islamaumaroc

التجاوب المغربي التونسي

  محمد الشادلي

19 العدد

تجمع تونس والمغرب روابط منذ العصور القديمة، وهذه الروابط تنمو في أزمان، وتذوي في زمن ما، ولكن وراء هذه الروابط صلة لا تعرف الذبول، ولا ينتابها الضوى.
وهذه الصلة هي الصلة الروحية التي تربط بين المتساكنين في المغرب وتونس، وهي صلة لا تقتصر على فئة واحدة، لأن التأثير الروحي ذو فاعلية محدودة في آفاقها، ولا في مداها.
وبسبب التأثير الروحي تعددت أنواع التشابه فيما بينهما، حتى كان الامتزاج بين الداخلين إلى تونس من المغرب أو العكس، وبين من يساكنونهم، امتزاجا لا يستدعي هضم شخصية، ولا إماتة شعور خاص.
وإنما قصاراه عملية بسيطة، وهي مجرد الاجتماع والتساكن، وإذا ما تمت هذه العملية البسيطة لم يكن هناك شعور ولا إحساسا بالتغير.
ويعزو الكثير سرعة هذا التجاوب على وحدة الجنس وإلى وحدة اللغة أو غيرهما، ولاشك في نفوذ تلك الوحدات إلى الأعماق في التأثير، والتغلغل في التكييف.
ومعهما سلك ممتد يربط بين هؤلاء وهؤلاء، فكل تأثير يجري في أية ناحية من المغرب، أو تونس أو الجزائر، يجري مثله فيما يجاوره، ويكون له صدى وانطباع فيه.
فحركة الفتح الإسلامي النبراس الذي أضاء الأراضي الإفريقية لم تلبث الا يسيرا حتى سرا إشعاعها في أقصى نقطة في المغرب الأقصى بسرعة تفوق سرعة الصوت.
وجاءت بعد حركة الفتح الحركة الفاطمية، وهي ليس كما يظن حركة مبعثها منحصر محدود في أجواء سياسية، بل هي أوسع مما يظن، وكانت في سرعة انتشارها في المغرب الكبير بالغة الحد الأقصى.
وهو ما نراه في الكثير من أمورنا في المغرب أو تونس ونلمسه فيما قل وكثر، مما لا يدع في نفوسنا أدنى ريبة من ان التأثير الفاطمي تجاوز بكثير المناطق المظنونة.
فالأحداث التي تقع بالجانب الشرقي من المغرب سريعة الانتشار في سيرها وعمومها المغرب كله، إذ تنتقل من افريقية إلى الجزائر فالى المغرب الأقصى،و السبب في سرعة هذا الانتشار هو ذلك السلك وتلك الصلة التي تسري سريان القوة الكهربائية في أسلاكها.
فلا يكاد يحدث ما له تأثير من انبعاث حركة جديدة إلا انتقل في أقطار المغرب العربي الكبير، وتجاوبت أصداؤه في أرجائه بدون استثناء، فكان هناك عقلا واحدا، وكأن هناك روحا واحدا.
وإذا لم يبلغ هذا التجاوب في حدوثه المدى البعيد، تجد الجانب المقابل يسعى من نفسه تلقائيا طالبا لتحقيق هذا التجاوب.
والتاريخ مفعم بشدة هذا التجاوب والتعلق به من الجانبين ملتمسا في سبيله كل الذرائع، ومستسهلا من أجله كل المصاعب.
ومن أمثلته أن الأندلس في القرن الخامس أشرفت على السقوط جمعاء، ووراء ذلك السقوط سريان مثله إلى المغرب.
ولكن قبل أن تهوى الأندلس، وتستحوذ عليها أيد أخرى، طما سيل من المغرب الأقصى وقف في وجه سيل آخر، ورده على أعقابه في وقعة الزلاقة سنة 479، التي كانت موقعة فاصلة في التقاء بين أمتين في عراك مستمر منذ عصور وعصور، وفي حرب سجال بينهما منذ أحقاب وأحقاب.
وكان السبب في سيح هذا السيل الذي أنقذ الأندلس، تحريكة من القيروان من رجل أصله من فاس من بيت معروف ببيت بني الحاج، وهو أبو عمران موسى بن عيسى الفاسي القيرواني، الذي طوف في الآفاق، وجمع في رحلاته بين المشرق والمغرب، واختار بعد ذلك القيروان دارا لأنها لم تبعد عن دراه الأصلية وهي فاس، واختارها على بلدان كثيرة تلقى فيها العلم وهي قرطبة وبغداد، وهما هما ، والقاهرة وهي هي، وإنما آثر القيروان لأنها أخت فاس في جوها وأهلها، علاوة على أنها قد توسطت بين المشرق والمغرب.
اختار القيروان وبث فيها علومه الواسعة التي طوت المسافات الشاسعة، وقادت اليه من الصحراء يحيى بن إبراهيم اللمتوني الذي أعجب بعلمه، وسحر ببيانه، وتأثر بأفكاره، فسأله أن يكون هذا التجاوب الذي حصل بينهما متجاوزا لهذه المنطقة إلى ما هو أوسع فاستجاب للرغبة، وكتب إلى احد تلاميذه وهو عبد الله بن ياسين الجزولي.
فبادر هذا التلميذ البار إلى استجابة طلبة شيخه مبلغا أصداءه التي تجاوبت مع نفسه حين كان يتلقى عليه علومه بالقيروان، وحاملا لها إلى الصحراء فأنتجت تلك الأصداء ذلك السيل الذي وقف في وجه ذلك الزحف الاسباني الذي يقوده الفونسو السادس، فطما عليه سيلا مرابطيا، وهذا الطمو لولا التشبث بالملك الهزيل الأجوف، لعم وطم، وإنما الأثرة والحسد قد كان لهما التأثير السيء في إيقاف هذه الجحافل عم غرضها في الامتداد، ونشر دعوة الحق.
سيـل طمـا لو لم يـلده ذائــد
ويقابل هذا التجاوب الذي أنقذ الأندلس من محق محقق، والذي مصدره القيروان، تجاوب آخر أجلى مما تقدم، وكان هذا التجاوب على يد عبد المومن بن علي، الذي شكله في تأثيرات متعددة من سياسية وعقلية تمتينا لتك الصلة الروحية.
ان الإصلاح الذي صدع به عبد المومن متلقيا له من أستاذه محمد بن تومرت، سرعان ما انتقل إلى افريقية، باستدعاء من الحسن بن علي الصنهاجي، الذي كان في مراكش أواسط القرن السادس ليقوم بقسط في هذا التجاوب، فاغري عبد المومن على غزو المهدية، وانقادها من يد المتغلبين عليها، ولم يتوان في إنقاذ المهدية، وسار إليها إلى أن أعاد إليها الإسلام يوم عاشوراء من سنة 555.
وبعد هذا الإنقاذ أصبح التجاوب بين افريقية والمغرب اشد ما يكون، فانتشرت الدعوة الموحدية في افريقية ودامت إلى استلام الأتراك تونس من يد الأسبان سنة 981.
ورغم انقراض دعوة الموحدين من مراكش بقيت في افريقية على يد الحفصيين، فالتجاوب الموحدي في تونس بقي بها أكثر من أربعة قرون.
ولهذا نرى كثيرا من الآثار  الموحدية باقيا إلى اليوم، في اللغة الشائعة، وفي بعض التراتيب الحكومية رغم أن تونس مكثت مدة ليست بالقصيرة في الحكم التركي.
وسبب هذا هو أن عبد المومن حين دخل افريقية لم يدخلها دخول الفاتحين، وانما دخلها دخول المنقذين وهو ما أطلق السنة بعض شعرائها أن يقول:
مـا هز عطفيــه بين البيض والاســل
                        مثـل الخليفــة عبد المومــن بن علــي
ولو أردنا أن نسترسل في التماس مواقع هذا التجاوب لوجدناه متصلا في العصور كلها، وانما هو في اختلاف باختلاف العصور، ففي عصور النهضة ساير الاتصال التقدم الفكري والعلمي، وفي عصور الانحطاط كان صدى لذلك وصورة  له، كما هو موجود في تلك العصور التي أصيبت فيها العوالم الشرقية بعقم بسبب الانكماش، والتعلق بسفساف الأمور، وذلك حال العالم الإسلامي اجمع في تلك الأيام الحالكة.

ولما انبثق فجر النهضة الحديثة، ونال القطران استقلالهما في وقت واحد، بدأ التجاوب بينهما يبرز في أشكاله المتنوعة من سياسية، واقتصادية وثقافية.
ويزداد هذا التجاوب كلما مرت الأيام وثوقا وامتدادا، فتتلاقح الأفكار والمبادئ بينهما تلاقحا سيعجل منهما ومن الجزائر- رغم الحوادث الدامية، والحرب الضروس- المغرب العربي الكبير الملتحم بأفكاره، ومبادئه، وحاجياته، مما يعز أن تجد له نظائر إلا في شعوب توفرت فيها أسباب كهذه الاسباب، واخصها التجاوب التاريخي الذي لم ينقطع سلكه طوال قرون.
فوحدتنا في المغرب العربي الكبير، وحدة عمل التاريخ لها مثل ما علمنا لها، فبالتقاء العملين سيكون نسجها نسج داود.
ويوم تبرز في زينتها ستحقق ما كان يدور في الخيال، وما تعاصى على الاجيال.
 

 

 

 

 

 

 
 

 

 
 

 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here