islamaumaroc

الاستشراق وقضايا الإسلام وثقافته -12-

  دعوة الحق

146 العدد

 مفهوم الجهاد في الإسلام :
كثير من المستشرقين - ومن بينهم جولد تسيهر الحاقد - نفسوا على الإسلام انتشاره الباهر، وامتداده الحيوي السريع عبر القرون، ومن أجل ذلك رسمت أقلامهم الجهاد الإسلامي غولا مرعبا في يده سيف باتر ينذر بالموت الزؤام.
 إذا فكرة الجهاد فكرة مشوهة لدى أولئك المستشرقين، جهلوا أو تجاهلوا الأسس الجذرية التي قامت عليها الدعوة الإسلامية، تلك الأسس التي تنطلق أول ما تنطلق من قاعدة شاملة ينتظم بها الكون كله - والإنسان جزء منه - وهي العبودية لله تعالى وحده، والاستسلام له الاستسلام المطلق، ونبذ كل ما من شأنه أن يشارك الخالق في الربوبية، ولهذا تشغل قضية الألوهية مساحة واسعة شاسعة في كتاب الله، كلها تقرر التوحيد كبناء متين تستقر على أساسه الحياة الإنسانية في كل أبعادها، ومن ذلك قوله تعالى: « ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الخ ) (1)، وقوله جل شأنه ( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ) (2)، وقوله عز وجل ( وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ) (3).
لذلك اقترن الجهاد بالله، فانتفى حينذاك أن يكون من أجل غير الله، كأن يكون مثلا في  سبيل الطاغوت أي طاغوت، أو في سبيل مصلحة فرد من الأفراد.
فهدف الجهاد الإسلامي واضح الآن، هو كفالة  عيش رغيد لإنسانية فاضلة، وتحريرها من كابوس الجاهلية الرعناء، ومعنى ذلك بوضوح إحداث انقلاب شامل عظيم في الحياة، وثورة واسعة النطاق على الجبروت البشري المتجلي في تلك النظم العفنة المعادية لخاصية التوحيد الإلهي، والمستسلمة للتصورات المنحرفة.
فحقيقة الجهاد الإسلامي أسمى مما تتصوره عقول المستشرقين، ومن تقمصوا أرواحهم، ومن تأثروا بالمذاهب الجديدة الغربية عن حس التصور الإسلامي، هي رد الاعتبار إلى الإنسان أي إنسان يحيا على وجه البسيطة، وليس هذا الاعتبار سوى عبادة الله، وإقامة منهجه في الأرض، وتلقي عنه الأوامر بعيدا عن التسلط الإرهابي من رجال الدين، والقمع الكنسي والوثنية المتعددة الصور، والمتبدية في السلوك، والدساتير الأجنبية.
فإذا كان هذا هو الهدف الجوهري من الجهاد الإسلامي فلا نحتاج إلى تبرير الأسباب التي حفزت الإسلام إلى حمل السيف بإيراد حجج تاريخية تثبت أنه رد للعدوان ودفاع عن حمى الأرض الإسلامية، كما لاحظ ذلك الإمام الشهيد سيد قطب رحمه الله (4) - وكذلك الكاتب الإسلامي الكبير الأستاذ أبو الأعلى المودودي (5) -على بعض الدارسين لهذه القضية، المنهزمين أمام الضغط الاستشراقي.
والحقيقة أن المجاهد الشهيد سيد قطب رحمه الله بحسه الإسلامي الشفيف وتفطنه الذكي الذي تعودناه منه في دراساته الإسلامية القيمة قد أصاب ورب الكعبة! لأننا إذا رجعنا إلى الدراسات الإسلامية حول هذا الموضوع - وتحت يدي عدد كبير منها - وجدنا أصحابها يعللون الظاهرة الجهادية في الإسلام - عن حسن نية، ونقاء طوية - بأسباب لا تخرج في عمومها عن كونها حربا دفاعية ورد عدوان، ناسين المفهوم الرائع للجهاد الإسلامي الحق، كي يبرئوه من كل عنف وقوة، ويظهروه أمام المستشرقين مسالما ولو كانت الجاهلية تعمل لاستغلال الإنسان، وقويا عند الاعتداء والجور.
فنحن لا يمكن لنا بحال أن نروح نستقصي المواقف التاريخية لإيجاد مبرر لحرب شنها الإسلام على أعداء التوحيد، والمتسلطين بطغيانهم على البشر إرضاء لهوى المستشرقين، ومفهوم الجهاد الإسلامي واضح المعالم من أساسه.
إذا نعلن بصراحة لأولئك المستشرقين أنه من المنطق كل المنطق أن يرفع الإسلام السيف يترسم خطا الطغاة الذين يتحكمون في رقاب الناس بالحديد والنار، ويستعبدوهم لحكمهم الجائر، ويستكبرون في الأرض على الضعفاء ضاربين الحائط بكل القيم الإنسانية، في حين سنة الكون تقضي أن يعيش الإنسان مع أخيه الإنسان في وداد وتآخ للاضطلاع بالأمانة العظمى التي أناطها الخالق به في الحياة، والتي شرفه بها دون باقي مخلوقاته الأخرى، كي يمارس حريته بنفسه ليحقق ذاته كمسؤول عن الخلافة الأرضية، وكل ذلك يوضحه كتابنا الكريم في قوله: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (6).
 أقول: الإسلام يرفع السيف لاستئصال جذور الشر من الخلية الإنسانية، وعندما تخلى قوة الطغيان بينه وبين دعوته حينذاك يغمد سيفه ويترك البشر يختارون العقيدة التي يرتضيها عقلهم ما دامت مراكز القيادة في يد مؤمنة تقيم منهج الله في حياة الناس بكل حرية، وعند ذاك يأتي دور تقرير المبدأ القرآني (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (7) وهو مبدأ التعايش الديني بين الأجناس لا ينقضه أي حاكم مسلم، وكيف ينقضه والعقيدة لا تكون عقيدة صحيحة إلا إذا صدرت عن اقتناع وإيمان، لذلك نزل قوله تعالى مخاطبا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ) [يونس: 99].
ومن الممكن تفسير بعض الوقائع التاريخية في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها كانت نتيجة لدفع القوة المعادية كغزوة أحد والأحزاب وبني المصطلق وغيرها، ولا ينفذ إلى باطن الدعوة الإسلامية ومراميها البعيدة، ذلك أن هذه الغزوات حدثت حقا كرد للعدوان، والأخذ بالمبادرة إلى لقاء العدو تنفيذا لقول الله تعالى (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (8).
هذا ما حدث بالفعل، ولو لم يحدث هل كانت الدعوة الإسلامية تظل قابعة في عقر دارها لا تريم؟ فإذا كانت إجابتنا بالموافقة حينذاك ستصبح الدعوة الجديدة محلية إقليمية، وليست عالمية كما نصت على ذلك النصوص القرآنية الكريمة، التي منها هذه الآيات ( وما هو إلا ذكر للعالمين) (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ، لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين) (9)، (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) (10)، (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)(11). وكما نصت على ذلك أيضا أحاديث نبوية شريفة كقوله صلى الله عليه وسلم «كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود» وقوله: «إني رسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس كافة ».
وعلاوة على هذه النصوص القرآنية والحديثية فإن روح التشريع الإسلامي تتنافى مع إقليمية الدعوة كل المنافاة، إذ أنها تحمل في طياتها - كما لا يخفى على المتبصر الذكي - إصلاحا وهداية للبشر عامة في كل زمان ومكان.
هذا من نحو، ومن نحو آخر فإن الدعوة الإسلامية غمرت آفاقا أخرى جديدة وإن لم يكن هناك اعتداء أو غيره تحقيقا لعالميتها، فنشرت في الشرق والغرب النور، وزرعت في هضابه ونجوده ووهاده السلام والاستقرار، وما تحقق لها ذلك إلا بعد سحقها العراقيل التي كانت تعترض طريقها.
وليس من ريب في أن حركية المنهج الإسلامي وحيويته تتنافى مع أي تفسير مبتسر، تلك الحركية والحيوية اللتان تجابهان الواقع الإنساني بكل صوره وظروفه، وغير معقول بجانب هذا أن يعلن الدين الجديد تحرير الإنسان من عبوديته واستكانته ومذلته، ثم يستعمل في ذلك الطريقة البيانية والإقناعية والجدلية - كما يريده له المستشرقون- وقوة الجاهلية تحمي نفسها بالسلاح، وبكل أنواع القوة، تعمل مصبحة، وتجتهد ممسية، لتحصين مركزها بشتى الوسائل، وهذا أمر يتناقض كل المناقضة وسنة الكون.
وقد يتساءل البعض عن كف المسلمين عن القتال في مكة، فنجيب بأن الدعوة في مكة فترتئذ لم تعوزها قوة السلاح ما دامت السلطة السياسية لم تكن تملك مجابهة الدعوة مجابهة قاضية، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه المرحلة التاريخية من الدعوة الكريمة وجد مؤيدين له من بني هاشم يذودون عنه كل اعتداء رغم ما تعرض له من أذى القرشيين، وقد استطاع في تلك المرحلة بالذات أن يناقش القرشيين ويقنع بعضا منهم بالحجة، مع التنبيه إلى أن الفترة المكية كانت فترة تربية وإعداد في مجتمع لا يجمعه نظام حقيقي، لهذا كان للكلمة نفوذ وأي نفوذ على النفوس، وسلطان وأي سلطان على القلوب.
ولا مرية في أن المجتمع القرشي بعد تلك الجولات الرائعات التي قامت بها الكلمة القرآنية الشفيفة تصدعت قوته باعتناق بعض رجاله الكبار العقيدة الجديدة.
وعند انتقال موكب الدعوة المباركة إلى المدينة وجد هنالك مجالا خصبا، إذ خضع الكثير باستثناء جماعة المنافقين إلى القيادة المؤمنة، فكان للبيان صولات وجولات، وأصبحت هذه المرحلة من الدعوة مرحلة إعداد وتهييء أيضا لزحزحة قاعدة الشرك في مكة.
فلذا نحن لا نتملق المستشرقين في اتهاماتهم الشائهة فننفي عن الإسلام استعماله القوة مضطرا من أجل إقرار منهجه ما دامت الجاهلية تقف سدا منيعا في وجهه لا تتركه ينطلق إلى البسيطة يأخذ بيد البشر إلى مشارق النور وآفاق الإيمان، وإلى هذا المفهوم للجهاد الإسلامي يشير الله تبارك وتعالى في قوله:(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ) (12) وفي قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)(13).
ولا يفوتنا ونحن في معرض الحديث عن الجهاد الإسلامي أن نتطرق للكلام عن السياسة العسكرية في  الإسلام، والحصانة التي ينبغي للمجاهدين أن يتذرعوا بها في خوضهم المعركة المقدسة، هذه السياسة يمكن أن نستقطبها فيما يلي:
1 - التربية النفسية وهي ما نسميه بالجهاد الأكبر، جهاد النفس، مجابهة انحرافاتها وأهوائها، إذ الإسلام يربي في الفرد طاقة روحية نظيفة، تهدهد في أعماقه نوازعه المختلفة فتوفق بينها بطريقة سليمة، عند ذاك تخف النفس إلى العمل، العمل المجدي، ثم في الأخير تسلم أمرها إلى خالقها متوكلة لا متواكلة، لأن التوكل يشحذ الهمة والارادة، ويئد القلق والاضطراب، والتواكل عكسه في كل نتائجه.
وأنا اعتبر أن هذه التربية هي المنطلق الأساسي للجهاد، ذلك أنها تجعل المسلم يشعر شعورا قويا بأنه إنسان كفء لتحمل المسؤولية، وأنه برصيده الروحي يستعلي على كل قوة أرضية باطلة، ومن أجل ذلك ينطلق الجندي المسلم إلى ميدان المعركة وهو يحمل بين جنبيه فكرة مواجهة الموت في سبيل الله لا في سبيل المجد، أو العنصرية أو القومية أو الوطنية أو الحكم، أو أي مذهب أو عقيدة فاسدة تشذ عن طريقة التوحيد ودائرة الارتباط بالخالق. جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في  سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله».
2 - تجهيز الجيش بكل أنواع العتاد، وإلى ذلك يشير الله تعالى في قوله: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ) (14).
والقوة في النص القرآني تشمل كل أصناف ما يتصوره العقل من الأدوات الحربية، ولا يخفى ما في هذا التعميم من معجزة قرآنية تلوح ولا تصرح بما قد يخترعه الإنسان من معدات حربية في كل زمان ومكان.
والقصد من التجهيز إرهاب عدو الله الطاغي - ومن كان عدوا له تعالى فهو عدو المسلم - وإرهاب آخرين لا نعلمهم؛ الله يعلمهم ويطلع على أسرارهم، حتى نكون أقوياء لا تستطيع قوة جاهلية في الأرض الإيقاع بنا أو مناجزتنا.
3 - تهيئ رجال محاربين كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا) (15).
وحرى بنا أن نقف هنيهة من الزمن نستقرئ طريقة الحرب التي يعلنها الإسلام على طواغيت البشر في كل أرض، مقارنين بينها وبين حرب المستعمرين والمغيرين من اللصوص  قديما وحديثا، ومتحدثين في الآن عينه عن طبيعة الفتوح الإسلامية، وانتشار الدعوة الإسلامية بطرق سليمة رائعة.

1) سورة الأعراف: 54.
2) سورة الفرقان: 2
3) سورة الزخرف: 84.
4) راجع كتابه القيم معالم في الطريق - بحث في: الجهاد في سبيل الله ص 75 وما بعدها ط 2 عام 1966
5) راجع كتابه الجهاد في سبيل الله - دار الفكر       الحديث - لبنان.
6)  سورة الأحزاب 72.
7) سورة البقرة 256.
8) سورة البقرة: 194.
9) سورة يس: 69، 70.
10) سورة الفرقان: 1
11) الأنبياء: 107
12) سورة البقرة: 193
13) سورة الصف: 9
14) سورة الأنفال: 60
15) سورة النساء: 71

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here