islamaumaroc

في ذكرى مولد الرسول الأعظم (صلعم)

  دعوة الحق

145 العدد

مع مطلع شهر ربيع الأول تتحرك مشاعر المسلمين في مشارق الأرض و مغاربها تحية و إكبارا لمولد نبي الإسلام محمد بن عبد الله الذي اختاره الله تعالى و اصطفاه من خلقه ليخرج الناس من الظلمات إلى للنور، و من الضلال إلى الهدى، و من الجهالة إلى العلم و العرفان.. ففي مثل هذه الأيام منذ أربعة عشر قرنا و يزيد، و على الغالب المشهور الثاني عشر من شهر ربيع الأول عام الفيل الموافق 20 أبريل سنة 571 ميلادية أشرقت الأرض بنور ربها ، و زغردت السماء ابتهاجا بمولد محمد بن عبد الله في مكة البلد الحرام ..
روى البيهقي عن فاطمة الثقفية أنها قالت : لما حضرت ولادة النبي – عليه الصلاة و السلام – رأيت البيت حين وضع قد امتلأ نورا، و رأيت النجوم تدنو حتى ظننت أنها ستقع علي .. و قيل أن أمه حين وضعته رأت نورا ظهرت به قصور الشام فرأتها و هي في مكة.. و قالت الشفا أم عبد الرحمن ابن عوف : لما سقط محمد على يدي و استهل، سمعت قائلا يقول : رحمك الله ! و أضاء له ما بين المشرق و المغرب حتى نظرت..
و في ليلة ولادته شهد الوجود آيات باهرات على علو شأنه.. فقد زلزلت الأرض زلزالا شديدا سقطت من أثره الأصنام التي حول الكعبة من مواضعها، و تهدمت كنائس و بيع ، و انشق قصر كسرى و وقعت أربع عشرة شرفة من الإيوان ، و انطفأت النار التي كان يعبدها مجوس فارس، و انهدمت الكنائس حول بحيرة (ساوة) طبرية بعد أن غاضت مياه البحيرة..

صبــــــاه و شبابــــه :
و لد محمد بن عبد الله يتيما فكلأه الله بعنايته و عصمه من ضلال الشرك و عبادة الأوثان، و أعده لأكبر رسالة إلهية  إلى العالمين ..« و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين »..
اشتهر بالأمانة و الصدق بين عشيرته فلقبوه بالأمين الصادق.. و كان مثالا يحتذى في الاستقامة و الخلق و عفة النفس.
يقول «ميور» في كتابه (حياة محمد) : « إن جميع المراجع التي بين أيدينا متفقة في وصف محمد في شبابه بأنه كان محتشما في سلوكه، طاهرا في آدابه النادرة بين أهل عصره »..

علامــــات شأنــه و مستقبلـــه :
و أحاطت بنشأته المبكرة ظواهر و علامات تدل على ما له من شأنه و ما ينتظره من مستقبل خطير.. منها ما رواه المؤرخون : أن أبا طالب عم محمد بن عبد الله شقيق أبيه، و هو الذي كفله بعد جده ع عبد المطلب، خرج في تجارة إلى الشام و خرج معه محمد و سنه تسع سنوات، و لما وصلا إلى بصرى و هي بلاد الشام، رآه راهب اسمه في كتب السيرة محيرا، و قد قال الراهب لأبي طالب أن لابن أخيك هذا لشأنا !..
و كانت صفاته في شبابه تدل على علو نفسه و اهتداء عقله، و رقة قلبه، و رحمته و عفوه، و لطفه وحكمته.. و أنه ليس على سنن قومه فيما اعتادوه من وثنيات و عادات سيئة .. لا يشرب الخمر.. و لا يلعب الميسر.. و لا يسجد لصنم.. و لا يشترك في حج جاهلي.. روى أبو جعفر الطبري عن علي بن أبي طالب أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : « لما نشأت بغضت إلى الأوثان، و بغض إلى الشعر، و ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون به إلا مرتين، كل ذلك يحول الله بينه وبين ما أريد من ذلك، ثم ما هممت بسوء حتى أكرمني الله برسالته : قلت ليلة لغلام كان يرعى معي ، لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الشباب، فقال أدخل، فخرجت لذلك حتى جئت أول دار من مكة سمعت عزفا بالدفوف و المزامير لعرس بعضهم فجلست أنظر فضرب الله على أذني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت و لم أقض شيئا، ثم غران مرة أخرى مثل ذلك، ثم لم أهمم بعد ذلك بسوء..

حكمتــه .. و ســـداد رأيــه :
ذكر المؤرخون أن محمدا بن عبد الله و سنه خمس و ثلاثون سنة حضر بناء الكعبة و أشار برأي سديد حسم النزاع في خصومة كادت تنتهي إلى حرب، و ذلك أن السيول الجارفة صدعت بناء الكعبة في أوائل القرن السابع للميلاد، و اتفقت قريش على أن يهدموها و يجددوا بناءها، و تواصوا بأن لا يتفقوا في بنائها إلا مالا حلالا، فهدموها حتى وصلوا إلى أساس إسماعيل، ثم شرعوا في البناء على قواعده، و كان محمد بن عبد الله و عمه العباس ابن عبد المطلب من العمال في هذا البناء : العباس يحمل الحجر و هو ينقله على كتفه إلى موضع البناء، و لما وصلوا إلى مكان الحجر الأسود اختلفوا فيمن يمتاز في وضعه في مكانه، و اشتد النزاع بينهم حتى كاد يؤدي إلى فتنة فعرض عليهم أحد رؤسائهم أن يحكموا بينهم أول قادم عليهم، فرضوا، و كان أول قادم هو محمد بن عبد الله، فقالوا، رضيناه، هذا الأمين، فوفق إلى حكم حسم النزاع و أرضى الجميع، ذلك أن بسط رداءه و وضع الحجر فوقه، و طلب من رؤساء القبائل أن يمسك كل رئيس بطرف منه، و طلب منهم أن يرفعوه حتى إذا حاذى موضعه أخذه بيده و وضعه في مكانه، و كان هذا الحكم من توفيق الله له، و قد أرضاهم جميعا، و زاد محمدا في نفوسهم قدرا..

الوحــــي.. و قــوة العقيــدة :
و نزل عليه الوحي و قرأ و ما كان بقارئ .. قرأ ما أوحي إليه ، و جمع عشيرته الأقربين يسألهم هل جربوا عليه الكذب قط ؟ فأجابوا جميعا بلى.. فقال لهم إني رسول الله إليكم خاصة و إلى الناس عامة.ز و كان قد آمن به من قبل زوجه خديجة و كذلك زيد ابن حارثة و علي بن أبي طالب و أبو بكر الصديق، و عثمان بن عفان، و الزبير بن العوام، و الأرقم بن الأرقم و غيرهم.. و ناصبته قريش العداء.. آذوه و سفهون، ثم شكوه إلى عمه أبي طالب فنصح له فقال الرسول :
- و الله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني و القمر  في يساري على أن أترك هذا الأمر ما فعلت، حتى يظهر الله أو أهلك دونه.
.. هكذا يعطينا صلوات الله و سلامه عليه المثل فيما ينبغي أن يكون عليه المرء من قوة العقيدة و الاستمساك بالحق و عدم التفريط فيه ..
و اشتد أذى الكفار للرسول و أصحابه فكان يقابله بالصبر و الجلد حتى هيأ الله له ميدانا جديدا لدعوته في يثرب و هناك انتشر دينه و علت كلمته و أنجز الله له وعده فنصره و أيده.. و قامت أول دولة إسلامية على الإخاء و المساواة و العدل.. لا مكان فيها لعصبية أو قبلية، و لا تنابز بالألقاب و لا تفاخر بالأنساب أو اعتماد على الآباء و الأمهات.. لا فرق بين عربي و غير عربي و لا بين أبيض و أسود بل الكل فيها سواء.. يقول صلوات الله و سلامه : « الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لأحمر على أسود، و لا لعربي على أعجمي إلا بالتقوى».. و يقول : « من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه »..

من أخلاقه و تواضعه و حلمه :
ثم ماذا و ماذا أتحدث .. أأتحدث عن مكارم أخلاقه و قد و صفه ربه في كتابه العزيز بقوله : « و إنك لعلى خلق عظيم » .. أم أتحدث عن فضائله و مثله التي يقف أمامها كل إنسان إجلالا و إكبارا و ما أنا بمستطيع في عجالة كهذه و قد فاضت بها عشرات الكتب.. أن محمدا عليه الصلاة و السلام جماع الفضائل الإنسانية و أكثرهم تقشفا .. بأكل يوما و يجوع يوما، ما شبع من خبز شعير يومين متواليين، و كان يمر الشهر و لا توقد نار في بيته إن هو إلا التمر و الماء.. ينام على فراش خشن أو حصير، و غيره ينعم على على الديباد والحرير و، و هو الذي عرضت عليه بطحاء مكة أن تكون ذهبا فقال : يا رب : ولكن أجوع يوما و أشبع يوما، فإن جعت احتملت و صبرت و إن شبعت حمدت و شكرت»..
لم يجمع لنفسه مالا مما يظفر به من الغنائم بل كان يسارع إلى منحه للمحتاجين و يخشى أن يبيت عنده منه شيء، و آثر أن يعيش فقيرا يحتمل الأذى و يكابد المشاق في سبيل هداية الناس.
قالت أم سلمة .. زففت إلى سول الله صلى الله عليه و سلم فما وجدت في حجرتي إلا حصيرا و رحا و قعبا فيه قليل من لبن و قدحا في شعير فطحنت الشعير و عصدته في اللبن، و هكذا كان طعامي و طعام رسول الله في ليلة الزفاف.
هذا هو محمد الذي انتقل إلى الرفيق الأعلى و درعه مرهونة عند يهودي لطعام أهل بيته.. عاش فقيرا.. و مات فقيرا، و لم يترك دينار و لا درهما و لا شاة و لا بعيرا..
أما عن تواضعه فما أبلغه حينما رآه رجل من الأعراب فتهيبه و ارتج عليه فلم ينبس ببنت شفة، فابتسم عليه السلام في وجهه و قال : « هون عليك فأنا بن امرأة كانت تأكل القديد بمكة »..
و كان يكره أن يسمع مدحه و إطراءه و يقول : « لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبده فقولوا عبد الله و رسوله »..
و أي حلم أكثر من ذلك .. جاء زيد اليهودي يتقاضاه دينا له عليه و أغلظ في المطالبة و قال إنكم يا بني عبد المطلب قوم مطل، هم به عمر و انتهره و أغلط له القول، فابتسم الرسول و قال لعمر : أنا و هو كنا على غير هذا منك أحوج يا عمر : تأمرني بحسن القضاء و تأمره بحسن التقاضي، ثم قال : لبد بقي من أجله ثلاث، و أمر عمر أن يقضبه حقه و يزيده عشرين صاعا لما روعه. فقال اليهودي : أشهد أنك رسول الله، إن من علامات النبي أن يسبق حلمه غضبه..
ماذا أذكر.. و ماذا .. و السيرة النبوية العطرة تعيق الوجود بمسكها الطيب، و مبادئ الإنسانية التي أطلقها الإسلام تبعث في العالم حضارة و تمدنا .. إن الوجدان يخفق بالأحاسيس .. و النفس تزدحم بالمشاعر كلما تجددت ذكرى مولدك الشريف.. يا أكرم نبي و يا أعظم رسول..
ثم ماذا قال الأجانب في محمد صلى الله عليه و سلم .. و كيف زكوا عظمته :
يقول بودلي في كتابه «حياة الرسول محمد » :
أن سيرة محمد واضحة كل الوضوح. ففيها نجد التاريخ الحقيقي الذي لا إبهام فيه و لا غموض، و نعرف الشيء الكثير عن محمد كما نعرف عن رجال أقرب ما يكونون من عصرنا.
« فلم يكن تاريخه الخارجي و لا حياته في شبابه و بين أقاربه خرافة من الخرافات، ولا أسطورة من الأساطير، و لا شائعة من الشائعات.
« و ما كان تاريخه الداخلي بعد أن أعلن رسالته رواية مبهمة لداعية غامض، بل بين أيدينا كتاب معاصر وحيد في سلامته لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه »..
.. و يقول كانوا سل في كتابه ( حياة محمد ) : « كان محمد في حياته بسيطا في عاداته جذابا في أحواله مع أصحابه، رحيما بفطرته إلا مع أعدائه. هذه الخصال تنضم إليها روحه المتوقدة، و عقيدته الواضحة فيما هو بصدده من الدعوة، و عزيمته التي لا تعرف الملل في تنفيذ ما أمر به، و إكرامه الطبيعي لأولئك السابقين إلى التصديق به في مبدأ دعوته. هذه بعض صفات محمد و ما امتاز به في خلقه ».
 
 .. و يقول أوفنج في كتابه ( حياة محمد ) :
« كان محمد في معاملاته الخاصة مثالا للعدل و الوداعة، فكان الناس عند سواسية في تطبيق العدالة، لا فرق بين مسلمين و غير مسلمين، من يعرفهم و من لا يعرفهم، و لا فرق بين غنيهم  و فقيرهم، قويهم و ضعيفهم، لذلك أحبه الناس جميعا لبشاشته التي يعاملهم بها، و لإصغائه عند كل شكاة يقصونها ».
.. و يقول السير ويليام في كتابه ( حياة محمد ) :
« و من سمات محمد الجديرة بالتنبيه دماثة خلقه و رقة طبعه التي كان يعامل بها أتباعه حتى أقلهم شأنا، وما عرف به من التواضع و الرأفة الإنسانية و الصبر و نكران الذات و السخاء، فلقد تغلغل كل ذلك في نفسه فوثق من محبة أصحابه و من حول، و كان أبغض شيء إليه قولا «لا»، فإذا عجز عن إجابة مطلب لطالب لجا إلى الصمت و السكون.
و يقول الدكتور جوستاف لوبون قي كتابه ( حضارة العرب ) :
« إذا ما قيست قيمة الرجال بجليل أعمالهم  فإن محمدا كان من أعظم من عرفهم التاريخ
« إنني لا أدعوا إلى بدعة مستحدثة، و لا إلى ضلالة مستهجنة، بل إلى دين عربي قويم، أوحاه الله إلى رسوله محمد – صلى الله عليه و سلم – فكان أمينا على رسالته،  حريصا على بث دعوته بين قبائل رحل تلهث بعبادة الحجارة و الأصنام، و تلذذت بترهات الجاهلية، فجمع صفوفهم بعد أن كانت مبعثرة، و وحد كلمتهم بعد أن كانت متفرقة، و وجه أنظارهم لعبادة الخالق، فكان خير البرية على الإطلاق حسبا و نسبا و زعامة »
.. و يقول مونتيه في  كتابه ( محمد والقرآن ) :
« إن طبيعة محمد صلى الله عليه و سلم – الدينية تدهش كل باحث مدقق نزيه القصد بما يتجلى فيها من شدة الإخلاص، فقد كان محمدا مصلحا دينيا ذا عقيدة راسخة، و لم يقم إلا بعد أن تأمل كثيرا و بلغ سن الكمال بهاتيك الدعوة العظيمة التي جعلته من أسطع أنوار الإنسانية في الدين. و لقد جهل كثير من الناس محمدا (صلى الله عليه و سلم) و بخسوه حقه، و ذلك لأنه من المصلحين النادرين الذين عرف الناس أطوار حياتهم بدقائقها ».
نفحات .. و لمحات من حياة نبي الإسلام محمد بن عبد الله صلى الله عليه و سلم ما أحرانا اليوم و نحن نستقبل ذكرى مولده الشريف أن نستمد منه الأسوة،و نأخذ القدوة، و أن نجعل من سيرته العطرة نراسا يضيء لنا طريق العمل و الجهاد لإعلاء لواء الدين و نشر دعوة الإسلام.

       

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here