islamaumaroc

الجندية في عهد السلطان محمد بن عبد الرحمن، كيفية إنشائها وتكوينها وتدريبها

  دعوة الحق

145 العدد

آراء عباقرة المفكرين من فلاسفة الإسلام، و جنرالات المسلمين الأبطال، تؤيد وجهة نظر ملكنا المفدى. في كيفية الإنشاء و التكوين في دائرة التعاليم الدينية و إنها المخرج الوحيد لصيانة الكيان العربي الإسلامي من التصدع و الانهيار و التدهور.
لقد تصفحت الجزء التاسع من كتاب الاستقصاء في أخبار المغرب الأقصى للعلامة أحمد بن خالد الناصري(1) رحمه الله. و عندما بلغت أخبار الحروب في عهد المولى عبد الرحمان(2)  و ولده و ولي عهده السلطان سيدي محمد(3) بن عبد الرحمان وقفت على عناية كبرى و اهتمام عظيم صدر من المولى محمد بدراسته الأسباب في انكسار الجيش المغربي في واقعتين متتابعتين وقعة «أسلي» في عهد والده مع الفرنسيين، و احتلال تطوان و ما إليه في عهده من الإسبان.
و أمام هذا التدهور و الارتباك أصبح رضي الله عنه يهتم بأمر الدولة و العمل على صيانتها بتدارك الموقف، فاتخذ الأسباب الواقية للمغرب من الانكسار، و ذلك بتنظيم الجيش المغربي، على الطرق الحديثة المتبعة إذ ذاك بأوربا، و شرع رحمه الله يستورد الأسلحة الحديثة و يبعث البعوث من رجالات المغرب للتكوين المهني في شؤون تنظيم الجيش و ترتيبه، و للمؤلف الخبير كتابة في الموضوع لنستمع لما كتبه بالجزء التاسع الطبعة الأخيرة بالبيضاء صفحة 103 تحت عنوان :
القول في اتخاذ الجيش و ترتيبه و بعض آدابه في عهد السلطان المولى محمد بن عبد الرحمان
أعلم أنه واجب على الإمام حماية بيضة الإسلام، و حياطة الرعية، و كف اليد العادية عنها، و النصح لها، و النظر فيما يصلحها، و يعود عليها نفعه في الدين و الدنيا، و لا يمكنه ذلك إلا بجند قوي و شوكة تامة بحيث تكون يده غالبة على الكافة، و قاهرة لهم، و اتخاذ الجند إذا واجب. و عليه فيندب له أن يتخذ لهم ديوانا يجمع أسماءهم، و يحصى عددهم، ليحصل الضبط، و ينتفي اللبس.
و أول من اتخذ الديوان، أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث أمر عقيل بن أبي طالب، و مخزمة ابن نوفل، و جبير بن مطعم و كانوا من كتاب قريش، فكتبوا ديوان : العساكر الإسلامية على ترتيب الأنساب مبتدأ من قرابة رسول الله صلى الله عليه و سلم. الخ.. الخ. فما بعدهم الأقرب فالأقرب و هكذا ينبغي للإمام أن يرتب جنوده، أولا ديوان كبير هو الأم.
يجمع أسماء العساكر كلها الحاضرة و الغائبة و الخاصة و العامة، ثم يجعل دواوين صغارا يشتمل كل واحد على طائفة مخصوصة مثل عسكر الإمام الذي يلازمه حضرا و سفرا، و عساكر الثغور و القلاع و نحو ذلك، و تكون هذه الدواوين الصغار بمنزلة الفروع للكبير، تتجدد كلما تجددت الطوائف كما سيأتي :
و كل ديوان منها يشتمل على أرحاء مثلا، و كل رحى على مئين، و كل مائة بضباطها و طبيبها و عالمها!، الذي يعلمها أمر دينها و غير ذلك، قال صاحب «مصباح الساري» ما ملخصه كانت الدولة العثمانية في أول أمرها إذا استخدمت طائفة من الجند بقيت في الخدمة طول عمرها، و لما كان هذا الأمر صعبا و غير مقتضى للتسوية بين الرعية في هذا الحق العظيم. اقتظى نظرهم أن يعملوا القرعة بين أبناء الرعية عند انتهاء كل خمس سنوات، فمن استكمل مدة خدمته و تبصر بما يلزمه من حرب عدوه، و قدر على المطالبة و المدافعة، ذهب لحال سبيله، لطلب معيشته، فذو الحرفة يرجع إلى حرفته، و التاجر إلى تجارته، و هكذا. و يؤتى بطائفة أخرى بدلها حتى تصير الرعية كلها جندا قادرة على المطالبة و المدافعة، متى احتاجت إلى ذلك، ثم من استوفى مدة خدمته بقي معدودا في صف الرديفة، و معنى الرديفة : أنهم يكونون عند الدولة متى احتاجت إليهم في نازلة عظيمة، أو حرب مثل ما يكون بين الأجناس. فإذا انسلخت السبع سنين فيهو حر، دائما و أبدا فلا يضرب عليه بعث. و لا يكلف بغزو إلا إذا شاء، فجملة مدة الخدمة العسكرية بين أصلية و رديفية اثنتا عشرة سنة 12 ، و شرط المستخدمين في العسكر أن يكونوا في سن العشرين 20 إلى خمس و عشرين سنة 25، فمن زاد على ذلك أو نقص لا تقبله الدولة، لينضبط الأمر، و إن اصطلح على أقل من ذلك أو أكثر فلا بأس.
فإذا أريد أعمال القرعة بينهم و ذلك عند رأس خمس سنين كما قلنا ، اجتمع كل من هو في ذلك السن من أهل الناحية مثل «مراكش و أعمالها، و فاس و أعمالها، و العدوتين و أعمالهما، في يوم معلوم من السنة لا يتقدم و لا يتأخر. فيحضر نائب السلطان، و يحضر القاضي و الشهود، و تكتب بطائق على عدد رؤوس الحاضرين فلان بن فلان الفلاني سنه كذا، فإذا اجتمع لها من البطائق 100، و نحن غرضنا استخدام خمسين 50 مثلا أخذنا تلك البطائق واحدة واحدة حتى نستوفي الخمسين ثم نفتحها فمن عثرنا عليه فهو عسكر في تلك المدة، و من أخطأته القرعة ذهب لحال سبيله، لكنه إن جاوز سن العسكرية الذي هو خمس و عشرون سنة، و لم تصبه القرعة، فهو في صف الرديف إلى سبع سنين كما قلنا، و الذين أصابتهم القرعة و أثبتوا في الديوان برخص لهم في الذهاب إلى محالهم عشرين يوما : لقضاء أغراضهم، ثم يحضرون بعدها إلى القشلة و من تخلف عن الحضور لهذا الجمع بدون عذر مقبول، يثبت في الديوان بلا قرعة، و يسقط من أصل العدد المطلوب، ولا تقبل فيه شفاعة و لا فداء، و من ليس له إلا ابن واحد من رجل كبير، أو امرأة أرملة أو نحو ذلك، و لا كافي له سواه، فإنه يسرح له لئلا يضيع، لكن بعد حضوره الجمع. و إثبات ما ادعاه، و من له ولدان و أصابتهما القرعة فيمسك واحد و يسرح له الآخر، و من له أربعة أو خمسة و أصابت القرعة ثلاثة منهم فأكثر يمسك اثنان و يسرح الباقي، و يعفى عن كل من كان مفردا في بيته، و عن كل أعور و أشل، و أعرج، و أحدب، و عن كل مبتل بداء مزمن أو عله معدية، أو ضعيف الجسم، نحيف البنية، لا يقدر على الأعمال الجندية! أو غير سالم المزاج و هكذا : و يعفى عن طلبة العلم لكن بعد حضورهم و امتحانهم فمن ظهرت نجابته خلى سبيله لأنه قد يقوم بوظيف هو من أهم الوظائف، و من كان قليل الفهم، أو مقسم البال، أو طائش الفكرة، لا ترجى فائدته و إنما تستر بطلب العلم، دخل في القرعة. و إذا كان لرجل ولدان و أصابت القرعة أحدهما و أراد إبداله بالآخر فذلك له، إذا توفرت فيه شروط الخدمة، و إذا أراد أن يبدله بغير أخيه من عبد أو أجير، فلابد بزيادة قدر معلوم من المال لا يجحف به، و لا يؤدي إلى تعطيل تجارته، ولا  يبيع أصله، و لهذا البدل شروط الأول أن يكون سالما من الآفات المتقدمة، الثاني أن لا يكون ممن استوفى مدة الخدمة التي هي خمس سنوات، و دخل في صنف الرديف. اللهم إلا إذا لم تكن القرعة أصابته حتى تجاوز السن المعلوم، و صار في صنف الرديف فهذا يقبل، الثالث أن يكون من أهل تلك الناحية، فلا يقبل مراكشي عن فاسي مثلا، و بالعكس، الرابع ألا يكون من العبيد السود. اللهم إلا إذا كان في الجند صنف منهم فيقبل في صفه، ولا بأس إذا كان مملوكا أبيض، الخامس ألا يكون من الذين استعملوا في الجندية و أخرجوا منها لعارض خلقي أو خلقي مثل آفات بدنية، أو فعل قبيح من سرقة و نحوها، السادس ألا يكون البدل قد جيء به بعد ثلاثة أشهر، ثم إذا فر البدل ينتظر مجيئه إلى شهر، فإن جاء و إلا أخذ به صاحبه، الذي جاء به.
ثم إذا انتظم هذا الجمع العسكري فأول ما يعلمونهم أمر دينهم مما لابد منه على سبيل الاختصار بأن يلقنوا كيفية الشهادة و يبين لهم معناها، بوجه إجمالي، فإن جل العوام و لاسيما أهل البادية و القرى النائية لا يفقهون ضروريات دينهم، و يعلمون كيفية الوضوء و الصلاة و يلزمون بالمحافظة عليها حتى أن من لم يحضر منهم وقت النداء لها يعاقب عقابا شديدا، و إلا فلم يحضر عند سماعه «الطرنبطة» و لا يحضر إذا سمع داعي الله ؟ فهذا أول ما يتعلمونه لتعود عليهم بركة الدين، و ينجح مسعاهم في حماية المسلمين ؟ فأنا لم نرد بجمع هذا الجند إلا حفظ الدين، فإذا كان الجند مضيعا له فكيف يحفظه على غيره، و يعود على المسلمين نفعه، ثم بعد هذا يعلمون الأمور التي تدل على كمال المروءة و على الهمة من الحياء و الحشمة و الإيثار، و ترك الكلام الفاحش و توقير الكبير و رحمة الصغير، و يلقنون أن أفضل الخصال عند الله و عند العباد الغيرة على الدين و الوطن و محبة السلطان و نصحه، و يقال له مثلا إذا كان العجمي الزنديق يغضب لدينه الباطل، و وطنه فكيف لا يغضب العربي المؤمن لدينه و دولته و وطنه ؟ و لابد من ترتيب مجلس يومي يسمعون فيه سيرة رسول الله صلى الله عليه و سلم، و مغازيه و مغازي الخلفاء الراشدين و سلف الأمة و أخبار رؤساء العرب و حكامها و شعرائها و محاسنهم و سياستهم، و ليتخير لهم من الكتب الموضوعة في ذلك أنفعها مثل كتاب «الاكتفاء» لأبي الربيع الكلاعي، و كتاب «ابن النحاس في الجهاد»، و كتاب «سراج الملوك» و نحوها. فإن ذلك مما يقوي إيمانهم و يحرك همهم، و يؤكد محبتهم في الدين و أهله. و ينبهون على التحافظ على ثيابهم، و أرافهم من الوسخ و الأضرار التي تدل على دناءة الهمة و نقصان الإنسانية، وعدم النخوة، و يلزمون بترك استعمال الدخان فإنه مناف لنظافة الدين و مذهب للمروءة و المال بلا فائدة، ثم إذا رسخت فيهم هذه الآداب في ستة أشهر أو عشرة أو أكثر أخذوا في تعلم الثقافة و أمور الحرب، ثم من أهم ما يعتني به شأنهم ألا يتخلقوا بخلق العجم، ولا يسلكوا سبيلهم في اصطلاحاتهم و محاوراتهم.. و كلامهم و سلامهم، وغير ذلك، فقد عمت المصيبة في عسكر المسلمين بالتخلق بأخلاق المعجم فيريدون تعلم الحرب ليحفظوا الدين فيضيعون الدين في نفس ذلك التعلم، فلا تمضي على أولاد المسلمين سنتان أو ثلاثة حتى يصيروا عجما متخلقين بأخلاقهم و متأدبين بآدابهم، حتى أنهم تركوا السلام المشروع في القرآن و أبدلوه بوضع اليد خلف الأذن؟ فيجب على معلميهم في حالة تعليمهم لهم أن يعدل على الاصطلاح العجمي إلى العربي و يعبر عن الألفاظ الأعجمية بالعربية، و إن كان أصل العمل مأخودا عن العجم، فليجتهد المعلم الحاذق في تعريبه و ليس ذلك بعسير على من وفقه الله. و ليس فيه إلا إبدال لفظ عجمي بلفظ عربي، بأن تقول مثلا «أمام – خلف – دائرة – نصف دائرة» و هكذا فإذا مرنوا عليه شهرا أو شهرين كان أسهل عليهم. لأن تلك هي لغتهم التي فيها نشأوا و عليها ربوا، فالعمل عجمي و الكلام الذي ينبهون به على ذلك العمل عربي.
فأي كلفة في هذا و به يندفع التشبه بالعجم المنهى عنه شرعا، فإن التزيي بزيهم لا يأتي بالخير أبدا، و هو و الله من أفسد الأشياء للدين الذي نريد أن نحوطه بهم.
قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، من لم تصلحه السنة فلا أصلحه الله، ثم عمود هذا كله، و صلبه و روحه الذي به حياته هو الكفاية في المطعم و الملبس. و ليختر لهم من الأغذية أطيبها. و أنفعها للبدن، و ليجعل فهم كسوتين  كسوة الشتاء و كسوة الصيف، و ليختر لهم من المنازل و المساكن أطيبها و أصلحها هواء و أبعدها عن محل الوخم.
و ليلزمهم بالاعتناء بتنظيف مساكنهم و تبريدها و تطبيبها حتى لا ينشأ عنها داء، و إذا تراخوا في ذلك عوقبوا عليه لأنه دال على دناءة الهمة، و دنيء الهمة لا يأتي منه شيء، و ليرتب لهم الأطباء العارفين حتى إذا أصاب أحدا منهم مرض عالجه الطبيب في الحال، فإن هذا الجند هو سور الإسلام، و سياج الدين فبحفظه يحفظ الدين، و بسلامته يسلم، فإذا اتخذ الجند على هذه الكيفية التي ذكرنا سهل على الناس الدخول في الجندية و تنافسوا فيها، و من كان عنده من الرعية درهم طابت نفسه بأن يقتسمه معهم، و يكون الجند حينئذ في مرتبة هي أشرف من مرتبة الرعية بكثير، لأن الجند يحفظهم و الرعية تكسب و تبذل لهم، ثم إذا ظهر من أفاد الجند نجابة أو شجاعة أو نصيحة في الخدمة السلطانية، رفع قرده و نوه باسمه ليغتبط هو بمنزلته، و يزداد في خدمته و يغبطه غيره، و ينافسه في خلقه و خصاله التي أكسبته تلك المنزلة، و ليقس ما لم يقال، و الله الهادي للصواب و التوفيق بيده.
وما دمنا نعيش في عصر اشتبكت فيه الحقائق، و اختلط الحق بالباطل، و طغى سيل الابتعاد عن الدين و ما رتبه على معتنقيه قصد نفعه و نجاته و سلامته بعد هذا البيان شبه رجعي!، لذا طوائف التمرد على التعاليم، و تأخرا فكريا في عهد التقدم!، أجل لا مجادلة أن رجال الفكر في كل أمة سواء كان إسلامية أو مسيحية عندما يصدر عنهم أمر في موضوع ما يلتفت إليه و يحظى بشيء من الواقعية، لهذا رأيت من الأفيد لهذا البيان أن أضيف له نص تقرير هام صادر من أستاذ نفساني فرنسي شهير، و هو استفتاء من الدولة الأمريكية ذات السيادة و النفوذ، بدون مراء أو جدال هذا التقرير أنقله بنصه و فصه من كتاب هام حديث الصدور و الرواج/ و يعد مؤلفه من خيرة رجال الفلسفة الإسلامية في عصرنا الحاضر. هو كتاب «من كنوز الإســــــلام»(4) للدكتور محمد غلاب (5) . قال نقلا عن تقرير هام قام به العلامة النفساني الافرنسي الدكتور «ميير» كان قد كلف بدراسة حالة الأسرى من الجنود الأمريكيين «في كوريا» بعد عودتهم إلى وطنهم، فقد هال حكومتهم ما شاهدته من أن ثلث هؤلاء الجنود قد صاروا شيوعيين، و قد جاء في هذا التقرير أن تلك النتائج قد تحققت بسبب مناقشات بسيطة أعدها علماء النفس من الصينيين الشيوعيين الذين كانوا يعرفون كيف أن يستطيعون الاعتماد على ضعف الروح المعنوية و الأفكار الأخلاقية و المبادئ الدينية، وفساد القيم الاجتماعية لدى هؤلاء الجنود، و لقد انتهى ذلك التقرير بأن أنحى باللائمة على تربيتهم و جزم بأن أفكارهم عن الخير و الشر، والواجب الوطني، و التماسك الاجتماعي، مختلطة و مهوشة! يحوطها الإبهام و يكتنفها الظلام، و أنهم يجهلون المشاكل الاجتماعية جهلا يوشك أن يكون تاما.
و أخيرا سجل الدكتور «ميير» في تقريره هذه الملاحظة الخطيرة، و هي أن الجنود المتدينين هم وحدهم القادرون على مقاومة الشيوعية؟ ثم يقول المؤلف، و لا ريب أن هذا التقرير الجدي يؤيدنا في دعوانا أشد التأييد، و يناصرنا في أن الجهل بمبادئ الإسلام الأساسية، و تعاليمه الجوهرية هي السبب الأول و الأخير في ذلك الإيقاع الذي نخشاه، و نفزع من نتائجه بين صفوف السواد الأعظم من الأمة الإسلامية.
ثم يقول المؤلف الحكيم، و من ثم لا نستطيع أن نجتاز هذا الموقف دون أن نذكر رجال الوعظ الديني عندنا بأن هذه رسالتهم العظمى، و مهمتهم الكبرى، و أن نعلن إليهم أن الوقاية الوحيدة من التحلل الخلقي، و التفكك الاجتماعي، و الانمياع السياسي، هي معرفة لمبادئ الحقيقة التي يفيض بها الإسلام في جميع جوانبه من الصدق و الأمانة و الإخلاص و الوفاء و التماسك و الترابط، و الغيرة، و النصيحة، و العزة و الكرامة، و الاستشارة، و الحركة، و النشاط، و التطلع إلى الرقي، و التقدم نحو الكمال، و حب الخير للناس، و احترام حقوق الغير والحذر، و الاحتياط و عدم الالتداغ من جحر واحد مرتين، و ما إلى ذلك من دعائم المجتمعات الصالحة و أسس الدولة القويمة المحترمة.

نشر التعليم الديني (6)
و هذا عالم شهير يعلن في مؤتمر البحوث الإسلامية، المؤتمر الخامس المنعقد بالقاهرة من 22 ذي الحجة 1389 – إلى 27 منه و الذي حضره مائة عالم مسلم يمثلون 36 دولة إسلامية من آسيا و إفريقيا و أوروبا، هذا العالم هو الشيخ محمود صبحي مدير الجامعة الإسلامية بليبيا.
فلقد ركز محاضرته القيمة تحت العنوان أعلاه على وجوب نشر التعليم الديني، في جميع المستويات و في كل مراحل التعليم و التكوين، قال أنه يجب من الآن دراسة مقررات المؤتمرات الإسلامية تي انعقدت من قبل، و في كل مكان، و على جميع المستويات، و في نظري أن من أهم التوصيات التي سبق صدورها من مؤتمر إسلامي عال، تلك التي أصدرها مؤتمر كوالالمبور في ماليزيا – العام الماضي – و التي تقضي بتدريس الدين الإسلامي في جميع مراحل التعليم. و كذلك نشر اللغة العربية في كل البلاد الإسلامية، وهذا كله أمر يجب أن نعمل على تنفيذه و فورا.
و أن يساهم كل عالم إسلامي في تطبيق هذا الأمر في بلده، و أن نسانده جميعا، فلا نتصور مسلما بغير اللغة العربية، و حتى يسهل على المسلمين معرفة قواعد دينهم، و فهم كتابهم المقدس القرآن الكريم.
و هذا مقال «اللواء الركن : محمد شيت خطاب»(7)  تحت عنوان :
الإسلام و الحرب النفسية
إلى أن يقول : و اطلعت على بعض تلك الدراسات الأجنبية فوجدت طرق الوقاية من شرور الحرب النفسية معقدة صعبة، لأن الباحثين اعتمدوا على الوسائل المادية في معالجتها، فهم يزنون كل شيء في الحياة بميزان المادة وحدها، و يعتبرون المادة هي المشكلة، و هي الحل.
و وازنت بين حلول الأجانب، وحلول الإسلام لمعضلات الحرب النفسية، فلمست كيف يبسط الإسلام ما عقدوه، و يسهل ما صعبوه، ثم يأتي قوله : فما هي الحلول الجذرية البسيطة السهلة التي يعالج بها الإسلام آفات الحرب النفسية ؟ ظهر لنا مما تقدم أن أهم أهداف الحرب النفسية هي : التخويف من الموت و الفقر، ومن القوة الضاربة للمنتصر، و الدعوة إلى الاستسلام، و بث الإشاعات و الأراجيف، و إشاعة الاستعمار الفكري بالغزو الحضاري و بث اليأس و القنوط؟
المؤمن حقا لا يخشى الموت لأنه يؤمن بأنه لا يموت إلا بأجله الموعود، قال تعالى : «إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة و لا يستقدمون»(8) . و قال تعالى : و ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله»(9) . و قال تعالى : «أين ما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة»(10) . و قال تعلى : «لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل»(11) .
إن المؤمن حقا يعتقد اعتقادا راسخا بأن الأجال بيد الله سبحانه و تعالى، و ما أصدق قولة خالد ابن الوليد رضي الله عنه عندما حضرته الوفاة : «ما في جسمي شبر إلا و فيه طعنة برمح أو سيف، و ها أنذا أموت على فراشي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء».

و المؤمن حقا لا يخاف الفقر.. المؤمن حقا لا يخشى قوات العدو الضاربة.. المؤمن حقا لا يقر بانتصار أحد عليه ما دام في حماية عقيدته.. المؤمن حقا لا يصدق الإشاعات و الأراجيف ولا يبثها.. المؤمن حقا يقاوم الاستعمار الفكري، و يصاول الغزو الحضاري الذي لا طائل من ورائه، و المؤمن حقا لا يقنط أبدا و لا ييأس من نصر الله و رحمته.
تلك هي الحلول الجذرية السهلة البسيطة التي يعالج بها الإسلام آفات الحرب النفسية، ثم يقول : على المسؤولين عن اختيار طلاب الكلية العسكرية التدقيق الشديد في اختيار العناصر المؤمنة القوية  الأمينة، وعدم اختيار غير الملتزمين بالخلق و تعاليم الدين الحنيف، كما يجب اختيار المعلمين المتدينين من ذوي الكفاءات العالية، ليكونا ضباطا مدربين و معلمين في الكلية العسكرية و الجيش، لأن هؤلاء يطبعون الطلاب بطابعهم، و يكونون قدوة حسنة لهم، كما يجب الاهتمام بإقامة الشعائر الدينية في أوقاتها في الكلية العسكرية و الجيش، و من المهم بناء مسجد في كل معسكر، و كل ثكنة، و كل كلية، و مدرسة عسكرية، و يقول : و لابد من تعيين «إمام» في كل وحدة عسكرية لقيادة العسكريين من العلماء العاملين، لا من المرتزقة الجاهلين.
و من الضروري إجراء مسابقات دينية بين العسكريين، كإتقان قراءة القرآن و حفظ الكتاب العزيز و تفسير الذكر الحكيم، و إعداد المحاضرات الدينية و إلقائها.
تلك مقترحات آمل أن تصل إلى آذان المسؤولين العرب المسلمين و أن يعملوا على تنفيذها نصا و روحا، و حينذاك تتحطم شرور الحرب النفسية على صخرة الإيمان و ينتصر العرب و المسلمون.
و إنني بعد أن نقلت كل ما استطعت نقله من آراء و أفكار عظماء الأمم من علماء النفس و الفلسفة و الدين و الحكمة و العسكرية، أصرح بأن ما جاء في كتاب الاستقصاء حول تكوين الجيش و تربيته فكرة موضوعية و تقدمية تصون الأمة و تجعلها قادرة على مجابهة الأحداث مهما عظمت بروح إسلامية و عقيدة فريدة، تصون هيبة الجيش المسلم، و تكسوه روحانية الإسلام في غدوه و رواحه، و الله يقول الحق و هو يهدي السبيل.
  


(1)  أحمد بن خالد الناصري : من  مواليد سلا و من أسرة مجيدة عليمة و شريفة نشأ في الطهر و الفضيلة، و تربى تربية مستقيمة حتى ظهر منه العالم السلفي الفذ، في عصر الحسن الأول قدس سره، لجانب علمه و سلفيته و حيويته و نشاطه و موقفه الحازم ضد خصوم السلفية في عصره، رغم الإذاية و الشكايات و محاولة منعه من تفسير كتاب الله و نشر سنة الرسول الأمين عليه صلوات الله، يعد في طليعة الأدباء المغاربة، و شرحه لمنظومة ابن الونان (الشمقمقية) يضعه في صفوف الأدباء الأولين، وهو فوق ذلك مؤرخ عبقري، و فيلسوف عمراني، و مؤلفه المنقول عنه «كيفية تنظيم الجيش الإسلامي» وهو (كتاب الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى) بعد ركنا ركينا لتاريخ المغرب القديم و الحديث، و مرجعا من أوثق المراجع للأحداث التاريخية، و الفلسفة العمرانية، و قد شرق و غرب، و ترجم كله و بعضه لعدة لغات قصد الاستفادة من الحقائق المحررة فيه، و طرق علاج الأحداث و سبب الانتصار و الانكسار في شتى الميادين.
(2)  سلطان المغرب المولى عبد الرحمان بن هشام : تولى شؤون الملك عقب وفاة عمه الملك السلفي المولى سليمان طيب الله ثراه، و ذلك في 1238 هـ و في عهده حصلت شبه حربي بين المغرب و فرنسا بمكان قرب الجزائر يسمى (أسلي) وبالضبط حصلت الواقعة سنة 1255 هـ و كان يرأس الجيش المغربي في هذه الحرب ولي العهد المولى محمد، و بما أن الجيش المغربي لم يكن مدربا و لا مكونا و لا مجهزا حسب ظروف العصر، انكسر في هذه الوقعة المؤلمة، يقول الناصري مؤرخ المغرب عنها : « أنها كانت مصيبة عظمى، و فجيعة كبرى لم تفجع الدولة الشريفة بمثلها ! و توفي المولى عبد الرحمان بن هشام يوم 19 محرم 1276 هـ بمكناس.
(3)  السلطان المجدد المولى محمد بن عبد الرحمان : تولى شؤون الملك عقب وفاة والده المقدس، و بويع بالملك بسائر أطراف المغرب، و بعد مرور شهرين على جلوسه في عرش أسلافه المقدسين، أعلنت إسبانيا الحرب (ضد المغرب) و ذلك سنة 1276 هـ - 1859م-1860م و لا مفر للمغرب من مواجهة هذه الحرب التي دهمت السلطان في أول خطواته الموفقة، جرت معارك دامية قاسية تجرع خلالها الجانب المغربي و الجانب الإسباني كؤوس الحنظل، و احتلت مدينة تطوان و ما حولاها من لدن الأسبان، لأن الجيش المغربي كانت تنقصه الاستعدادات و التكوين المهني و الأنظمة الحربية الحديثة و السلاح القوي البتار في ذلك العصر، فرغم عظمة الجندي المغربي و موقفه البطولي منذ عرف التاريخ، انكسر، و لا مرد لقضاء الله.
ومنذ حلت هذه النكبة الثانية بالجيش المغربي : (انكسار بالناحية الشرقية، و انكسار بالناحية الشمالي) و فرنسا و إسبانيا خصمان لذوذان للمغرب منذ أقدم العصور ؟ حينئذ تحيرت، أفكار العرش و الشعب في المخرج من المأزق، و تلافي و تدارك الحال قبل فوات الأوان، و من المعلوم أن العرش و الشعب توأمان لا غنى لجانب عن جانب (الشعب بالعرش، و العرش بالشعب)، بعد البحث لكل الظروف و الملابسات وجد العلاج الحاسم، ملك همام يقف عند حسن ظن الشعب به في اتجاهاته القيمة بتكوين لجيش لجب مدرب و منظم و مزود بالأسلحة الحديثة، و بالرجال الأكفاء التقنيين الخبراء، و مكون تكوينا إسلاميا، و متمسك بعقيدة التوحيد التي يعد ملك البلاد حاميها الأمين في هذا الوطن المفدى.
(4)  كتاب «من كنوز الإسلام»
مؤلف هام حرره الدكتور محمد غلاب بوحي من المؤتمر الإسلامي بالقاهرة قصد تبصير المسلمين و تنويرهم بحقيقة دينهم، في الأقطار الإسلامية و إعطاء صورة صحيحة عن الإسلام في باقي أفراد العالم و ذلك بكتابة رسائل و أبحاث صغيرة ثم ترجمتها إلى اللغات المختلفة و إرسالها إلى شعوب العالم من صفحة 46 طبع المكتبة الشرقية بالقاهرة.
(5)  الدكتور محمد غلاب
أستاذ الفلسفة بالجامعة الأزهرية من طليعة الكتاب الذين يكتبون في الموضوعات الإسلامية، فله جملة مؤلفات، في التصوف، و الفلسفة الإسلامية، لاقت رواجا و أعيد طبعها مرات...
و الدكتور غلاب من الذين إذا عالجوا موضوعا أحسنوا جمع مواده، ثم أحسنوا عرض تلك المواد، و يكفينا شهادة عنه أن المؤتمر الإسلامي كلفه بوضع هذا الكتاب.
(6)  الشيخ محمد صبحي من أكابر علماء ليبيا، ومن القادة البررة في الدعوة إلى الإسلام، يحاضر و يؤلف و يتجول و يساهم في المؤتمرات الإسلامية بجهوده بارك الله فيه، كلماته القيمة منقولة عن مجلة الوعي الإسلامي التي تصدر بالكويت عدد 63 بتاريخ 23 ربيع الأول 1390 موافق 6 مايو 1970 هـ.
(7)  اللواء الركن محمد شيث خطاب :
صاحب سيف و قلم كتب و ألف الدراسات الإسلامية و الفتوحات العربية و الموضوعات الحربية كتبا جليلة القدر، أخذت مكانتها في المدارس الحربية في البلاد العربية، و في المعاهد العلمية و الجامعات، والمكتبات، و كتاباه «الرسول القائد» و «الفاروق القائد»، و كتبه عن قادة الفتح الإسلامي من الكتب الخالدة في المكتبة العربية.
و اللواء الركن قائد محارب شهد حرب فلسطين 1948 و خبر قوة اليهود، و لمس مواطن الضعف و القوة، في صفوف العدو و صفوفنا. أمده الله بالقوة و العون و أطال حياته لصالح الأمة الإسلامية. و الكلمات المنقولة عنه نشرت تحت عنوان «الإسلام و الحرب النفسية» في دعة الحق الغراء عدد 5 السنة 14 ربيع 1 -1391 موافق ماي 1971 هـ.
(8)  الآية الكريمة من سورة يونس
(9)  الآية الكريمة من سورة الأعراف
(10) الآية الكريمة من سورة آل عمران
(11)  الآية الكريمة من سورة النساء

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here