islamaumaroc

البحث العلمي والفلسفي عند الفارابي

  دعوة الحق

146 العدد

  من رأي الفارابي أن الفلسفة اسم يوناني، دخيل في العربية.. وهو المتركب من كلمتين : "فيلا" و "سوفيا"... فالأولى تعني : "الإيثار" والثانية "الحكمة".
 والفيلسوف مشتق من الفلسفة وهو باليونانية "فيلسوفوس" ومعناه المؤثر للحكمة أن الذي يجعل هدفه الوحيد وغرضه الأسمى في الحياة :  الحكمة !
  وانطلاقا من هذا التعريف للفارابي يرجع بنا البحث والاستقصاء إلى اشتهار الفلسفة في اليونان بعد وفاة أرسطو طاليس.. وقد بقي التعليم على حاله آنذاك في اليونان إلى ملك ثلاثة عشر ملكا، وتوالى في مدة ملكهم من معلمي الفلسفة اثنا عشر معلما، أحدهم المعروف "بأندرونيقوس"... وكان آخر هؤلاء الملوك امرأة... فغلبها أغسطس الروماني وقتلها واستحوذ على الملك...
 ثم فتش في خزائن الكتب، فوجد فيها نسخا لكتب أرسطو طاليس نسخت في أيامه وأيام تاوفرسطس.. ووجد الفلاسفة قد ألفوا كتبا في نفس الاتجاه الذي سار فيه أرسطو فأمر أن تنسخ تلك الكتب التي كانت نسخت في أيام أرسطو وتلاميذه ... وأن يكون التعليم منها، وكلف أندرونيقوس بالإشراف على ذلك... كما أمره أن يحمل معه نسخا إلى روما ونسخا يبقيها بالإسكندرية ... ثم أشار عليه أن يستخلف أستاذا يقوم مقامه بالإسكندرية ويذهب هو إلى روما مع أغسطس...
 فصار التعليم إذا في موضعين : روما... والإسكندرية. إلى أن جاءت النصرانية... فبطل التعليم في روما وبقي بالإسكندرية – هذا وبعد ذلك اجتمعت الأساقفة وتشاوروا فيما يترك من هذا التعليم وما يبطل... فقرروا دراسة كتب المنطق إلى آخر الأشكال الوجودية... وبحذف ما بعده لأنهم رأوا في ذلك ضررا بالنصرانية... وأن فيما أطلقوا تعليمه ما يستعان به على نصرة دينهم– فبقي الظاهر من التعليم هذا المقدار، والباقي مستورا، إلى أن كان الإسلام بعده بمدة طويلة فانتقل التعليم من الإسكندرية إلى أنطاكية... وبقي بها زمنا طويلا إلى أن بقي أستاذ واحد – فتعلم منه رجلان وخرجا ومعهما الكتب فكان أحدهما من أهل "حران والآخر من أهل "مرو"..
 فأما الذي من "حران" فتعلم منه إسرائيل الأسقف... وقويري.
 وأما الذي من أهل "مرو" فتعلم منه رجلان أحدهما إبراهيم المروزي والآخر يوحنا ابن حيلان.. ثم ساروا إلى بغداد فتشاغل إبراهيم بالدين وأخذ قويري في التعليم. أما يوحنا بن حيلان فإنه اشتغل أيضا بدينه.. كما تدارس إبراهيم المروزي مع متى  ابن يونان. وكانت الدراسة في ذلك الوقت إلى آخر الأشكال الوجودية..
 وقد تعلم الفارابي من يوحنا بن حيلان إلى آخر كتاب البرهان...
 وكان يسمى ما بعد الأشكال الوجودية الجزء الذي لا يقرأ... إلى أن صار الأمر إلى المربين المسلمين فقريء من الأشكال الوجودية إلى حيث قدر للإنسان أن يقرأ. وقد قرأ الفارابي إلى آخر كتاب البرهان.
 هذا ودرس الفارابي علم المنطق على يد يوحنا ابن حيلان... وحيث أنه أحد ذهنا وأعذب كلاما فقد تفوق على الجميع في التحقيق، وشرح الغامض.. كما جمع ما يحتاج إليه في كتب صحيحة العبارة لطيفة الإشارة... منبهة إلى ما أغفله الكندي وغيره من صناعة التحليل المنطقي، وأوضح القول فيها عن مواد المنطق الخمس، وبين وجوه الانتفاع بها، وعرف طرق استعمالها وكيف تصرف صورة القياس في كل مادة منها.. فجاءت كتبه غاية في التدقيق..
 ثم له بعد هذا كتاب في إحصاء العلوم والتعريف بإغراضها لم يسبقه إليه أحد، ولا يستغنى طلاب العلوم كلها عن الاهتداء به ...
 وله أيضا كتاب في أغراض فلسفة أفلاطون وأرسطو طاليس يشهد له بالبراعة الفلسفية والإحاطة بفنون الحكمة.. وهو أكبر عون على تعلم طريق النظر وتعرف وجه الطلب – اطلع فيه على أسرار العلوم وثمارها علما علما.. وبين كيف التدرج من بعضها إلى بعض، ثم حلل فلسفة أفلاطون وغرضه منها وسمى تأليفه فيها... ثم اتبع ذلك بفلسفة أرسطو طاليس فقدم له مقدمة جليلة عرف فيها بتدرجه إلى فلسفته.. ثم وصف أغراضه في تآليفه المنطقية والطبيعية كتابا كتابا، حتى انتهى به القول إلى أول العلم الإلهي والاستدلال بالعلم الطبيعي عليه، وهذا الأخير أنفع وأشمل للفلاسفة والباحثين لأنه يوضع المعاني المشتركة لجميع العلوم والمعاني المختصة بكل علم... ولا سبيل إلى فهم معاني فيطاغورياس والمبادئ الأولية الموضوعة لجميع العلوم إلا منه...!
 هذا وقد لف الفارابي في العلم الإلهي والعلم المدني كتابين لا نظير لهما : أحدهما المعروف ب"السياسة المدنية" والآخر يسمى ب "السيرة الفاضلة" عرف فيهما بجمل عظيمة من العلم الإلهي على مذهب أرسطو طاليس في المبادئ  الستة الروحانية وكيف يوخذ عنها الجواهر الجسمانية على ماهي عليه من النظام واتصال الحكمة... وعرف فيهما أيضا بمراتب الإنسان وقواه النفسانية... وفرق بين الوحي والفلسفة... ووصف أصناف المدن الفاضلة وغير الفاضلة.. واحتياج المدينة إلى السيرة الملكية والنواميس النبوية...! وسئل الفارابي : من أعلم أنت؟ أو أرسطو ؟ فقال : لو أدركته لكنت أكبر تلاميذه.. ! ويقول لقد قرأت "السماع" لأرسطو أربعين مرة وأرى أني محتاج إلى معاودته.
 ومن التآليف التي تدل على سعة أطلاع الفارابي الفلسفية والعلمية شرحه لكتاب البرهان لأرسطو، ثم كتاب القياس له أيضا.. فكتاب المختصر الكبير في المنطق... كما شرح كتاب إيساغوجي فكتاب الجدل... ثم شرح كتاب السماع الطبيعي لأرسطو وكذلك شرح كتاب السماء والعالم... وكتاب الآثار العلوية لأرسطو أيضا... شرح مقالة الاسكندر الإفروديسي في النفس... شرح كتاب الفاسفتين لأفلاطون وأرسطو... ثم كتاب الموسيقى الكبير ألفه الوزير الكرخي... وكتاب الرد على جالينوس فيما تأوله من أرسطو على غير معناه وكتاب الرد على ابن الراوندي في أدب الجدل... فكتاب الرد على يحيى النحوي فيما رد به على أرسطو... كتاب الرد على الرازي في العلم الإلهي.. كتاب السياسات المدنية ويعرف بمبادئ الموجودات.. ثم كتاب في علم المنطق جمع فيه أقاويل النبي صلى الله عليه وسلم .. كتاب في الخطابة عشرون مجلدا.. كتاب في قيادة الجيوش.. كتاب في التأثيرات العلوية... وغير ذلك من الكتب العلمية والفلسفية التي لا يتسع المقال فيها لسردها مفصلة في هذا البحث !.
 وأحب في خاتمة هذا البحث العلمي والفلسفي حول الفارابي أن أذكر حادثة عظيمة وقعت لهذا العالم الفيلسوف أوردها ابن خلكان في وفيات الأعيان... ووقعت له مع سيف الدولة وتوضح كل الوضوح ما يتمتع به الفارابي من علم غزير واطلاع كبير : "ورد الفارابي على سيف الدولة وكان  مجلسه مجمع العلماء والفضلاء ... فدخل عليه بزي الأراك، وكان ذلك زيه دائما، ثم بقي واقفا.. فقال له سيف الدولة : اقعد ! فقال : حيث أنا.. أم حيث أنت ؟ - فأجابه : حيث أنت ! فتخطى رقاب الناس حتى انتهى إلى مسند سيف الدولة وزاحمه فيه حتى أخرجه عنه.. وكان على رأس سيف الدولة مماليك وله معهم لسان خاص يسارهم به قل أن يعرفه أحد... ! قال لهم أن هذا الشيخ قد أساء الأدب وأني سأسأله عن أشياء إن لم يوف بها فأخرقوا به فقال له الفارابي بذلك اللسان : أيها الأمير .. اصبر فإن الأمور بعواقبها .. فعجب سيف الدولة منه وقال له : أتحسن هذا اللسان ؟ فقال له : نعم، أحسن أكثر من سبعين لسانا... فعظم عنده ! ثم أخذ يتكلم مع العلماء الحاضرين في المجلس في كل فن ... فلم يزل يعلو عليهم حتى صمت الكل، وبقي يتكلم وحده... ثم أخذوا يكتبون عنه ما يقوله... فصرفهم سيف الدولة وخلابه! فقال له : هل لك في أن تأكل ؟ فقال لا.. فقال : فهل تشرب ؟ فقال لا ... فقال : فهل نسمع ؟ فقال نعم – فأمر سيف الدولة بإحضار القيان... فحضر كل ماهر في صناعة الموسيقى بمختلف الآلات فلم يحرك أحد منهم آلته إلا عابه الفارابي وقال له : أخطأت ... فقال له سيف الدولة : وهل تحسن في هذه الصناعة شيئا ؟ فقال نعم نعم – ثم أخرج خريطة ففتحها وركب عيدانا كانا بداخلها ولعب بها، فضحك كل من كان في المجلس.. ثم فكها وركبها تركيبا آخر ثم ضرب بها فبكى كل من في المجلس ثم فكها وغير تركيبها وضرب بها ضربا آمر فنام كل من في المجلس ... ! ! هكذا كان الفارابي فيلسوفا كاملا وإماما فاضلا وعالما بارعا في العلوم الحكمية والرياضية والطبية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here