islamaumaroc

الإسلام في مواجهة الفكر الوافد

  دعوة الحق

146 العدد

                                                    (1)
إن الأخطاء التي توجه إلى الإسلام من خصومه إنما تقوم على أساس محاولة تطبيق مناهج الأديان الأخرى عليه، بينما يختلف الإسلام عن هذه الأديان التي يكون قد أصابها التحريف أو القصور عن شمول الإسلام وتكامله.
 إن معظم الأديان تتقارب وتتشابه وتلتقي في كثير من مفاهيمها، لذلك فقد يجد الباحثون من الغربيين في مفاهيم الإسلام شيئا مختلفا يعسر فهمه عليهم وربما بدا غريبا كل الغرابة.
 ذلك أن الإسلام لم يكن مجرد دين، بل هو طريقة في الحياة منظما سلوكه الاجتماعي والخلقي والقانوني والديني وهو منهج أخلاقي يربط الحياة الدنيا بالآخرة، ويربط العقل بالقلب، ويربط العلم بالعمل.
 والتوحيد هو الأساس الأول للإسلام وهو أيضا المحرك الأول العربي الإسلامي وبه تنتفي صور الخلاف والصراع التي تقوم بين العلم والدين، والروحية والمادية، وبين الفردية الاجتماعية، وهو يعلن من شأن الإنسان ولكنه يجعله دائما تحت إرادة الله وليس في الإسلام خطيئة أصلية، ولكن فيه مسؤولية فردية وجزاء أخروي.
 فهو لا يقر مسؤولية أحد من البشر عن شيء لم يفعله وهو يؤكد قيمة الإنسان بصرف النظر عن لونه وديانته. 
                                                   (2)

وقد رفض الفكر الإسلامي مبدأ التقليد ومبدأ التبعية.
إن التقليد يمنع الأصالة والتبعية لا تتيح معرفة حقيقة..
والتقليد ينطبق على الوافد وعلى القديم جميعا.
وقد دعا الإسلام إلا التفرقة بين المعارف الجوهرية والمعارف غير الجوهرية، وقد نادى بالاهتمام بالأولى والتركيز عليها.
كما عمل الإسلام على تحرير أتباعه من التأثير الأجنبي ودعا إلى اليقظة إزاء الحرب النفسية التي تستهدف تغيير المعالم الأصيلة لعقيدتهم وفكرهم ومزاجهم النفسي.
ولقد كان أعداء الإسلام يعلمون أن الطريق الوحيد إلى ضرب الإسلام هو إثارة الشبهات وطرح الدعوات الهدامة في طريق وإدخال تفسيرات ومفاهيم غريبة عنه. 
  
ولا ريب أن الطريق إلى حفظ وجودنا وكياننا وحماية العقائد والأصول التي تقوم على التوحيد والأخلاق من الشبهات والشكوك التي تلتزمها الفلسفة المادية هو طريق واحد : إنه الاستعصام القادر وحده على العطاء في حل جميع المناقضات.
 إن الفكر الغربي لا يقدم للمسلمين عوامل بناءة أو إيجابية فهو حريص على أن يبقيهم داخل دائرة ضعفهم وتخلفهم، إنما يقدم لهم صراع المذاهب الفكرية ليفتنهم عن قيمهم، ويمنع عنهم العلوم التكنولوجية التي شاركوا في صناعتها وهم في حاجة إليها..
 إنهم يعطون ما لا يحتاجون إليه ويمنعون من حاجتهم الوحيدة في حضارة العرب.
 إن وحدة الثقافة العالمية عبارة خلابة ولكنها تخفي في أعماقها التعصب والاحتقار للثقافات الإنسانية، ومعناها الحقيقي هو سيادة الثقافة الغربية على حضارات الأمم ولا سيما الفكر الإسلامي والثقافة العربية، لقد ظل كفاح المسلمين مستمرا على مدى الأجيال في سبيل تحرير الفكر الإسلامي من هيمنة الفلسفات الوافدة والنظريات المادية والوثنية، حيث لم يستسلم الفكر الإسلامي طوال تاريخه للنظريات الوافدة وقاومها طويلا.
 إن أخطر معطيات الفكر الغربي هي الأنشطارية : هذه الأنشطارية هي الفصل بين القيم عامة، بين الأخلاق من ناحية والسياسية والتربية والاجتماع من ناحية أخرى.
 وأخطر ما في المناهج الغربية الوافدة أنها تتوزع دون أن ترتبط في تكامل مع الإنسان نفسه وحاجته "فترى علماء يدرسون الأخلاق في عالم المثل، وعلماء يدرسون الإنسان مجردا عن الأخلاق".
 ويرى العلماء أن هذا الفصل واجب ومفيد في العلوم الطبيعية ولكنه خطر مستحكم في علوم النفس والاجتماع، ذلك أنه مادام الناس يعيشون في إطار مجتمع، وهذا المجتمع داخل في نفس كل فرد كجزء أساسي فيه فلا يمكن أن تنشأ قيم خلقية واجتماعية منفصلة عن الإنسان. 

                                                    (3)

لا ريب أن على المفكرين المسلمين والعرب أن يفكروا بلغتهم ومن داخل إطار فكرهم لينطلقوا في الطريق الوحيد الذي تضيئه أمامهم أضواء التوحيد والعدل على المسلمين أن يعرفوا كيف حطم الإسلام قيد الإغريقية الثقيل وحررهم من منهجها العبودي الوثني وأن عليهم اليوم أن يحطموا قيد المادية في العصر الحديث، وعلى المسلمين أن يفرقوا بين الأصيل والبديل وأن يذكروا دائما أن الدعوات الهدامة تعمل على تقديم البديل الزائف البراق في مواجهة الأصيل الذي لا يجد طريقة في زحمة الباطل.
 إن تمجيد العقل واعتباره سبيلا واحدا في البحث ليس منهجا إسلاميا أصيلا وعلى المسلمين أن يذكروا أن هناك ظاهرة انحلال واضحة في الفكر الحديث كله، سواء في الأدب أو الفلسفة أو الاجتماع.
 لقد حرر الإسلام المسلمين من ركام الفكر القديم ووثباته واضطرابه وأخطائه فإذا كان في الفكر القديم أن ضياء من نور فإنه إنما جاء من رسالات السماء وقد أعاد الإسلام تشكيله من جديد على صورة مضيئة ربانية، وما سوى ذلك فلا حاجة لنا به.
 ولا بد أن يكون هناك تفرقة واضحة بين مفهوم "التخصص" وبين مفهوم "فصل القيم" وتجزئتها، إن التخصص هو إعطاء "علم" معين أو فن معين أكبر قدر من الاستيعاب والاستقصاء ولكن التخصص في مفهوم الإسلام لا يتم إلا في داخل نطاق التوسع في الدرجة الأولى من الفكر كله والاهتداء بقوانينه وعلاماته، أما فصل الأخلاق عن السياسة أو عن التربية أو عزل الدين عن المجتمع أو الأدب عن الفكر، أو العروبة عن الإسلام، أو اللغة عن القرآن، فذلك ليس تخصصا ولكنه فصلا مضيعا لمفهوم "التكامل" الذي هو أبرز ركائز الفكر الإسلامي والذي هو بمثابة الجدار السميك الذي تعجز الدعوات الهدامة والفكر الوافد أن يخترقه، فالمنهج الإسلامي في المعرفة يقوم على الثبات والتطور معا، يقوم على قاعدة الثبات وحركة التطور من داخله شأنه شأن كل شيء في الكون له قاعدة يتحرك عليها ولا ينفصل عنها، وفي الإسلام أهداف ثابتة ووسائل متغيرة : "فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله".
 إن الدعوة إلى التخصص على هذا النحو ليست إلا دعوة تمزيق جبهة واحدة وتفريق أصل واحد.
 إن مسألة تجزئة المفاهيم في الفكر الغربي لها طابعها وعواملها ومبرراتها، ذلك أن الأصول القديمة للفكر الغربي تقوم على الفصل بين القيم وأهمها الفصل بين الدين والمجتمع. 

                                                   (4)

وبعد.. فماذا تعني كلمة "العقائد الموروثة" التي يرددها بعض الكتاب ويلحون عليها : إنها كلمة يراد بها الغض من شأن الأديان والقيم الإسلامية، ولا ريب أن العقائد الموروثة صنفان : أصيل وزائف.
 وهي في إطلاقها دون تحديد نوعها، إنما تريد بالتمويه أن تخدع بعض الناس وأن تصور لهم أن العقائد الموروثة كلها زائفة.
 والحق أن العقائد الأصيلة غير العقائد الزائفة، وان هناك عقائد زائفة جديدة هي في ذاتها نتائج موروثة زائفة أيضا.
 ونحن نعلم أن الإسلام حين جاء بالحق إنما كان حجة على العقائد الموروثة الزائفة وقد كشف عنها ودحضها في قوة طريق أسلوب الإقناع القائم على العقل والقلب معا.
 ونحن نعرف العقائد الأصيلة من العقائد الموروثة الزائفة بوسائل كثيرة، فلا شك أن كل ما يقدم لنا الأعداء والخصوم زائف مهما بدا بريقه، وكل ما يتعارض مع فطرتنا ومع روحنا ومع طابعنا ومع قيمنا الأصيلة هو زائف مرفوض.
 أما الإسلام وأما حقائقه من التوحيد والقرآن والنبوة والبعث والجزاء فلن تكون أبدا عقائد موروثة على النحو الذي يقصده دعاة التغريب. 

                                                (5)

وهناك صيحة تقول (أن البشرية بلغت رشدها).
 فهل البشرية بلغت رشدها حقا ولم تعد في حاجة إلى الدين ؟ هذه هي الصيحة التي تحملها الدعوات الهدامة في العصر الحديث من أجل التحرر من القيم والمفاهيم التي ورثتها الإنسانية من رسالات الأديان والتي هدتها في دياجير الظلمات وأمدتها بالقوة على معارضة الظلم والطغيان والفساد.
 ونحن نسأل عن هذه القيم الجديدة التي أغنت البشرية عن هداية الدين ؟
 ونبحث فلا نجد شيئا، إن كل ما تقدمت به البشرية في القرنين الأخيرين عما كان من قبل لا يزيد عن هذه المعطيات المادية التي منحت الإنسان بعض الرفاهية في المسكن والملبس والطعام والشراب، ولكن هل قدمت الحضارة أو قلم العلم أي إضافة حقيقية في مجال النفس والاجتماع والأخلاق !
 ثم نحن نعرف أن كل هذا التقدم المادي إنما جاء على حساب النفس البشرية وضد ارتفاعها وتقدمها الأصيل الذي يقوم على الروح والمادة معا ومن خلال العقل والقلب جميعا.
 إن الإنسان قد أصبح بالتقدم المادي أكثر حاجة إلى هداية الدين وأكثر بعدا عن الأصالة والإيمان، وقد كشفت لنا الدعوات الهدامة كالوجودية والهيبية مثلا عن مدى الخطر الذي يهدده وتدفعه إلى الغربة والتمزق.
 إن الإنسان بطبيعة تركيبه (نفسا ومادة) في حاجة إلى هداية من خارجه، من كتاب الوجود الذي يكشف للنفس الإنسانية الطريق إلى الحق، ومن كتاب الله الذي يهدي البشرية إلى النور والضياء.

                                                   (6)

 ثم ماذا تعني صيحة الصائحين إلى إعادة النظر في كل المسلمات وما اصطلح الناس على أنه نهائي ومطلق.
 الحقيقة أن هذه كلمة حق يراد بها باطل، فقد أصبحت الوثنيات الآن هي "المسلمات الجديدة"، أما المسلمات المقصودة عند أصحاب الصيحة فإنها لا تتعدى النظر إلى الدين على أنه نتاج عصر انتهى.
ومن حق السائلين أن يقولوا لنا أي دين يقصدون ؟!
 وهل اطلعوا على الإسلام حين عمدوا القول بكلمة الدين ؟
 أن حملات ضخمة وجهت إلى أديان كثيرة وبعض ما في هذه الحملات صحيح، لأن هذه الأديان قد تجاوزت بالتأويل مجموعة من الحقائق الربانية الثابتة، ولكن كل ما يوجه إلى الأديان في الغرب لا يمكن بحال أن يصدق على الإسلام الذي يختلف، ويتميز في معطياته وفي تاريخه وفي موقفه من الإنسان ومن العلم، ومن الحياة.
 هذا الذي كان عطاؤه لقضايا العلم والإنسان والحياة أكثر تقدما.
 والحق أنه ليست هناك "مسلمات" اصطلح الناس على أنها نهائية ومطلقة غير الإيمان بالله الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد وليس غير الإيمان بالدين الحق المنزل على الأنبياء، رسالة بعد رسالة حتى أتمها الإسلام فكان خاتمها.
 وليس غير الإيمان بالقرآن كتاب الله المنزل وخاتم رسالاته وليس غير الإيمان بالملائكة والنبيئين واليوم الأخر والبعث والجزاء.
 فهل هذه المسلمات التي أقرتها الأديان نهائية ومطلقة أم يمكن أن تكون موضع شك أو شبهة في محاولة لإعادة النظر ؟!
 إن القائلين بهذه الصيحة إنما يريدون أن يعلنوا عن حقيقتهم، أما فيما سوى ذلك من حقائق فنحن ندعو إلى النظر في المسلمات الباطلة التي يحاول خصوم الإسلام فرضها والدعوة إليها وتزيينها، مثل العلمانية والنظرية المادية والفرويدية والوجودية وغيرها فتلك  هي المسلمات الزائفة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here