islamaumaroc

رابعة العدوية

  دعوة الحق

145 العدد

                                                   -1-
رابعة العدوية مدرسة وحدها في الحب الإلهي، و فين المناجاة للذات العلية، إنها مسحة خالصة متطورة من الوجد العذري، و النغم الملائكي، و اللهفة الحائرة ، على شفتي إنسانة معذبة.
يهدي عدنان مردم عمله المسرحي الجديد « رابعة العدوية » فيقول : « إلى روح الإنسانة الكبيرة، التي آمنت بالله تعالى، و أحبته حبا خالصا، سما فوق كل حب، غير طامعة بثواب أو خائفة من عقاب ».
و يتحدث عنها في مقدمة عمله المسرحي نغما علويا ملأ الأسماع، و فتاة عربية خالصة العروبة، توفي أبوها، واختطفها أحد اللصوص، وهي تسعى في الأرض طلبا للرزق بسبب جماعة حلت بالبصرة، و باعتها بستة دراهم إلى أحد التجار، و في البصرة عاشت يؤرقها الوجد،و يشجيها الحنين، و البصرة يوئذ (120 – 180هـ) . أي في الفترة التي عاشتها رابعة، كانت موطن المتصوفين و الزهاد، و كانت كذلك مسرح الزنادقة والشعوبيين و اللاهين، و عملت رابع زمارة تنفخ في الناي في حانة ابن عمار، وهي مع ذلك لا تنقطع عن زيارة المساجد، و سماع قصص الزهاد، و وعظ الواعظين، و ضج متصوفة البصرة من ابن عمار و حانته و رابعته، فاشتراها منه ابن زياد من سرأة هذه المدينة التليدة، ثم أعتقها فاختارت كهفا خارج البصرة اعتكفت فيه، تعبد ربها و تناجيه.
و عاشت رابعة أنشودة روحية، تهتف بحب الله، و ينبثق من حبها له حبها للكون لكل ما فيه من ألم عذاب، و سمت رابعة بالمفهوم الصوفي، فأدخلت عليه فكرة الحب الإلهي، و جعلت من حبها مصدرا للكشف و الإلهام،و رأت في المحبة روحا، تمنح الحياة لكل جزء من أجزاء الكون.. كما يقول عدنان مردم بك..
إن قصة رابعة لتدل على الطموح الروحي و العقلي الذي كانت عليه المرأة العربية في ذروة الحياة الجديدة المتألقة في البصرة في أوائل خلافة  بني العباس، و تدل على مكانة المرأة و منزلتها التي بوأها إياها هذا التراث الروحي الخالد الرفيع، في مجتمع متمسك بقيمه و آدابه و منهجه الأمثل.. و هي نموذج فريد لا نجد مثالا آخر له بعد رابعة، و كم كان بودنا لو كانت المرأة العربية اليوم لها – من ذاتيتها و شخصيتها و طموحها و تعلقها بالمثل الأعلى – ما كان لرابعة العاشقة العذرية المتصوفة.
وقد اختار عدنان مردم لعمله المسرحي هذه الفترة الحرجة الأولى في حياة رابعة، فترة الرق الذي فرض عليها،و العمل كمغنية في حانة و قد ألزمت به، فترة تمزقها النفسي بين خضوعها لسيدها و تعلقها الروحي بالله عز و جل، و حبها العذري الملائكي لذاته العلية ..و ألزم نفسه في عمله المسرحي بوحدة الزمان و المكان و الموضوع، وهي الوحدات الثلاث التي حرص على القيد بها أصحاب المدرسة الكلاسيكية في الفن المسرحي.
و تميزت المسرحية بالبناء الفني العمودي، و إن تعددت القوافي و الأوزان خلال المسرحية، لكن النسق الفكري و الفني و التاريخي متصل الحلقات،  متحد الروابط و الصلات فيها، في درامية الحركة، و سير الحوار، و تجدد الحدث، و البلوغ به إلى الذروة، و الشرح و التفصيل لكل مواقف شخصيات المسرحية،و التحليل الفكري و النفسي لكل ما تجيش به نفوسهم من أفكار و مشاعر متباينة.
و بعد ذلك إحدى السمات البارزة للمسرحية التي بين أيدينا، بل لكل أعمال عدنان مردم بك و فنه المسرحي : و قد أخرج من قبل : غادة أفاحيا و هي دراما شعرية صدرت عام 1967، و العباسة و هي مسرحية شعرية صدرت عام 1968، و الملكة زنوبية و هي كذلك مسرحية شعرية صدرت عام 1969، ثم الحلاج و هي مسرحية شعرية صدرت عام 1971، و جاءت مسرحيته الجديدة رابعة العدوية التي صدرت عام 1972 تؤكد كل القيم الفنية التي يسير عليها عدنان مردم في فنه المسرحي، و في التزامه فيها بالإطار التاريخي أو الفكري، و بشرح فكرة قومية أو إنسانية.
                                                -2-
و مسرحية « رابعة العدوية » من أربعة فصول، و في كل فصل تتعدد المناظر (اثنان)، و يحتوي كل منظر على مشهدين، فكأنها على الحقيق تحتوي على ستة عشر مشهدا .. و ذلك مع التقيد  بوحدة الموضوع، و وحدة المكان، و بوحدة الزمان أيضا على قدر الإمكان...
الفصل الأول بمشاهده الأربعة تتحدث عن رابعة و أترابها في حانة ابن عمار، و ما دار بينها و بينهن من حوار، و عن ضجيج سخط زهاد البصرة من ابن عمار و حانته، و من رابعة هذه الفتاة المغنية، و عن أثر ذلك كله في نفوس فتيات حانة ابن عمار.
و يلتزم عدنان مردم في هذا الفصل بمواقف ثابتة لشخصياته، و لرابعة من بين هذه الشخصيات على الخصوص فهي تؤمن بعدل السماء، و تلقى كل ظلم على البشر، وهي لا تسخط على أحد، و لا تحب أن تسخط على أحد :
حقد السجين على القيو
                  د يزيد من عبء القيود
و مأساة رابعة ليست من صنع القدر :
ما كانت المأساة لو 
                 فكرت من صنع القــدر
مأساتنا بنت الخيا
                 ل البكر – كانت – و الفكر
و المرء يخلق وحده
                 دنياه من خـيـر و شــر
و هي تؤمن بالجهد الإنساني، و حرية الإرادة، و بقدرة الإنسان على بناء نفسه :
الرق ليس بمانع
                يوما رقيقـا من ظفــر
أن النبوة في البدا
              وة أشرقت، لا في الحضر
و الفجر كان ابن الظلا
              م، و نوره مـلء البصـر
مع نفاذ إرادة الله القاهرة، و مع الرضى بك ما قسم الإله :
رباه أمرك نافذ
              فيما قسمت مـن المصيـر
 
أنا بالذي أجربت را
              ضية، فهون من عسير
و مع الحرص على القيم و المثل و نقاء الضمير :
العار ف موت الضميـ
              ـر و إن نعيش على الكذب
و هي كذلك تؤمن بالحب، و بأن الدين حب خالص :
   الدين حب خالص
              لله، لا تعـب و كــــد
و شر المصائب أن نعيش حياتنا بغير حب :
شر المصائب أن نعيـ
             ـش حياتنا من غير حـب
تسع المحبة كل ذنــ
            ـب جل في شرق و غرب
و رابعة فلسفتها الحب وحده :
   إن المحبة كالضيــا
     ء تسع ف كوخ و قـصـر
   قلبي الذي وسع الورى
     بحنانه، و جرة بعـطــر
   ما كان بحجب نوره
     عن ظالـم حبــا بثــأر
   إني لأبكي قاتلي
     من رحمة بدموع صـدري
و في الفصل الثاني يتحدث عدنان بك عن جانب من جوانب المسرحية، زهاد البصرة يسعون إلى ابن زياد أحد سرأة هذه المدينة ليشتري رابعة ليحد من فتنة غنائها المؤثر على الشباب في البصرة، و حوار ابن زياد مع أصدقائه في ذلك الأمر، ثم إرسال ابن زياد لورد ليساوم ابن عمار في شرائها ثم حزن أتراب رابعة في حانة ابن عمار من موقفه في شأنها و موافقته على البيع و مناقشتهم له، و هموم رابعة في ذلك الموقف الحزين و ضراعتها إلى الله تناجيه، ثم خروج رابعة مع رسول ابن زياد بين الألم و الحزن العميق..
و رابعة في هذا الفصل كعهدنا بها، نموذج ثابت من الإيمان و الحب و الابتهال و الضراعة ..
   ما كانت الشكوى تخفف
              من شجون أو عناء
   صمت الحزين أجل في
              البلوى و أبلغ من بكاء
   (عمار) ما كان الغنى
              سببا إلى كسب الثناء
   قدرت في الأخذ السعا
              دة، و السعادة في العطاء
الحب ديدنها و غايتها و وجهتها في الحياة :
   إن السعادة أن تحب
              و ليس في كسب الثواب
السعادة في حب الإله و في مد يد المروءة و الوفاء :
   إن السعادة أن نمد
              يد المروءة و الـوفـاء
   و نذوب في حب الإله
              جوى على كر البـقـاء
   فالله خير خالص
              بالحق يسطع و الضياء
أن القين بالله هو مصدر السعادة :
أختاه لو صح اليقين
             لما جزعنا في مصاب
 يحلو العذاب مع الهوى
            و تهون أسباب العذاب
إن السعادة أن نحب
            و ليس في كسب الثواب  

و في الفصل الثالث يرسم عدنان مردم في حواره الشعري المسرحي مجلس زياد مع أصدقائه و مع الزهاد من أعلام البصرة، و امتلاء بيته بالنساء اللواتي قدمن لرؤية رابعة، و حياة رابعة في دار ابن زياد.. و رابعة في هذا الفصل بمشاهده محبة ولهى، متفانية في الابتهال إلى الله، تتحدث إلى لذاتها فتقول :
    ماذا يضير الشمس أن
      خفيت على مـن لا يـرى
    و بنورها تجري الحيا
      ة على الأباطـح و الربـى
    الشمس تغدق بالحيا
      ة و لا تقصر عـن نـدى
    و القلب إن سمت المشا
      عر كان أشبه بالضـحـى
وهي كذلك مستغرقة في الحب :
    حب بقبلي جل عن
      حقـد مشيـن أو معـاب
 فالحياة أبهى مع المحبة :
    أختاه ما أبهى الحيا
      ة مع المحـبـة و الـوداد
و هي مستغرقة في الابتهال إلى الله عز و جل :
    لكن حبك ذاد في
      الظلماء عن جفني غمضـا
و تهتف من أعماق قلبها بالله :
    مالي أراك جفوتني
      و جهنم الحمراء عتــبـك
    الناس تطمع بالجنا
      ن، و غايتي يا رب قربك
    قل لي حبيبي كيف تحـ
      ـق باللظى قلـبا يحبـــــك
و في الفصل الرابع زهاد البصرة : رباح و شفيق البلخمي يعتذرون عن ظنونهم في رابعة، و تذهب رابعة إلى حانة ابن عمار تعدد صديقة شبابها عزة، و تحضرها و هي تسلم الروح إلى بارئها.. و رابعة في هذا الفصل كما كانت ولهانة حرى حياتها الحب، و نقاء الضمير :
    مرض الضمير هو العذا
      ب المستجد على الدهـور
    أختاه في الحب السعـا
      دة و الهدايـة و اليقيــن
    و الله كـان محـبـة
      و هدى فمـاذا تحذريــن
    أختاه في الحب الحيا
      ة و في الشقـاق جهنــم
    انا من يلذ الجـوى
      في حبه و يحيـن بشــرا
    مولاي ليس مع الهوى
      ألم، فكيف أضيـق صـدرا
و بهذه الوحدة الفنية في العمل المسرحي الشعري، يصوغ عدنان بك مواقف مسرحيته و فصولها و مشاهرها في عمودية محافظة، و فن أصل رفيع، و في قدرة على الحوار و الحركة، و تصور كامل للموقف و أبعاده، مما يجعلنا حقا مشدودين إلى تسلسل الحوار و فنية الحركة الدرامية الأخاذة، في مسرحية « رابعة ... »
                                             -3-
و ليس من شك في أن هذا كله من الخصائص الأصلية لفن عدنان مردم المسرحي، و إنه يلتزم بمواقف ثابتة صلدة لأبطال مسرحياته، و يقود حركة الحوار والتسلسل الدرامي معهم في لباقة و دقة و ذكاء و عمق.
و بقي بعد ذلك أن القطعة المسرحية الشعرية عند عدنان بك لا تتخذ طابعها الغناء، كما نجد عند شوقي و عزيز أباظة مثلا، بل إنها تبتعد عن فكرة  المسرح الغناء إلى عمل المسرح الدرامي، الذي تمثله العقدة و الأزمة و الحل و الصراع والحوار القصير الحركي.
و بذلك يضع عدنان بك أصولا ثابتة لعمله في فن المسرحية الشعرية لا يتجاوزها ، مما نحمده له و نوافقه فيه، ونقره عليه.
بقي بعد ذلك بعض الأخطاء اللغوية و غيرها التي ترجع أكتر ما ترجع إلى التطبيع لا إلى النص، مما ليس للمؤلف فيه حيلة في اكسر الأحيان.. و ليست هذه بذات بال، على أيه حال ..
و أعود فأهنئ المؤلف الكبير عدنان مردم بهذا الإبداع الفني المرموق، و هذا الإنتاج المسرحي الموصول، و ليس ذل كله ببعيد عليه، و لا بقريب منه..
ففي موهبته و أصالته و وراثاته الشعرية العميقة ما يمكن أن يفسر لنا سر إبداعه و روعته، و الشيء من معدنه ليس بمستغرب على ما يقال.
ترى ماذا يضمر عدنان بك من عمل جديد للعام الحالي أو للعام القادم.
سر ذلك عند الشاعر، و تحية له من الأعماق.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here