لهوا، على حد من تعبير حكيم الشعراء لأعظم أبي العلاء المعري الذي كان يقول في هذا الصدد :
وهل أنا إلا مثل غيري أبلـــه
أعيش كما عاشوا وألهوا كما لهوا

فعزام بطبعه الصوفي كان يظهر الرغبة في تجنب المواقف الخيامية التي عرف بها شعر عمر الخيام في رباعياته.
وما كانت رباعيات الخيام إلا خمارة سيارة فيها كل حاجات أرباب الخمور من دنان معتقة وسقاة وغلاميات مقصوصات الشعور يسعين بين الشاربين يعب بنت ألحان في الكؤوس وفي هذه الدور الخاصة بالخمور كبيوت الكوخ القديمة أيام التواسي ومنها المشاهد المثيرة التي تربط الإنسان الفاني بخوف الفناء فتبعث الرغبة على الاستزادة من أطايب الحياة.
فكانت نفرة الدكتور عزام من الرباعيات وفحواها الخمري وما يطيف في أثنائها من ضروب المجون، هي التي وجهته وجه المثاني وصرفته عن تسمية أشعاره بالرباعيات مع أنها منطبقة الأوصاف على الرباعيات في النظم الخيامي.
ومن أعجب ما في تاريخ أدبنا المعاصر أن كاتب العصر العظيم الأستاذ عباس محمود العقاد عليه رحمة الله كتب مقدمة لكتابه المثاني، هذا الذي ألفه الدكتور عزام معتل القول في هذه المقدمة بأوصاف المتصرف السياسي الدكتور عبد الوهاب عزام إذ كان حين ألف (المثاني) سفيرا لمصر في باكستان وقد نظم المثاني في مدينة كراجي خلال سنتين كان آخرهما 1954.
وقد وطد العقاد دائرة البحث في مقدمة هذه على قضية التأثير الصوفي بين الشاعر محمد إقبال الملقب بشاعر الإسلام وبين الدكتور عزام فخلص إلى الاعتقاد بأن الباعث في نظم هذه الأشعار هو (أن السليقة التي أوحت إلى شاعر المثاني في نظمها لا التقليد لإقبال في منظوماته، فهذه السليقة هي مصدر الإعجاب بإقبال ومبعثها الأصيل.

شواهد من المثانـــي
لقد نضح عزام مثانيه من روحه وتأملاته ولم يكن ماضيا وراء تقليد صوفي، إذ كانت صوفيته الصرفة نابعة من طبعه ونفسه ومن فيوض فكره فقد قال فيها :
أحسب البدر ساطعا نبع مـــــاء
   فأرحى لديه بظهر ذنبــــي
وأراه من الأشعة فيضـــــــا
   أغنى لديه تنوير قلبـــــي
لم يصنف الدكتور عزام "مثانيته" تصنيفا خاصا وإنما جعلها أقساما وفوق كل قسم منها رقم جاء متسلسلا فقد بدأها بالرقم – 1 – أيها البحر، وذكر أن كل رباعية فيها ذكر البحر أنشئت على شاطئ بحر العرب في كراجي أو قريبا منها فهو يقول :
زاخر ثائر نهارا وليــــــــلا
   أيها البحر ما هياج البحــــور
هل خلا من هديرك الدهر يومـــا
   أو سيخلو على مرور الدهــور
ويقول وهو يخاطب الخلاق جل وعلا :

ترفع الشمس عن جمالك ستــــرا
   ويصون الجمال ستر الظـــلام
يقرأ الناس من جمالك سطـــــرا
   من حروف الأصباح والأظــلام
فإذا كان وزن ما تقدم من البحر الخفيف جاء صاحب المثاني المثنوية الثالثة على وزن بحر الرمل :
تختفي كالنجم في الدجل اختفــــى
   ثم تبدو وومض برق للضوء بـــاد
نت في غلب وومض طاهــــر
   زان للعين بياض وســـواد
وقد أشار في هامش الصفحة (28) إلى أن كل الرباعيات جاءت من البحر الخفيف ألا هذه الرباعية التي بعدها فإنه نظمها على بحر الرمل.
ولما بلغ إلى الرباعية العاشرة جعل العنوان (الوجدان) وفي الثانية عشرة جعله (في نور القمر) وفي الرابعة عشرة (بين الحسن والقلب) حيث يقول :
يطبع الحسن شكله في فـــــؤادي
   ولقلبي على الجمال انطبـــاع
بين نفسي والحسن أخــــذ ورد
   مثلي ما غازل المرايا شعــاع

وما لنا ألا نغوص محل أفكار عزام لنسبح معه في محيطها الكبير أو نطير وإياه أجواءها مع العطر والزهر حيث يقول :

فراش وزهـــر
 
صاح، هذا الفراش زهر يطيــر 
          أم فراش يفر هذي الطيـــور
 عل هذا الفراش أحلام زهـــر  
          أو أماني أرسلتها الصـــدور
 
 أيها الزهرة الجميلة مــــاذا 
          قد أسرت فراشة في الخطــــاب
 ولماذا تطير عنك لأخــــرى 
          ثم تهفو إليك رجع جــــــواب
 ويقول في حفل المولد النبوي : 
قد سمعنا من القصيد ثنـــاء 
          وعلى الدف والطبول عنـــــاء
 كل هذا على سناك غبــــار 
          صخبوا بالضجيج ذاك الضيـــاء
 
 غلب الوجد مادحيك فصاحــــوا 
          وتعالى زفيرهم والأنيـــــن
 ونظرنا إلى سناك حيـــــارى 
          يعلين الصمت وجدنا والسكــون 
 صاح ما الحر من ثبور على الظلـــم
          وأثارت لحقها الأقـــــوام
 إنما الحر من يسير إلى الظلــــــم 
          فبصميه والأنام نيــــــام 

الأحرار والعبيــــد

وكان من أواخر هذه المثاني قوله في هذه :
لايغرنك فخر قوم تعالـــــوا
         وادعوا أنهم أكابر صيــــد
هم على هامة الضعيف ملـــوك
         وعلى سدة القوي عبيـــــد
وكان دائما يحن إلى بلاده ويأنس بالبحار فكان من آخر مقطوعاته في المثاني قوله :
لهدير البحار تصغي نجـــوم
         في ضياء على البحار منيــر
هل أطلت هذي الكواكب يومـا
         لا نرى الوجه في مرايا البحور(4)
وكان يردد هذه الفكرة الفلسفية :
أمل دائب وسفــــي دوام   
         ووميض الأفكار، معنى الحياة
يقظة العين للسبات ولكـــن 
         يقظة العمر ما لها من سبــات

 

1)  شعر الحرب في أدب العرب في العصرين الأموي والعباسي إلى عهد سيف الدولة (الحمداني) الطبعة الثانية بدار المعارف القاهرة سنة 1962 والثالثة سنة 1970.
(2)  طبع دار المعارف بمصر سنة 1954.
(3)  وعصره أهل العصر وهو ذيل ليتيمة الدهر للثعالبي.
(4) يسأل عزم نفسه بقوله  هل كانت النجوم قبل البحور فنظرت فلم تر وجهها في الماء؟ .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here