islamaumaroc

محن المسلمين وكيف الخروج منها

  دعوة الحق

146 العدد

المحنة الأولى :
ضعف المسلمين :
إن أول محنة أصابت المسلمين كانت ضعفهم الروحي والمادي معا :
ففي الروح فقد المسلمون بصفة عامة ثقتهم بربهم تبارك وتعالى فما أصبحوا يعولون على الله عز وجل في أية مهمة يراد لهم القيام بها، ولا يتوكلون عليه في أي عمل تتطلبه الحياة منهم ؟ فقعدوا عن طلب الوحدة والاتحاد وهو واجب عليهم، وتركوا الأخذ بأسباب التكتل والتجمع المفروض عليهم، والضروري لبقائهم وقوتهم، كل ذلك لخوفهم وجبنهم نتيجة ضعفهم وعجزهم وبه أيضا تركوا فريضة الجهاد التي هي أكبر سهم في الإسلام ورضوا بأن يعيشوا اتباعا للمعسكرات العالمية الشرقية منها والغربية، ويا للأسف والفضيحة معا.
هذا في الجانب الروحي، وأما في الجانب المادي فإنهم لا يقلون ضعفا عن الجانب الروحي بحال، فتراهم يعيشون فقراء إلى أعدائهم الذين أصبحوا بحكم الاحتياج إليهم سادة لهم، مفترين إليهم في كل شيء حتى في لقمة العيش أحيانا فضلا عن سلامهم وعتادهم وأدوات زراعتهم أو بنائهم وآلات حملهم أو ركبوهم مما هو من ضروريات حياتهم فضلا عن كمالياتها بحيث لو لم يستوردوا أسلحتهم من عدوهم لم يتسلحوا، ولو لم يشتروا أكثر حاجياتهم من أعدائهم لم يعيشوا.
ويدل على ذلك ويشهد له أنهم لو منعوا الدواء لاغلوا كل مستشفى.
فكان هذا الضعف بجانبيه وفي ناحيته الروحية والمادية من أعظم المحن التي أصابت المسلمين وأقساها على الإطلاق عرف ذلك من تأمله وفكر فيه. ولا ينبغي أن يؤمل في النهوض من هذه الكبوة ولا الخروج من هذه المحنة إلا بإيجاد هذه القوة المفقودة في المجالين الروحي والمادي، وهذا ما يجب أن يعمل له المصلحون من هذه الأمة، وإلا فسوف لا تبرح أمة الإسلام تعيش في هذا الهون والدون والذل والصغار أمدا لا يعرف نهايته إلا الله تعالى، هذه بدون شك محنة قاسية، والخروج منها لا يأتي إلا بإيجاد هذا المفقود من القوتين الروحية والمادية معا، وإيجاد هذا المفقود يتطلب من الجهد والجهاد والتضحية والمفاداة ما يكاد يجزم المرء العاقل بأن المسلمين اليوم ليسوا بأهل له ولا للقيام به، وذلك لقوة الضعف وتمكنه من نفوسهم، وشدة العجز وإحاطته بهم.
بيد أن طاقة الإيمان التي مازالت تكمن في نفوسهم كفيلة بدفعهم إلى حيث النهوض والقوة متى  فجرت بحكمة وسخرت بعلم.
والسؤال الآن هو : أين هي اليد القادرة اليوم على تفجير هذه الطاقة وتسخيرها للقوة والنهوض؟؟
لي أن أترك الإخوة القراء يفكرون في البحث عن  هذه القوة التي تقدر على جمع قلوب المسلمين في قلب واحد، وبالتالي تفجر تلك الطاقة من الإيمان فتقلب أوضاع المسلمين الشاذة عن سنن الهدي اليوم، تقلبها رأسا على عقب وتحيل هذا الضعف إلى قوة جبارة عظيمة تنحني أمامها رؤوس الأعداء في الشرق والغرب على حد سواء ثم تعود على المسلمين بقيادتهم لسفينة الحياة والنجاة بها من الغرق الذي يتهددها.
 وبعثور الإخوة على هذه اليد القوية الأمينة يخرج المسلمون من هذه المحنة القاسية الشديدة : محنة الضعف الروحي والتخلف المادي.
 ومساهمة مني مع الإخوة القراء في البحث على هذه اليد المطلوبة لجمع قلوب المسلمين وتفجير طاقة الإيمان فيها لتقلب هذه الأوضاع الفاسدة الغريبة رأسا على عقب وتحيل الضعف إلى قوة، والذل إلى عز، والهون إلى كرامة، أقول : أن هذه اليد المطلوبة ليست بيد زعيم عربي بعثي ينادي بخلق عربي لا يؤمن بالله، كما هي ليست بيد قومي عربي يقول : أنه يؤمن بالقومية العربية سببا لنهضة العرب وإعادة مجدهم وسيادتهم، ولا هي أيضا بيد ثوري تقدمي من اشتراكي يصطنع الكلمات للاستهلاك والشعارات لستر العورات، ولا هي كذلك بيد شعوبي يتغنى بأمجاد شعبه، ويحتفل بذكريات جاهلية ما قبل الإسلام بقرون وإنما هي يد مؤمن موصول بالله تعالى مشدود بحبله عز وجل، يحب الله تعالى ويحبه، ذليل على كل المؤمنين عزيز على كل الكافرين، يجاهد في سبيل الله ولا يخاف عاقبة الأيام ولا لومة اللوام، ولا يرهب قولة قائل ولا صولة صائل.
 ذلكم هو الإمام القائد والرجل القادر على جمع قلوب المسلمين وتفجير طاقات الإيمان فيها، والسير بالمسلمين قدما إلى حيث يتبوأون مكانتهم، ويتسلمون قيادتهم لصلاح البشرية جمعا، ويومئذ يفرح المسلمون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم.
 نرى من هذا الإمام القائد ؟ أهو المهدي المنتظر ؟ أم عيسى بن مريم ؟.
 ليس شرطا أبدا أن يكون أحد هذين الإمامين المنتظرين، وإنما يكفي فيه أن يكون المؤمن الصادق، الموصول بالله، والمتمسك بحبله عز وجل، يخشى الله تعالى ويتقيه، ويجاهد في سبيله يحب في الله ويبغض في الله، يعطي في الله ويمنع في الله.
 كما أنه ليس شرطا أيضا أن يقوم بنفسه ويدعو المسلمين إلى بيعته وطاعته، وإنما على المسلمين إن أرادوا الخروج من هذه المحنة أن يطلبوه ويطلبوه حتى يجدوه ثم يبايعوه ويطيعوه، ويومها يقوى على تفجير طاقة الإيمان في قلوبهم، ويقدر على قيادتهم والسير بهم إلى حيث القوة والعزة والكرامة وعندها وبلا شك إن شاء الله تنتهي هذه المحنة القاسية الشديدة ويستريح من عنائها وأثارها السيئة المسلمون.

المحنة الثانية :
فرقة المسلمين وانقسامهم على أنفسهم :
  فرقة المسلمين كانت ومازالت السبب الأول في ضعفهم وعجزهم وانهزامهم في كل معارك الحياة.
 إنها فرقة منكرة خطيرة قسمت الأمة الواحدة إلى أمم، والدولة الواحدة إلى دويلات،  والجماعة الواحدة إلى جماعات، والطريقة الواحدة إلى طرق والمذهب الواحد إلى مذاهب شتى.
 ويا للأسف والأسف معا، وسبحان الله كيف رضيها المسلمون لأنفسهم مع أن العقول قد أطبقت، والشرائع الإلهية قد أجمعت على ضرر الفرقة وسوء أثرها في الأمم والجماعات، واعتبرتها داء عضال، ومصابا جللا، ومحنة قاسية شديدة تصاب بها الأمم والشعوب فتدمرها وتقضي على حياتها ووجودها.
 وهذا القرآن الكريم ينعاها على أهلها، ويحذر المسلمين من الوقوع فيها فيقول : "ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم". ويقول : "إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء"، ويقول : "وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون".
 نعم... الفرقة والاختلاف من طبائع البشر، ومن مقتضيات وجودهم وحياتهم. قال تعالى : "ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك؟" ولذلك خلقهم، وهذه الفرقة وهذا الاختلاف مردهما إلى تبيان العقول، واختلاف المدارك والفهوم وإلى تعدد المصالح واختلاف الأغراض، واختلاف الاستعدادات النفسية والجسمانية أيضا.
 غير أن لسلطان الإيمان على النفوس، وهيمنة روح الإخلاص على العمل والسلوك من الأثر الكبير ما يحول بإذن الله تعالى دون الفرقة والاختلاف، في  الجماعة السعيدة والأمة المرحومة، وهذا وجه الاستثناء في قوله عز وجل لا من رحم ربك في آية : (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك)، أي فإنهم لا يختلفون لوجود المانع من ذلك وهو الإيمان الصادق والإخلاص التام في أعمالهم لله تعالى، أما قوله : ولذلك خلقهم ففيه إشارة إلى الاختلاف الذي يقتضيه تباين العقول، وتعدد المصالح، وتنوع الأغراض، فإذا وجد المقتضى، وعدم المانع كان الخلاف حتما.
 عرف هذه الحقيقة – وحي من الله – رسول الله صلى الله عليه وسلم وقررها في قوله (من رواية الترمذي) : ليأتين على أمتي كما أتى على بني إسرائيل حلو النعل بالنعل ...
 وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا ملة واحدة. قالوا : وما هي يا رسول الله ؟ قال : من كان على ما أنا عليه وأصحابي.
 فذكر أن الفرقة كائنة لا محالة وقد كانت وان 72 ملكة هالكة، واستثنى من العدد ملة واحدة فهي ناجية مرحومة وذلك لاجتماعها على الحق الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فلم تتقاسمها الأهواء ولا المذاهب ولا الطرق وإنما اجتمعت على دين الله ولم تختلف فيه لسلطان الإيمان وروح الإخلاص في العمل لله تعالى.
 هذا وإذا بحثنا عن عوامل الفرقة الكائنة اليوم بين المسلمين فإنا نجدها تدور على خمسة أسباب وهي :
1. السياسة وتنازع الحكم.
2. عصبية الجنس أو الحزب والمبدأ.
3. عصبية المذاهب في الأصول والفروع.
4. القول في دين الله بالرأي، والحكم فيه بالهوى.
5. دسائس أعداء الإسلام وكيدهم المتواصل للإسلام والمسلمين.
هذه أهم عوامل الفرقة والاختلاف بين المسلمين وعليه فإذا أردنا الخروج بحق من هذه المحنة : محنة الفرقة والاختلاف بين المسلمين فلنعمل على القضاء على هذه العوامل، وإنهاء هذه الأسباب، فعامل السياسة وتنازع السلطة يمكن القضاء عليه من طريق إقناع المسؤولين وأرباب المصالح الخاصة أن بقاء هذه الدويلات الضعيفة الهزلية مرهون ببقاء تنازع المعسكرين : الشرقي والغربي، ويوم ينتهي باتفاق أو بتغلب أحد المعسكرين على الآخر فإن هذه الدويلات تنتهي من نفسها، ويقضي عليها في يومها، فمن الخير إذا أن تتحد هذه الدويلات في دولة واحدة، وأن تتكتل هذه القوى المفرقة في قوة واحدة يمكنها الوقوف في وجه العدو والطامع في ابتلاعها والقضاء عليها، فإذا أمكن إقناع المسؤولين بهذا وأصبحت دولة الإسلام دولة واحدة فإن هذا العامل الخطير من عوامل التفرقة والخلاف قد قضى عليه واستريح منه.
  وأما عامل عصبية الجنس أو الحزب فالقضاء عليه سهل، ويأتي من طريق التوعية والتربية الإسلامية وتعميق معاني الإخاء الإسلامي في النفوس وغرس الفضائل الخلقية في القلوب وبإيضاح الخطوط العريضة للوحدة بين المسلمين والتعاون بين أفرادهم وجماعاتهم والمتمثلة في قول الله تعالى : "إنما المؤمنون إخوة" وقوله : "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" وقوله : "وإن هذه أمتكم أمة واحدة" وقوله : "وتعاونوا على البر والتقوى"، وفي مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم : (المسلم أخو المسلم، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)، وقوله : من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه، وقوله : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر).
  بهذه التوعية والتربية الوجدانية يمكن القضاء على هذا العامل المدمر الخطير.
  وأما عامل التعصب المذهبي فيمكن إنهاؤه والتخلص منه بواسطة العودة بالمسلمين إلى أصلى الدين الإسلامي وهما كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم علما وتعليما وعملا، ورياضة الأمة على ذلك وأخذها بهذه الطريقة شيئا فشيئا حتى يتم خلاصها من هذه الفتنة والخروج بها من هذه المحنة.
  ولنعلم أن الظروف الراهنة اليوم تساعد كثيرا على النجاح في تحقيق وحدة الأمة المسلمة في عقيدتها وعبادتها، فإن من غير الشكوك فيه أنه لو وجد للمسلمين اليوم دولة خلافة إسلامية تلم شملها وتجمع شتاتها، أو حتى رابطة إسلامية قوية يدين لها كل المسلمين بالحب والتقدير والولاء لأمكن توحيد أمة الإسلام والعودة بها إلى ما كانت عليه أيام الراشدين وذلك لوجود الوسائل والأسباب الكفيلة بتحقيق ذلك إن شاء الله تعالى. 
  وآخر عوامل الفرقة والاختلاف دسائس الأعداء وكيد الخصوم، إن هذا العامل الخطير لا يكون مستقلا بنفسه ولا يستقل أبدا إلا في ساحات الحرب وحومة القتال، وإنما هو ملك لنار الفرقة ومهيج للهيب الاختلاف من طريق تلك العوامل الأربعة السابقة، وعليه فالقضاء على تلك العوامل المتقدمة قضاء على هذا العامل الخطير وإنهاؤها إنهاء له. إن دسائس الاعتداء ليس لها ما تدس فيه سوى الثغرات السياسية والحزبية والمذهبية والجنسية، ومن هنا كان القضاء على تلك الثغرات قضاء على دسائس العدو كما أسلفنا فإذا أمكن المسلمين اليوم بفضل الله تعالى ثم بالوعي الصحيح، والتعليم الهادف والتوجيه الصحيح. القضاء على عوامل الفرقة والخلاف فقد نجوا من هذه المحنة القاسية ونجوا من كل المحن وغيرها. 

المحنة الثالثة :
محنة اليأس الذي أصاب أكثر المسلمين وقعد بهم عن العمل من أجل إنقاذ المسلمين وإنقاذ العالم أجمع.
لا شك أن من المحن يأس المرء وقنوطه من خير يريد الوصول إليه، أو شر يريد التخلص منه، ومن المحن الكثيرة التي أصيب بها المسلمون اليوم هذا المرض الخطير والداء العضال : اليأس من عودة عز الإسلام والقنوط من رجوع قيادة العالم للمسلمين في حين أن اليأس كالقنوط كلاهما مما حرمه الله عز وجل على المؤمنين، ففي سورة يوسف يقول : (ولا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون).
وفي سورة المؤمن يقول  : (لا تقنطوا من رحمة)، ومع بالغ الأسى وشديد الأسف أقول : إن هذا الداء أو هذه المحنة محنة اليأس أصابت قادة المسلمين وعلماءهم وقتلتهم أكثر مما أصابت العوام والجهال وأوهنتهم، وهذا من أوجه الخطورة في محنة اليأس، لأن الداء في الرأس أو القلب ليس هو في خطورته كالداء في باقي الجسم، فإذا أصاب اليأس رؤساء الأمة ومفكريها قعدت طبعا عن الحركة بالمرة وانقطع أملها في النهوض والسير.
وأستميح السادة العلماء والقادة المفكرين عذرا إذا قلت : إن ما يتعلل به البعض ويتخذه مبررا ليأسه من عودة نهضة الإسلام وعودة قيادته للبشرية جمعاء ولا للمسلمين فحسب، وذلك من مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم : (بدأ الدين غريبا وسيعوج غريبا كما بدأ) فطوبى للغرباء، وقوله : (لا يأتي عليكم يوم إلا والذي بعده شر منه)، وقوله  (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق) أو كما قال : فليسمحوا لي إذا قلت أن مثل هذه الأخبار النبوية الصادقة لا ينبغي أن تحمل على اليأس، ولا أن تكون مبررة له أبدا، إذ لم يرد بها قائلها عليه الصلاة والسلام ذلك أبدا، بل أراد بها عكس ذلك تماما أراد بها حفز المسلمين إلى العمل الجاد، وإيقاظ الهمم للعمل المتواصل، والتنبيه للشر دائما والحذر منه، ومن الوقوع فيه، وذلكم بالدؤدب على الجد والعمل، والحرص على الحذر والحيطة دائما.
فلم يرد منه أبي وأمي – تخدير جسم المسلمين وحملنهم على ترك العمل والاستسلام للفتن والمحن، وإنما أراد به ما سبق أن قلته : الحفز، والتيقظ، والتنبيه، والتحذير.
ولو فكر هؤلاء اليائسون القانطون في مسألة القضاء والقدر لاستنتجوا منها ما يبطل تعللهم وتبريرهم ليأسهم، فإن عقيدة القضاء والقدر تلزم المؤمن أن يعتقد جازما أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، ومع ذلك يجب عليه أن يتوقى الشر ويحذره، ويتعرض للخير ويعمل له ويبذل ما يمكنه من الجهد والطاقة في التقوى والحذر، وفي السعي للخير والعمل من أجل الحصول عليه، ولا يحل له أبدا أن يترك العمل والحذر اتكالا على نظام القدر العام، وإذا كان هذا لا يحل له هنا فإنه لا يحل له هناك إلا فلنعهم.
هذا وأن الخروج من هذه المحنة يتطلب جهدا كبيرا، وعملا جادا متواصلا.
فأولا : ينبغي معرفة النفس الخبيثة التي تنفخ في جسم المسلمين هذا الروح من اليأس الخبيث القاتل، ولا شك أنها نفس العدو، العدو الذي ما برح يحط من قيمة هذه الأمة المسلمة، وينتقص من قدرها ويضعف من شأنها ويسخر من مقوماتها وأسس كمالها من عقيدة وشريعة ومنهاج وقانون.
وثانيا : يجب أن نضرب المثل العملي بالإنتاج الصالح والإخراج الممتاز في كل مجالات العمل والصناعة مما يخرس السنة المتنقصين ويكمم أفواه الطاعنين، وما أسكت العدو الحاقد وأخرس الخصم المناوئ مثل أن يرى أمة تتجمع بعد طول شتات وتستقيم بعد قرون  من الاعوجاج، وتنتج وتصنع في جودة وامتياز.
 فهل آن لنا – نحن المسلمين – أن نفكر في هذا الذي يخرس العدو وينكبه؟؟.
 والجواب : عن هذا السؤال لا مطمع فيه ما دام اليأس قد استولى على القلوب والقنوط قد استحكم في النفوس، إذا ألا فلنقاوم اليأس ولنحارب القنوط ومن الطريق الذي ذكرنا آنفا فإذا خرجت أمة الإسلام من هذه المحنة ونجت منها فقد قطعت شوطا كبيرا في طريق عزها وسبيل كرامتها ومنهج خيرها وسعادتها والله المستعان.

المحنة الرابعة :
محنة المبادئ الهدامة :
من المحن القاسية  الشديدة التي ابتليت بها أمة الإسلام كل أمة الإسلام محنة وجود مبادئ هدامة مخربة في ديارها وبين أبنائها، وهي مبادئ لا تستهدف من أمة الإسلام إلا وجودها كأمة لها ذاتيتها ومميزاتها وقيمها وأخلاقها وتاريخها وأملها وتطلعها، ومن هذه المبادئ المدمرة الهدامة :
1. الشيوعية.
2. الاشتراكية.
3. التقدمية الثورية.
4. الماسونية اليهودية.
5. الرؤطارية الماسونية.
هذه خمس مبادئ يصح إطلاق لفظ الكفر المنظم عليها فهي لم تكن إلا هو ولم تخرج عليه لا في العرض ولا في الجوهر، لا في الكنه والماهية ولا في الحقيقة والذات، وإنها لمن أصل واحد كما سيذكر، وهو وإن كانت في جميعها تستهدف المجتمع الإسلامي القرآني بعقائده وشرائعه وآدابه وأخلاقه فإنها تختلف في أسلوب العمل، ومناورة الحرب، وطريقة الخداع والتضليل، وهي وإن كانت بهذا التفصيل خمسا فإنها ترجع إلى أصول ثلاثة، لكل أصل منها فرع، فالشيوعية أصل الاشتراكية، والثورية أصل والتقدمية فرع لها، والماسونية أصل والروطارية فرع لها، وواضع هذه المبادئ بأصولها وفروعها واحد لا ثاني له ألا وهو عدو الله ورسوله والبشرية جمعاء، ألا وهو اليهود، واليهود وحدهم عليهم لعائن الله، إذ غرضهم من ذلك القضاء على روح التدين في العالم ليخلو لهم الجو فيتنفسوا الصعداء من طول ما خنقتهم الأديان ولعنتهم لخبثهم ومكرهم، وليضربوا بالتالي ضربتهم في أجلاء العرب المسلمين من بلادهم لإقامة دولتهم الممتدة في ارض كنعان ومن النيل إلى الفرات، وبعدهما يفكرون في وضع قدمهم الثقيلة الوطأة على العالم اجمع، كما هو المخطط المرسوم لديهم، وقد اكتشفه الناس وعرفه الكثير من بني الناس ولم يبق سرا مكتوما إلى اليوم، ومبرر ذلك عندهم : أنهم شعب الله المختار وأنهم وحدهم المؤمنون الأطهار وأن من عداهم من الأمم والشعوب أنجاس كفار.
وكشاهد أوردوه على نبات القوم وخبثهم وإرادتهم الشر بالعرب بالخصوص ما نشر قريبا في الصحف اليهودية من أن استفتاء أجرى بين طلاب وطالبات اليهود في دولة إسرائيل، ومادة الاستفتاء : ماذا على دولة إسرائيل أن تفعله بالعرب الذين تحت سلطانها ممن هم الآن تحت سلطتها وممن سيدخل طبعا ؟؟.
فكانت نتيجة الاقتراح أن أكثر من 75% تطالب بإبادة العرب وتطهير أرض إسرائيل منهم بحيث لا تستحيي منهم الأبناء ولا النساء.
وبعد، أخي القارئ : فكيف المخرج من هذه المحنة القاسية ؟ المخرج لا يكون إلا من طريق واحد ألا وهو لعن كل هذه المبادئ والكفر بها وإخراجها من ديار الإسلام، إذ كلها يهودية صهيونية في الأصل لا خير فيها ولا تفاضل بينها وذلك من طريق إبراز المبادئ الإسلامية وملء الفراغ بها حتى لا يبقى مجال لهذه الطفيليات العفنة الخبيثة أن تنبت في أرض الإسلام وديار المسلمين، بيد أن إبراز الشخصية المسلمة والمبادئ الإسلامية يتطلب جهادا مريرا وصبرا طويلا غير أنه لما كان لابد من هذا فإنه لا معنى للحيدة ولتكن المجابهة كما شاءت أن تكون صعبة مرهقة مضنية فعلى الجماعات المسلمة أن تتلاحم في كل ديار المسلمين وأن تقف صفا واحدا وتجمع كل قواها وتضرب بجمعها هذه المبادئ الهدامة المخربة لها فتميتها وتقضي عليها وترمي بها جيفة منتنة خارج ديارها وإلى غير رجعة وإلى الأبد إن شاء الله تعالى.

المحنة الخامسة :
محنة الجهل بالإسلام :

إن من أخطر المحن التي أصابت المسلمين وهم يقاسون من ويلاتها ويعانون من شدائدها ضعفا وفسادا وشرا محنة جهل جماهير المسلمين بإسلامهم، في الوقت الذي خمت فيه ديار المسلمين بدور العلم ومدارسه بحيث لم تعرف بلاد المسلمين كثرة في المدارس وعناية بالتعليم كما عرفتها اليوم ومع هذا فالعلم يقل والجهل يكثر، والجهال يسودون والعلماء يذلون ويهونون.
 وهذا في أغلب ديار المسلمين، وهل السبب المباشر في هذا فساد مناهج التعليم وسوء نبات الطالبين، وعدم الكفاية والإخلاص في الأساتذة والمعلمين.
 أما المناهج التعليمية وهي السبب القوي في هذه المحنة فقد نادى الكثير من المصلحين في بلاد المسلمين بوجوب مراجعتها وتعديلها ووضعها على أسس سليمة تكفل للأمة المسلمة حاجاتها الضرورية الملحة في الإصلاح الشامل لجانبي الحياة الديني والدنيوي على حد سواء حيث لا غنى للأمة المسلمة عن أحدهما، ولكن لا حياة لمن تنادي.
 وأما سوء النية بالنسبة إلى طلاب العلم فإن له أثرا كبيرا في ذهاب بركة العلم وآثاره الطيبة في نفوس أهله وذويه وقد أصبح مع الأسف الكثير لا ينوي بطلبه العلم ولا يقصد به إلا الجانب المادي البحت، ولعل جل المدارس، لم تبنى إلا لهذا الغرض وحده وفي كل بلاد المسلمين.
 وأما عدم الكفاية والإخلاص في الأساتذة والمعلمين فإن له أكبر الأثر في تربية الطالب وتوجيهه، إذ كثيرا ما يرث الطلاب صفات معلميهم وقد يتقمصون كل شخصياتهم فيرثون عنهم كمالهم إن كانوا كاملين، ونقصهم إن كان ناقصين، ومن هناك كانت النتيجة سيئة للغاية، فإن النفاق والذبذبة والألحان أيضا لم يعرف بين المسلمين الأميين منهم كما عرف المتعلمين والمثقفين كما يقولون، وكل هذا عائد قطعا إلى فساد مناهج التعليم من جهة وإلى سوء نية الطلبة وعدم كفاية وإخلاص المعلمين من جهة أخرى.
 والمخرج من هذه المحنة صعب جدا مع العلم بأن آثار هذه المحنة سيئة وسيئة لا تقل وبالا وشرا عن المحن السابقة واللاحقة وذلك لأن تغيير المناهج لا يملكه إلا ذوو السلطة في بلاد المسلمين وهم في أغلبهم ليسوا من الوعي الإسلامي والإدراك والمسئولية بحيث يمكنهم أن يغيروا هذه المناهج حتى تتناسب ومتطلبات الأمة المسلمة، وما يجب أن يحققه لها التعليم من القوتين الروحية والمادية.
وعليه فقد تبقى هذه المشكلة بل حل ويبقى المسلمون عاجزين عن الخروج من هذه المحنة الصعبة، وذلك لأنها مرتبطة تماما بالقانون العام الذي يحكم الأمة والقانون مادام ليس هو الإسلام فغن من الصعب جدا تغيير هذا الجانب وحده وتبقى سائر الجوانب.
 أجنبية عن الأمة غير إسلامية :
 بيد أنه في مكان معالجة الموضوع من  جانب آخر وهو جانب إصلاح النيات من طريق التوعية الإسلامية والتوجيه الإيماني بين الطلاب وذويهم وخاصة طلاب المعاهد والمدارس الدينية، وعلى سبيل المثال ما قلته وأقوله لطلاب الجامعة الإسلامية وإنا أحد مدرسيها وهي أكبر مؤسسة علمية دينية في بلاد المسلمين اليوم، والأمل معقود على طلابها أكبر من أن يعقد على جيش إسلامي يتحرك إلى الغزو والفتح، ولإشادة صرح الإسلام أو حمايته ن التداعي والسقوط هؤلاء الطلبة طالما قلت لهم وواجهتهم بهذه الحقيقة، وهي أن عليهم واجبا ومسؤولية ليست على غيرهم لأنهم يتهيئون بهذه العلوم الشرعية لا لان يصبحوا قضاة في جهاز دولة لا تحكم بالإسلام، وتحكمه، ولا معلمين للشريعة في مدارس لا علم للشريعة بها، وإنما ليصبحوا دعاة للإسلام ومبشرين له، وهذا يتطلب عنهم إخلاص النية وتحديدها، فالدعوة إلى الإسلام يجب أن تكون في إطارها الخاص المحدد بمثل قول الله تعالى : (وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين).
 إن رسالتكم تتنافى مع طلب المادة وتتضاد مع الرغبة في الحياة الدنيا الفانية، وعليه فمن الآن وأنتم بين جدراني الجامعة مرنوا أنفسكم وروضوا أرواحكم على الصيام والقيام، وعودوها على قبوا آداب الشريعة وفضائلها، وتحلوا بها قبل أن تدعوا الناس إليها، فإن من النقص كل النقص أن يدعو المرء غيره إلى فضيلة لم يتحل هو بها، أو إلى القيام بواجب تخلى هو عنه وتركه، وقد جاء في القرآن الكريم : (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون)، وفي الحكمة الشعرية : قول القائل :
 لا تنه عن خلق وتأتي مثلـــــه 
             عار عليك إذا فعلت عظيــــم
 فمن الآن أيها الطلاب اقبلوا على أنفسكم فكملوها ولحمل رسالة الحق أعدوها وبكل صراحة أقوالكم من
أراد أن يطلب الدنيا بهذه العلوم الشرعية فليتق الله تعالى ولينقطع من الآن عن التعليم الشرعي وليطلب له علما ماديا يحق له أن يطلب به الدنيا وزينتها.
 وهذا والله لمن الصدق الذي هو أسمى الحلال وأفضل الخصال وأن أبيتم إلا التعليم الديني الشرعي فارعوا حقه بإخلاص النية والاستقامة عليه فذلك أزكى لكم وأبرك والله عليم بما أنتم صانعون.

المحنة السادسة :
احتلال اليهود لأرض فلسطين واستيلائهم على المسجد الأقصى :

 لا شك أن محنة قهر اليهود للمسلمين كل المسلمين باحتلال بلادهم والتحكم في أمة كبيرة من نسائهم ورجالهم ثم بالاستيلاء على المسجد الأقصى ثالث الحرمين وأولى القبلتين لا شك أنها محنة شديدة الوطأة على النفوس قاسية على القلوب دونها كل المحن، لأن اليهود أعداء الله هو أشد أعداء المسلمين عليهم وأقساهم كما قال : (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا).
 ومن أقسى المحن – أن يقهر المرء عدوه ويذله ويهينه ويتحكم فيه، وقد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قهر الرجال.
 حقا إنها لمحنة لا تقاس وأيم الله بمحنته تلك التي أصابت المسلمين في أرض فلسطين حيث قتلوا وشردوا واستبيحت حرماتهم وديست كراماتهم وبالنعال وطئت مقدساتهم، وزاد في ثقل الوطأة وفداحة الخطب وقساوة المحنة أن العدو القاهر المذل هو من أذل الناس وأقلهم شأنا وأرخصهم جنسا ما كان لمثلهم أن يسودوا ويحكموا، فأصبح المسلمون معهم كما قال الشاعر :
 إلى الله نشكو أننا بمنــــازل 
          تحكم في مر آساد هن كــــلاب
 هذه هي المحنة أخي المسلم وكيف الخروج منها ؟؟.
 والجواب : إن شاء أخي القارئ وضعنا بعض الكيفيات للخروج منها وإن شاء تركناها كما هي حتى يأتي أجلها، فإن أجلها لآت قريب لا ريب فيه، إذا قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم : لتقاتلن اليهود ثم لتسلطن عليهم حتى يقول الشجر والحجر يا مسلم هذا يهودي وراءي فاقتله أو كما قال عليه الصلاة والسلام والحديث في صحيح مسلم قطعا.
 غير أننا ما دمنا نستعرض بعض محن المسلمين ونحاول وضع كيفيات للخروج منها فإنه لا مانع من ذكر كيفية للخروج من هذه المحنة القاتلة المميتة، والذي رأيته مخرجا من المحنة فقد تقدمت به برقيا لمؤتمر القمة الإسلامي بالرباط يوم انعقاده هنا بالعاصمة المغربية، وهو نفس ما أبرقت به إلى مؤتمر رؤساء الخارجية للدول الإسلامية، ونصه بعد حذف الديباجة : نطالب بتكوين جيش إسلامي تحت قيادة إسلامية تساهم فيه كل الحكومات ذات الشعوب المسلمة بخير رجالها وأحدث ما تملك من سلاح حتى يكون أقوى جيش في العالم وأقدر على رد كل اعتداء : وتأديب كل معتد.
 ومهمة هذا الجيش الأولى تحرير الأراضي المقدسة ثم حماية كل بلد إسلامي يتعرض لاعتداء خارجي وفتنة داخلية كما هي الحال – يومها – في الباكستان، وكما هي اليوم في الجنوب العربي حيث المسلون وليس في البلاد سواهم – يكرهون بالحديد والنار على الكفر بالإسلام والإيمان بالمذهب الشيوعي ومبادئ لينين وماوتتونك الإلحادية، وهم الآن يستصرخون ولا مصرخ ويستغيثون ولا مغيث..
 هذا ما رأيته مخرجا لهذه المحنة وما زلت أراه كذلك والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون".

المحنة السابعة :
محنة الفسق العام :

إن الخروج  عن القانون، والفوضى العامة في السلوك الفردي والجماعي بعدان من دون شك من الرزايا والمحن التي تبتلى بها الأمم والشعوب لما تفقدها من معنى الحياة وسعادتها، وما تعرضها له من خراب ودمار.
والمسلمون اليوم بصورة عامة يعيشون على فسق ظاهر، وخروج كامل عن القانون فالفوضى في العقائد والعبادات، والأخلاق والآداب عامة كأن لم يكن هناك حدود ولا قواعد ولا قوانين يرجعون إليها في حياتهم أبدا وهذه ظاهرة خطيرة تنذر بشر مستطير وستجر من الكوارث ما لا يقادر قدره ولا يعرف مداه ولا حصره وبإلقاء نظرة خاطفة نرى ما ذكرناه حقيقة ماثلة للعيان  لا تقبل الأخذ والرد ولا النقاش والجدل، فالحدود معطلة كأن لم يكن بشريعة الله حد واحد أمر الله أن يقام هذا قطعا باستثناء الحكومة العربية السعودية مع ملاحظة عدم إقامة حد السرقة على سراق الحجيج في هذه الأعوام الأخيرة مما جرأ اللصوص الوافدين مع الحجاج على ترويع وفجع عدد كبير من الحجاج مما أصبح يذكر الناس بعد الفوضى في الحجاز قبل دولة القرآن السعودية.
 والعقائد مختلفة فهي ما بين مادية صرفة وشركية وثنية ونفاقية مصطنعة متكلفة وارتيابية شكية مزعزعة، وجهمية معطلة، وجبرية سلبية لا تبدي ولا تعيد.
 والعبادات اختيارية لا جبر فيها ولا إلزام، الفريضة منها كالنافلة فمن شاء صلى ومن شاء ترك ومن شاء صام ومن شاء أفطر، ومن شاء زكى ومن شاء منع، تغلبت البدع فيها على السنن، فالبدعة منصورة مشهورة، والسنة مخذولة مستورة العادة مأتية مذكورة والعبادة منسية مهجورة، والأخلاق جلها نفاق، وعداوات وشقاق، لو تساءلت أين الصدق، أين الوفاء أين المحبة أين الإخاء أين الأمانة أين الحياة ؟؟ لما وجدت من يشير لك إلى واحدة منها كلها وذلك لانعدامها في المجتمع واختفائها فيه، والآداب علقم وصاب، مهاترات كلامية، ومجاملات سياسية لا تعرف الشجاعة في الحق ولا الصراحة في النطق باسمها ضاعت الأمانة أو أشيعت الخيانة، وتظاهر المنكر وتوارى المعروف، فاستبيحت المحرمات، وأشيع الربا وانتشر العهر والزنى وشربت الخمور، وأذيع الغناء والفحش والبذاء، وحتى الميسر والقمار أصبح تسلية أهل كل دار.
 وخلاصة القول في هذا أن هذه الموجة العاتية العارمة من الفسق عن شريعة السماء والثورة عن قوانين الله لهي من أخطر المحن التي يقاسي منها المجتمع الإسلامي ويعاني منها جميع المسلمين، ولكن كيف المخرج منها، وما طريقه ؟.
 المخرج لن يكون إلا بأحد أمرين لا ثالث لهما، أولهما حكومة إسلامية عادلة قوية تقيم حدود الله وتحمي حماه، تضرب على أيدي كل المفسدين والعابثين، وتقوي جانب الصالحين والمصلحين على قاعدة قول الملك الصالح كما حكى ذلك عنه الله رب العالمين في قوله : (أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد ربه فيعذبه عذابا نكرا، وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا).
 وثانيهما بجماعة إسلامية أو رابطة عالمية تنذر لله حياتها وتوقف على الإسلام جميع طاقاتها تعمل على تبوء مركز القيادة الروحية لجميع المسلمين حتى إذا أصبح لها في القلوب عرش، وفي الجيوب قرش تجيل يد الإصلاح في المسلمين، فتقف في وجه الباطل والشر وتدفع في مسيرة الحق والخير فما هي إلا جولات بعد صولات والفسق قد اختفى والباطل قد مات.

المحنة الثامنة :
محنة انحراف المرأة المسلمة :

أي ألم أشد إيجاعا من ألم النفس عندما تشاهد شرفها يضيع وعرضها يدنس وكرامتها تداس ؟؟.
وأي محنة أشد وأقسى على المرء من أن يرى امرأته أو فتاته مستخدمة لغيره تأتمر بأمر الغير، وتخضع لسلطانه، وتعمل حسب رغبته وتتحرك طوع إرادته مقابل ثمن بخس : دريهمات معدودات، وذلك ما يسعى براتب الوظيفة الشهرى وأي اعتزاز بالنفس أو شعور بالكرامة يبقى عند ما يرى المرء امرأته أو فتاته من بنت أو أخت ترجل شعرها كل صباح وتتعطر وتلبس أحسن ثيابها وهي كاشفة عن شعرها ونحرها وحتى عن ساقيها وصدرها لتقضي ست ساعات مع شباب ذائب مائع وقح صفيق لا يعرف حياء ولا مروءة ولا كرامة ولا شرفا همه أن يشبع غرائزه في إسراف غير محدود وإتراف غير معدود وكل ذلك باسم العلم وتحت شعار طلب المعرفة.
وأي دين أو خلق أو حياء يجده أو يبقى له ذلك الذي يجلس نساؤه ورجاله من آل بيته أمام شاشة (التلفزة) والكل يشاهد أجمل غاده وأحسن غانية على جنب أحسن وأجمل شاب يتبادلان النظرات القاتلات والعبارات الساحرات والابتسامات الفاتنات ويسمع الجميع منهما أرخم الأصوات وأرق العبارات وقد يتم أمامهم تبادل قبل العشاق وتعانق طول الفراق.
وأي داء أدوا من هذا الداء وأي سقم أشد فتكا بجسم الإنسان وهو يعيش على هذا اللون الرخيص من الحياة وواقعه يردد مع الشاعر قوله :

ليس من مات فاستراح بميــــت
         إنما الميت ميت الأحيــــاء
إنما الميت من يعيش كئيبــــــا 
         كاسفا باله قليل الرجــــاء

هذه هي محنة انحراف المرأة المسلمة اليوم والرجال في شتى بلاد الإسلام يقاسونها ويتجرعون غصصها – ومع الأسف – كل يوم يزداد استطارا وداؤها استشراء وانتشارا، ولا يقابل ذلك من الرجال إلا بالمداهنة المتملقة والمجاملة المصطنعة المتكلفة ولسان حالهم يقول :

ومن نكد الدنيا على الحر أن يــرى 
                     عدوا له ما من صداقته يـــد

وكيف المخرج من هذه المحنة ياترى ؟؟!
بالرجوع إلى عناصر المحنة التي تكونت منها، وبالنظر إلى أسبابها التي تسببت عنها نعتر على كيفية الخروج منها :
إن عناصر هذه المحنة لا تعدو كونها التعليم، والتعليم وحده، وأعني بالتعليم ذاك التعليم الغير الهادف، والذي لم يراع فيه شرف ولا قدسية، ولم يلاحظ فيه دين ولا دنيا بالمعنى الصحيح لمفهوم كلمتي الدين والدنيا.
كما أن أسباب هذه المحنة لا تخرج أيضا عن سبب واحد ألا وهو الوظيفة ذات الراتب المالي، وعليه فالخروج من هذه المحنة زيادة على ما يجب من حملة التوعية الإسلامية والتربية الدينية، إصلاح مناهج التعليم وحرمان المرأة من الوظيفة الحكومية وغير الحكومية إلا في حدود معروفة وإطار معلوم، وبذلك تقل الرغبة من الآباء والأمهات في دفع بناتهم إلى المعاهد والكليات وطبيعيا ستعود المرأة يومئذ إلى وظيفتها الحقيقية ملازمة البيت والقيام بشؤونه والنهوض بأعبائه وما أكثر شؤون البيت وما أتقل أعباءه وإن هي قامت بذلك فقد كانت بحق نصف الرجل وجناحه الذي لا يطير إلا به، وكانت أقدر بكثير على إسعاد الرجل وبيته، واستحقت بجدارة لقب المواطنة الصالحة والمرأة المنتجة التي يعتمد عليها الرجل وتؤثر في بنائه وحمايته وفي قوته ومنعته كما يؤثر الرجل وأكثر وهذا أقصى ما يطلب من الأفراد الصالحين بين الناس أجمعين.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here