islamaumaroc

شاهدت في تونس

  مصطفى الصباغ

19 العدد

حطت بنا الطائرة في مطار العوينة بتونس، وبعدها انطلقت السيارة بنا في الأرض الخضراء، أرض النسيم، والعنف، والرجال.
كانت عيني تمتلئ نورا، وكان قلبي موزعا على وجه أسمر، تشع منه الصرامة، والكرامة، وسر الجمال.
وفي الطريق إلى عاصمة الخضراء قدمت لنا الحبيبة تونس، هدية..سأعتز بها، ولن أنسى ما حييت ذكراها، كانت صورة بطولية نادرة، كانت لوحة تجسم الإرادة القومية الجبارة، في التحرر من قيود الاستعمار، ومن سلاسل الرجعية.
كان سدا منيعا، سدا من حجارة الأرض الطيبة، وكن بضعة من فتيات تونس، دعاهن الواجب القومي ليقفن بجانب شقيقهن الرجل، يدافعن عن كيان الوطن ضد أعدائه، فانتصبن واقفات، يحمين السد الذي أقيم لإعاقة أية قوة للعدو، تروم مس المقدسات القومية للشعب الأبي.
ووقفت سيارتنا أمام السد المنيع، وتقدمت إليها ثلة من الفتيات المسلحات، لتفتيشها، وبعد عمل دقيق حازم، صرح لنا بالمرور، ودون أن أنبس ببنت شفة، قرأ كل من معي في السيارة، آيات الإعجاب والحبور، على وجهي، وانطلق أخ تونسي يحدثنا عن المرأة في تونس، عن مواقفها المشرفة، ليس في ميدان الإبرة، والتدبير المنزلي فقط، بل وحتى في ساحة الدفاع جنب الرجل عن كرامة الوطن وحريته، إنها أجمل صورة، بهرتني في تونس العزيزة.
وفي صباح الغد، كنا نسير على مهل بمحاذاة الشاطئ، ولم أكن أعرف إلى أين يقصد صاحبي حتى كللت المسير، وألححت عليه أن يفصح عن الهدف الذي نقصده فقال:
- إلى أطفال بورقيبة.
- أطفال بورقيبة.. ولكن مالي وأطفال بورقيبة وامتنعت عن السير، فإذا بالتوضيح يأتيني.
أطفال بورقيبة، هو الاسم العام الذي أطلقوه على الأطفال المشردين في مجموع القطر التونسي، الذين لا عائل يعولهم، ولا مهتم يهتم بشؤونهم، وقد خصصت لهم الحكومة التونسية قرى بأكملها يتعاطون فيها مبادئ الدراسة، والزراعة، والرياضة البدنية، ويشرف على هذه القرى أساتذة أخصائيون .. الخ.
وطال كلام صاحبي، ونحن نجد في السير، حتى بدت لنا من بعيد، بنايات ضخمة، تحفها أشجال الصفصاف الكثيفة، وتحيط بها مزارع واسعة... ودخلنا القرية على غير موعد، فاستقبلنا بعض المكلفين فيها، وشرحوا لنا كل التنظيمات التي تسير بمقتضاها تلك القرية، واجتمعنا ببعض أطفالها، فإذا هم غاية في الأدب، وفي النشاط وفي الأمل.
أما بخصوص البرنامج الدراسي هناك، فهو يستغرق الصباح كله، ويشمل دروسا نظرية في الزراعة، تطبق في المساء بإشراف الأستاذ المختص، وتعطى للأطفال أوقات راحة، يباشرون فيها هواياتهم المفضلة، من سباحة، وكرة قدم.. الخ.
وكل من في القرية من أساتذة، ومكلفين، وأطفال، داخلي، ولا اتصال له البتة بالمدينة، ووزارة التعليم التونسية هي التي تقوم بتسديد كل الحاجيات باعتدال.. فقط.
وطفنا مع بعض الأساتذة أرجاء القرية، فكانت عبارة عن عنابر للنوم، وقد زينت جدرانها بتحف يصنعها الأطفال، تربى فيهم الدقة، والذوق، والصبر وهناك مخزن للآلات الزراعية وآخر للملابس ومسبح ...الخ.
وفي ختام المطاف طوقنا أساتذة القرية بتلطف ملح، في أن نتناول طعام الغذاء على مائدة (أطفال بورقيبة) وكان غذاء مغربيا صرفا هو «الكسكس».
بقي أن أوضح شيئا مهما، وهو أن بناية هذه القرية، وكل القرى التي مثلها كانت من قبل معسكرات للجيش الفرنسي المحتل، وبعد أن غادرها إلى حيث لارجعة، استغلت في هذا المشروع الهام.
وأن أهم ما يسترعي الانتباه في تونس، تلك الرغبة الصادقة في الشعب التونسي للارتفاع بمستواه إلى الذرة اللائقة به، كشعب مناضل، متحرر، كريم، وذلك في كل الميادين الحيوية، وإليك بعض الأمثلة:
أعلنت وزارة الفلاحة عن استعدادها لمنح قروض كبيرة لفئات الفلاحين بشروط سهلة، ومن جملة هذه القروض، قسم للأفران، وقسم للآبار، وقسم لإصلاح الأراضي البور..الخ. والشرط الأساسي في قرض أصحاب الأفران، أن يسخروا قروضهم في تغيير وضعية الفرن، بحيث يصبح عصريا، ونظيفا، ولائقا، يشتغل بالكهرباء، وليس بالحطب، وذلك للحفاظ على غابات الوطن التي تحفظ له الجمال والبهاء، واستطاعت الحكومة بهذا أن تصدر قرارا، بمنع قطع أشجار الغابات، واستعمالها في أي غرض كان.
وكل من أظهر رغبة في حفر بئر، فالحكومة لا تتأخر في قرضه المبلغ الكافي لحفره.
كما أن كل من يريد العمل لإصلاح أرض بور، فإن الحكومة، مفروض فيها أن تقدم له الأرض والتسهيلات المغرية لكي يجد في العمل..
طالبت بعض القرى النائية الصغيرة –وزارة التعليم بفتح مدارس فيها- وبما أن أطفال القرية، من هذه القرى قلائل، فقد بنت لهم الوزارة كراسي في الهواء الطلق تحت ظل الأشجار، وكان عملا ناجحا وظريفا.
كان المقام في تونس طيبا جدا، وكانت أحاديث إخواننا هناك، تبعث في النفس النشوة، بالروح، الوثابة، الحية، الانقلابية.
وأن المشروعات التي تتبناها الحكومة هناك ليست إلا تعبيرا عن جانب صغير من الإرادة القوية التي تختلج في صدور شباب تونس، وما شباب تونس، إلا شعب تونس، الكريم، الصادق، النبيل. 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here