islamaumaroc

الإسلام والتأميم -3-: نظرية التأميم نظرية أجنبية وطبيعة التأميم طبيعة شيوعية

  دعوة الحق

146 العدد

 أصبح الكثير من الهيآت والحكومات يتغنون بالاشتراكية، ويتسابقون إلى اعتناقها ومصافحتها، ويظنون أنها منهج تقدمي، وازدهار مادي، وعدالة اجتماعية، واشتراكية إسلامية، والواقع أنها مستوردة من النظام الشيوعي وملصقة بالنظام الإسلامي، والإسلام براء منها إذ ليس له اشتراكية تفرض بالعنف والقوة وتقوم على المصادرة والتهريج، وعلى التحريش بين الطبقات، واستغلال الظروف والملابسات، فلا ينبغي بحال من الأحوال – أن يشبه نظام الإسلام بأي نظام من الأنظمة الوضعية، ولا أن يلصق به أي شعار من الشعارات الأجنبية، وإنما هو نظام أزلي رباني يجب أن يؤخذ بكليته، وعلى وجهه وحقيقته، غير مجزأ ولا مبعض، وغير مزور ولا مشوه، فلا تفصل فيه بين الروح والمادة، ولا بين الدين والدولة، ولا بين الأحوال الشخصية والأحوال المدنية، وقد قال الله جل وعلا للمومنين به "أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما يعملون". 
فنظام الإسلام شيء لا يتبعض، ولا يتجزأ، فإما أن يوخذ كله وإما أن يترك كله، وأما إذا بعضته أو زاوجته مع غيره كالقضاء بالشرع في الأحوال الشخصية، وبالقانون في الأحوال المدنية والجنائية، فإنه لا ينجد ولا مردة فيه، وتلك هي طبيعته وخاصيته فهو نظام الأنظمة ونظام التماسك والوحدة، لا يقبل تجزئة، ولا ازدواجية، وهو نظام شامل وكامل كما قال تعالى : "ما فرطنا في الكتاب من شيء"، "ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء"، وهو رابطة بين الفقراء والأغنياء، والضعفاء والأقوياء، والمرضى والأصحاء، والنظر إلى هذه الطوائف بنظر الأخوة والسواسية واعتبارهم أداة للنهضة والنصرة، من صلب الإسلام وصميمه، ومن حبابه ولبابه، وفي الحديث الصحيح : إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم، فلا إيمان لمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ولا لمن لا سهم للمحتاجين من ماله، وذلك شأن من شؤون التربية الإسلامية، وقضية من قضايا التكافل في الحياة الاجتماعية، إذ لا يتحقق هدف الإسلام إلا بالتضامن بين الطبقتين، ولا يتم انتصار في الحياة إلى باجتماع الطائفتين، وهذا ما تضمنه مشروع التآخي بين الصحابة في أول الإسلام بمكة المكرمة، وبين الأنصار والمهاجرين بالمدينة المنورة، ومشروع الزكاة الذي هو دعامة من دعائم الإسلام، ونظام من نظامه المالي، على أنه لا قيام لمجتمع بدون تكافل جامع، ولا إسلام لمن بات شبعان وجاره جائع، وبعد : 
فالتأميم الذي هو موضوع حديثنا بدعة منكرة ومذهب أجنبي فرضته التيارات العصرية والتأثيرات المادية، والأحلاف العسكرية، وهو لا يسير مع طبيعة الإسلام، ولا يجري على قواعده الأصلية ما دام الإسلام يعترف بالملكية لأصحابها ويحترمها، وما دامت المحافظة على الأموال إحدى الكليات الخمس التي أجمعت عليها الملل فلا يخرج مال الإنسان إلا برضاه وعن طيب نفسه، وأما الاستيلاء على الأموال بوجه  الغصب والقهر فليس من شريعة الإسلام في شيء، وليس بمصلحة كلية ولا ضروري، بل في ذلك غاية الضيق والحرج – فإذا ما أردنا التقدم الصحيح، والإصلاح المتين، والعدل الذي يوفر الأمن والاستقرار، فعلينا أن نحكم النظام الإسلامي، ونجربه في تقدمنا وواقع حياتنا، ونجسمه في إصلاح أنفسنا وأراضينا، من دون اشتراك ولا استثناء، فإن له وسائله الخاصة في النهوض والظهور، ونستغني بذلك عن جلب المذاهب واستيراد القوانين من الخارج فإن لكل مذهب وقانون أثره في مكانه، وطبيعته في مجتمعه، ومن تم كان كل ذي مذهب حريصا على مذهبه وقائما على أسسه وقواعده. 
 وأما الخلط والخبط فإنه لا يقود إلى طريق السلامة ولا إلى باب السعادة، وإنما يخلق البلبلة في نفوس الناس، والقلقلة في سلوك الطريق – فالإصلاح الحق يكمن في اتباع تعاليم الإسلام وتحري مقاصده، وتنفيذ أحكامه ونصائحه – والقول بأن الإسلام أخر المسلمين محض زور ومجرد افتراء أوحى به الخصوم الأشرار، إلى الضعفاء والأغرار، الذين يقصرون عن التمييز في مجال الاختيار، وإنما الذي أخرهم بحق هو ابتعادهم عن الإسلام، واعتمادهم على أعداء الإسلام، ومتى طبق المسلمون أو الحاكمون منهم – الإسلام في حياتهم حتى يقدمهم أو يؤخرهم -؟ وإنما كان ذلك في نأنأة الإسلام وقد ظهرت نتائجه في الانتصار على دولتين عظيمتين : دولة الفرس ودولة الروم، ولم يكن العرب إلا حفنة من الناس، ولم يكن سلاحهم إلا السنان والرماح. 
 وأما التفاضل بين الناس في أفكارهم ومواهبهم، وفي أرزاقهم ومواردهم، - فهز شيء طبيعي وواقعي – بين الدول والشعوب، وبين الأفراد والجماعات، وبين الشيوعيين والشيوعيات، وهو حكمة الله في أرضه، وقسمة الله بين خلقه على ما جاء في سورة النحل : "والله فضل بعضكم على بعض في الرزق" أي الحسي والمعنوي، وفي سورة الزخرف : "نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا" أي مسخرا في الأعمال والاشغال، وعلى هذا كان في الدنيا القوي والضعيف، والغني والفقير، وكان كل من الغنى والفقر ابتلاء واختبارا من الله لعبده : "فإما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانني كلا" أي فليس الإكرام والتنعيم إمارة على المنزلة والمكانة، ولا الفقر دلالة على الحقارة والإهانة، وإنما ذلك أمر يجري على مقتضى الحكمة وسنة الطبيعة.
 فالاشتراكية إن صح هذا الإطلاق في الإسلام ليست في تأميم الأموال والأملاك، وانتقالها من مالك إلى مالك قسرا، وإنما هي في تأمين حياة الضعفاء، وبين الأغنياء والفقراء كما قال صلى الله عليه وسلم : توخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم، ومن جراء ذلك كانت ذمة الأغنياء لا تبرأ بإخراج زكاة أموالهم بل عليهم حقوق أخرى لظروف استثنائية تنتظرهم يجب عليهم القيام بها، وإلا دخلوا في الوعيد الوارد في قوله تعالى : "والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقوها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون" فامتلاك المال حق من حقوق الإنسان في الإسلام، واكتناز المال بمعنى حبسه وعدم رواجه محظور في الإسلام – لأن المال حكم بين الناس وليس من الحكمة حبس الحاكم الذي يفصل بين الناس ويترك الناس فوضى لا يجدون من يفصل بينهم، وهناك مذهب مشهور أن الكنز هو عدم إخراج الزكاة من المال ولكن ليس معنى هذا أن الأغنياء تبرأ ذمتهم بذلك إذا ما تعرض إخوانهم لمجاعة أو مضاعة بل عليهم أن يبادروا إلى إسعافهم ومواساتهم مرة أخرى، وعليهم أن يؤسسوا لهذه الغاية صندوق الإسعاف والضمان الاجتماعي.
 
 هذا ولقد سمعنا ورأينا أن بعض الكتاب استطاع أن يكشف أن التأميم المتعارف في هذا العصر دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وعمل به عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الأراضي المفتوحة – والحق أن هذا الاكتشاف واقع في غير محله وخروج عن جادة الإسلام، وتقرب إلى الأنظمة الأجنبية – أما الحديث المشار إليه فقد رواه أبو داود في سننه، وهو : الناس شركاء في الماء والكلأ والنار، وقد فسره المكتشفون تفسيرا يتلاءم ورغبتهم، ويتخالف مع تفسير العلماء قبلهم – وكيف يكون الحديث دلالة على التأميم، وقد كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ما هو ضروري لعموم الناس ولم يذكر إلا هذه الأشياء الثلاثة، ثم إنه صلى الله عليه وسلم لم يؤممها وإنما أخبر بالشركة فيها وعدم المنع منها، والشيء المشترك في اللسان العربي ما كان لك ولغيرك فيه نصيب بحيث لا يتميز الواحد عن الآخر من أي جهة كانت حسية أو معنوية يقال طريق مشترك وأمر مشترك ورأي مشترك، ولو كان لذلك معنى زائد على اللغة وكان  ذلك هو القصد لبلغه صلى الله عليه وسلم إلى الناس وبينه لهم وعاملهم به إذ هو صلى الله عليه وسلم مأمور بالتبليغ والتبيين، فمن أين يوخذ التأميم وأين هي الشركة في التأميم المعروف، قال بعض العلماء المراد بالنار في الحديث الحطب المباح لوقودها أو الشجرة التي توقدها، كما قال تعالى : "أفرايتم النار التي تورون آنتم أنشأتم شجرتها أن نحن المنشئون" والمراد بالماء الأنهار والأمطار، وقال أبو عبيد القاسم ابن سلام في كتاب الأموال بعد أن ذكر هذا الحديث وحديث المسلم أخو المسلم يسعهما الماء والشجر وأحاديث أخرى ما نصه : فقد جاءت الأخبار والسنن مجملة ولها مواضع متفرقة وأحكام مختلفة، فأول ذلك ما أباحه رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس كافة فجعلهم فيه إسوة وهو الماء والكلأ والنار، وذلك أن ينزل القوم في أسفارهم وبواديهم بالأرض فيها النبات الذي أخرجه الله للأنعام مما لم ينصب فيه أحد بحرث ولا غرس ولا سقي، - يقول ليس لأحد أن يحتظر منه شيئا دون غيره ولكن ترعاه أنعامهم ومواشيهم ودوابهم معا وترد الماء الذي فيه كذلك أيضا فهذا قوله : الناس شركاء في الماء والكلأ، وكذلك قوله : المسلم أخو المسلم يسعهما الماء والشجر فنهى صلى الله عليه وسلم أن يحمى من ذلك شيء إلا ما كان من حمى الله ولرسوله كما رواه البخاري وغيره، قال أبو عبيد رحمه الله فإلى هذا انتهى تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم في اشتراك الناس في الماء والكلأ الذي يكون عاما، وتأويل استثنائه فيما يكون خاصا – وأما قوله صلى الله عليه وسلم : لا يمنع فضل الماء ليمنع به فضل الكلأ، فغير ذلك وهو عندي في الأرض التي لها رب ومالك، ويكون فيها الماء العد أي الماء الجاري له مادة لا تنقطع كماء العيون والآبار، فأراد أنه ليس يطيب لربها من هذا الماء والكلأ – وإن كان ملك يمينه – إلا قدر حاجته لشفته وماشيته وسقي أرضه، ثم لا يحل له أن يمنع ما وراء ذلك، ومما يبين لنا أنه أراد بهذه المقالة أهل الملك ذكره فضل الماء وفضل الكلأ، فرخص صلى الله عليه وسلم في نبل ما لا غناء له به عنه، ثم حظر عليه ما سوى ذلك، ولو كان غير مالك له ما كان لذكر الفضول هاهنا موضع، ولكان الناس كلهم في قليله وكثيره شرعا سواء انتهى، فبان من هذا معنى حديث : الناس شركاء في الماء والكلأ والنار، وإنه لا سبيل إلى المنع من ذلك إذا لم تكن الأرض مملوكة، وأما إذا كانت مملوكة فمالكها أحق بها إلا أنه لا يمنع فضل مائه عن المحتاجين إليه، وأين هو التأميم من هذا المعنى ؟ فالتأميم العرقي هو انتزاع الأموال المملوكة وجعلها تحت سيطرة الدولة، وهذا شيء مناف لمعنى الحديث وللاعتراف بالملك في نطاق المحافظة على مصلحة المجتمع العام، ولو أردنا أن نستدل بحديث الناس شركاء في الماء والكلأ والنار، على منع حمى غابات الأشجار والنباتات في الأرض المشاعة بين الناس لأمكننا ذلك لأن الحمى لله ولرسوله كان لشيء معروف.  
 وأما نزع الملكية لمصلحة عامة كتوسيع مسجد أو مقبرة، فلا يصح أن يكون سندا لنظرية التأميم، لأن ذلك من باب الحكم على الخاصة للعامة – وهو يتميز بالتعويض المعقول، وبعدم الاطراد، وبكون المصلحة لا تتشخص في معين. 
 وأما فعل عمر رضي الله عنه فهو ليس اجتهادا منه خالف به النص، وليس واقعا فيما كان من أملاك الناس وأموالهم، وإنما كان في غنائم الحرب ومكاسبها – وإنما كان استنادا إلى نص الآية الكريمة – وأيضا فقد كانت الأراضي المفتوحة تبقى بيد أصحابها الأصليين على أن يؤدوا خراجها للدولة، وليست هذه هي طبيعة التأميم المتعارف اليوم، قال أبو عبيد رحمه الله بعد أن ذكر آثارا تدل على قسمة الأرض التي أخذت عنوة، وأخرى تدل على وقفها وجعلها للمسلمين ما تناسلوا، ما نصه : فقد تواترت الآثار في افتتاح الأرضين عنوة، بهذين الحكمين أما الأول منهما فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر، وذلك أنه جعلها غنيمة فخمسها وقسمها، وبهذا أشار بلال على عمر في بلاد الشام وأشار به الزبير بن العوام على عمرو بن العاص في أرض مصر، وبهذا كان يأخذ مالك بن أنس رحمه الله، وأما الحكم الآخر فحكم عمر في السواد وغيره وذلك أنه جعله نيئا موقوفا على المسلمين ما تناسلوا ولم يخمسه ولم يقسمه، وهو الرأي الذي أشار به على عمر علي بن أبي طالب ومعاذ ابن جبل رضي الله عنهم، وبهذا كان يأخذ سفيان بن سعيد إلا أنه كان يقول الخيار في أرض العنوة إلى الإمام إن شاء جعلها غنيمة فخمس وقسم، وإن شاء جعلها فيئا عاما للمسلمين ولم يخمس ولم يقسم، قال أبو عبيد : وكلا الحكمين فيه قدوة ومتبع من الغنيمة والفيء إلا أن الذي اختاره من ذلك أن يكون النظر إلى الإمام كما قال سفيان بن سعيد وذلك أن الوجهين جميعا داخلان فيه، وليس فعل النبي صلى الله عليه وسلم يراد لفعل عمر ولكنه صلى الله عليه وسلم أتبع  آية من كتاب الله تبارك وتعالى فعمل بها، وأتبع عمر آية أخرى فعمل بها، وهما آيتان محكمتان فيما ينال المسلمون من أموال المشركين فيصير غنيمة أو فيئا. قال الله تبارك وتعالى : "واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل" فهذه آية الغنيمة، وقال الله عز وجل : "ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى قلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم، وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون، والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويوثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون، والذين جاءوا من بعدهم"، فهذه آية الفيء وبها عمل عمر وأباها تأول حين ذكر الأموال وأصنافها، وإلى هذه الآية ذهب علي ومعاذ رضي الله عنهما حين أشارا عليه بما أشارا فيما نرى والله أعلم انتهى، فقد علمت من قول أبي عبيد رحمه الله أن عمر رضي الله عنه إنما عمل بآية من القرآن الكريم، وأن الآية إنما هي فيما أخذه المسلمون غلبة من المشركين، وأما أموال الناس وأملاكهم فهي معصومة ومحترمة، والتأميم المتعامل به اليوم هو مصادرة أموال الناس من دون فرق بين مالك وغاصب ولا بين مستغل وكاسب. 
 وإذا استدل من استحسن محدثة أو ابتدع بدعة – بأن السلف الصالح اخترعوا أشياء لم تكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ككتب المصحف وتصنيف الكتب وتضمين الصناع وسائر ما ذكره الأصوليون في أصل المصالح المرسلة، فيقال له كما قال الإمام الشاطبي رحمه الله : إن هؤلاء الذين أدركوا هذه المدارك، إما أن يكونوا قد أدركوا من فهم الشريعة ما لم يفهمه الأولون أو حادوا عن فهمها، وهذا الأخير هو الصواب إذ المتقدمون من السلف الصالح كانوا على الصراط المستقيم، ولم يفهموا من الأدلة المذكورة وما أشبهها إلا ما كانوا عليه، وهذه المحدثات لم تكن فيهم ولا عملوا بها فدل على أن تلك الأدلة لم تتضمن هذه المعاني المخترعة بحال، وصار عملهم بخلاف ذلك دليلا إجماعيا على ان هؤلاء في استدلالهم وعملهم مخطئون ومخالفون للسنة – فيقال لمن استدل بأمثال ذلك، هل وجد هذا المعنى الذي استنبطت في عمل الأولين أو لم يوجد؟ فإن زعم أنه لم يوجد فيقال له أكانوا غافلين عما تنبهت له أو جاهلين به – أم لا ؟ ولا يسعه أن يقول بهذا لأنه فتح لباب الفضيحة وخرق للإجماع، وإن قال إنهم كانوا عارفين بمتآخذ هذه الأدلة قيل له فما الذي حال بينهم وبين العمل بمقتضاها على زعمك حتى خالفوها إلى غيرها، ما ذاك إلا لأنهم اجتمعوا فيها على الخطأ دونك، والبرهان الشرعي والعادي دال على عكس القضية، وإن زعم أن ما انتحله من ذلك إنما هو من قبيل المسكوت عنه في الأولين، وإذا كان مسكوتا عنه ووجد له في الأدلة مساغ فلا مخالفة إنما المخالفة أن يعاند ما نقل عنهم بضده، قيل له بل هو مخالف، لأن ما سكت عنه في الشريعة على وجهين، أحدهما أن تكون مظنة العمل به موجودة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يشرع أمر زائد على ما مضى فيه، فلا سبيل إلى مخالفته لأن تركهم لما عمل به هؤلاء مضاد له فمن استلحقه صار مخالفا للسنة، والثاني أن لا توجد مظنة العمل به ثم توجد فيشرع له أمر زائد يلائم تصرفات الشرع في مثله وهي المصالح المرسلة إذ هي راجعة إلى أدلة الشرع حسبما تبين في علم الأصول، وقضية التأميم لا تقبلها طبيعة الإسلام ولا تحتملها تصرفاته ومقاصده، وتخلق ما لا يعلمه إلا الله من أنواع الحيل والمراوغات، وتقضي على الطاقات، وتخل بالمعاملات، وكل ما يمكن أن تقبله قواعد الشريعة ونصوصها العامة هو مراقبة الحياة الاجتماعية، واتخاذ إجراءات حاسمة وعادلة تستهدف – تحقيق ازدهار مادي في المرافق العامة، أو حماية المجتمع من استغلال غير مشروع – أو إحداث ما هو ضروري من الضرائب لنهوض دولة فتية مجدة لها اتجاه مقبول وهدف معقول، وهذا ما تيسر ذكره في هذا المقام، والأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here