islamaumaroc

حكاية من شاطئ الغيب: كأنما يصعد في السماء

  دعوة الحق

146 العدد

 هل للموت طعم ؟
 طعم أو رائحة يجدها الواحد تحت لسانه أو في خياشمه حين يصبح منه قاب قوسين ؟
 يجده الجند تحت ألسنتهم وهم في الخنادق على جبهات القتال ينتظرون الأمر بالهجوم.
 وتعبق به خياشم وأفواه المحكوم عليهم بالإعدام قبيل ساعة التنفيذ، في غبش الفجر، دون أن يكون لهم علم سابق بميعادهم مع الموت..
 القتلة والجلادون، كذلك، يذوقونه على رؤوس ألسنتهم وهم يتربصون لضحاياهم، أو يعدون لهم المذابح..
 كانت تلك الرائحة هي الخيط الوحيد الذي ربط بين عبد الجليل وعالم الوعي.. أفاق في جوف تلك الليلة الميتة بعقل مشلول، وذاكرة فارغة كصفحة بيضاء..
وفتح عينيه في ظلام حالك كثيف تكاد اليد تلمسه.. واستيقظت أحاسيسه على صمت متصلب تكاد تدق عليه المطارق..
وخاف خوفا شديدا..
ليس من الظلام والصمت، بل من نفسه من وجوده.. أو على الأصح من جهله بذلك الوجود ...
كان قد أصيب بحالة "أمنيزيا" فقدان ذاكرة كلي ... لم يعرف من هو، ما هو، ولا أين هو...
كلما كان يحسه في عالم وعيه المادي البسيط المحدود أنه كتلة حية تتنفس داخل فراغ صامت مظلم.. كان عبارة عن عينين تتحركان في محجرين داخل بحر صامت من السواد في مكان ما من نهر الزمن..
ذلك ما أخافه..
وبالفعل كان كتلة ضخمة مكتنزة لحما وشحما كأنها كرة هائلة من الزبد الأبيض لا يصدق من ينظر إليها وهي تتبختر في جلبابها الأبيض الأنيق أنها تنطوي على كل ذلك الشر والإجرام..
تلك الرائحة كانت أول وأصل له بعالم الوعي وذلك الطعم الغريب الذي وجده تحت لسانه رمى به إلى نقطة في سجل حياته العامرة بالرعونة والأنانية والطغيان.
ومر بذاكرته شريط حي أعقبته الأحداث التي أدت إلى أول مرة ذاق فيها ذلك الطعم وهو شاب في عنفوانه، منذ خمس وثلاثين سنة.
رأى نفسه جالسا في مؤخرة سيارته "رولزرويس" ممسكا بيد حبيبته "ماري"، الحسناء الأوربية يخترقان شوارع العاصمة المضاءة، بمناسبة أعياد الميلاد ورأس السنة، وكأنها تاج عملاق مرصع بالماس..
سيارته هي الأخرى كانت حجرا كريما بين سيارات العاصمة.. كانت فضية اللون، حديثة  الصنع لا توجد مثلها إلا عن سفراء بعض الدول الغنية.. لذلك كانت الأعناق تشرئب حولها من فوق الأرصفة لتنظر إلى راكبها المحظوظ..
ومر الشريط..
ورأى نفسه يدخل قاعة الحفلات على سطح فندق "الكلاريدج" تسبقه "ماري" تطوقها العيون والابتسامات.. كانت القاعة تحفة تتألق فيها الأضواء الملونة وباقات الزهور والشموع على الموائد.
وقاده رئيس الندل في حلته الفخمة بين الموائد التي كان يقف بعض أصحابها لتحيته.
كان يومها نجما طالعا من نجوم المجتمع الأوربي لثروته التي كانت تضعه في مصاف أغنى عشرين رجلا هناك..
وجلس الاثنان إلى مائدة تطل على شارع المدينة الرئيسي حيث سيتجمع الناس حين يقترب منتصف الليل للاحتفال بمولد السنة الجديدة..
ونظر إلى "ماري"..
كانت السعادة ترتسم على وجهها الشاب وتشع حواليها.. كانت في التاسعة عشرة من عمرها جميلة كالملاك، أنيقة الحركة واللباس، يلتف جسمها النحيل في فستان طويل من الساتان الفضي اللماع أظهر مفاتنها جميعا.. وقصت شعرها على طريقة راقصات "الشارلستون" بحيث تركت منه خواتم سوداء ناعمة على جبينها الأبيض العاجي وصدغيها..
ومد يديه فوق المائدة فمدت هي الأخرى يديها الرخيصيتين الصغيرتين فاحتوتهما يداه الكبيرتان في لطف كما تمسكان بطائر صغير..
ونظر إلى عينيها الزرقاوين الواسعتين بافتتان فتفادت عينيه محاولة البحث عن موضوع للكلام، قالت :
- سقف الكلاريدج يكاد يهوى !
- ماذا تعنين ؟ . الكلاريدج من أمتي مباني العاصمة وأحدثنها..
- ليس ذلك السقوط الذي أعني يا عزيزتي ! قلت يكاد يهوى تحت ثقل وزن الشخصيات التي تملأ القاعة الآن..
وضحك هو ... قائلا :
- لا يجرؤ على المجيء إلى هنا إلا كل ذي رتبة أو لقب أو جاه...
- قرأت في الجرائد أن الكلاريدج رفض أحد الأثرياء الأمريكان لأنه كان غني حرب لا يتقن البروتوكول ..
ونظرت إليه في حلته الزرقاء الداكنة وعلى صدره قرنفلة بيضاء، وقد فرق شعره في الوسط كما كانت موضة الساعة بين الشباب فابتسمت موافقة راضية..
لم يكن حينئد بالسمنة المفرطة التي أصبح عليها الآن رغم ميله الطبيعي إليها.. ولا يمكن إنكار ما تشع به شخصيته من قوة ومهابة فقد تربى في أحضان السطوة والحكم في مشيخة إحدى القبائل ... ولكن رغم خلفيته البدوية فقد كان ذكيا للغاية يتقن عدة لغات ويحس في أوربا أنه في بلاده أكثر من إحساسه حين يعود إلى المغرب.
كانت أوروبا حينئد راضية عن نفسها ترفل في موجة الترف المفاجئ الذي عمها في سنوات ما بين الحربين العالميتين غير شاعرة بما يكنه لها الزمان من مفاجآت وأحداث..
وكان عبد الجليل زائرا دائما لأوروبا لإحساسه بالانتماء الثقافي والروحي لذلك المجتمع الحي النظيف، الواعي المهذب..
ولم يكن يملك أن يقارن بين البلدين.. ولكن الغضب والإهانة كانتا تسيطران عليه كلما استحضر صور بلده المتخلف ومجتمعه الجاهل.. ولم تطل مدة غضبه وإهانته، فقد حل بعقليته التجارية مشكلته هذه حلا باردا قاسيا... وكلما ازداد ارتباطه بالمجتمع الأوروبي وغرامه ببريق وراحة الحياة فيه، وخصوصا بعد أن لقي "ماري" فملأت منه السمع والبصر والفؤاد، كلما زادت علاقته ميكانيكية ببلاده، حتى أصبحت علاقة منفعة محضة.. ولولا اعتماد وجوده على شكله الحالي في أوروبا، على ما يجمعه من أموال بشتى الطرق في المغرب لقطع به الصلة منذ مدة طويلة..
وفي المغرب، لم يكن أحد من أهله ولا زملائه وخدمه ومواطنيه يعرف هذا الدافع الذي جعل تصرفاته من الشراسة والجشع والأنانية بحيث لم  تبق له صديقا.. كانت قبيلته بالنسبة إليه ضيعة وأبناؤها قطيعا من الخرفان لا مبرر لوجودها إلا صوفها أولبنها أو لحمها.
وكل الحب الذي انتزعه من بني جنسه أغرق فيه "ماري"، النصرانية الرائعة الجمال..
ونزلت أمامها أطباق الأكل، وزجاجة الشامبانيا في إناء فضي... وترددت أمواج الموسيقى اللاتينية التي كانت حديثة الوصول من أمريكا بأنغامها الممزوجة بموسيقى الهنود الحمر تضفي على الجو طعما محببا غريبا..
وبعد الأكل اكتظت القاعة بالراقصين. فقام عبد الجليل ومد يده إلى "ماري" التي أمسكت بها في حبور صبياني لحبها الشديد للرقص..
 ودقت موسيقى الشارلستون الذي كان حديث الظهور في أمريكا الشمالية فانسحب من القاعة عدد كبير من المحافظين ممن لا يحسنون تلك الرقصة الحمقاء.. وبقيت ماري وعبد الجليل مع من بقي بالقاعة يرقصان في تناسق وانسجام عجيبين والموائد حولهما تصفق وتهتف بإعجاب..
 واقترب منتصف الليل.. وأعلن رئيس البروتوكول بحماس أنه لم تبق إلا دقيقة على دخول العام الجديد.. فبدأ الجميع يلبسون طرابيش الورق الملون ويستعدون للحساب الرجعي الذي بدأه الرئيس من سنتين وهو ينظر إلى ساعته في توقع بلغ قمته مع الدقات الأخيرة.. وعند تساوي العقربين صاح :
- عام جديد سعيد ! عام جديد سعيد !
وردد الجميع الهتاف ...
ودخلت "ماري" بعبد الجليل قلب الزحام فتعلقت به وطبعت على شفتيه قبلة طويلة.. وضمها هو إليه حتى ظن أنه كسر عودها الناعم الرهيف وهمس في أذنها :
- أحبك ..
وحركت هي الأخرى شفتيها. ولكن هتاف الراقصين وضجيجهم أغرق الكلمات الرقيقة قبل أن تصل إلى سمعه .. وانطلقت الموسيقى بنشيد الوداع : "نادى الرحيل بالفراق..." فأمسك جميع من في القاعة بعضهم أيدي بعض ووقفوا حلقة متماسكة ينشدون النشيد المؤثر، وقد تأثر النساء وابتلت عيونهن ..
وحين انتهى النشيد العالمي انتقل الجوق إلى موسيقى مرحة خفيفة ليطرد أشباح التأثر من الوجوه ويجفف الدموع من العيون..
ورقص عبد الجليل وماري تلك الليلة حتى الفجر.. رأى تباشيره من الحائط الزجاجي الذي كان يحيط بقاعة المطعم من كل الجهات بحيث تقع تحته المدينة بأبعادها الأربعة..
ورغم أنه كان واقعا تحت مفعول الشامبانيا وسحر الموسيقى وعطر الناس وزينة المكان فقد كان قلبه يخفق كلما تذكر شيئا لم يجرؤ على الإقدام عليه.. وكان التردد يضايقه ويعكر عليه صفو نفسه في تلك اللحظات السعيدة، فقد كان كل شيء في حياته مكتملا، إلا شيئا واحدا لو فشل في الحصول عليه فالأحسن أن تنشق من تحته الأرض وتبتلعه..
ذلك هو يد "ماري"..
حبه لها كان قد شفف قلبه.. وركز العالم كله حولها..
وكلما تشجع لسؤالها ارتفعت مع دقات قلبه أصوات الشك والتردد.. أنت... لست من جنسها ولا دينها، ولا وطنها.. ماذا لو رفضتك ؟ ماذا لو ضحكت في وجهك ؟ ماذا لو غضبت وخرجت ؟
حبه لها كان من الحرارة بحيث كان جوابها له يعني الموت أو الحياة حرفيا ودون مبالغة..
وانتظر الفرصة.. وغادرا الفندق إلى الحديقة المركزية حيث تركا السيارة وركبا عربة يجرها حصان.. وهام بهما السائق الصامت في طرقات الحديقة المنعرجة وعلى ضفاف البحيرات الهادئة وتحت الدوح الوارف تتدلى خصلات ناعمة منه فوقهما وهي تتوسد ذراعه في صمت وادع وهو يلتذ بدفئها إلى جانبه..
وبدأت خيوط الصباح الأولى تلوح في أفق الشرق فرفعت "ماري" وجهها وهي ما تزال ممسكة بذراعه القوية وهمست وكأنها تخاطب نفسها :
- ما أسعد هذه اللحظة وأهنأها.. في الواقع، ماأسعد هذه الليلة كلها من بدايتها حتى الآن..

واكتفى هو بنظرة إلى وجهها وابتسامة. وأضافت :
- يا ترى هل يمكن إيقاف هذه اللحظات واستبقاؤها إلى الأبد ؟
واغتنم هو الفرصة ليقول :
- بالنسبة إلي ذلك ممكن جدا..
- كيف ؟ هل لك عصا سحري من بلادك تستطيع به إيقاف الزمن ؟
- لا أبدا .. بالنسبة إلي بقاء لحظة السعادة هذه تتوقف على جوابك على سؤالي بنعم..
وشعرت هي بجدية الموضوع لإحساسها بتصلب عضلاته، وتوتر أعصابه.. قالت :
- أي سؤال ؟
- ولكن أرجوك، إذا كان جوابك "لا" ألا تقوليه الآن .. لا أريد أن تأتي نهاية حياتي هذه الليلة..
- نهاية حياتك ماذا تعني ؟ ما هو السؤال إذن ؟
- هل – هل تتزوجينني ؟
- هل حقيقة يعني جوابي على سؤالك هذا كل ذلك ؟
- أرجوك، لا تلعبي بعواطفي .. إنك تعنين كل شيء بالنسبة إلي !
- إذا كان الأمر كذلك.. فنعم ونعم.. وألف نعم .. نعم أريد أن أتزوجك.. وقبل أن يحتضنها ليضمها إليه في انفجارة عاطفية أبعدته عنها بيديها بلطف قائلة :
- ولكن ..
- فهبط قلبه، وسأل بلهفة :
- ولكن ماذا ؟
- بشرط ..
- اشترطي ما شئت، فأنا كلي لك..
- ذلك بالضبط ما كنت سأشترط..
- وهل تشكين في ذلك ؟
- ليس لي شك.. بل أنا على يقين بأنك لست كلك لي..
- ماذا تعنين ؟
فنظرت في عينيه بشقاوة صبيانية وقالت :
- بالضبط ما سمعت..
فأمسك بيديها وقال متوسلا :
- أرجوك .. أرجوك أن تكفي عن المزاح وتصارحيني بما عندك..
فظهر على وجهها الجد وهي تسحب يديها الرقيقتين من بين يديه وتقول :
- مادمت تطلب مني الصراحة فذلك ما سأعطيك ووضعت يديها في حجرها وواجهته ثم قالت :
- قيل لي أنك متزوج..
وظهر الاستغراب والانفعال على وجهه وهو يحاول أن ينكر بقوة، فوضعت أصبعا ناعما على فمه واستأنفت كلامها :
- أرجوك لا تنكر، فأنا أعرف الحقائق من مصادر موثوق بها للغاية.. أنت متزوج – ولتعرف مقدار دقة المعلومات التي عندي – بامرأة .. سوداء.. ولك معها طفل..
وهنا فهم ما تعني.. كان سينكر في البداية مخلصا صادقا. لأنه ان يعد علاقته "بريحانة" الأمة السوداء التي تربت في بيت أبيه، شيئا لا يمكن أن يوصف بأنه زواج.. الزواج يكون بين الأكفاء.. الأكفاء في المقام الاجتماعي والثروة واللون وحتى الجنسية.
 وحاول أن يشرح ...
 وفجأة وجد نفسه أما جبل هائل من التقاليد المعقدة التي يطول شرحها.. وكاد يلمس الجدار الثقافي الهائل الذي وقف بينهما بطرح هذه المشكلة.. وأثقل كاهله الفرق الذي أحس به فجأة بين بلاده وأوروبا..
 وتنهد وهو يبحث عن إجابة مقنعة :
 - طيب.. لن أنكر.. لي ولد.. ولكني لست متزوجا.. أرجوك.. لا تقاطعيني.. سوف تفهمين كل شيء حين تذهبين معي إلى بلادي.. من الصعب شرح تقاليدنا لك هنا.. وتأكدي أنك ستجدين كل شيء على ما يرام..
 فنظرت هي إليه وفي عينيها الكبيرتين قوة وإصرار، وقالت :
- عرفت الآن أنني لست فقط أحد الوجوه الجميلة.. وأن داخل هذا الرأس عقل يفكر.. أنا لن أترك بلادي لأصبح جارية من الجواري في قصر من قصور الشرق.. نحن الأوروبيات لا نقتسم الأزواج.
فأمسك بكتفيها وقاطعها بنظرة ثاقبة في عينيها :
- ماري.. أنت تعرفين كم أحبك – أحبك أكثر من أي شيء في هذا الوجود.. فكيف يعقل أن أشرك معك امرأة أخرى ؟
 وقربها منه فطبع قبلة على جبينها وهي مسبلة العينين تنظر إلى أظافرها..
- ماري.. قولي شيئا.. فيم تفكرين ؟
فرفعت رأسها مثقلة الأجفان وقد زالت عن وجهها نشوة الاحتفال واكتسبت ملامحها سيمة الجد :
 - عيد الجليل.. أفكر الآن، ما عسى أن يكون رد فعل عائلتي وأصدقائي وحتى صحافة بلادي لو قبلت الزواج من رجل له ابن ملون.. ابن من امرأة سوداء..
فاندهش عبد الجليل واندفع يقول :
  - عزيزتي ماري.. وما في ذلك من عيب.. إلى جانب أن ذلك حدث قبل أن نلتقي بسنوات طويلة.. كان نزوة شاب طائش لا خبرة له بعواقب الأمور..
هذا ليس هو الموضوع.. هل تتتبع ما تنشره الجرائد هذه الأيام عن تصريحات العلماء الألمان حول الفروق السلالية بين الأجناس ؟
- لا.. ولكنني سمعت بعض المناقشات حول ذلك ويظهر أن علماء السلالات أنفسهم لا يتفقون عليه.. ما دخل ذلك في حياتها نحن ؟
  - يقولون أن الجنس الأسود أقرب إلى الحيوان في سلم التطور منه إلى الإنسان..
  - لا أريد أن أدخل معك في أية مناقشة من هذا النوع، فالموضوع كله لا يهمني.. ثم إننا أنا وأنت أبيضان.. وفي بلادي لا نميز بين الألوان..
  وانتهى النقاش على أن يحل هو مشاكله المعلقة في بلاده قبل أن يتم الزواج..
  ومر الشريط أمام عينيه بسرعة.. أمام عيني الكتلة الصامتة في حلكة الظلام كالجنين في رحم أمه..
  وعاد إلى المغرب يجتر ما قالته له ماري ويزداد اقتناعا به.. وخصوصا وأنه يزيده امتيازا جديدا لم يكن يعرفه من قبل، هو بياض جلده..
  وصحبة طيف ماري مثل كوكب من نور طوال رحلته.. وكلما ابتعد عنها في قطار الجنوب زادت في عينيه رهافة وفي خياله تألقا..
  ومن بين مستقبليه العديدين كانت ريحانة.. ولأول مرة يراها، كما هي، امرأة سوداء.. لا كما كان ينظر إليها حين اختلى بها في غرفته بسطح بيته الكبير : فتاة جميلة مسكية اللون والرائحة، شديدة الجاذبية والأنوثة..
  وكرهها.. تفجرت الكراهية في قلبه كنبع مفاجئ.. ولم يضع يده في يدها حين حاولت السلام عليه فاكتفت بتقبيل كمه..
  ولم يلمس طفله منها حين جاءت به إليه وعيناه تبرقان في براءة وسذاجة..
  وكره نفسه واحتقرها لطمعها في مخلوقة قريبة في "سلم التطور" من القردة...
  وبكت هي أمامه تلك الليلة.. وطلبت حقها في معرفة سبب تغير قلبه وتحول عواطفه عنها، فطردها من محضره وأنذرها بالعقوبة إن هي عادت إلى مضايقته..
  وفي تلك الليلة أعلن، في حفل كبير من أصدقائه وأقربائه عن عزمه بالزواج من "ماري" .. وأطال في الإشادة بها وبثقافتها وعلو شأن أسرتها حتى اقتنع الجميع بأنها العروس المثلى – إلا ريحانة.
  صعقت للنبأ، رغم معرفتها بأن سيدها كان سيتزوج حرة في يوم ما.. وما كان ليخطر على بالها أن تكون هذه الحرة نصرانية من بلد آخر.. فقد كانت مستعدة للتعامل مع زوجته الحرة لو كانت مغربية.. ولكن كيف ستتفاهم مع هذه.. 
  وبالغريزة أدركت أن النصرانية هي التي غيرت قلبه عليها..
  وتحول حزنها إلى غضب جارف فقدت معه السيطرة على تصرفاتها ولسانها فصاحت شاتمة لاعنة حتى وصل صراخها محفل سيدها.. ودون أن تزول عن وجهه ابتسامة السرور بضيوفه أعطى أوامره لخادمه الشاب أن يسجنها في الحمام ويحميه.. سخونة الحمام له مفعول سحري في تهدئة الثائرة..
  وأعلى تعليماته للخادم :
- لا تطلق سراحها حتى تستأذنني..
وبقيت هناك والدار تهتز بأنغام الموسيقى وألحان المطربين..
وفي غفلة من الحاضرين تسلل إلى الدهليز حيث يوجد فرن الحمام فملأه بأثقل قطع الحطب المتراكمة حوله وأغلق بابه الحديدية وعاد إلى مكانه في صدر الصالة الكبيرة..
وأحست "ريحانة" بالحمام يزيد حرارة فلجأت إلى البارد وقد خلعت جميع ثيابها لابتلالها بالعرق، ولكن لهيب الحرارة بدأ يتسرب نحوها بسرعة مخيفة حتى وجدت نفسها تكاد تختنق..
وأخذت تصيح.. وبدأت تدق الباب بقبضتها مستغيثة وقد تحول غضبها وحزنها إلى رعب شديد..
وأغرقت الموسيقى استغاثاتها الخافتة التي لا تكاد تسمع من قلب الدهليز..
وبدأت تنظر حولها في الظلام فترى أشباح غيلان وعفاريت تفتح أفواها كبيرة حمراء لتنفخ عليها ألسنة اللهب، وتقهقه في وجهها قهقهات شيطانية ماردة تتردد أصداؤها داخل جمجمتها كحلم مخيف..
وسقطت في النهاية مغمى عليها، وقد انفجرت شرايين مخها وقلبها لسرعة جريان الدم وتضخم حجمه..
وفي الصباح وجدوها جثة هامدة على عتبة الحمام الداخلية وعيناها مفتوحتان والدم يقطر منهما..
وسار في جنازتها وفد صغير من الخدم والأعوان لدفنها في المقبرة العامة..
وانطوت صفحة سوداء في حياة عبد الجليل كان شبحها يهدد سعادته ومستقبل حياته مع ماري.. ولم يشعر بوخزة واحدة من ضميره.. كان صوت ماري الناعم، وهي تقرأ عليه ما يقوله علماء السلالات، مبررا علميا وافق هواه، لما صنع..
إذا كان الناس يضحون بالأبقار والكباش لقتل الجوع، فلماذا لا يضحي هو بأمة سوداء من أجل سعادته ومن أجل إشباع جوع روحه وبدنه إلى "ماري" ؟
والمجرم دائما يعود إلى مكان جريمته..
كذلك أحس عبد الجليل بدافع قوي خفي إلى دخول الحمام الذي قتلت فيه ريحانة.. كان يتردد بين الخدم أنه أصبح مسكونا منذ موت الجارية ريحانة.. ودخله هو ليزيل الأسطورة من رؤوس الجميع حتى لا يهجرونه..
وانقفل خلفه الباب آليا فقفز لعدم توقعه لذلك.. ودخل قاعة البرمة الساخنة وطاف بين الغرف الصغيرة يطل في كل واحدة.. وفي النهاية أطل داخل البرمة فإذا بوجه غير وجهه ينعكس في مائها الهادي، وبصوت خافت بعيد يستغيث.
وأنصت هو دون خوف لظنه أنه يأتي من خارج الحمام.. ولم يقشعر بدنه ويقف شعره إلا حين أدرك معنى ما يقوله المستغيث : كان صوت امرأة بقول :
- بالله لا تدفنوني.. أنا مازلت حية.. أجلي لم يصل بعد..
وحينئذ أصابه الذعر، ولاذ بالفرار.. وأمر بإغلاق ذلك الحمام..
ومر الشريط سريعا..
وتحولت "ماري" بعد سنوات من الأنانية والعراك معه إلى عجوز شمطاء ذهب عنها كل رونق الصبا وجماله، ولم يبق فيها إلا تعصبها لكل ما هو أوروبي، واحتقارها لكل ما ينتسب إليه زوجها..
وبدأ طيف ريحانة يزوره من حين إلى حين..
فوجئ به وكان قد نسيه.. أبعده إلى أعماق عقله الباطن وغطى عليه بكل شيء حتى لا يطفو على السطح..
ولكن مع تقدمه في السن بدأ ذلك الطيف يزوره بغير مناسبة.. وتكررت الزيارات، وقصرت المدة بينهما، وطالت فترات وقوف الطيف أمامه والدم يتقاطر خاترا من عينيه.
اللعنة على تينك العينين.. إنهما ما تزالان حيتين، بل وتزدادان حياة كلما تجددت الزيارة..
ولم يكن طيف ريحانة من قبل بالوضوح والقرب الذي ظهر به هذه الليلة لعبد الجليل وهو في حالة فقدان ذاكرته.. كان من النصوع والواقعية بحيث كان ظهوره صدمة كافية لإيقاظه وإرجاع ذاكرته إليه..
وانتفض انتفاضة هائلة عند دخوله منطقة الوعي الباردة وصرخ محاولا الخروج من الصمت والظلام.
وملأ النور الغرفة فجأة – كان صراخه قد أيقظ "ماري" النائمة إلى جواره فأشعلت الضوء ووضعت يدها عليه لتهدئه :
- عبده، عبده.. أفق.. أفق..
وفتح عينيه الواسعتين في وجه سمين مستدير غارق في العرق، وتلاحقت أنفاسه وهو يجول بعينيه في الغرفة محاولا أن يتذكر أين هو ليؤكد هويته من صلته بالمكان.
وعادت ذاكرته أمواجا إليه.. وخرج من عدمية النسيان وفراغه المظلم الصامت، وبدأ يحس بوجود بقية أعضاء جسده الذي كان قبل قليل كثلة جامدة ضائعة في أزل الفضاء..
ووقعت عيناه على زوجته ففوجئ بأنها عجوز شمطاء تناثر شعرها وأزال الليل عن وجهها أقنعة المساحيق والأصباغ التي تستغيث بها كل صباح لطمس معالم الزمن.. وتساءل دون كلمات : هل من أجل هذه قتل ونهب وأيتم وفضح الأعراض واغتصب حقوق المساكين وسلط على رقابهم سيوفه ؟
كانت هي تمشط شعرها بسرعة وتتكلم.. لم يكن يسمع ما تقول.. وفي النهاية جاءته برداء قطني ثقيل وساعدته على القيام من فراشه فألبسته إياه ودفعته نحو الحمام وهي ما تزال تتكلم.. ومشى هو أمامها فاقد الإرادة..
وأطلقت الماء فملأت الحوض المرمري وصبت فيه بعض الزيوت المعطرة وغبرة الصابون، ثم خلعت عنه ملابسه قطعة قطعة وساعدته على دخول الحوض والتمدد فيه والاسترخاء..
ورن التلفون فخرجت وهي مازالت تثرثر.. وغرق هو في الحوض المرمري المربع يستمريء الخلوة والدفء والهدوء الذي كان بجسم وقع كل قطرة ماء تسقط.. وفي كل لحظة كان يعيد التوازن إلى جسده الإسفنجي الذي كان يملأ حيزا كبيرا داخل الحوض ويطفو على سطح الماء من حين لآخر..
وأغمض عينيه في شبه إغفاءة لذيذة فأحس بيد تلمس كتفه برفق وتبدأ في تدليكها فانتبه وفتح عينيه :
- ماري – لم أشعر بدخولك الحمام – لا بد أنني أغفيت..
وأجابه صوت غير صوت ماري وبلغة غير لغتها فيه رقة وأنوثة مألوفتان لديه :
- أنا لست ماري، يا سيدي..
وأحس بقشعريرة في جلده، ورجفة في قلبه، وبرودة مفاجئة تتحول إلى حرارة.
- من أنت ؟ ومن أي جئت ؟
قالها وهو يحاول الالتفات فلا يستطيع لالتصاق رأسه مباشرة بجسده كأنما ليس له عنق.. وأجابت هي بصوت بارد :
- ريحانة، ريحانة يا سيدي.. زوجتك الأولى.. ألا تذكرني..
واشرأب بعنقه محاولا أن يصرخ ويستغيث فأرجعته إلى الماء يدان سوداوان قويتان رآهما تستقران على كتفيه. وسمعها تقول :
- إلى أين يا سيدي ؟ لم تأخذ حمامك بعد. أنت في أشد الحاجة إليه.. ومن واجبي كزوجتك أن أساعدك عليه..
وفتح فمه، الذي كان يبدو رغم كبره صغيرا في وجهه الكبير، وجحظت عيناه وهو يحاول الصراخ باسم ماري فلا يخرج من فمه إلى صوت مبحوح ناشف.. وأحس بالحرارة داخل الحمام تزيد
بسرعة لا تحتمل، وبدأ قلبه الضعيف يدق حتى يكاد يرى دقاته فوق صدره..
 وسمعها تتكلم بنفس البرود :
للأسف ليس من واجب الرجال مساعدة زوجاتهم على الاستحمام.. وإلا كنت أنت دخلت لحك ظهري في آخر استحمام لي وأنا على قيد الحياة.. للأسف ما أعتقد أنك كنت تستطيع احتمال ذلك الحمام.. أتذكر ؟ لكنت فتحت الباب وخرجنا معا من ذلك السعير.. ولكنت أنا تمتعت بولدي.. ولدي "الصادق" الذي كان رغم سمرته القوية، ابنك، وبه شبه كبير منك.
وانتبه هو إلى المرآة التي كانت تغطي حائط الحمام كله أمامه، وقد زال عنها الصقيق وصفت، فرأى ريحانة عارية تقف وراءه كما كانت يوم فتح الحمام عليها ليجدها ميتة.. عيناها جاحظتان وقطرات الدم تترقرق منهما ثقيلة على خديها..
ونظر إلى وجهه هو فأفزعه ما رأى..
كان الدم يتقاطر من عينيه وأنفه وأذنيه كأنما حدث انفجار هائل داخل رأسه..
ودار به المكان.. ودقت داخل رأسه صنوج نحاسية هائلة.. ووقف ليجد نفسه داخل حمامه القديم بالمغرب وقد التهبت الأرض حتى أصبحت جمرة واحدة تحته.. ولاحت له ريحانة واقفة على الباب هادئة فهرول نحوها كالذبابة الثقيلة وأخذ يصرخ مستغيثة :
- ريحانة.. ريحانة.. افتحي لي الباب.. أرجوك.. أرجوك بحق "الصادق" ولدنا..
ونظرت هي إليه ببرود غريب وقالت :
- لا تقلق.. سوف تعتاد.. أنا الأخرى اعتدت قبلك.. لم أعد أجد الجو هنا كما تجده الآن.. وللأسف، سنفترق الآن.. ستذهب أنت إلى حيث لا يمكن أن تعتاد..
وارتمى عليها محاولا التعلق بها، فأمسك بيديه الفراغ..
 وضاق قلبه.. وأظلمت الدنيا في عينيه.. وأحس بقلبه يركل ركلته الأخيرة وكأن يدا قوية قبضت عليه لتمنعه من النبض..
 وتوقفت رئتاه عن الحركة بزفير عال سقط معه إلى الوراء جثة هامدة تنظر إلى المرآة..
 ودخلت "ماري" فنظرت إليه وصرخت ثم ولت على أعقابها هاربة.. كان طافيا على سطح الماء كحوت ضخم رماه البحر..
 وارتمت على التلفون بيدين مرتعشتين..
 ولو وقفت وأصغت لسمعت صوتا صادرا عن شفتيه وهما لا يتحركان ينادي :
- ماري.. بالله لا تدفينني.. أنا لم أمت.. اجلسي لم يصل بعد.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here