islamaumaroc

الديانة نافذة مفتوحة على العالم

  دعوة الحق

145 العدد

يظن الكثير و لاسيما الشباب في هذا العصر بأن الدين دائرة مغلقة النوافذ و الأبواب، و لاسيما في عصر ساد فيه العلم و انتشر وأصبح كل شيء في الحياة، و الواقع أن هؤلاء لا يعرفون شيئا عن الدين و مهمته، فقد حسبوا أنه جاء في بيئة معينة ليعالج مشاكل خاصة كان يعانيها الإنسان في ذلك اليوم، كمنع عبادة الأصنام و توجيه الناس إلى عبادة الله، و أن العرب يومذاك كانوا يعيشون قبائل متفرقة فجاء الدين ليؤلف بينهم و يجعلهم أمة واحدة ؟ فمهمة الدين أشبه ما تكون بالمهمة التاريخية و قد انتهى أمرها، فليس في عالم اليوم من يعبد الأصنام، و القبائل قد ذابت في الشعوب و الأمم و لم يبق لها وجود، و الواقع أن المستعمرين قد شوهوا وجه الدين ففصلوه عن الحياة و جعلوه عدوا للعلم و اعتبروه «أفيون الشعوب» و أن الشعوب و الأمم لما انسلخت عنه تقدمت و تفوقت في العلم حتى أصبح بيدها زمام الأمور. بلى، لقد ظن هؤلاء بأن مهمة الدين خاصة تنحصر في تهذيب النفس و تربية الفضائل و في الدعوات و الصلوات، و لم يضعوا نصب أعينهم حقيقة أن الدين جامع لكل ما تحتاج إليه الحياة من النظم الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية. و نحن نقول أن مهمة الدين الأولى و الأخيرة هي التحرر من كل سلطان على الأرض يستعبد البشرية و يقيد انطلاقها الدائم نحو الخير، و هذه مهمة إنسانية لا غنى عنها للإنسان سواء كان على سطح الأرض أو تجاوز سطح القمر، و هذه المهمة يحتاج إليها العالم اليوم كما كان محتاجا إليها قبل مئات السنين و ذلك لإنقاذ العالم من كل خرافة تستعبد فكر الإنسان، و لتحريره من سلطان الشهوة ليقف منها، موقف المحارب لها؟ بعد ذلك تنتقل مهمة الدين إلى تنظيم طاقة الفرد و تنظيم المجتمع بتوجيه طاقته نحو الخير، و إلى تحقيق التوازن في نفس الفرد بين مطالب الروح و مطالب الجسد بحيث لا يدع جانبا يطغى على آخر، و بين مطالب الفرد و مطالب المجتمع، فهو يمنح الفرد حق الحرية و التملك بما لا يصطدم مع حق الآخرين و حريتهم، و يمنح المجتمع السلطة في تنظيم العلاقة الاجتماعية و الاقتصادية إلى حد لا يكون فيه اعتداء على حرية الأفراد، فالدين ضد الانحراف، و الطغيان أيا كان و في أي جهة حصل.
إن الدين حقيقة صالحة لكل زمان و مكان لأن لأصوله مرونة تتسع للأحداث و تصلح للبقاء متنقلة بين مختلف الأجواء، وهذه الحقيقة ثابتة لا تتغير و لكننا نحن الذين نتغير و نتطور فنزداد فهما لأصولها؟ لهذا نرى، أن الدين لم يتنكر للعلم، و إنما حث حليه، بل و حث الإنسان على البحث عن أسرار الكون. فقد أشار القرآن الكريم إلى عدة حقائق كشف عنها العلم مؤخرا، فقد ورد مثلا «يكور الليل على النهار و يكور النهار على الليل»، يشير بهذه الآية إلى كروية الأرض و أنها تدور حول نفسها في مواجهة الشمس و أن الجزء الذي يواجه الشمس من سطحها المكور يغمره الضوء فيكون نهارا، و لكن الجزء المضيء لا يثبت لأن الأرض تدور، و كلما تحركت بدا الليل يغمر السطح الذي كان عليه النهار و هكذا يتعاقب الليل و النهار بشكل مكور ( تبعا لكروية الأرض في حركتها الدائبة)، و ورد في نفس المعنى «لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر و لا الليل سابق النهار، و كل في فلك يسبحون». فهل بعد هذا ما يقال بأن الدين قضى مهمته و مضى لسبيله ولا محل له الآن ...؟
إن الدين يسير مع العقل في تطوره و نشاطه و يساير العلم في تفاصيله و تجاربه، فكل ما توصل إليه العلم حتى الآن و ما يتوصل إليه بعد، قد سبق إلى ذكره الدين، و يصح لنا القول أن العلم يسير بتوجيه من الدين و يخضع في تطلعاته إلى قواعده المرنة، و أن العلم سينتهي بأهله إلى الإيمان و تلك هي معجزة هذا الدين بالذات/ «إنما يخشى الله من عباده العلماء».
و هكذا ترتفع الخصومة بين العقل و الدين و العلم و تدرك العقول أن المعرفة ليست إلا جزءا من الإيمان لا عنصرا مخالفا له، و إذا كانت تلك هي مهمة الدين لم يستنفذ أغراضه و إنما يبقى العالم في حاجة إليه، فجاز لنا أن نعتبره نافذة مفتوحة على العالم.
هذا، و قد أردت ألا أطيل البحث، كي لا أدخل في تفاصيل لا مجال للخوض فيها الآن، و إني إذ أدعو إخواني الشباب ألا يحكموا على الدين حكما سطحيا بل أن يحاولوا – مهما كلف الأمر – التعمق و لو قليلا في تفهم جوهره و معانيه، فإني أدعو الله أن ينير طريقنا جميعا بمشاعل التقوى و الإيمان و التحابب و التعاون، إنه سميع مجيب.

      

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here