islamaumaroc

الإعلام…والدعوة

  دعوة الحق

146 العدد

 من المؤكد قطعا أن الدعوة الإسلامية، في ظروف تطويق ومحاصرة العالم الإسلامي من القوى الصليبية واليهودية الحاقدة على الإسلام،(1) تعاني ضغطا متزايدا وفي تصاعد مستمر لا يفتر. ومن المؤكد أيضا أن مستوى أساليب الدعوة الإسلامية لم يرق بعد إلى درجة من الاكتمال يمكن الاطمئنان معها إلا النتائج المرجوة والمتمثلة في إعلاء كلمة الله والصدع بها في الآفاق، قياسا بواجب الدعوة إلى الله بالتي هي أحسن، وامتثالا للنداء القرآني الكريم في هذا الموضوع، ولعله ليس بخاف على العاملين في ميادين الإعلام المعاصر، أن الدعوة الإسلامية، بالمفهوم الإسلامي الواضح الخالص من الشوائب والمؤثرات الجاهلية، ذات حظ ضئيل جدا من الرواج والشيوع والانتشار بالقياس إلى الدعوات الباطلة التي يصبح الناس عليها ويمسون – في البلاد الإسلامية بالأخص – وأحيانا تفرض عليهم فرضا بفعل التأثير القوي، وبصفة مباشرة أو غير مباشرة، للإعلام المعاصر في أي مجال من مجالاته المبتكرة، والمتطورة بشكل متواز مع التقدم التقني لحضارة الغرب. وتتجلى حقيقة هذا التخلف المروع في نوعية وقيمة الوسائل المعمول بها في مجال الدعوة الإسلامية، ففي حين تعتمد كل دعوات العالم ومذاهبه الباطلة أساليب متطورة، ومرنة، وذات مفعول السحر، نرى دعاة الإسلام، في مشارق الأرض ومغاربها، يقتصرون على وسائل أقل تأثيرا، وأضعف مفعولا، وأعجز من أن تقنع مؤمنا ضالا، بله مرتدا أو كافرا لم يهتد ولم يؤمن بعد. فتكون المعركة – وهي حامية الوطيس ولا شك – بين فئتين غير متكافئتين : جاهلية معززة بأجهزة إعلامية لها مفعول السلاح النووي، ودعاة مسلمين يعوزهم التنظيم والتوحيد والتكاثف والتكافل – أيضا – بالإضافة إلى خبرة ومهارة في الدعاية، وتجربة وحنكة ودربة في العمل الإعلامي، أن إرساليات التبشير في شتى مناطق الأرض تنفق بسخاء عجيب على تطوير أساليب الدعاية وتقويتها، لتوسيع رقعة التبشير. وتعتمد العواصم الشيوعية الكبرى ميزانيات ضخمة لنشر الفكر الماركسي والترويج للعقيدة الشيوعية. وفي مقابل ذلك تجهز الدول الرأسمالية كل إمكانياتها، من مال، وعلم، وأعلام، وثقافة لمواجهة الأفكار المعادية لها. وقبل هؤلاء وأولئك تنشط المنظمات الصهيونية بشكل مريب ومنبر للدهشة حقا، لكسب عطف وتأييد العالم  لمواقفها ضد الإنسانية جمعاء، وضد الإسلام والمسلمين بصفة خاصة، وفي خضم هذا التحرك الإعلامي، والغزو الواسع، المخطط له بدقة وإحكام شديدين، تقف الدعوة الإسلامية، أو دعاتها بتعبير أدق، موقف العاجز. المسكين. وأكاد أقول موقف المنهزم، والمستسلم، فهل مرد ذلك العجز والتخاذل والانهزام إلى ضعف وتأخر في العقيدة – حاشا له – أم إلى تخلف وتأخر في الأسلوب، وجهل باستخدام أداة الإقناع ؟.
 إن دراسة متأنية لواقع الإعلام الإسلامي – بشيء من التجاوز – توقفنا على بضعة حقائق مذهلة، أولها أنه ليست هناك نظرية إعلامية، أو قواعد محددة يمكن الانطلاق على أساسها إلى تكوين وخلق اتجاه إسلامي يكون له مفعوله في التمهيد لإقامة المجتمع الإسلامي المنشود القائم على منهج الله وشريعته وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وحتى الإعلام الذي نكره أنفسنا كرها على تسميته بالإعلام الإسلامي، لا يملك هذه النظرية، وإنما هو إعلام غربي، أو شرقي، اتجاها ومنهجا، وتخطيطا، "ينحرف" في بعض الأحايين إلى منحى جديد، هو المنحى الإسلامي، تم سرعان ما يعود إلى المنهج الغربي المحض، أو الشرقي الصرف، وتبقى كلمة الإسلام على الهامش في أكثر الأحيان، وغالبا ما يتم هذا "الانحراف" في مناسبات ومواسم معينة، معنى ذلك أن الصحافة اليومية، وهي ذات تأثير قوي على الرأي العام في بلد ما، ليست صحافة إسلامية إطلاقا. وهذا يخالف على طول الخط – بتعبير مستورد ! – ما عليه حال الصحافة في البلاد الشيوعية أو الرأسمالية، حيث تنعكس إشعاعات النظام، أو الاتجاه السياسي العام، على ما يصدر من صحف، وما يبث من إذاعات بكثافة، وقوة، وتواصل لا ينقطع إلا بالتغيير العام في البلاد. وتبدو الصورة واضحة جلية، إذا عرفنا أن  جل الصحف، في كثير من بلدان العالم الإسلامي، "تخصص" صفحات أسبوعية لمواضيع أو دراسات، أو أبحاث، أو مقالات، أو أخبار، أو تعاليق إسلامية، وهذا "التخصيص" هو بيت القصيد في الموضوع كله، لما يعني ذلك من اعتراف ضمني بفصل الدين عن الحياة العامة، ومشاكل الناس، ومشاغلهم، وقضاياهم، وأزماتهم، ومنطق هذه الصحافة يعني أن الإسلام أعجز وأقصر من أن يساير حياة الناس، فلتكن أخبارنا، ولتكن تعاليقنا على هذه الأخبار، ولتكن مقالاتنا وأبحاثنا، غربية أو شرقية، ولنخصص صفحة واحدة كل أسبوع لقضايا الدين.
 هناك، إذن، أزمة ضاغطة، تعانيها الدعوة الإسلامية في مشارق الأرض والجهد والصدع بالفكرة الإسلامية، والرأي الإسلامي، والتعليق الإسلامي، والخبر الإسلامي، ولهذه الأسباب جميعا، يظل دعاة الإسلام منعزلين تماما، أو يكادون، عن الحياة اليومية، المتدفقة، المتطورة، المتقلبة لشعوبهم. وتظل هذه الشعوب، نتيجة لهذا الانعزال المرغم، بعيدة عن المناخ الإسلامي الذي لا يخلقه إلا رواج الفكر الإسلامي على أوسع نطاق، وبأيسر السبل وليس ثمة من سبيل ليشر الفكر الإسلامي، بالسرعة المطلوبة، الفكر الإسلامي على أوسع نطاق، وبأيسر السبل وليس ثمة من سبيل ليشر الفكر الإسلامي، بالسرعة المطلوبة، إلا بوسائل الإعلام المتعددة.
نخل مما ذكر، أن دعاة الإسلام لم يحسنوا حين أحسن دعاة المذاهب الهدامة، من شيوعية، ورأسمالية، وصهيونية، وماسونية، ووجودية، استخدام هذه الأداة الخطيرة. وذهبوا إلى أبعد حدود الاستغلال. ومطلوب من دعاة الإسلام أفرادا وهيئات، على المستويين الشعبي والرسمي، تطوير أداة الدعوة، والالتجاء إلى أجهزة الإعلام، باعتبارها لغة العصر، وأكثر الوسائل تأثيرا وأكثرها تداولا بين الناس، على مختلف مستوياتهم، يتساوى في ذلك الغني والفقير، بل الأمي والمتعلم، وهذا الأخير والمثقف.
                                                   _*_

محاولة إيجاد نظرية إعلامية إسلامية
كما أسلفت، فأنا موقن، أنه ليس هناك نظرية إعلامية إسلامية، وأن المسلمين، في هذا المجال الحيوي والخطير في آن، مقلدون، ومناسقون، على غير هدى، أو عن تعمد وسبق إصرار، بالنسبة للبعض منهم. وفي بعض الأحايين، وأنهم بذلك ضحايا الغزو الإعلامي، كما كانوا، إلى زمن قريب، ضحايا الغزو العسكري والاستيطاني.
وتقتضي ضرورة تغيير واقع المسلمين، في ميادين الفكر والثقافة، بالإضافة – طبعا – إلى تغيير
الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وفق منهج الإسلام، تقتضي هذه الضرورة الملحة، إيجاد قواعد محددة للإعلام الإسلامي. بمعنى تنظيم وتطوير واستثمار الإعلام في الدعوة إلى الإسلام. فهل الإعلام – أولا – صناعة ؟ . فما هي – إذن – عوائد هذه الصناعة ؟
ليس من شك أن الدعوة إلى الله واجب ومسؤولية ورسالة لا مناص من أدائها، والاضطلاع بها. بل الدعوة إلى الله ل الدعوة إلى الله (بمعنى التبشير بالإسلام ودعوة الناس إليه) أحد أسس المجتمع الإسلامي. ويعتبر التخلي عنه. تخليا عن دعامة قوية. عليها يقوم بناء كيان المسلمين. وأحسب. بل أني أعتقد شديد الاعتقاد، أن مسؤولية الدعوة الإسلامية ثقيلة لا يتحملها إلا أولو العزم والرأي والبصيرة من هذه الأمة. ومن ثمة كانت المسؤولية مضاعفة. وذات شقين. تقتضي الأمانة والصدق وحسن النية في الجهاد. وملازمة هذه النية الداعية إلى الله، في كل الأحوال. ولما كان الأمر بهذا الثقل. وهذه القيمة. كان صرف الاهتمام إلى التفكير في وسائل الدعوة وأدواتها أسبق بالاعتبار. ولذلك فإني أرى أن قواعد الإعلام الإسلامي ينبغي أن تتحدد في النقط التالية :
عرض الفكر الإسلامي وتقديمه إلى الناس باللغة التي يفهمها الجميع. وهذا يتطلب مراعاة الاهتمامات العامة. بما في ذلك تباين الآراء. واختلاف وجهات النظر. والإعلام الإسلامي يجب أن يخاطب كل فئة على حدة. وهذا لا يشتت الجهد. ولا يحمل رجل الإعلام الإسلامي ما لا يطيق. كما قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى. ذلك أن مخاطبة الناس على قدر عقولهم شرط أساسي في الإعلام الإسلامي. يقول المفكر الإسلامي الجزائري مالك بن نبي في هذا الصدد :
"أخشى ما نخشاه الإفراط في التعقيد من طرف أولئك الذين يتزعمون الحركات الإسلامية – في أساليب ولغة دعوتهم – مع اعترافنا لهم بالفضل وبحسن النية على الأقل، والتفريط من أولئك المستهترين الهائمين التائهين في متاهات حضارة يفقدون كل تصور صحيح لأصولها وجذورها في التاريخ الغربي... فهؤلاء (كذا) الطرفان لا يستطيعان اليوم القيام بالدعوة الإسلامية لأن أحدهما يحجبها بالإفراط والآخر بالتفريط..."(2)
تقديم الصراعات الدولية. من أحداث وأخبار. ولقطات على ضوء الإسلام. بمعنى تفسير الخبر والمحدث واللقطة من وجهة نظر إسلامية. ذلك أن "الدعاية من جانب واحد تعزز الآراء الموجودة بدلا من أن تحدث تغييرات.. ألا أن هذا الوضع يتغير إذا قدمت وسائل الإعلام الشاملة مناقشات بانتظام وعرضت آراء مختلفة بصورة طبيعية..". (3)
المواجهة المستمرة للجاهلية، للأفكار والمذاهب والآراء التي تناصب الإسلام العداء. وتغتصب قيادة البشرية دونما حق واستحقاق. وهذا يقتضي – بطبيعة الحال – رد الصاع صاعين. والوقوف ندا لند مع أجهزة الإعلام الشيوعية والصليبية والصهيونية. ويقتضي من جهة أخرى التطوير المستمر للإعلام الإسلامي تقنية وأسلوبا وأداة.

 

1)  ينبغي أن يكون واضحا ومفهوما أن للصهيونية بنات، ومنها : الشيوعية، الماسونية، الاشتراكية، الرأسمالية.. الخ. وأن كل مذاهب العصر ذات صلة بالصهيونية واليهودية العالمية.
(2)  الدعوة الإسلامية بين الأمس واليوم" – مالك بن نبي – مجلة "جوهر الإسلام" . ع : 6. صفر 1392. ص : 51. 
(3)  "رياح التغيير الجديدة " – ترجمة فؤاد المويساتي – من منشورات " آفاق جديدة"، ص : 106.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here