islamaumaroc

العوامل الداخلية في انحراف الأحداث

  دعوة الحق

145 العدد

يركز الباحثون في مجال تعداد العوامل الداخلية في انحراف أحداث على تفسير سلوك الانحراف بأنه بيولوجي أو نفس، و كلا هذين مذهبان فرديان يشددان على أن الإنسان كفرد – هو المقصود بكل حال، على أنه يخالف كثير من العلماء هذا الاتجاه إذ يربطون عوامل جنوح الأحداث بعناصر لها صلة بالبيئة المادية و الاجتماعية.
و يأتي في طليعة العوامل الفردية الداخلية للانحراف : الوراثة و الاختلال الغريزي و الضعف العقلي.
و فيما يلي إلمامة سريعة ببعض الأصول التي يتركز عليها اهتمام أولئك الباحثين.

الوراثـــــة :
لا شك بأن العالم الجزائي الإيطالي « لمبروزو» يعتبر من المبرزين في مؤسسة « الإجرام بالفطرة » أي أنه يدرس شخصية المجرم على أسس بيولوجية محضة، و المجرم في نظره هو ذلك الذي يعتاد على الإجرام لأسباب أصيلة في تكوينه البيولوجي وقد ورث الاستعداد للجريمة مع مجمل ما ورثه عن آبائه و أجداده و له سمات وصفات مميزة يجب أن نبحث عنها في تكوين أعضائه و وظائفها و في حالته الروحية و النفسية ، إذ هو من حيث تكوينه الجسدي مديد القامة ضعيف العضلات متضخم كهف العين، ضيق الجبهة .. الخ .. أما من حيث حالته الروحية و الفيزيولوجية فهو مجنون أو مريض أو مصاب بمرض القلب و ذلك ناشئ في الأغلب عن اضطراب دماغه و سوء تكوينه و هو أخيرا ذو حساسية ضعيفة.
هذا الاتجاه الذي يضع للعامل الليولوجي الصدارة الأولى في تكوين الإجرام كان موضع نقد قاس و قد أخذ بالانكماش و الاضمحلال فيما بعد عندما تقدمت الدراسات الإنسانية التي بينت لنا الدور الخطير الذي تلعبه البيئة في تكوين شخصية الإنسان و بالتالي في تحديد سلوكه بحيث أن كثيرا من الحالات الإجرامية يختلط الأمر في تحليل نشوئها و سبب ارتكابها و هل هو موروث أم مكتسب ؟!  و فضلا عن ذلك فإن الاعتقاد بالأثر الحاسم للوراثة ينطوي على خطر بالغ إذ يشجع المربي على إغفال العوامل الاجتماعية التي تساعد على الانحراف، و بذلك تتعمق المشكلة.

الغرائـــــز :
الغرائز بمفهومها السيكولوجي هي تلك القوى الفطرية التي تدفع الإنسان إلى الاتجاه نحو سلوك معين و يذهب البعض إلى تقرير أنها مصدر الطاقة الحيوية للنشاط البشري التي تعمل على تحقيق أهداف أو أغراض معينة و هي من هذا القبيل متصلة بالوراثة التي تشكل عاملا مهما في تكوين الشخصية.

لا ريب في أن أهم الغرائز التي أولاها علماء النفس بحثا و تمحيصا هي غرائز الجنس و الجوع و المقاتلة و الهرب، و هي بمجملها لا تعبأ في الحقيقة بالزواجر و الروادع الخلقية و تحريم الشرائع الدينية و الوضعية ما لم تتعدل و تتهذب بالتربية الصالحة و التوجيه السليم.
و الدوافع الغريزية الرئيسية ترجع إلى نوعين عضوية كالحاجة إلى الطعام و إشباع رغبة الجنس و رفع الضرر و نفسية تهدف إلى تحقيق الشعور بالأمن و الطمأنينة فيظل بيئة كثرا ما تقسوا ... و لهذا فإن أنجع دواء في تقويم تلك الدوافع في حال انحرافها هو إزالة التوتر و إبعاد الألم. و من هنا يبرز دور التربية و التوجيه و فعاليتهما في إصلاح الناشئين و الأخذ بأيديهم الغضة في طريق قويم لا عوج فيه.

الضعف العقلــــي :
يحسن بنا قبل الكلام على دور النقص العقلي في تعليل السلوك الإجرامي لدى المنحرفين أن نعدد درجات و مستويات هذا النقص.
إن النقص العقلي يتجلى في العته و البلاهة و الغباء و كل هذه الحالات إنما تعني عدم اكتمال النمو الكافي للعقل الإنساني سواء أكان بسبب عوامل داخلية وراثية أو بسبب إصابة مرضية تلحق بالمرء في حياته أو في بطن أمه قبل ولوجه باب هذه الحياة.

1) مظاهر العته
بادئ ذي بدء تشير الدراسات إلى أن نسبة ذكاء المعتوه تقل عن 25 بالمائة، و طبيعي أن من كانت نسبة ذكائه عند هذا الحد يعوزه بعد النظر لمعرفة وجه الخطأ أو الصواب في تصرفاته و لذا كثيرا ما نواه قاصرا عن تقدير النتائج المترتبة على أعماله السيئة و أفعاله غير المشروعة و عاجزا عن حماية نفسه من الأخطار. كما أننا نراه يتميز عن غيره من الأشخاص العاديين بتشوهات و عاهات مختلفة في بعض أعضاء جسمه و بمظاهر بادية في خصائص عقلية و انفعالية كضعف النخيل و التذكر و عدم القدرة على الاستنتاج، و كل ذل يجعله غير مشيب لسلوك مضاد نحو مجتمعه.

2) البلاهــــــة :
إن المعيار المعول عليه في التفريق بين المعتوه و الأبله هو نسبة مستوى الذكاء فهي عند الأخير لا تزيد عن الخمسين بالمائة بينما تقل عن نسبة 25 بالمائة عند المعتوه كما قدمنا. و الأبله يعتبر أيضا متخلفا و عاجزا عن التكيف مع مطالب الحياة حتى العادية منها و عن متابعة التعليم و تحصيل القليل من المعرفة إلا بعد جهد جهيد و عناية شديدة.
و لا شك بأن كلا من المعتوه و الأبله معرض لارتكاب جرائم و لكنها بمجملها ضئيلة نظرا لقلة التفكير لديها و لكونها موضع الحذر و الحيطة من قبل ذويهما و محيطهما في الأغلب.

3) الغبـــــاء :
يعلوا مستوى ذكاء الغبي بنسبة النصف عن مستوى الأبله و لهذا فإنه يتسم برقي نسبي في قدرته العقلية عن زميله، و مما يميزه تبلد الفهم و البطء في الاستدلال العقلي و الاستفادة من تجارب الحياة.
و إن بيت القصيد في بحثنا لأنواع الضعف العقلي و تعداد صوره و أشكاله هو تقدير ماذا كان ذلك الضعف يعد ملازما بالضرورة لجنوح الحدث.
لقد اختلف الرأي بين العلماء حول هذا الأمر فقد ذهبت طائفة منهم إلى القول بأنه توجد علاقة إيجابية بين الأحداث المصابين بالضعف العقلي و السلوك المضاد للمجتمع ، بينما ذهبت طائفة أخرى إلى العكس، و فيما يلي أقوال تمثل رأي كل منهما .
يقول بيرس Pearce أن متوسط ذكاء الأحداث الجانحين أقل بكثير من ذكاء الأطفال الأسوياء.
و يقول جوداد Goddad  أن الضعف العقلي عامة يكفي وحده لتفسير السلوك الجانح. و خلافا لما تقدم أكد الطبيب ستيين  Stein الطبيب العقلي لمحكمة أحداث شيكاغو أن من دراسته عام 1937 على 705 حالات من الأحداث الجانحين تبين له أن توزيع ذكائهم لا يختلف عن توزيعه في غيرهم من الأحداث الأسوياء.

و قد أكد هيلي  Healy  أن المستوى الذهني عامة لا يميز بين الأحداث المنحرفين و أمثالهم من الأسوياء و إذا جاز أن يكون له بعض الأهمية فإن المسألة تصبح مسألة حالات فردية.
و خلاصة القول أن العلاقة بين مستوى العوامل الداخلية للحدث من ذكاء و غرائز و وراثة بالإجرام و الانحراف في شتى ألوانه ليست علاقة العلة بالمعلول، و إذا وجد أحد تلك العوامل فلا يعدو أن يكون طريقا يساعد على الانحراف إذا رافقته ظروف أخرى هي تلك الظروف البيئية و الاجتماعية... و من هنا كان على الباحثين أن يعتمدوا على بحث دافع الجريمة عند الحدث أو سواه بصورة متكاملة و من جميع جوانبها .
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here