islamaumaroc

إعجاز القرآن

  محمد السايح

19 العدد

إعجازه بأسلوبه:
القرآن اختص بأسلوب غريب، ونظم مدهش عجيب، انفرد فيه بمقام لا تبلغه القوى البشرية، وبمستوى لا يظهر عليه بمعارج، بل تحار فيه الألباب وتتقطع دونه الأسباب، مما يقضي بأنه ليس بوضع بشري، وانما هو أثر من الآثار الإلاهية، يشاركها في العجز عنه، وإن كانت مادته الحروف كالخلق العجيب الذي مادته التراب. ولهذه النكتة الدقيقة والجوهرة العميقة، صدرت تسع وعشرون سورة منه، عدد حروف المعجم، بشطر الحروف الهجائية حروفا مقطعة، كأنه للتنبيه على المادة التي وقع منها الصوغ، كتنبيه المخلوق العاجز على التراب الذي منه مادة الخلق تبكيتا وتعجيزا: وكأنه بتعديد تلك الحروف الموزعة على أوائل تلك السور يقول للبلغاء المصاقع والخطباء الله: إن القرآن الذي تحداكم به عبدنا مركب من حروف لغتكم ومن مواد تجري بين أنفاسكم وتدور في تحاوركم فما بالكم عجزتم عن الإتيان بسورة مثله أو من مثله ؟
هذا وأن هذا الإعجاز إنما يدركه بالتحقق، العربي الصميم، أو من مهر في أسرار اللسان ورمد عليه لسانه، وبعبارة، أن هذا الإعجاز إنما يلج في قرارة ذي اللسان أو المضطلع بأسراره، كما لا يدرك أسرار الصناعات الدقيقة كالوشي والتطريز، إلا الفنان ذو البصارة والحذق فيها.
وإني لمقف على آثار الكلام ببعض الشرح والبيان لأنارة سبيل الاهتداء في الجملة إلى ذلك الأسلوب الذي وصفنا.
أن أسلوب القرآن ليس جاريا على الفنين الذين يصاغ فيهما اللسان العربي، وهما: الشعر والنثر، كما أنه وإن كان في عديد النثر لم يجر على طرائق النثر وأنواعه، وذلك أن النثر إما أن يرسله المتكلم إرسالا ويطلق فقراته إطلاقا، واما أن يراعي تقسيم أجزائه وتواطؤ جمله على حرف واحد تقفى عليه فواصله، وهو المعبر عنه بالسجع. وأن أسلوب القرآن فوق ذلك وبمكان فضل عليه. وإذن فما أسلوبه ؟
أسلوبه كما قال الله تعالى:( الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني) وكما قال سبحانه: (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) فهو تفصيل آيات ينتهي إلى مقاطع يشهد الذوق بانتهاء الكلام عندها، ثم تثني وتعاد مراعى فيها ما روعي في الأولى، ثم الثانية كذلك على غرارها وهكذا دواليك، وبالمثال يتضح المقال؛ اقرأ:( الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين)فإن الذوق يشهد بانتهاء المعنى عند كل فاصلة من فواصل هذه الآيات، وهكذا كان يراها ويدركها من أنزلت عليه(ص).
أخرج الترمذي عن أم سلمة( رض): كان النبي(ص) يقطع قراءته يقول: الحمد لله رب العالمين، ثم يقف ثم يقول: الرحمن الرحيم، ثم يقف ، وكان يقرأ ملك يوم الدين، أي بحذف الألف وهي قراءة الجمهور وقرأ عاصم وعلي بالألف.
ومن حديث أبي هريرة في الموطأ: يقول العبد الحمد لله رب العالمين. يقول الله تعالى: حمدني عبدي، يقول العبد: الرحمن الرحيم: يقول الله تعالى: أثنى علي عبدي، يقول العبد: ملك يوم الدين يقول الله تبارك وتعالى: مجدني عبدي، يقول العبد: إياك نعبد وإياك نستعين، فهذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سال ، يقول العبد :اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فهؤلاء لعبدي ، ولعبدي ما سأل.
والمثاني جمع مثنى بمعنى مردد ومكرر، وهو على خلاف القياس، وقياسه مثنيات، وقد أفادت هذه الآية إطلاق اسم المثاني على ءايات القرآن كلها، وخصت الفاتحة باسم السبع المثاني، لجمعها لمقاصد القرآن، كما سيمت أم القرآن لذلك؛  وتسميتها بالسبع المثاني هو في حديث أبي ابن كعب وأبي سعيد بن المعلى: هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت.
قلنا أن القرآن تفصيل آيات ثم تثنيتها من غير التزام تواطئ فواصلها على حرف واحد يجذبها إلى طريق السجع، ولكن تلك الفواصل قد تتواطأ على حرف واحد وقد لا، وتعلمون ذلك من الكلام على تنويع الأسلوب.

أسلوب القرآن يتنوع إلى نوعين: الأول التنويع اللفظي، والثاني التنويع البياني.
التنويع اللفظي: هو ما كان في الفواصل وهي أواخر الآي، وقد يكون باتفاق السورة في كل الفواصل المقفاة، كسورة القمر، وسورة الشمس، وسورة الأعلى، وسورة القدر، وسورة الإخلاص، وسورة الناس. وقد يوجد في بعض الفواصل لزوم ما لا يلزم- وهو التزام أن يكون ما قبل القافية حرفا معينا، وهنا اتحاد ما قبل الحرف الذي تتواطأ عليه الفواصل- نحو سدر مخضود وطلح منضود ونحو إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت، اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق.
ويكون التنويع باتفاق السورة في أكثر الفواصل كما في سورة الضحى، وبورود فواصلها على أنواع من التقفية كما في سورة ألم نشرح، والعاديات.
ومن تنويع الأسلوب ختم السورة ذات الفواصل المقفاة بفاصلة على غير قافيتها كما في سورة الرحمن: (تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام)، وفي سورة الضحى المتفقة في أكثر الفواصل:( وأما بنعمة ربك فحدث)، وذلك لتنشيط السامع وإرهاف فكره.
ومن تنويع الأسلوب حفظ الفاصلة المقفاة التي تبنى عليها السورة، وان تخللتها فواصل مختلفة، وهي نوع غريب من التنسيق يحكيه الفن المسمى بالتوشيح، وتجدون هذا في سورة الرحمن، فإن فواصلها انبنت على النون وقد توجد فيها ءايات مبنية على غيرها، كالراء في قوله:( خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار فبأي ءالاء ربكما تكذبان كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام فبأي ءالاء ربكما تكذبان) وكما في سورة ص فقد بنى كثير من الفواصل فيها على الباء وأن تخللتها فواصل مقفاة بغيرها، وهكذا إلى قرب ختمها، لدى قوله:(إن هذا لرزقنا ماله من نفاد) فقد قفيت فيه الفواصل بغيرها، كل ذلك للتنويع في الأسلوب لما يحدث من التطرية وتنشيط السامع.
التنويع البياني: وهو تنويع التعبير وصوغ المعاني في قوالب مختلفة للإيذان بالتمكن في عقر البلاغة والإغراق في باب الإعجاز، ونكتته الجري على ما عرف عن العرب من تصريف المعنى الواحد على أساليب متعددة. وتقليبه على وجوه متنوعة من التعبير، فجاء هذا التنويع في القرآن لإصابة هذا المعنى، بتعجيزهم من جميع وجوه تصرفهم في الكلام مع ما يحمل في كل نوع من التعبير من الإعجاز.
وأن الذكر الحكيم لطافح بهذا التنويع، قاذف بجواهره في كل ساحل. وإليكم قبسا منه.
قال في حديث أهل الجنة ونعيمهم: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة)،(لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد)، و(وجوه يومئذن ناضرة إلى ربها ناظرة)
وفي سفينة نوح عليه السلام: (وحملناه على ذات ألواح ودسر)، (أنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية). نوع التعبير في كل الموضعين لمراعاة الفواصل.
وفي حال الناس عند قيام الساعة:(وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد)، (يوم يكون الناس كالفراش المبثوث).
وفي حالهم عند البعث (ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا)،(ونفخ في الصور فإذا هو من الأجداث إلى ربهم ينسلون)،( يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون)(يوم يدعو الداعي إلى شيء نكر خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر مهطعين إلى الداع)،( ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا انتم تخرجون)،(فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة)، (ثم نفخ فيه أخرى فإذا هو قيام ينظرون)،(يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير).
وفي القسم على تلقي القرآن من لدن حكيم عليم بواسطة الملك جبريل، وقد روعي فيه أيضا التنويع، القسم بالنجوم وهو من مدهشات التنويع:
 (فلا أقسم بمواقع النجوم وانه لقسم لو تعلمون عظيم انه لقرءان كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين).
(والنجوم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى ذو مرة).
(فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس، والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس إنه لقول رسول كريم ذي قوة، عند ذي العرش، مكين مطاع ثم أمين).
وقد وقع تنويع الأسلوب في القرآن على ابلغ وجه وأكلمه، بطريق الأطناب تارة، والإيجاز أخرى، في مواطن منها مقام الاحتجاج بالنشأة الأولى على الإعادة.
فعلى طريق الإسهاب:(يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث، فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة، لنبين لكم، ونقر في الأرحام ما نشاء على أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا، ثم لتبلغوا أشدكم، ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر، لكيلا يعلم من بعد علم شيئا).
(ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العقلة مضغة، فخلقنا المضغة عظاما، فكسونا العظام لحما، ثم انشأناه خلقا آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين، ثم أنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون).
(الذي جعل لكم الأرض مهادا، وسلك لكم فيها سبلا، وانزل من السماء ماء، فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى، كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولى النهى، منها خلقناكم وفيها نعيدكم، ومنها نخرجكم تارة أخرى).
(الم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة، فإذا هو خصيم مبين، وضرب لنا مثلا ونسي خلقه، قال من يحي العظام وهي رميم، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم).
وعلى طريق الإيجاز:( ويقول الإنسان إذا ما مت، لسوف أخرج حيا، أولا يذكر الإنسان إنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا).
(وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى، من نطفة إذا تمنى، وان عليه النشأة الأخرى).(كما بدأنا أول خلق نعيده، وعدا علينا).
(افعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد).( ولقد علمتم النشأة الأولى أفلا تذكرون).
(الم يك نطفة من مني تمنى ثم كان علقة فخلق فسوى، فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى، أليس ذلك بقادر على ان يحيي الموتى).
(الم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قرار مكين إلى قدر معلوم فقدرنا فنعم القادرون ويل يومئذ للمكذبين).
(فلينظر الإنسان مم خلق، خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب انه على رجعه لقادر)(لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم..)الآية.
وقد أفادت هذه الآيات أن هذا الإنسان خلق من الأرض، وانه جلت عظمته استخلصه من سلالتها ثم نفخ فيه من روحه، (ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا انتم بشر تنتشرون)، وكشفت عن تفصيل نشأته وتدرجه في أطواره، مما أفاد اليقين بأنه سبحانه عالم بأجزاء كل مخلوق على التعيين، كما قال تعالى:(و هو بكل خلق عليم) و قال جلت عظمته : (بلى قادرين على ان تسوي بنائه )ثم احتج سبحانه وتعالى بهذه النشأة المعلومة لنا على القدرة على الإعادة.
ولما كانت عقيدة الإعادة من عمد الدين سيق الاحتجاج عليها في الذكر الحكيم على أساليبه وذلك لتتمكن في النفوس فضل تمكن، وإذا التفتنا إلى هذه الأساليب ونظرنا إليها من ناحية الإعجاز أدركنا إعجاز القرآن من هذا الوجه.
ومنها وصف قيام الساعة، وهو أيضا متفاوت بين الإطناب والإيجاز وذلك ليتمكن في النفوس فضل تمكن لأهميته:
(إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت وإذا الجبال سيرت وإذا العشار عطلت وإذا الوحوش حشرت وإذا البحار سجرت وإذا النفوس زوجت وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت وإذا الصحف نشرت وإذا السماء كشطت وإذا الجحيم سعرت وإذا الجنة أزلفت علمت نفس ما أحضرت).
(فإذا النجوم طمست وإذا السماء فرجت وإذا الجبال نسفت وإذا الرسل اقتت لأي يوم أجلت ليوم الفصل..)الآية.
(إذا السماء انشقت واذنت لربها وحقت وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت وأذنت لربها وحقت)
(إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها ...)الآية.
فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحمت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذن وقعت الواقعة وانشقت السماء فهي يومئذ واهية والملك على ارجائها).
(القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة).
(يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا)
(يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات)
(يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب).
(يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا)
(إذا رجت الأرض رجا وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا).(وفتحت السماء فكانت أبواب وسيرت الجبال فكانت سرابا).(يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن).(فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان).
ولو أمعنت النظر وأنعمته في وصف يوم القيامة والجنة والنار، والاستدلال على المعاد الأخروي بآيات الله في الأنفس والآفاق المسوق ذلك في سورة التنزيل، بالإسهاب تارة والوحي والإيجاز أخرى، لرأيت من أنواع التفنن في البلاغة وغرائبه ما يدهشك ثم يخرسك.
فاقرأ سور المراسلات، والنبأ، والنازعات، وعبسن والتكوير، والانفطار، والمطففين، والانشقاق، والغاشية، والفجر، والبينة، والزلزلة والقارعة، وغيرها، يتحقق لك ذلك عن عيان.

إعجازه ببلاغته:
الإيجاز في السور المكية: إن أول وحي تلقاه النبي(ص) كان بغار حراء، وأن قريشا أول من خوطب بهذا الكتاب المعجز، وكانوا أصفى العرب قريحة، وأنبلهم عقلا وأحصفهم رأيا، كما ان لهجتهم أرقى لهجات القبائل العربية وأعذبها منطقا وأخفها ولبة على اللسان، وسبب ذلك كثرة اختلاطهم بغيرهم من قبائل العرب وما كان لهم في سوق عكاظ من زعامة النقد الشعري، والكلمة الفاصلة، كما كانت بلدهم الأمين محط رحال القوافل الضاربة في الأرض للتجارة في أنحاء آسيا، وكانت لهم الرحلة التجارية إلى الشام واليمن، فأكسبهم جميع ذلك انتباها لتهذيب لغتهم وصقل ألفاظها، كما ربى فيهم حنكة في الرأي ودهاء في العقل، ومتانة في التعبير واندلاقا في البيان.
لما كانوا بتلك الذروة السامية، وكانوا أول مطرح لأشعة أنوار القرآن، خوطبوا بأسلوب الإيجاز والإشارة والوحي، مراعاة لحق المقام، وأخذا بمقتضى الحال؛ وأنا لنرى جليا في السور المكية، كما نرى فيها تلميحات وإحالات على شؤون كانت معروفة لديهم ذكروا بها وأعيدت إلى أذهانهم ليشكروا نعمة الله عليهم فيها، كما نرى ذلك في سورة الفيل التي ذكروا فيها بنعمة الله عليهم بإهلاك عدوهم الذي هم بغزو الكعبة وتحطيمها وهي مجدهم وشرفهم المتأثل، وكما نرى ذلك في السورة المضافة إليهم- سورة قريش- التي ذكروا فيها بنعمة الله عليهم بإدرار الأرزاق بالاتجار إلى اليمن والشام آمنين ويتخطف الناس من حولهم، محترمين لكونهم جيران بيت الله.
وأن معاني هذه السور المكية متجهة إلى تقرير أساس الدعوة وأصول الدين، وغرس مكارم الأخلاق في النفوس، والحث على إكرام اليتيم وإطعام المسكين، وإلا يعاد على جمع المال من غير اكثراث لحقوق الله فيه، وتقرير هول يوم القيامة والتخويف من عذاب الله، كما نرى ذلك في سورة القارعة والتكاثر وسورة البلد:(فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين امنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة أولئك أصحاب الميمنة)، وسورة العصر، وسورة الماعون، وسورة الفجر:( بل لا تكرمون اليتيم ولا تحضون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما كلا)، وسورة الهمزة، وسورة العاديات:( إن الإنسان لربه لكنود وأنه على ذلك لشهيد وأنه لحب الخير لشديد).
وتظهر لي نكتة أخرى للإيجاز في هذا المقام يقضي بها الذوق، وهي أن الإيجاز والرمز في الأمور الغيبية ادخل في الروعة وأمكن في الإرهاب. وأخرى وهي أن الاعتقادات والأمور الغيبية لا يساق فيها التعبير لبيان كنهها وتصوير حقيقتها، وإنما تقرب إلى الأذهان تقريبا، بدليل سوق القول فيها مساق الإجمال، ففي آية التنزيه:(ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)، وقال تعالى في نعيم أهل الجنة:(وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين)، وبدليل إفراغها في كثير من المواطن في قالب التمثيل والتشبيه كقوله جل علاه:(وأن يوما عند ربك كالف سنة مما تعدون)، وقوله جل علاه في تصوير البعث(يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر)، وقوله جل وعلاه في تصوير قيام الساعة:(فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان)، (يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن)، وهذا والله أعلم من أسرار قصر السور المكية لإظهار العناية بما فيها، وللإيماء إلى استقلال كل واحدة بما فيها من نصح وتهذيب وترغيب وتهريب.
ثم ان هذا القول في خطاب أهل مكة إنما هو أغلبي، وإلا يخاطبون بالأطناب لموجبه كتأكيد الإنذار في قوله جل علاه:(كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون)، وتأكيد إتيان الفرج بعد الشدة في قوله عز وجل:(فإن مع العسر يسرا مع العسر يسرا)،
وذلك لضيق النفوس ساعة العسر، وللتقرير بالنعمة في قوله:(فبأي ءلاء ربكما تكذبان)عقب كل نعمة أسديت.
ومما خوطب به أهل مكة أيضا قوله تعالى:(إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وان يسلبهم الذباب شيئا لا ستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب)، وقوله: (أو ألقى السمع وهو شهيد).

الإطناب في السور المدنية: قد روعي في السور المدنية الإسهاب والابانة لما أنها قد سيقت لتقرير الشرائع وبيان الحلال والحرام، وتفصيل أحكام المعاملة والحروب والمعاهدات، فكان الإطناب فيها هو مقتضى الحال ليتأتى العمل بها بوجه بين لتنفذ خططها كما يجب.
واستهلال الشريعة بتقرير الأصول قبل الفروع أمر تقضي به حكمة التشريع ضرورة ، وقد اخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها: إنما نزل أول ما نزل منه سورة المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تقربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدا ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنى أبدا. لقد انزل على محمد(ص) واني لجارية العب:بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر. وما نزلت سورة البقرة والنساء ولا وأنا عنده).
ومن أمثلة الإطناب في التشريع ما في آية المحارم:(حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم..الآية). ومثلها في الاستيذان:(يا أيها الذين آمنوا ليستاذنكم الذين ملكت إيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات...الآية).
وكذلك مما يقع فيه الإسهاب قصص بني إسرائيل، فقد قال الجاحظ في كتاب الحيوان صحيفة 46ج1 : ووجدنا الناس إذا خطبوا في صلح بين العشائر أطالوا، وإذا انشدوا الشعر بين السماطين في مديح الملوك أطالوا وللاطالة موضع وليس ذلك بخطل، وللإقلال موضع وليس ذلك من عجز، ثم قال: ورأينا اله تبارك وتعالى إذا خاطب العرب والإعراب اخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي والحذف وإذا خاطب بني إسرائيل وحكي عنهم جعله مبسوطا وزاد في الكلام.
وقد قال الرافعي في إعجاز القرآن صحيفة 257 إن ذلك الإسهاب والبسط والتوضيح والتكرار لقصصهم، جرى على منهاج الأدب العبري ليدرك أحبار اليهود وأهل العلم منهم من إعجازه في أسلوب أدبهم ما أدركه العرب من إعجازه في أسلوب لسانهم.
والذي نراه أن هذا النوع من الخطاب لا يجري على الأدب العبري، وإنما الواقع فيه أنه لما كانت نفسية العبرانيين لا يتأتى التأثير عليها إلا بتكرار الكلام وإعادته والتنوع في ألفاظه، وكان وجدانهم لا ينفعل إلا لخطاب متكرر المعنى والألفاظ، روعي في خطابهم هذه النفسية وهذا الوجدان، فالقي إليهم الكلام بالأسلوب العربي الذي يلقى لمن كانت نفسيته على ذلك الوصف، فإن البلاغة هي ان تبلغ المتكلم ما يريد من نفس السامع، فهذا الأسلوب من أسرار اللسان العربي أيضا، لا انه جرى على اسرار اللسان العبراني، والقرآن نزل بلسان العرب وعلى منهاج بلاغتهم.
التشبيه في القرآن: التشبيه عند العرب يكسب سورة المعنى تحقيقا ويكسوها حلة المشبه به من حسن ورعة أو خسة وضعة، وهو في الذروة العليا عند أهل الصناعة، ومن أجل ما يبتهل له عند حسن البيان.
ومن بديع التشبيه في القرآن تشبيه أعمال الكفار بالظلمات المتراكمة في قوله تعالى:( أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا اخرج يده لم يكد يراها).
وقد تضمن هذا التشبيه وصف البحر في حال غليانه وهيجان موجه وركوب بعضه بعضا، وهذا الوصف مما ينطق بأن هذا القرآن ليس من تلقاء نبينا (ص) لأنا نعلم يقينا أنه لم يركب البحر طول عمره، وقد وصف في هذا التشبيه البحر بصفات لا يمكن أن يتخيلها من عاش في جوف الصحراء لأن مادة الخيال تستمد من الحس، ولا يعرف هذه الصفات إلا المتلجج في المحيطات العظام كالمحيط الأطلسي في طريق العالم الجديد. فإن قلتم هل رأى نبيا(ص) البحر، فالجواب أنه ليس لدينا ما ينطق بذلك يقينا، وكل ما عندنا أنه يمكن أن يكون رأى سواحل البحر الأحمر في طريق الهجرة لما في حديث الصحيح فسلك بهم الدليل طريق الساحل، ويمكن ان يكون رأى خليج ايلة من البحر الأحمر لأنها  محط القوافل في طريق الشام، وقد سافر(ص) إلى الشام، ويمكن أن يكون رأى بعض سواحل البحر الميت لأنه في طريق الشام أيضا كما قال تعالى:(وأنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل)، إلا ان الوصف الواقع في الآية فوق ذلك، فانه لا يكاد يتم إلا في لجج الاقيانوسات العظام.
ومن تشبيهات القرآن المحتوية على كنوز العلم التشبيه الواقع في آية( يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب)، واليكم بيانه: السجل معناه الورق المكتوب فيه والكتاب نفس المكتوب، واللام بمعنى :على. أي نطوي السماء كطي الدرج على ما فيه من سطور مكتوبة. قاله في أعلام الموقعين. وإطلاق الكتاب على نفس المكتوب وارد في التنزيل قال تعالى: (ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا أن هذا إلا سحر مبين)، وقال( رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة) كما يطلق على الكتاب بالمعنى المذكور اسم الخط.
وقد صور قيام الساعة في مواضيع أخرى من التنزيل بتكوير الشمس وانتشار الكواكب وزلزلة الأرض ونسف الجبال، قال تعالى:( إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت وإذا الجبال سيرت وإذا العشار عطلت الآية...(إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت وإذا البحار فجرت وإذا القبور بعثرت علمت نفس ما قدمت وأخرت)، فإذا النجوم طمست وإذا السماء فرجت وإذا الجبال نسفت)، (وفتحت السماء فكانت أبوابا وسيرت الجبال فكانت سرابا)، (يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن)
(فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان)، (يوم تشقق السماء بالغمام).
هذه جملة من تشبيهات القرآن، وان الاسترسال في تقرير ما تنطوي عليه أصداف الكتاب من أنواع المجاز وفنون البديع وما تحرزه من البلاغة الرائعة، مما ستدعي الزمن الطويل.
جاء القرآن فأهاب بالعرب وهم بين شعب الجبال ومواقع القطر ودعاهم لما يحييهم وأبطل عادتهم الصميمة في التفاخر بالآباء فقال:(يا أيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم)، وقال:(وان كذبوك فقل لي عملي ولكم علمكم)، فاعتبر عمله ولم يذهب مفاخرا، وبمقتضى هذه الآية خطب (ص) يوم فتح مكة فقال: يا أيها الناس ان الله قد أذهب عنكم غيبة الجاهلية وتعاظمها بابائها فالناس رجلان، بر تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله، والناس من آدم وخلق اله آدم من تراب قال تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير). وبلغ ذلك النبي(ص) أيضا في حجة الوداع وتلا الآية كما أخرجه الطبراني في المعجم الكبير من حديث العداء بن خالد، وروى الحافظ بن عساكر بسنده إلى مالك عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: جاء قيس بن مطاطية إلى حلقة فيها سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي فقال: هذا الأوس والخزرج قد قاموا بنصرة هذا الرجل فما بال هذا، فقام إليه معاد بن جبل فأخذ بتلابيبه ثم أتى النبي(ص) فأخبره بمقالته، فقام النبي(ص) مغضبا يجر رداءه حتى أتى المسجد، ثم نودي أن الصلاة جامعة، وقال:(يا أيها الناس ان الرب واحد والأب واحد والدين واحد وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنما هي اللسان فمن تكلم بالعربية فهو عربي. فقام معاذ فقال : فما تأمرني بهذا المنافق يا رسول الله فقال دعه إلى النار فكان قيس ممن ارتد في الردة فقتل.
وأبطل أيضا الكهانة وغيرها مما كانوا يتعرفون به الحوادث المستقبلية في زعمهم فقال:(أنهم عن السمع لمعزولون)، وقال: ( قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله)؛ وكانت الكهانة عقيدة ثابتة فيهم وكان للكهان عندهم قيمة ولهم فيهم اعتقاد عريض لزعمهم أنهم يعلمون الغيب وكان لكل قبيلة كاهنها. وأبطل أيضا العصبية وما كان لهم من التناصر بها بحيث كان الحال كما يقول شاعرهم:
لا يسالـون أخاهـم حيـن ينـد بهـم
                      في النائبـات علـى ما قـال برهانـا
فقال : (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين أن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى ان تعدلوا وان تلووا أو تعرضوا فان الله كان بما تعلمون خبيرا).
وخص الوالدين والأقربين بالتنصيص لأن شأن العصبية ان تكون من الالتحام بالنسب أو ما في معناه حسب ما قرره ابن خلدون في مقدمة تاريخه؛ وفي الحديث: (ليس منا من دعا عصبية وليس منا من قاتل على عصبية وليس منا من مات على عصبية). وحط من قيمة الشعراء وقد كان في الشعر هواهم بما يحفظ لهم من مفاخر الآباء وأسباب العصبية، ولم يتعرف إلا بما هو حق منه فقال:( والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا اله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا).
إعجازه بما فيه من سنن الكون ونواميس العمران: البحث في نواميس العمران والسنن العامة يسمى بفلسفة التاريخ وقد ذكر الأستاذ فريد وجدي في دائرة معارفه أن هذا العلم من ثمرات القرآن، وإني مورد جملة مما فيه من هذه النواميس العمرانية والسنن العامة:
القرآن حث في غير ما موضع على النظر في أحوال الأمم الهالكة للاعتبار بها والاتعاظ بحالها، ولنعلم أن عاقبة الأمم العاتية الهلاك والخسران فقال : (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبير معطلة وقصر مشيد)، وقال:(وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين). وقال: ألم يوا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين). وقال :(أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور). في آيات غيرها. وقرر ان الكون يجري على نظام ثابت وسنن لا تتبدل فقال:
(سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا)، وقال :(فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا)، وذلك أن للبشر سننا في حياتهم الاجتماعية فقوتهم وضعفهم، وغناهم وفقرهم، وعزهم وذلهم، وسيادتهم وعبوديتهم، وحياتهم وموتهم، كل ذلك منتهج على سنن الاجتماع جار عليه، وفي مقدمة ابن خلدون تقرير الشيء الكثير من هذه السنن. وقرر أن الصلاح ضمان البقاء: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون)، وان الشقاق مدعاة لفناء الدولة: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)، وذلك كما وقع لدولة العرب بالأندلس، فإن سقوطها لم يكن عن هرم طبيعي، وغنما أودى بها الشقاق وقضى عليها التنازع والافتراق. وقرر أن العاقبة لأهل الصلاح والتقوى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)، ( ان الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين). وان اختلاف الآراء والمذاهب طبيعي في البشر: ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم). وان للأمم والدول أعمارا لا تتعداها:( ولكل أمة أجل فإذا جاء اجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقيمون)، فكم بادت من أمم ونشأت من أمم.وقال: ( وتلك الأيام نداولها بين الناس). وان الثروة والترف في أول الدولة مما يزيد الدولة قوة: ( ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا)، وهو ما قرره ابن خلدون وفي فصل أن الترف يزيد الدولة في أولها قوة إلى قوتها. وقرر القرآن أن كل أمر يبرز في الكون مما شانه أن يرتبط بأمر الاجتماع لابد له من غاية يستقر عليها ويتجلى حاله نهائيا فيها: ( وكل أمر مستقر). وان الترف والانغماس في النعيم مما يؤذن بفساد الدولة: ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا)، وهو ما شرحه ابن خلدون في فصل أن الحضارة غاية العمران ومؤذنة بفساده. وقرر أن مصيبة الدنيا من شأنها أن تعم : (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة). وأشار إلى ان لكل دولة عصبية ومصطنعين: ( ان الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة) ، وقال في سبب انتقال الحال: ( ذلك بان الله لم يكن مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، وقال: (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). وان الأمم إذا غلبت أسرع إليها الفناء: ( ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا القليل إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضوره شيئا) ، وقرر أن عدم مواساة الفقراء وقسوة القلب عليهم من أسباب الآفاق السماوية قال: ( أنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة...الآية). وان الاجتماع البشري ضروري: ( وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا). وأشار على ان طبيعة القوي الغالب ان يفرق بين المغلوب ليتمكن سلطانه: ( ان فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم)، وقد أوسع هذا الناموس شرحا الفيلسوف أرسطو في رسالته المشهورة على الاسكندر يبين له الخطة التي يسلكها في أبناء ملوك فارس. وأومأ القرآن إلى ان الربا من مثيرات الحروب بذكر التحذير منه اثر الحديث عن الحرب، وذلك في سورة ءال عمران. وقرر ان المعاهدات والاتفاقات بين الأمم يجب أن تبنى على الإخلاص دون الدخل الذي يقصد به التوصل إلى ان تكون امة هي أربى من امة وأزيد منها نفعا، وبذلك تحصل ثمرتها قال تعالى: ( ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون إيمانكم دخلا بينكم أن تكون امة هي أربى من أمة)، وقد أفاد هذا النص من كتاب الله أن المعاهدات يجب أن تكون مبنية على الصدق والإخلاص وان تكون واضحة البنود بعيدة عن الإجمال وطرق الاحتمال؛ إلى ما قرره القرآن من المساواة بين الشعوب: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا). وان بإهمال العمل بهذا الأصل وحصول الجفوة والنبوة من بعض العرب نشأت الشعوبية وكانت من العوامل في هدم كيان دولة بني أمية، وقيام الفرس بدعوة بني العباس للأدلة من العرب، إلى ما قرره في مسائل الطلاق والحجاب وتعدد الزوجات مما هو أعدل شيء في تلك المسائل الاجتماعية المهمة، لو استمسكنا فيه بهداية القرآن ؛الى ما ثم من الحكمة البالغة في تحريم الربا والميسر وما ينشأ عن تعاطيهما من استئصال أموال ذوي الثروة واليسار مع التقاعس عن اكتساب الأموال من الطرق المشروعة من فلاحة وصناعة إلى ما فيهما من فساد الأخلاق، وشكاسة التعامل وجفاف العاكفة، على ان المعاوضات المنهى عنها وان كانت كثيرة فهي لا تخرج عن ثلاثة: الربى والباطل والغرر، ويرجع الغرر في التحقيق إلى الباطل كما قال ابن العربي في الأحكام، وقد قرر القرآن النهي عن أكل أموال الناس بالباطل.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here